موسوعة الإمام المهدي (ع)

 

الكتاب الاول

 

تاريخ الغيبة الصغرى

 

يتكفل بالبحث والتحليل باسلوب

جديد وعميق تاريخ الامـامين

العسكريين والامام المهدي(ع)

وسفرائه في غيبته الصغرى

 

 

تاليف

 

محمد الصدر

 

كلمة الدار

من دواعي الاعتزاز أن تثابر " دار التعارف للمطبوعات "،بوعي وإيمان ، وجلد وحزم في أداء رسالتها الثقافية الاسلامية بعطاء ناضج ، وأقلام كفؤة حية ، ومحلولات فكرية جريئة تنسجم وطبيعة الظروف المعاشة لواقعنا الاسلامي .

والان ، وفي امتداد ذلك الخط الذي رسمته مكتبتنا لنفسها في بليغ أهدافها ودعوتها ، نقدم للقراء الكرام كتاباً جديداً ، يعالج موضوعاً حساساً من أشد المواضيع ، صلة بحياتنا الفكرية والتاريخية ومن أبرزها أهمية في كيان المجتمع من حيث بنائه الفكري والتاريخي . ولما كانت قضية الامام المهدي من القضايا الفكرية الحساسة في الاسلام التي ترتبط ارتباطاً بالجانب العقيدي من تفكيرنا الاسلامي بالنظر إلى ما أثير حولها من علامات الاستفهام ومن الشكوك الكثيرة التي انطلقت لتناقش هذه الغقيدة وتحاكمها على ما تحسبه علماً وتحليلاً واجتهاداً .

لذلك شعرت  دار التعارف  بالحاجة إلى أن تقدم للقراء هذا الكتاب الذي يحاول أن يعالج الفكرة ويؤرخ لها ويدفع الشبهات عنها لتعود _ كما هي في واقعها الأصلي _  حقيقة ناصعة في أفكار الجيل المعاصر الذي يعيش القلق والحيرة والتطلع نحو المصلح المنتظر الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً .

 

صفحة (7)

 

أما قلم الكاتب فهو من الأقلام الاسلامية التي أعطت الفكر الاسلامي وأغنته بالكثير من الابحاث والأحاديث الرائعة .

وقد عرفه القراء في أكثر من كتاب وفي أكثر من بحث كاتباً واعياً يعيش الاسلام فكراً وأسلوباً وحياة .

ونحن على ثقة بأن هذا الكتاب سوف يؤكد بنفسه على أنه يحمل بين أضلاعه فكراَ، ومادة ، ومنهجاً وأسلوباً ، وحتماً سوف ينال رضا القراء وإعجابهم .

وأملنا بالله سبحانه أن نكون قد وفقنا إلى حسن الاختيار ، وأداء الرسالة ، ومنه نستمد التوفيق .

 

صفحة (8)

الإهــداء

 

سيدي ومولاي ومولى المؤمنين ، بقية الله في أرضه والمذخور لنشر عدله في بريته ... الحجة بن الحسن المهدي (ع) .

ارفع إلى مقامك السامي .. بكل خشوع .. هذا المجهود المتواضع .. عسى أن يخدم - بما بذلت فيه من مجهود - قضيتنا الكبرى التي كانت ولا زالت وستبقى الرائد الأول لرفع رايتها وغرس بذرتها وجني ثمارها .

وغاية أمله -  يا سيدي - وفخره .. أن يحظى منك بنظرة رحمة ولمسة دعاء .. وأن تراه عملا خالصاً نقياً من شوائب الانحراف .. وخطوة موفقة لانتظار مستقبلك .. مستقبل الاسلام .. حين تملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ..

 

                                                           المؤلف

 

صفحة (9)

 

                               مقدمة تفضل بها سماحة سيدنا

الاستاذ آية الله العظمى السـيد

محمد باقر الصدر دام ظــله

الشريف تبريكاً لهذه الموسوعة

الشريفة .

 

" وَنُريدُ أَن نَمُنَ عَلى الَذينَ اسْـتُضْعِفُـوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُـمْ أَئِمَةً َنَجْعَلَهُـمُ  الْوَارِثـينَ " 5:القصص .

 

 

ليس المهدي تجسيداً لعقيدة كلامية ذات طابع ديني فحسب ، بل هو عنوان لطموح اتجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها ، وصياغة لإلهام فطري ، ادرك الناس من خلاله – على الرغم من تنوع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب – أن للانسانية يوماً موعوداً على الأرض . تحقق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير ، وهدفها النهائي ، وتجد فيه المسيرة المكدودة للانسان على مرِّ التاريخ استقرارها وطمأنينتها ، بعد عناءٍ طويل . بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي والمستقبل المنتظر على المؤمنين دينياً بالغيب ، بل إمتدَّ إلى غيرهم أيضاً وانعكس حتى على أشدِّ الايديولوجيات والأتجاهات العقائدية رفضاً للغيب والغيبيات ، كالمادية الجدلية التي فسَّرت التاريخ على أساس التناقضات ، وآمنت بيوم موعود، تصفى فيه كل تلك التناقضات ويسود فيه الوئام والسلام . وهكذا نجد أن التجربة النفسية لهذا الشعور التي مارستها الانسانية على مرّ الزمن ، من أوسع التجارب النفسية وأكثرها عموماً بين أفراد الانسان .

 

صفحة (15)

 وحينما يدعم الدين هذا الشعور النفسي العام ، ويؤكِّد أن الأرض في نهاية المطاف ستمتلأ قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً ، يعطي لذلك الشعور قيمته الموضوعية ويحوله الى ايمان حاسم بمستقبل المسيرة الانسانية ، وهذا الايمان ليس مجرد مصدر للسلوة والعزاء فحسب ، بل مصدر عطاء وقوة ، قهو مصدر عطاء ، لأن الايمان بالمهدي ايمان برفض الظلم والجور حتى وهو يسود الدنيا كلها ، وهو مصدر قوة ودفع لا تنضب ، لأنه بصيص نور يقاوم اليأس في نفس الانسان ، ويحافظ على الأمل المشتعل في صدره مهما أدلهمِّت الخطوب وتعمق الظلم ، لأن اليوم الموعود ، يثبت أن بامكان العدل ان يواجه عالماً مليئاً بالظلم والجور فيزعزع ما فيه

من اركان الظلم ، ويقيم بناءه من جديد ، وان الظلم مهما تجبَّر وامتدَّ في أرجاء العالم وسيطر على مقدراته ، فهو حالة غير طبيعية ، ولا بد ان ينهزم . وتلك الهزيمة الكبرى المحتومة للظلم وهو في قمة مجده ، يضع الأمل كبيراً أمام كل فرد مظلوم ، وكل أمة مظلومة في القدرة على تغيير الميزان وإعادة البناء .

 

صفحة (16)

 

وإذا كانت فكرة المهدي أقدم من الاسلام وأوسع منه ، فإن معالمها التفصيلية التي حددها الإسلام جاءت أكثر اشباعاً لكل الطموحات التي انشدت إلى هذه الفكرة منذ فجر التاريخ الديني ، واغنى عطاءٍّ واقوى إثارةٍ لأحاسيس المظلومين والمعذبين على مرِّ التاريخ وذلك لأن الإسلام حوَّل الفكرة من غيب إلى واقع ، ومن مستقبل إلى حاضر ، ومن التطلع إلى منقذ تتمخض عنه الدنيا في المستقبل البعيد ، المجهول إلى الايمان بوجود المنقذ فعلاً ، وتطلعه مع المتطلعين إلى اليوم الموعود ، وإكتمال كل الظروف التي تسمح له بممارسة دوره العظيم .

 صفحة (17)

فلم يعد المهدي " عليه السلام " فكرةٌ ننتظر ولادتها ، ونبوءةٌ نتطلع إلى مصداقها ، بل واقعاً قائماً ننتظر فاعليته وانساناً معيناً يعيش بيننا بلحمه ودمه نراه ويرانا ، ويعيش مع آمالنا وآلامنا ويشاركنا احزاننا وافراحنا، ويشهد كل ما تزخر به الساحة على وجه الأرض من عذاب المعذبين وبؤس البائسين وظلم الظالمين، ويكتوي بكل ذلك من قريب أو بعيد ، وينتظر بلهفة اللحظة التي يتاح له فيها ان يمدَّ يده إلى كل مظلوم وكل محروم ، وكل بائس ويقطع دابر الظالمين .

وقد قدِّر لهذا القائد المنتظر أن يعلن عن نفسه ، ولا يكشف للآخرين حيانه على الرغم من أنه يعيش معهم إنتظاراً للحظة الموعودة .

ومن الواضح ان الفكرة بهذه المعالم الإسلامية ، تقرِّب الهوة الغيبية بين المظلومين كل المظلومين ، والمنقذ المنظر وتجعل الجسر بينهم وبينه في شعورهم النفسي قصيراً مهما طال الانتظار .

 

 صفحة (18)

 

ونحن حينما يراد منا أن نؤمن بفكرة المهدي بوصفها تعبيراً ، عن انسان حي محدد يعيش فعلاً كما نعيش ويترقب ، كما نترقب ، يراد الايحاء إلينا بأن فكرة الرفض المطلق لكل ظلم وجور التي يمثلها المهدي ، تجسدت فعلاً في القائد الرافض المنتظر ، الذي سيظهر وليس في عنقه بيعة لظالم كما في الحديث ، وان الايمان به ايمان بهذا الرفض الحي القائم فعلاً ومواكبة له.

وقد ورد في الاحاديث الحث المتواصل على انتظار الفرج ، ومطالبة المؤمنين بالمهدي ان يكونوا بإنتظاره . وفي ذلك تحقيق لتلك الرابطة الروحية ، والصلة الوجدانية بينهم وبين القائد الرافض ، وكل ما يرمز اليه من قيم ، وهي رابطة وصلة ليس بالامكان ايجادها ما لم يكن المهدي قد تجسد فعلاً في انسان حي معاصر .

 

صفحة (19)

 

وهكذا نلاحظ ان هذا التجسيد اعطى الفكرة زخماً جديداً ، وجعل منها مصدر عطاءٍ وقوة بدرجة أكبر ، اضافة إلى ما يجده أي انسان رافض من سلوة وعزاء وتخفيف لما يقاسيه من آلام الظلم والحرمان ، حين يحس ان إمامه وقائده يشاركه هذه الآلام ويتحسس بها فعلاً بحكم كونه انساناً معاصراً ، يعيش معه وليس مجرد فكرة مستقبلية .

ولكن التجسيد المذكور أدى في نفس الوقت إلى مواقف سلبية تجاه فكرة المهدي نفسها ، لدى عدد من الناس الذين صعب عليهم ان يتصوروا ذلك ويفترضوه ، فهم يتساءلون! إذا كان المهدي يعبر عن انسان حي ، عاصر كل هذه الأجيال المتعاقبة منذ أكثر من عشرة قرون ، وسيظل يعاصر امتداداتها إلى ان يظهر على الساحة ، فكيف تأتى لهذا الانسان أن يعيش هذا العمر الطويل ، وينجو من قوانين الطبيعة التي تفرض على كل انسان أن يمر بمرحلة الشيخوخة والهرم ، في وقت سابق على ذلك جداً وتؤدي به تلك المرحلة طبيعياً الى الموت ، أو ليس ذلك مستحيلاً من الناحية الواقعية ؟

 

 صفحة (20)

ويتساءلون أيضاً ! لماذا كل هذا الحرص من الله – سبحانه وتعالى – على هذا الانسان بالذات ، فتعطل من اجله القوانين الطبيعية ، ويفعل المستحيل لإطالة عمره والاحتفاظ به لليوم الموعود ، فهل عقمت البشرية عن انتاج القادة الأكفاء ؟ ولماذا لا يترك اليوم الموعود لقائد يولد مع فجر ذلك اليوم ، وينمو كما ينمو الناس ، ويمارس دوره بالتدريج حتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ان ملئت ظلماً وجوراً ؟

ويتساءلون أيضاً ! إذا كان المهدي إسماً لشخص محدّد هو ابن الامام الحادي عشر من أئمة أهل البيت (ع) الذي ولد سنة (256) هـ وتوفي أبوه سنة (260) هـ ، فهذا يعني أنه كان طفلاً صغيراً عند موت ابيه ، لا يتجاوز خمس سنوات ، وهي سن لا تكفي للمرور بمرحلة إعداد فكري وديني كامل على يد أبيه ، فكيف وبأي طريقة يكتمل اعداد هذا الشخص لممارسة دوره الكبير ، دينياً وفكرياً وعلمياً ؟

 

صفحة (21)

 

ويتساءلون أيضاً ؟ إذا كان القائد جاهزاً فلماذا كل هذا الانتظار الطويل مئات السنين ؟ ليس في ما شهده العالم من المحن والكوارث الاجتماعية ما يبرَّر بروزه على الساحة واقامة العدل على الأرض ؟

ويتساءلون أيضاً ! كيف تستطيع أن نؤمن بوجود المهدي ، حتى لو افترضنا ان هذا ممكن ؟ وهل يسوغ لانسان ان يعتقد بصحة فرضية من هذا القبيل دون ان يقوم عليها دليل علمي أو شرعي قاطع ؟ وهل تكفي بضع روايات تنقل عن النبي (ص) لا نعلم مدى صحنها للتسليم بالفرضية المذكورة ؟

صفحة (22)

 

ويتساءلون أيضاً بالنسبة إلى ما اعدَّ له هذا الفرد من دور في اليوم الموعود ! .. كيف يمكن أن يكون للفرد هذا الدور العظيم الحاسم في حياة العالم ، مع ان الفرد مهما كان عظيماً لا يمكنه أن يصنع بنفسه التاريخ ، ويدخل به مرحلة جديدة ، وانما تختمر بذور الحركة التاريخية وجذوتها في الظروف الموضوعية وتناقضاتها ، وعظمة الفرد هي التي ترشحه لكي يشكل الواجهة لتلك الظروف الموضوعية ، والتعبير العملي عما تتطلبه من حلول ؟

ويتساءلون أيضاً ! ما هي الطريقة التي يمكن أن نتصور من خلالها ما سيتمُّ على يد ذلك الفرد من تحول هائل وانتصار حاسم للعدل ورسالة العدل على كل كيانات الظلم والجور والطغيان ، على الرغم مما تملك من سلطان ونفوذ ، وما يتواجد لديها من وسائل الدمار والتدمير وما وصلت اليه من المستوى الهائل في الامكانات العلمية والقدرة السياسية والاجتماعية والعسكرية !

 

 صفحة (23)

 

هذه اسئلة قد تتردد في هذا المجال وتقال بشكل وآخر ، وليست البواعث الحقيقية لهذه الاسئلة فكرية فحسب ، بل هناك مصدر نفسي لها أيضاً ، وهو الشعور بهيبة الواقع المسيطر عالمياً وضآلة أي فرصة لتغييره من الجذور ، وبقدر ما يبعثه الواقع الذي يسود العالم على مرِّ الزمن من هذا الشعور تتعمق الشكوك وتترادف التساؤلات. وهكذا تؤدي الهزيمة والضآلة والشعور بالضعف لدى الانسان ، إلى ان يحسَّ نفسياً بإرهاق شديد لمجرد تصور عملية التغيير الكبرى للعالم التي تفرغه من كل تناقضاته ومظالمه التاريخية ، وتعطيه محتوىً جديداً قائماً على أساس الحق والعدل ، وهذا الارهاق يدعوه إلى التشكك في هذه الصورة ومحاولة رفضها لسبب وآخر.

ونحن الآن نأخذ التساؤلات السابقة تباعاً ، لنقف عند كل واحد منها وقفة قصيرة بالقدر الذي تتسع له هذه الوريقات .

 

صفحة (24)

 

1- كيف تأتّى للمهدي

 

وبكلمة أخرى هل بالامكان ان يعيش الانسان قروناً كثيرة كما هو المفترض في هذا القائد المنتظر لتغيير العالم ، الذي يبلغ عمره الشريف فعلاً حوالي (14) مرة من عمر الانسان الاعتيادي الذي يمرُّ بكل المراحل الاعتيادية من الطفولة إلى الشيخوخة ؟

وكلمة الامكان هنا تعني أحد ثلاثة معانٍ ، الامكان العملي ، والامكان العلمي ، والامكان النطقي أو الفلسفي ، واقصد بالامكان العملي ، أن يكون الشيء ممكناً على نحو يتاح لي أو لك ، أو لإنسان آخر فعلاً ان يحققه ، فالسفر عبر المحيط ، والوصول إلى قاع البحر ، والصعود الى القمر ، أشياء أصبح لها إمكان عملي فعلاً . فهناك من يمارس هذه الأشياء فعلاً بشكل وآخر .

 صفحة (26)

وأقصد بالامكان العلمي ، ان هناك اشياء قد لا يكون بالامكان عملياً لي أو لك، أن نمارسها فعلاً بوسائل المدنية المعاصرة ، ولكن لا يوجد لدى العلم ولا تشير اتجاهاته المتحركة الى ما يبرر رفض امكان هذه الأشياء ووقوعها وفقاً لظروف ووسائل خاصة ، فصعود الانسان الى كوكب الزهرة لا يوجد في العلم ما يرفض وقوعه ، بل ان أتجاهاته القائمة فعلاً تشير إلى امكان ذلك وان لم يكن الصعود فعلاً ميسوراً لي أو لك ، لأن الفارق درجة ، ولا يمثل الصعود إلى الزهرة إلا مرحلة تذليل الصعاب الاضافية التي تنشأ من كون المسافة أبعد ، فالصعود إلى الزهرة ممكن علمياً وان لم يكن ممكناً عملياً فعلاً . وعلى العكس من ذلك الصعود إلى قرص الشمس في كبد السماء فإنه غير ممكن عملياً ، بمعنى ان العلم لا أمل له في وقوع ذلك إذ لا يتصور عملياً وتجريبياً امكانية صنع ذلك الدرع الواقي من الاحتراق بحرارة الشمس ، التي تمثل آتوناً هائلاً مستعراً بأعلى درجة تخطر على بال انسان .

 

 صفحة (27)

 

وأقصد بالامكان المنطقي أو الفلسفي ان لا يوجد لدى العقل وفق ما يدركه من قوانين قبلية – أي سابقة على التجربة – ما يبرر رفض الشئ والحكم باستحالته .

فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوي وبدون كسر الى نصفين ليس له امكان منطقي ، لأن العقل يدرك – قبل أن يمارس أي تجربة – ان الثلاثة عدد فردي وليس زوجاً  فلا يمكن ان تنقسم بالتساوي لأن انقسامها بالتساوي يعني كونها زوجاً فتكون فرداً وزوجاً في وقت واحد وهذا تناقض ، والتناقض مستحيل منطقياً . ولكن دخول الانسان في النار دون أن يحترق وصعوده للشمس دون أن تحرقه الشمس بحرارتها ليس مستحيلاً من الناحية المنطقية إذ لا تناقض في افتراض أن الحرارة لا تتسرب من الجسم الأكثر حرارة الى الجسم الأقل حرارة ، وانما هو مخالف للتجربة التي اثبتت تسرب الحرارة من الجسم الأكثر حرارة الى الجسم الاقل حرارة الى ان يتساوى الجسمان في الحرارة .

 

صفحة (28)

 

وهكذا تعرف ان الامكان المنطقي أوسع دائرة من الامكان العلمي ، وهذا أوسع دائرة من الامكان العملي .

ولا شكّ في ان امتداد عمر الأنسان آلاف السنين ممكن منطقياً ، لأن ذلك ليس مستحيلاً من وجهة نظر عقلية تجريدية ، ولا يوجد في افتراض من هذا القبيل أي نتاقض ، لأن الحياة كمفهوم لا تستبطن الموت السريع ولا نقاش في ذلك .

كما لا شكّ أيضاً ولا نقاش في ان هذا العمر الطويل ليس ممكناً امكاناً عملياً على نحو الامكانات العملية للنزول إلى قاع البحر أو الصعود إلى القمر ، ذلك لأن العلم بوسائله وأدواته الحاضرة فعلاً ، والمتاحة من خلال التجربة البشرية المعاصرة ، لا تستطيع أن تمدد عمر الانسان مئات السنين ، ولهذا تجد أن أكثر الناس حرصاً على الحياة وقدرة على تسخير امكانات العلم ، لا يتاح لها من العمر إلا بقدر ما هو مألوف .

 

صفحة (29)

وأما الامكان العلمي فلا يوجد علمياً اليوم ما يبرر رفض ذلك من الناحية النظرية . وهذا بحث يتصل في الحقيقة بنوعية التفسير الفلسجي لظاهرة الشيخوخة والهرم لدى الانسان ، فهل تعبّر هذه الظاهرة عن قانون طبيعي يفرض على انسجة جسم الانسان وخلاياه بعد ان تبلغ قمة نموها أن تتصلب بالتدريج وتصبح أقل كفاءة للإستمرار في العمل ، إلى ان تتعطل في لحظة معينة ، حتى لو عزلناها عن تأثير أي عامل خارجي ، أو ان هذا التصلب وهذا التناقص في كفاءة الاتسجة والخلايا الجسمية ، للقيام بادوارها الفسيولوجية نتيجة صراع مع عوامل خارجية كالميكروبات أو التسمم الذي يتسرب إلى الجسم من خلال ما يتناوله من غذاء مكثف ، أو ما يقوم به من عمل مكثف أو أي عامل آخر ؟

 

صفحة (30)

 

وهذا سؤال يطرحه العلم اليوم على نفسه ؛ وهو جاد في الإجابة عليه ، ولا يزال للسؤال أكثر من جواب على الصعيد العلمي . فإذا أخذنا بوجهة النظر العلمية التي تتجه إلى تفسير الشيخوخة والضعف الهرمي ، بوصفه نتيجة صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية معينة فهذا يعني أن بالإمكان نظرياً ، إذا عزلت الأنسجة التي يتكون منها جسم الإنسان عن تلك المؤثرات المعينة أن تمتد بها الحياة وتتجاوز ظاهرة الشخيخوخة وتتغلب عليها نهائياً .

وإذا أخذنا بوجهة النظر الأخرى التي تميل إلى افتراض الشيخوخة قانوناً طبيعياً للخلايا والأنسجة الحية نفسها بمعنى أنها تحمل في أحشائها بذرة فنائها المحتوم ، مروراً بمرحلة الهرم والشيخوخة وانتهاءً بالموت .

 

صفحة (31)

 

أقول : إذا أخذنا بوجهة النظر هذه فليس معنى هذا عدم افتراض أي مرونة في هذا القانون الطبيعي ، بل هو على افتراض وجوده قانون مرن ، لأننا نجد في حياتنا الاعتيادية ولأن العلماء يشاهدون في مختبراتهم العلمية أن الشيخوخة كظاهرة فسيولوجية ، لا زمنية قد تأتي مبكرة وقد تتأخر ولا تظهر إلا في فترة متأخرة ، حتى أن الرجل قد يكون طاعناً في السن ولكنه يملك أعضاء لينة ولا تبدو عليه أعراض الشيخوخة كما نص على ذلك الأطباء . بل إن العلماء استطاعوا عملياً أن يستفيدوا من مرونة ذلك القانون الطبيعي المفترض ، فأطالوا عمر بعض الحيوانات مئات المرات بالنسبة إلى أعمارها الطبيعية ، وذلك بخلق ظروف وعوامل تؤجل فاعلية قانون الشيخوخة .

وبهذا يثبت علمياً أن تأجيل هذا القانون بخلق ظروف وعوامل معينة أمر ممكن علمياً ، ولئن لم يتح للعلم أن يمارس فعلاً هذا التأجيل بالنسبة إلى كائنٍ معقد معين كالإنسان فليس ذلك إلا لفارق درجه بين صعوبة هذه الممارسة بالنسبة إلى الإنسان وصعوبتها بالنسبة إلى أحياءَ أخرى .

 

صفحة (32)

 

وهذا يعني أن العلم من الناحية النظرية وبقدر ما تشير إليه اتجاهاته المتحركة لا يوجد فيه أبداً ما يرفض إمكانية إطالة عمر الإنسان ، سواءً فسرنا الشيخوخة بوصفها نتاج صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية أو نتاج قانون طبيعي للخلية الحية نفسها يسير بها نحو الفناء .

ويتلخص من ذلك : أن طول عمر الإنسان وبقاءه قروناً متعدددة أمر ممكن منطقياً وممكن عملياً ولكنه لا يزال غير ممكن عملياً ، إلا أن اتجاه العلم سائر في طريق تحقيق هذا الإمكان عبر طريق طويل .

وعلى هذا الضوء يتناول عمر المهدي " عليه الصلاة والسلام " وما أحيط به من استفهام أو استغراب .

ونلاحظ : أنه بعد أن ثبت إمكان هذا العمر الطويل منطقياً وعلمياً ، وثبت أن العلم سائر في طريق تحويل الإمكان النظري إلى إمكان عملي تدريجياً ،

 

صفحة (33)

 

لا يبقى للاستغراب محتوىً إلا استبعاد أن يسبق المهدي العلم نفسه ، فيتحول الإمكان النظري إلى إمكان عملي في شخصه قبل أن يصل العلم في تطوره إلى متسوى القدرة الفعلية على هذا التحويل ، فهو نظير من يسبق العلم في اكتشاف دواء ذات السحايا أو دواء السرطان .

وإذا كانت المسألة هي أنه كيف سبق الإسلام ـ الذي صمم عمر هذا القائد المنتظرـ حركة العلم في مجال هذا التحويل ؟

فالجواب : أنه ليس ذلك هو المجال الوحيد الذي سبق فيه الإسلام حركة العلم . أو ليست الشريعة الإسلامية ككل ، قد سبقت حركة العلم والتطور الطبيعي للفكر الإنساني قروناً عديدة ؟ أوَ لم تنادِ بشعارات طرحت خططاً للتطبيق لم ينضج الإنسان للتوصل إليها في حركته المستقلة إلا بعد مئات السنين ؟ أوَ لم تأت بتشريعات في غاية الحكمة لم يستطع الإنسان أن يدرك أسرارها ووجه الحكمة فيها إلا قبل برهة وجيزة من الزمن ؟ أوَ لم تكشف رسالة السماء أسراراً من الكون لم تكن تخطر على بال إنسان.

 

صفحة (34)

 

ثم جاء العلم ليثبتها ويدعمها ؟! فإذا كنا نؤمن بهذا كله فلماذا نستكثر على مرسل هذه الرسالة ـ سبحانه وتعالى ـ أن يسبق العلم في تصميم عمر المهدي ؟ وأنا هنا لم أتكلم إلا عن مظاهر السبق التي نتسطيع أن نحسها نحن بصورة مباشرة ، ويمكن أن نضيف إلى ذلك مظاهر السبق التي تحدثنا بها رسالة السماء نفسها . ومثال ذلك أنها تخبرنا بأن النبي (ص) قد أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهذا الإسراء ، إذا أردنا أن نفهمه في إطار القوانين الطبيعية فهو يعبر عن الإستفادة من القوانين الطبيعية بشكل لم يتح للعلم أن يحققه إلا بعد مئات السنين ، فنفس الخبرة الربانية التي أتاحت للرسول (ص) التحرك السريع قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك ، أتاحت لآخر خلفائه المنصوصين العمر المديد قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك .

نعم ، هذا العمر المديد الذي منحه الله تعالى للمنقذ المنتظر يبدو غريباً في حدود المألوف حتى اليوم في حياة الناس وفي ما أنجز فعلاً من تجارب العلماء.

 

صفحة (35)

ولكن أوَ ليس الدور التغييري الحاسم الذي أعد له هذا المنقذ غريباً في حدود المألوف في حياة الناس . وما مرت بهم من تطورات التاريخ ؟ أوَ ليس قد أنيط به تغيير العالم ، وإعادة بنائه الحضاري من جديد على أساس الحق والعدل؟ فلماذا نستغرب إذا اتسم التحضير لهذا الدور الكبير ببعض الظواهر الغريبة والخارجة عن المألوف كطول عمر المنقذ المنتظر؟ فإن غرابة هذه الظواهر وخروجها عن المألوف مهما كان شديداً ، لا يفوق بحال غرابة نفس الدور العظيم الذي يجب على اليوم الموعود انجازه . فإذا كنا نستسيغ ذلك الدور الفريد تاريخياً على الرغم من أنه لا يوجه دور مناظر له في تاريخ الإنسان ، فلماذا لا نستسيغ ذلك العمر المديد الذي لا نجد عمراً مناظراً له في حياتنا المألوفة ؟

 

صفحة (36)

 

ولا أدري هل هي صدفة أن يقوم شخصان فقط ، بتفريغ الحضارة الإنسانية من محتواها الفاسد وبنائها من جديد ، فيكون لكل منهما عمر مديد يزيد على أعمارنا الإعتيادية أضعافاً مضاعفة ؟! أحدهما مارس دوره في ماضي البشرية وهو نوح الذي نص القرآن الكريم على أنه مكث في قومه ألف عام إلا خمسين سنة ، وقدر له من خلال الطوفان أن يبني العالم من جديد . والآخر يمارس دوره في مستقبل  البشرية وهو المهدي الذي مكث في قومه حتى الآن أكثر من ألف عام وسيقدر له في اليوم الموعود أن يبني العالم من جديد .

فلماذا تقبل نوح الذي ناهز ألف عام على أقل تقدير ولا نقبل المهدي ؟

 

صفحة (37)

 

 

المعجزة والعمر الطويل

 

وقد عرفنا حتى الآن أن العمر الطويل ممكن علمياً ، ولكن لنفترض أنه غير ممكن علمياً ، وأن قانون الشيخوخة والهرم قانون صارم لا يمكن للبشرية اليوم ولا على خطها الطويل أن تتغلب عليه ، وتغير من ظروفه وشروطه فماذا يعني ذلك ؟ إنه يعني أن إطالة عمر الإنسان ـ كنوح أو كالمهدي ـ قروناً متعددة ، هي على خلاف القوانين الطبيعية التي أثبتها العلم بوسائل التجربة والاستقراء الحديثة ، وبذلك تصبح هذه الحالة معجزة عطلت قانوناً طبيعياً في حالة معينة للحفاظ على حياة الشخص الذي أنيط به الحفاظ على رسالة السماء ، وليست هذه المعجزة فريدة من نوعها ، أو غريبة على عقيدة المسلم المستمدة من نص القرآن والسنة ، فليس قانون الشيخوخة والهرم أشد صرامة من قانون انتقال الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة حتى يتساويان، وقد عطل هذا القانون لحماية حياة إبراهيم"عليه السلام"حين كان الأسلوب الوحيد للحفاظ عليه تعطيل ذلك القانون فقيل للنار حين ألقي فيها إبراهيم " قُلنا يا نارُ كوني برداً وَسَلاماً على إبراهيم" (1) .

 

صفحة (39)

ــــــــــــــــــ 

(1) الأنبياء : 69 .

 

فخرج منها كما دخل سليماً لم يصبه أذى ، إلى كثر من القوانين الطبيعية التي عطلت لحماية أشخاص من الأنبياء وحجج الله على الأرض ففلق البحر لموسى . وشبه للرومان أنهم قبضوا على عيسى ولم يكونوا قد قبضوا عليه ، وخرج النبي محمد (ص) من داره وهي محفوفة بحشود قريش التي ظلت ساعات تتربص به لتهجم عليه ، فستره الله تعالى عن عيونهم وهو يمشي بينهم . كل هذه الحالات تمثل قوانين طبيعية عطلت لحماية شخص، كانت الحكمة الربانية تقتضي الحفاظ على حياته ، فليكن قانون الشيخوخ والهرم من تلك القوانين .

 

صفحة (40)

 

وقد يمكن أن نخرج من ذلك بمفهوم عام وهو أنه كلما توقف الحفاظ على حياة حجة الله في الأرض على تعطيل قانون طبيعي وكانت ادامة حياة ذلك الشخص ضرورية لإنجاز مهمته التي أعدَّ لها ، تدخلت العناية الربانية في تعطيل ذلك القانون لإنجاز ذلك ، وعلى العكس إذا كان الشخص قد انتهت مهمته التي أعد لها ربانياً فإنه سيلقى حتفه ويموت أو يستشهد وفقاً لما تقرره القوانين الطبيعية .

ونواجه عادة بمناسبة هذا المفهوم العام السؤال التالي : كيف يمكن أن يتعطل القانون ، وكيف تنفصم العلاقة الضرورية التي تقوم بين الظواهر الطبيعية ؟ وهل هذه إلا مناقضة للعلم الذي اكتشف ذلك القانون الطبيعي ، وحدد هذه العلاقة الضرورية على أسس تجريبية واستقرائية ؟

 

والجواب : أن العلم نفسه قد أجاب على هذا السؤال بالتنازل عن فكرة الضرورة في القانون الطبيعي وتوضيح ذلك : أن القوانين الطبيعية يكتشفها العلم على أساس التجربة والملاحظة المنتظمة ، فحين يطرد وقوع ظاهرة طبيعية عقيب ظاهرة أخرى يستدل بهذا الاطراد على قانون طبيعي.

 

صفحة (41)

 

وهو أنه كلما وجدت الظاهرة الأولى وجدت الظاهرة الثانية عقيبها ، غير ان العلم لا يفترض في هذا القانون الطبيعي علاقة ضرورية بين الظاهرتين نابعة من صميم هذه الظاهرة وذاتها ، وصميم تلك وذاتها لأن الضرورة حالة غيبية ، لا يمكن للتجربة ووسائل البحث الاستقرائي والعلمي اثباتها ، ولهذا فإن منطق العلم الحديث ، يؤكد أن القانون الطبيعي ـ كما يعرفه العلم ـ لا يتحدث عن علاقة ضرورية بل عن اقتران مستمر بين ظاهرتين ، فإذا جاءت المعجزة وفصلت إحدى الظاهرتين عن الأخرى في قانون طبيعي لم يكن ذلك فصماً العلاقة ضرورية بين الظاهرتين .

والحقيقة أن المعجزة بمفهومها الديني ، قد أصبحت في ضوء المنطق العلمي الحديث مفهومه بدرجة أكبر ما كانت عليه في ظل وجهة النظر الكلاسيكية إلى علاقات السببية فقد كانت وجهة النظر القديمة ، تفترض أن كل ظاهرتين اطرد اقتران أحدهما بالأخرى ، فالعلاقة بينهما علاقة ضرورة .

 

صفحة (42)

والضرورة تعني أن من المستحيل أن تنفصل إحدى الظاهرتين عن الأخرى ، ولكن هذه العلاقة تحولت في منطق العلم الحديث إلى قانون الاقتران أو التتابع المطرد بين الظاهرتين دون افتراض تلك الضرورة الغيبية .

وبهذا تصبح المعجزة حالة استثنائية لهذا الاطراد في الاقتران أو التتابع دون أن تصطدم بضرورة أو تؤدي إلى إستحالة .

وأما على ضوء الأسس المنطقية للاستقراء فنحن نتفق مع وجهة النظر العلمية الحديثة في أن الاستقراء ، لا يبرهن على علاقة الضرورة بين الظاهرتين ولكنا نرى أنه يدل على وجود تفسير مشترك لاطراد التقارن أو التعاقب بين الظاهرتين باستمرار ، وهذا التفسير المشترك كما يمكن صياغته على أساس افتراض الضرورة الذاتية ، كذلك يمكن صياغته على أساس افتراض حكمة دعت منظم الكون إلى ربط ظواهر معينة بظواهر أخرى باستمرار وهذه الحكمة نفسها تدعو أحياناً إلى الاستثناء فتحدث المعجزة .

 

صفحة (43)

 

2. لماذا كل هذا الحرص على أطالة عمره ؟

 

ونتناول الآن السؤال الثاني وهو يقول : لماذا كل هذا الحرص من الله سبحانه وتعالى على هذا الإنسان بالذات ، فتعطل من أجله القوانين الطبيعية لإطالة عمره ؟ ولماذا لا تترك قيادة القيم الموعود لشخص يتمخض عنه المستقبل ، وتنضجه أرهاصات اليوم الموعود فيبرز على الساحة ويمارس دوره المنتظر .

وبكلمة أخرى : ما هي فائدة هذه الغيبة الطويلة وما المبرر لها ؟

وكثير من الناس يسألون هذا السؤال وهم لا يريدون أن يسمعوا جواباً غيبياً ، فنحن نؤمن بأن الأئمة الاثني عشر مجموعة فريدة لا يمكن التعويض عن أي واحد منهم ، غير أن هؤلاء المتسائلين يطالبون بتفسير اجتماعي للموقف ، على ضوء الحقائق المسحوسة لعملية التغيير الكبرى نفسها والمتطلبات المفهومة لليوم الموعود .

 

صفحة (46)

وعلى هذا الأساس نقطع النظر مؤقتاً عن الخصائص التي نؤمن بتوفرها ، في هؤلاء الأئمة المعصومين ونطرح السؤال التالي :

أننا بالنسبة إلى عملية التغيير المرتقبة في اليوم الموعود ، بقدر ما تكون مفهومة على ضوء سنن الحياة وتجاربها ، هل يمكن أن نعتبر هذا العمر الطويل لقائدها المدخر ، عاملاً من عوامل انجاحها وتمكنه من ممارستها وقيادتها بدرجة أكبر ؟

ونجيب على ذلك بالإيجاب ، وذلك لعدة أسباب منها ما يلي :

إن عملية التغيير الكبرى تتطلب وضعاً نفسياً فريداً في القائد الممارس لها مشحوناً ، بالشعور ، بالتفوق والإحساس ، بضآلة الكيانات الشامخة ، التي أعد للقضاء عليها ولتحويلها حضارياً إلى عالم جديد ، فبقدر ما يعمر قلب القائد المغير من شعور بتفاهة الحضارة التي يصارعها وإحساس واضح بأنها مجرد نقطة على الخط الطويل لحضارة الإنسان ، يصبح أكثر قدرة من الناحية النفسية على مواجهتها والصمود في وجهها ومواصلة العمل ضدها حتى النصر .

 

صفحة (47)

 

ومن الواضح أن الحجم المطلوب من هذا الشعور النفسي يتناسب مع حجم التغيير نفسه ، وما يراد القضاء عليه من حضارة وكيان ، فكلما كانت المواجهة لكيان أكبر وحضارة أرسخ وأشمخ تطلبت زخماً أكبر من هذا الشعور النفسي المفعم .

ولما كانت رسالة اليوم الموعود تغيير عالم مليء بالظلم بالجور ، تغييراً شاملاً بكل قيمه الحضارية وكياناته المتنوعة فمن الطبيعي أن تفتش هذه الرسالة عن شخص أكبر في شعوره النفسي من ذلك العالم كله ، عن شخص ليس من مواليد ذلك العالم الذين نشأوا في ظل تلك الحضارة التي يراد تقويضها واستبدالها بحضارة العدل والحق.

 

صفحة (48)

 

لأن من ينشأ في ظل حضارة راسخة ، تعمر الدنيا بسلطانها وقيمها وآفكارها ، يعيش في نفسه الشعور بالهيبة تجاهها لأنه ولد وهي قائمة، ونشأ صغيراً وهي جبارة ، وفتح عينيه على الدنيا فلم يجد سوى أوجهها المختلفة ، وخلافاً لذلك شخص يتوغل في التاريخ عاش الدنيا قبل أن تر تلك الحضارة النور ، ورأى الحضارات الكبيرة سادت العالم الواحدة تلو الأخرى ثم تداعت وانهارت، رأى ذلك بعينيه ولم يقرأه في كتاب تاريخ ثم رأى الحضارة التي يقدر لها أن تكون الفصل الأخير من قصة الإنسان قبل اليوم الموعود ، رآها وهي بذور صغيرة لا تكاد تتبين ، ثم شاهدها وقد اتخذت مواقعها في أحشاء المجتمع البشري تتربص الفرصة لكي تنمو وتظهر ، ثم عاصرها وقد بدأت تنمو وتزحف وتصاب بالنكسة تارة ويحالفها التوفيق تارة أخرى ، ثم واكبها وهي تزدهر وتتعملق وتسيطر بالتدريج على مقدرات عالم بكامله ، فإن شخصاً من هذا القبيل عاش كل هذه ...

 

صفحة (49)

المراحل بفطنة وانتباه كاملين ينظر إلى هذا العملاق ـ الذي يريد أن يصارعه ـ من زاوية ذلك الامتداد التاريخي الطويل الذي عاشه بحسه لا في بطون كتب التاريخ فحسب ، ينظر إليه لا بوصفه قدراً محتوماً ، ولا كما كان ينظر"جان جاك روسو" إلى الملكية في فرنسا ، فقد جاء عنه أنه كان يرعبه مجرد أن يتصور فرنسا بدون ملك ، على الرغم من كونه من الدعاة الكبار فكرياً وفلسفياً إلى تطوير الوضع السياسي القائم وقتئذ لأن "روسو" هذا نشآ في ظل الملكية وتنفس هواءها طيلة حياته ، وأما هذا الشخص المتوغل في التاريخ ، فله هيبة التاريخ وقوة التاريخ والشعور المفعم بأن ما حوله من كيان وحضارة ، وليد يوم من أيام التاريخ تهيأت له الأسباب فوجد وستتهيأ الأسباب فيزول ، فلا يبقى منه شيء كما لم يكن يوجد منه شيء بالأمس القريب أو البعيد ، وأن الأعمار التاريخية للحضارات والكيانات مهما طالت فهي ليست إلا أياماً قصيرة في عمر التاريخ الطويل.

 

صفحة (50)

 

هل قرأت سورة الكهف؟ وقل قرأت عن أولئك الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم الله هدى ، وواجهوا كياناً وثنياً حاكماً ، لا يرحم ولا يتردد في خنق أي بذرة من بذور التوحيد والارتفاع عن وحدة الشرك ، فضاقت نفوسهم ودب إليها اليأس وسدت منافذ الأمل أمام أعينهم ، ولجأوا إلى الكهف يطلبون من الله حلاً لمشكلتهم بعد أن أعيتهم الحلول وكبر في نفوسهم أن يظل الباطل يحكم ، ويظلم ويقهر الحق ويصغى كل من يخفق قلبه للحق، هل تعلم ماذا صنع الله تعالى بهم ؟ أنه أنامهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين في ذلك الكهف ،  ثم بعثهم من نومهم ودفع بهم إلى مسرح الحياة ، بعد أن كان ذلك الكيان الذي بهرهم بقوته وظلمه ، قد تداعى وسقط وأصبحا تاريخاً لا يرعب أحداً ولا يحرك ساكناً ، كل ذلك لكي يشهد هؤلاء الفتية مصرع ذلك الباطل الذي كبر عليهم امتداده وقوته واستمراره .

 

صفحة (51)

 

ويروا انتهاء أمره أعينهم ويتصاغر الباطل في نفوسهم ، ولئن تحققت لأصحاب الكهف هذه الرؤية الوائحة بكل ما تحمل من زخم وشموخ نفسيين من خلال ذلك الحدث الفريد الذي مدد حياتهم ثلاثمائة سنة ، فإن الشيء نفسه يتحقق للقائد المنتظر من خلال عمره المديد الذي يتيح له أن يشهد العملاق وهو قزم والشجرة الباسقة وهي بذرة ، والإعصار وهو مجرد نسمة.

أضف إلى ذلك : أن التجربة التي تتيحها مواكبة تلك الحضارات المتعاقبة والمواجة المباشة لحركتها وتطوراتها لها أثر كبير في الإعداد الفكري وتعميق الخبرة القيادية لليوم الموعود ، لأنها تضع الشخص المدخر أمام ممارسات كثيرة للآخرين بكل ما فيها من نقاط الضعف والقوة ومن ألوان الخطأ والصواب وتعطي لهذا الشخص قدرة أكبر على تقييم الظواهر الإجتماعية بالوعي الكامل على أسبابها ، وكل ملابساتها التاريخية.

 

صفحة (52)

ثم إن عملية التغيير المدخرة للقائد المنتظر تقوم على أساس رسالة معينة هي رسالة الإسلام ، ومن الطبيعي أن تتطلب العملية في هذه الحالة قائداً قريباً من مصادر الإسلام الأولى ، قد بنيت شخصيته بناءً كاملاً بصورة مستقلة ومنفصلة عن مؤثرات الحضارة التي يقدر لليوم الموعود أن يحاربها وخلافاً لذلك الشخص الذي يولد وينشأ في كنف هذه الحضارة وتتفتح أفكاره ومشاعره في إطارها ، فإنه لا يتخلص غالباً من رواسب تلك الحضارة ومرتكزاتها ، وإن قاد حملة تغييرية ضدها ، فلكي يضمن عدم تأثر القائد المدخر بالحضارة التي اعد لاستبدالها لا بد أن تكون شخصيته قد بنيت بناءً كاملاً في مرحلة حضارية سابقة هي أقرب ما تكون في الروح العامة ومن ناحية المبدأ إلى الحالة الحضارية التي يتجه اليوم الموعود إلى تحقيقها بقيادته .

 

 

صفحة (53)

 

3. كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر؟

ونأتي الآن على السؤال الثالث القائل : كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر مع أنه لم يعاصر أباه الإمام العسكري إلاّ خمس سنوات تقريباً وهي فترة الطفولة التي لا تكفي لانضاج شخصية القائد فما هي الظروف التي تكامل من خلالها ؟

والجواب : إن المهدي " عليه السلام " خلف أباه في إمامة المسلمين ، وهذا يعني أنه كان إماماً بكل ما في الإمامة من محتوى فكري وروحي في وقت مبكر جداً من حياته الشريفة .

والإمامة المبكرة ظاهرة مسبقة إليها عدد من آبائه عليهم السلام ، فالإمام محمد بن علي الجواد (ع) تولى الإمامة وهو في الثامنة من عمره والإمام علي بن محمد الهادي تولى الإمامة وهو في التاسعة من عمره والإمام أبو محمد الحسن العسكري والد القائد المنتظر تولى الإمامة وهو في الثانية والعشرين من عمره.

 

صفحة (55)

 

ويلاحظ أن ظاهرة الإمامة المبكرة بلغت ذروتها في الإمام المهدي (ع) والإمام الجواد (ع) ونحن نسميها ظاهرة لأنها كانت بالنسبة إلى عدد من آباء المهدي (عليه السلام ) تشكل مدلولاً حسياً عملياً ، عاشه المسلمون ووعوه في تجربتهم مع الإمام بشكل وآخر ، ولا يمكن أن نطالب باثبات لظاهرة من الظواهر أوضح وأقوى من تجربة أمة . ونوضح ذلك ضمن النقاط التالية :

أ. لم تكن إمامة الإمام من أهل البيت مركزاً من مراكز السلطان والنفوذ التي تنتقل بالوراثة من الأب إلى الابن ويدعمها النظام الحاكم كإمامة الخلفاء الفاطميين، وخلافة الخلفاء العباسيين، وإنما كانت تكتسب ولاء قواعدها الشعبية الواسعة عن طريق التغلغل الروحي والإقناع الفكري لتلك القواعد بجدارة هذه الإمامة لزعامة الإسلام وقيادته على أسس روحية وفكرية.

 

صفحة (56)

ب. أن هذه القواعد الشعبية بنيت منذ صدر الإسلام ، وازدهرت واتسعت على عهد الإمامين الباقر والصادق "عليهما السلام" وأصبحت المدرسة التي رعاها هذا الإمامان، في داخل هذه القواعد تشكل تياراً فكرياً واسعاً، في العالم الإسلامي يضم المئات من الفقهاء والمتكلمين والمفسرين والعلماء في مختلف ضروب المعرفة الإسلامية والبشرية المعروفة وقتئذ ، حتى قال الحسن بن علي الوشا : أني دخلت مسجد الكوفة فرأيت فيه تسعمائة شيخ كلهم يقولون حدثنا جعفر بن محمد.

ج. إن الشروط التي كانت هذه المدرسة وما تمثله من قواعد شعبية في المجتمع الإسلامي ، تؤمن بها وتتقيد بموجبها في تعيين الإمام والتعرف على كفائته للإمامة شروط شديدة ، لأنها تؤمن بأن الإمام لا يكون إماماً إلا إذا كان أعلم علماء عصره.

 

صفحة (57)

 

د. إن المدرسة وقواعدها الشعبية كانت تقدم تضحيات كبيرة في سبيل الصمود على عقيدتها في الإمامة ، لأنها كانت في نظر الخلافة المعاصرة لها تشكل خطاً عدائياً ، ولو من الناحية الفكرية على الأقل ، الأمر الذي أدى إلى قيام السلطات وقتئذٍ وباستمرار تقريباً حملات من التصفية والتعذيب ، فقتل من قتل ، وسجن من سجن ، ومات في ظلمات المعتقلات المئات . وهذا يعني أن الاعتقاد بإمامة أئمة أهل البيت كان يكلفهم غالياً ولم يكن له من الإغراءات سوى ما يحس به المعتقد أو يفترضه من التقرب إلى الله تعالى والزلفى عنده .

 

صفحة (58)

 

هـ . إن الأئمة الذين دانت هذه القواعد لهم بالإمامة لم يكونوا معزولين عنها ولا متقوقعين في بروج عالية شأن السلاطين مع شعوبهم ، ولم يكونوا يحتجبون عنهم إلا أن تحجبهم السلطة الحاكمة بسجن أو نفي ، وهذا ما نعرفه من خلال العدد الكبير من الرواة والمحدثين عن كل واحد من الأئمة الأحد عشر ومن خلال ما نقل من المكاتبات التي كانت تحصل بين الإمام ومعاصريه وما كان الإمام يقوم به من اسفار من ناحية ، ومان كان يبثه من وكلاء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من ناحية أخرى وما كان قد اعتاده الشيعة من تفقد أئمتهم وزيارتهم في المدينة المنورة عندما يؤمون الديار المقدسة من كل مكان لأداء فريضة الحج ، كل ذلك يفرض تفاعلاً مستمراً بدرجة واضحة بين الإمام وقواعده الممتدة في أرجاء العالم الإسلامي بمختلف طبقاتها من العلماء وغيرهم.

 

صفحة (59)

وإن الخلافة المعاصرة للأئمة (ع) كانت تنظر إليهم وإلى زعامتهم الروحية والإمامية بوصفها مصدر خطر كبير على كيانها ومقدراتها ، وعلى هذا الأساس بذلك كل جهودها في سبيل تفتيت هذه الزعامة وتحملت في سبيل ذلك كثيراً من السلبيات، وظهرت أحياناً بمظاهر القسوة والطغيان حينا اضطرها تأمين مواقعها إلى ذلك، وكانت حملات الاعتقال والمطاردة مستمرة للأئمة أنفسهم على الرغم مما يخلفه ذلك من شعور بالألم أو الإشمئزاز عند المسلمين وللناس الموالين على اختلاف درجاتهم .

إذا أخذنا هذه النقاط الست بعين الاعتبار ، وهي حقائق تاريخية لا تقبل الشك ، أمكن أن نخرج بنتيجة وهي : أن ظاهرة الإمامة المبكرة كانت ظاهرة واقعية ولم تكن وهماً من الأوهام، لأن الإمام الذي يبرز على المسرح وهو صغير فيعلن عن نفسه إماماً روحياً وفكرياً للمسلمين ، ويدين له بالولاء والإمامة كل ذلك التيار الواسع لا بد أن يكون على قدر واضح وملحوظ بل وكبير من العلم والمعرفة وسعة الأفق والتمكن من الفقه والتفسير والعقائد.

 

صفحة (60)

 

لأنه لو لم يكن كذلك لما أمكن أن تقتنع تلك القواعد الشعبية بإمامته مع ما تقدم من أن الأئمة كانوا في مواقع تتيح لقواعدهم التفاعل معهم وللأضواء المختلفة ، أن تسلط على حياتهم وموازين شخصيتهم . فهل ترى أن صبياً يدعو إلى إمامة نفسه وينصب منها علماً للإسلام وهو على مرأى ومسمع من جماهير قواعده الشعبية فتؤمن به وتبذل في سبيل ذلك الغالي من أمنها وحياتها بدون أن تكلف نفسها اكتشاف حلة وبدون أن تهزها ظاهرة هذه الإمامة المبكرة لاستطلاع حقيقة الموقف وتقييم هذا الصبي الإمام ؟ وهب أن الناس لم يتحركوا لاستطلاع الموقف ، فهل يمكن أن تمر المسألة أياماً وشهوراً بل أعواماً دون أن تتكشف الحقيقة على الرغم من التفاعل الطبيعي المستمر بين الصبي الإمام وسائر الناس ؟ وهل من المعقول أن يكون صبياً في فكره وعلمه حقاً ثم لا يبدو ذلك من خلال هذا التفاعل الطويل ؟

 

صفحة (61)

 

وإذا افترضنا أن القواعد الشعبية لإمامة أهل البيت لم يتح لها أن تكتشف واقع الأمر فلماذا سكتت الخلافة القائمة ولم تعمل لكشف الحقيقة إذا كانت في صالحها ؟ وما كان أيسر ذلك على السلطة القائمة لو كان الإمام الصبي صبياً في فكره وثقافته كما هو المعهود في الصبيان ، وما كان أنجحه من أسلوب أن تقدم هذا الصبي إلى شيعته وغير شيعته على حقيقته وتبرهن على عدم كفاءته للإمامة والزعامة الروحية والفكرية . فلئن كان من الصعب الإقناع بعدم كفاءة شخص في الأربعين أو الخمسين قد أحاط بقدر كبير من ثقافة عصره لتسلم الإمامة فليس هناك صعوبة في الإقناع بعدم كفاءة صبي اعتيادي مهما كان ذكياً وفطناً للإمامة بمعناها الذي يعرفه الشيعة الإماميون ، وكان هذا أسهل وأيسر من الطرق المعقدة وأساليب القمع والمجازفة التي انتجتها السلطات وقتئذٍ .

 

صفحة (62)

 

ان التفسير الوحيد لسكوت الخلافة المعاصرة عن اللعب بهذه الورقة هو أنها أدركت إن الإمامة المبكرة ظاهرة حقيقية وليست شيئاً مصطنعاً .

والحقيقة أنها أدركت ذلك بالفعل بعد أن حاولت أن تلعب بتلك الورقة فلم تستطع ، والتأريخ يحدثنا عن محاولات من هذا القبيل وفشلها بينما لم يحدثنا إطلاقاً عن موقف تزعزت فيه ظاهرة الإمامة المبكرة أو واجه فيه الصبي الإمام إحراجاً يفوق قدرته أو يزعزع ثقة الناس فيه .

وهذا معنى ما قلناه من أن الإمام المبكرة ظاهرة واقعية في حياة أهل البيت وليست مجرد افتراض ، كما أن هذه الظاهرة الواقعية لها جذورها وحالاتها المماثلة في تراث السماء الذي امتد عبر الرسالات والزعامات الربانية ويكفي مثالاً لظاهرة الإمامة المبكرة في التراث الرباني لأهل البيت (ع) يحيى (ع) إذ قال الله سبحانه وتعالى: ( يا يحيى خُذ الكِتابَ بِقُوةٍ وآتيْناه الحكْم صبياً )(1).

ومتى ثبت أن الإمامة المبكرة ظاهرة واقعية ومتواجدة فعلاً في حياة أهل البيت لم يعد هناك اعتراض فيما يخص إمامة المهدي " عليه السلام " وخلافته لأبيه وهو صغير .

ــــــــــــــــــــــ

(1) سورة مريم آية 12 .

 

صفحة (63)

 

4. كيف نؤمن بأن المهدي قد وجد !

ونصل الآن إلى السؤال الرابع وهو يقول : هل أن فرضية المنتظر ممكنة بكل ما تستنبطه من عمر طويل وإمامة مبكرة وغيبة صامتة فإن الإمكان لا يكفي لاقتناع بوجوده فعلاً . فكيف نؤمن فعلاً بوجود المهدي ؟ وهل تكفي بضع روايات تنقل في بطون الكتب عن الرسول الأعظم (ص) للاقتناع الكامل بالأمل الثاني عشر على الرغم مما في هذا الافتراض من غرابة وخروج عن المألوف بل كيف يمكن أن نثبت أن للمهدي وجوداً تاريخياً حقاً وليس مجرد افتراض توفرت ظروف نفسية لتثبيته في نفوس عدد كبير من الناس ؟

 

صفحة (66)

 

والجواب : أن فكرة المهدي بوصفه القائد المنتظر لتغيير العالم إلى الأفضل قد جاءت في أحاديث الرسول الأعظم عموماً وفي روايات أئمة أهل البيت خصوصاً ، وأكدت في نصوص كثيرة بدرجة لا يمكن أن يرق إليها الشك ، وقد أحصيى أربعمائة حديث عن النبي (ص) من طرق أخواننا أهل السنة (1) كما أحصي مجموع الأخبار الواردة في الإمام المهدي من طرق الشيعة والسنة فكان أكثر من ستة آلاف رواية (2) ، وهذا رقم احصائي كبير لا يتوفر نظيره في كثير من قضايا الإسلام البديهية التي لا يشك فيها مسلم عادة .

وأما تجسيد هذه الفكرة في الإمام الثاني عشر " عليه الصلاة والسلام " فهذا ما توجد مبررات كافية وواضحة للاقتناع به .

ــــــــــــــــــــــــــ

(1)   يلاحظ كتاب ( المهدي) للسيد (العم ) الصدر قدس الله روحه الزكية .

(2) يلاحظ كتاب منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر الشيخ لطف الله الصافي.

     صفحة (67)

ويمكن تلخيص هذه المبررات في دليلين : أحدهما إسلامي والآخر علمي .

فبالدليل الإسلامي نثبت وجود القائد المنتظر، وبالدليل العلمي نبرهن على أن المهدي ليس مجرد أسطورة وافتراض بل هو حقيقة ثبت وجودها بالتجربة التاريخية .

أما الدليل الإسلامي ، فيتمثل في مئات الروايات الواردة عن رسول الله (ص) والأئمة من أهل البيت (ع) والتي تدل على تعيين المهدي وكونه من أهل البيت ومن ولد فاطمة ومن ذرية الحسين وأنه التاسع من ولد الحسين وأن الخلفاء اثناء عشر ، فإن هذه الروايات تحدد تلك الفكرة العامة وتشخيصها في الإمام الثاني عشر من أئمة الفكرة العامة وتشخيصها في الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت ، وهي روايات بلغت درجة كبيرة من الكثرة والانتشار على الرغم من تحفظ الائمة " عليهم السلام " واحتياطهم في طرح ذلك على المستوى العام وقاية للخلف الصالح من الاغتيال او الإجهاز السريع على حياته .

 

صفحة (68)

 

وليست الكثرة العددية للروايات هي الأساس الوحيد لقبولها ، بل هناك إضافة إلى ذلك مزايا وقرائن تبرهن على صحتها ، فالحديث النبوي الشريف عن الأئمة أو الخلفاء أو الأمراء بعده وأنهم اثني عشر إماماً أو خليفة أو أميراً .. على اختلاف متن الحديث في طرقه المختلفة ـ قد أحصى بعض المؤلفين رواياته فبلغت أكثر من مائتين وسبعين رواية مأخوذة من أشهر كتب الحديث عند الشعية والسنة بما في ذلك البخاري ومسلم والترمذي وأبي دواد ومسند أحمد ومستدرك الحاكم على الصحيحين ويلاحظ هنا أن البخاري الذي نقل هذا الحديث كان معاصراً للإمام الجواد والإمامين الهادي والعسكري وفي ذلك مغزى كبير ، لأنه يبرهن على أن هذا الحديث قد سجل عن النبي (ص) قبل أن يتحقق مضمونه وتكتمل فكرة الأئمة الاثني عشر فعلاً ، وهذا يعني أنه لا يوجد أي مجال للشك في أن يكون نقل الحديث متأثراً بالواقع الإمامي الاثني عشري وانعكاساً له ، لأن الأحاديث المزيفة التي تنسب إلى النبي (ص) وهي انعكاسات أو تبريرات لواقع متأخر زمنياً لا تسبق في ظهورها وتسجيلها في كتب الحديث ذلك الواقع الذي تشكل انعكاساً له.

 

صفحة (69)

 

فما دمنا قد ملكنا الدليل المادي على أن الحديث المذكور سبق التسلسل التاريخي للأئمة الاثني عشر ، وضبط في كتب الحديث قبل تكامل الواقع الإمامي الاثني عشري ، أمكننا أن نتأكد من أن هذا الحديث ليس انعكاساً لواقع وإنما هو تعبير عن حقيقة ربانية نطق بها من لا ينطق عن هوى ، فقال : أن الخلفاء بعدي اثني عشر . وجاء الواقع الإمامي الاثني عشري ابتداءاً من الإمام علي وانتهاءاً بالمهدي ليكون التطبيق الوحيد المعقول لذلك الحديث النبوي الشريف .

وأما الدليل العلمي ، فهو يتكون من تجربة عاشتها أمة من الناس فترة امتدت سبعين سنة تقريباً وهي فترة الغيبة الصغرى . ولتوضيح ذلك نمهد بإعطاء فكرة موجزة عن الغيبة الصغرى .

 

صفحة (70)

 

إن الغيبة الصغرى تعبر عن المرحلة الأولى من إمامة القائد " عليه الصلاة والسلام " فقد قدّر لهذا الإمام منذ تسلمه للإمامة أن يستتر عن المسرح العام ويظل بعيداً باسمه عن الاحداث وإن كان قريباً منها بقلبه وعقله ، وقد لوحظ أن هذه الغيبة إذا جاءت مفاجأة حققت صدمة كبيرة للقواعد الشعبية للإمامة في الأمة الإسلامية ، لأن هذه القواعد كانت معتادة على الاتصال بالإمام في كل عصر والتفاعل معه والرجوع إليه في حل المشاكل المتنوعة فإذا غاب الإمام عن شيعته فجأة وشعروا بالإنقطاع عن قيادتهم الروحية والفكرية سببت هذه الغيبة المفاجأة الإحساسا بفراغ دفعي هائل قد يعصف بالكيان كله ويشتت شمله ، فكان لا بد من تمهيد لهذه الغيبة لكي تألفها هذه القواعد بالتدريج وتكيف نفسها شيئاً فشيئاً على اساسها ، وكان هذا التمهيد هو الغيبة الصغرى التي اختفى فيها الإمام المهدي عن المسرح العام غير أنه كان دائم الصلة بقواعده وشيعته عن طريق وكلائه ونوابه والثقاة من أصحابه الذين يشكلون همزة الوصل بينه وبين الناس المؤمنين بخطه الأمامي.

 

صفحة (71)

 

وقد أشغل مركز النيابة عن الإمام في هذه الفترة أربعة ممن أجمعت تلك القواعد على تقواهم وورعهم ونزاهتهم التي عاشوا ضمنها وهم كما يلي:

1-   عثمان بن سعيد العمري.

2-   محمد بن عثمان بن سعيد العمري.

3-   أبو القاسم الحسين بن روح.

4-   أبو الحسن علي بن محمد السمري.

 

وقد مارس هؤلاء الأربعة مهام النيابة بالترتيب المذكور وكلما مات أحدهم خلفه الآخر الذي يليه بتعيين من الإمام المهدي (ع).

وكان النائب يتصل بالشيعة ويحمل أسئلتهم إلى الأمام ، ويعرض مشاكلهم عليه ويحمل إليهم أجوبته شفهية أحياناً وتحريرية في كثير من الأحيان ، وقد وجدت الجماهير التي فقدت رؤية إمامها العزاء والسلوة في هذه المراسلات والاتصالات غير المباشرة .

 

صفحة (72)

 

ولاحظت أن كل التوقيعات والرسائل كانت ترد من الإمام المهدي (ع) بخط واحد وسليقة واحدة طيلة نيابة النواب الأربعة التي استمرت حوالي سبعين عاماً ، وكان السمري هو آخر النواب فقد أعلن عن انتهاء مرحلة الغيبة الصغرى التي تتميز بنواب معينين ، وابتداء الغيبة الكبرى التي لا يوجد فيها أشخاص معينون بالذات للوساطة بين الإمام القائد والشيعة ، وقد عبر التحول من الغيبة الصغرى إلى الغيبة الكبرى عن تحقيق الغيبة الصغرى لأهدافها وانتهاء مهمتها لأنها حصنت الشيعة بهذه العملية التدريجية عن الصدمة والشعور بالفراغ الهائل بسبب غيبة الإمام ، واستطاعت أن تكيف وضع الشيعة على أساس الغيبة وتعدهم بالتدريج لتقبل فكرة النيابة العامة عن الإمام وبهذا تحولت النيابة من أفراد منصوصين إلى خط عام وهو خط المجتهد العادل البصير بأمور الدنيا والدين تبعاً لتحول الغيبة الصغرى إلى غيبة كبرى.

 

صفحة (73)

والآن بإمكانك أن تقدر الموقف في ضوء ما تقدم لكي تدرك بوضوح أن المهدي حقيقة عاشتها أمة من الناس وعبر عنها السفراء والنواب طيلة سبعين عاماً من خلال تعاملهم مع الآخرين ، ولم يلحظ عليهم أحد كل هذه المدة تلاعباً في الكلام أو تحايلاً في التصرف أو تهافتاً في النقل . فهل تتصور – بربك – أن بأمكان أكذوبة أن تعيش سبعين عاماً ويمارسها أربعة على سبيل الترتيب كلهم يتفقون عليها ويظلون يتعاملون على أساسها وكأنها قضية يعيشونها بأنفسهم ويرونها بأعينهم دون أن يبدر منهم أي شيء يثير الشك ودون أن يكون بين الأربعة علاقة خاصة متميزة تتيح لهم نحواً من التواطؤ ويكسبون من خلال ما يتصف به سلوكهم من واقعية ثقة الجميع وإيمانهم بواقعية القضية التي يدعون أنهم يحسونها ويعيشون معها ؟!

 

صفحة (74)

 

لقد قيل قديماً أن حبل الكذب قصير ، ومنطق الحياة يثبت أيضاً أن من المستحيل عملياً بحساب الاحتمالات تعيش أكذوبة بهذا الشكل وكل هذه المدة وضمن كل تلك العلاقات والأخذ والعطاء ثم تكسب ثقة جميع من حولها.

وهكذا نعرف أن ظاهرة الغيبة الصغرى يمكن أن تعتبر بمثابة تجربة عملية لإثبات ما لها من واقع موضوعي والتسليم بالإمام القائد بولادته وحياته وغيبته وإعلانه العام عن الغيبة الكبرى التي استتر بموجبها عن المسرح ولم يكشف نفسه لأحد.

 

صفحة (75)

 

5- لماذا لم يظهر القائد إذن ؟

لماذا لم يظهر القائد إذن طيلة هذه المدة ؟ وإذا كان قد أَعَدَّ نفسه للعمل الاجتماعي ، فما الذي منعه عن الظهور على المسرح في فترة الغيبة الصغرى أو في أعقابها بدلاً عن تحويلها إلى غيبة كبرى ، حيث كانت ظروف العمل الإجتماعي والتغييري ، وقتئذٍ أبسط وأيسر وكانت صلته الفعلية بالناس من خلال تنظيمات الغيبة الصغرى تتيح له أن يجمع صفوفه ويبدأ عمله بداية قوية ولم تكن القوى الحاكمة من حوله قد بلغت الدرجة الهائلة من القدرة والقوة التي بلغتها الإنسانية بعد ذلك من خلال التطور العلمي والصناعي ؟

والجواب : ان كل عملية تغيير اجتماعي يرتبط نجاحها بشروط ظروف موضوعية لا يتأنى لها أن تحقق هدفها إلا عندما تتوفر تلك الشروط والظروف.

 

صفحة (77)

 

وتتميز عملية التغيير الإجتماعي التي تفجرها السماء على الأرض بأنها لا ترتبط في جانبها الرسالي بالظروف على الموضوعية ، لأن الرسالة التي تعتمدها عملية التغيير هنا ربانية ومن صنع السماء لا من صنع الظروف الموضوعية ، ولكنها في جانبها التنفيذي تعتمد الظروف الموضوعية ويرتبط نجاحها وتوقيتها بتلك الظروف . ومن أجل ذلك انتظرت السماء مرور خمسة قرون من الجاهلية حتى انزلت آخر رسالاتها على يد النبي محمد (ص) لأن الارتباط بالظروف الموضوعية للتنفيذ كان يفرض تأخرها على الرغم من حاجة العالم إليها منذ فترة طويلة قبل ذلك.

والظروف الموضوعية التي لها أثر في الجانب التنفيذي من عملية التغيير منها ما يشل المناخ المناسب والجو العام للتغيير المستهدف ،ومنها ما يشكل بعض التفاصيل التي تتطلبها حركة التغيير من خلال منعطفاتها التفصيلية.

 

صفحة (78)

 

فبالنسبة إلى عملية التغيير التي قادها مثلاً لينين في روسيا بنجاح كانت ترتبط بعامل من قبيل القيام الحروب العالمية الأولى وتضعضع القيصرية ، وهذا ما يساهم في إيجاد المناخ المناسب لعملية التغيير، وكانت ترتبط بعوامل أخرى جزئية ومحدودة من قبيل سلامة لينين مثلاً في سفره الذي تسلل فيه إلى داخل روسيا وقاد الثورة، إذ لو كان قد اتفق له أي حادث يعيقه لكان من المحتمل أن تفقد الثورة بذلك قدرتها على الظهور السريع على المسرح.

وقد جرت سنة الله تعالى التي لا تجد لها تحويلاً في عمليات التغيير الرباني على التقيد من الناحية التنفيذية بالظروف الموضوعية التي تحقق المناخ المناسب والجو العام لإجاح عملية التغيير ، ومن هنا لم يأت الإٍسلام إلا بعد فترة من الرسل وفراغ مرير استمر قروناً من الزمن .

 

صفحة (79)

 

فعلى الرغم من قدرة الله ـ سبحانه وتعالى ـ على تذليل كل العقبات والصعاب في وجه الرسالة الربانية وخلق المناخ المناسب لها خلفاً بالإعجاز لم يشأ أن يستعمل هذا الاسلوب ، لأن الامتحان والإبتلاء والمعاناة التي من خلالها يتكامل الإنسان يفرض على العمل التغييري الرباني أن يكون طبيعياً وموضوعياً من هذه الناحية، وهذا لا يمنع عن تدخل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أحياناً فيما يخص بعض التفاصيل التي لا تكون المناخ المناسب وإنما قد يتطلبها أحياناً التحرك ضمن ذلك المناخ المناسب ، ومن ذلك الامدادات والعنايات الغيبية التي يمنحها الله تعالى لأوليائه في لحظات حرجة فيحمي به الرسالة وإذا بنار نمرود تصبح برداً وسلاماً على إبراهيم ، وإذا بيد اليهودي الغادر الذي ارتفعت بالسيف على رأس النبي (ص) تشل وتفقد قدرتها على الحركة ، وإذا بعاصفة قوية تجتاح مخيمات الكفار والمشركين الذين أحدقوا بالمدينة في يوم الخندق وتبعث في نفوسهم الرعب ، إلا أن هذا كله لا يعدو التفاصيل وتقديم العون في لحظات حاسمة بعد أن كان الجو المناسب والمناخ الملائم لعملية التغيير على العموم قد تكون بالصورة الطبيعية ووفقاً للظروف الموضوعية .

 

صفحة (80)

وعلى هذا الضوء ندرس موقف الإمام المهدي " عليه السلام " لنجد أن عملية التغيير التي أعد لها ترتبط من الناحية التنفيذية كأي عملية تغيير إجتماعي أخرى بظروف موضوعية تساهم في توفير المناخ الملائم لها، ومن هنا كان من الطبيعي أن توقت وفقاً لذلك. ومن المعلوم أن المهدي لم يكن قد أعد لعمل اجتماعي محدود، ولا لعملية تغيير تقتصر على هذا الجزء من العالم أو ذلك ، لأن رسالته التي ادخر لها من قبل الله ـ سبحانه وتعالى ـ هي تغيير العالم تغييراً شاملاً ، وإخراج البشرية كل البشرية من ظلمات الجور إلى نور العدل ، وعملية التغيير الكبرى هذه لا يكفي في ممارستها مجرد وصول الرسالة والقائد الصالح وإلا لتمت شروطها في عصر النبوة بالذات، وإنما تتطلب مناخاً عالمياً مناسباً وجواً عاماً مساعداً يحقق الظروف الموضوعية المطلوبة لعملية التغيير العالمية .

 

صفحة (81)

 

فمن الناحية البشرية يعتبر شعور إنسان الحضارة بالنفاد عاملاً أساسياً في خلق ذلك المناخ المناسب لتقبل رسالة العدل الجديدة ، وهذا الشعور بالنفاذ يتكون ويترسخ من خلال التجارب الحضارية المتنوعة التي يخرج منها إنسان الحضارة مثقلاً بسلبيات ما بنى مدركاً حاجته إلى العون ، متلفتاً بفطرته إلى الغيب أو إلى المجهول.

ومن الناحية المادية يمكن أن تون شروط الحياة المادية الحديثة أقدر من شروط الحياة القديمة في عصر كعصر الغيبة الصغرى على إنجاز الرسالة على صعيد العالم كله ، وذلك بما تحققه من تقريب المسافات والقدرة الكبيرة على التفاعل بين شعوب الأرض وتوفير الأدوات والوسائل التي يحتاجها جهاز مركزي لممارسة توعية لشعوب العالم وتثقيفها على أساس الرسالة الجديدة .

وأما ما أشير إليه في السؤال من تنامي القوى والأدة العسكرية التي يواجهها القائد في اليوم الموعود كلما أجل ظهوره ، فهذا صحيح .

 

صفحة (82)

 

ولكن ماذا ينفع نمو الشكل المادي للقوة مع الهزيمة النفسية من الداخل وانهيار البناء الروحي للإنسان الذي يملك كل تلك القوى والأدوات؟ وكم من مرة في التاريخ انهار بناء حضاري شامخ بأول لمسة غازية لأنه كان منهاراً قبل ذلك وفاقداً الثقة بوجوده والقناعة بكيانه والاطمئنان إلى واقعه.

 

 صفحة (83)

 

6. وهل للفرد كل هذا الدور !!

ونأتي إلى سؤال آخر في تسلسل الأسئلة المتقدمة وهو السؤال الذي يقول : هل للفرد مهما كان عظيماً القدرة على إنجاز هذا الدور العظيم ؟ وهل الفرد العظيم إلا ذلك الإنسان الذي ترشحه الظروف ليكون واجهته له في تحقيق حركتها ؟

والفكرة في هذا السؤال ترتبط بوجهة نظر معينة للتاريخ تفسره على أساس أن الإنسان عامل ثانوي فيه والقوى الموضوعة المحيطة به هي العامل الأساسي ، وفي إطار ذلك لن يكون الفرد في أفضل الأحوال إلا التعبير الذكي عن اتجاه هذا العامل الاساسي .

ونحن قد أوضحنا في مواضع أخرى من كتبنا المطبوعة أن التاريخ يحتوي على قطبين. أحدهما الإنسان ، والآخر القوى المادية المحيطة به.

 

صفحة (85)

وكما تؤثر القوى المادية وظروف الإنتاج والطبيعة في الإنسان يؤثر الإنسان أيضاً فيما حوله من قوى وظروف ، ولا يوجد مبرر لافتراض أن الحركة تبتدأ من المادة وتنتهي بالإنسان إلا بقدر ما يوجد مبرر لافتراض العكس ، فالإنسان والمادة يتفاعلان على مر الزمن وفي هذا الإطار بإمكان الفرد أن يكون أكبر من ببغاء في تيار التاريخ ، وبخاصة حين ندخل في الحساب عامل الصلة بين هذا الفرد والسماء فإن هذه الصلة تدخل حينئذ كقوة موجهة لحركة التاريخ . وهذا ما تحقق في تاريخ النبوات وفي تاريخ النبوة الخاتمة بوجه خاص ، فإن النبي محمد (ص) بحكم صلته الرسالية بالسماء تسلم بنفسه زمام الحركة التاريخية وأنشأ مداً حضارياً لم يكن بإمكان الظروف الموضوعية التي كانت تحيط به أن تتمخض عنه بحال من الأحوال ، كما أوضحنا ذلك في المقدمة الثانية للفتاوى الواضحة .

وما أمكن أن يقع على يد الرسول الأعظم يمكن أن يقع على يد القائد المنتظر من أهل بيته الذي بشر به ونوه عن دوره العظيم .

 

صفحة (86)

 

7. ما هي طريقة التغيير في اليوم الموعود !

ونصل في النهاية إلى السؤال الأخير من الأسئلة التي عرضناها ، وهو السؤال عن الطريقة التي يمكن أن نتصور من خلالها ما سيتم على يد ذلك الفرد من انتصار حاسم للعدل وقضاء على كيانات الظلم المواجهة له ؟

والجواب : المحدد على هذا السؤال يرتبط بمعرفة الوقت والمرحلة التي يقدر للامام المهدي (ع) أن يظهر فيها على المسرح وإمكن افتراض ما تتميز به تلك المرحلة من خصائص وملابسات لكي ترسم في ضوء ذلك الصورة التي قد تتخذها عملية التغيير والمسار الذي قد تتحرك ضمنه ، وما دمنا نجهل المرحلة ولا نعرف شيئاً عن ملابساتها وظروفها فلا يمكن التنبؤ العلمي بما سيقع في اليوم الموعود وإن أمكنت الافتراضات والتصورات التي تقوم في الغالب على أساس ذهني لا على أسس واقعية عينيه .

 

صفحة (88)

 

وهناك افتراض أساسي واحد بالإمكان قبوله على ضوء الأحاديث التي تحدثت عنه والتجارب التي لوحظت لعمليات التغيير الكبرى في التاريخ ، وهو افتراض ظهور المهدي (عليه السلام) في أعقاب فراغ كبير يحدث نتيجة نكسة وأزمة حضارية خانفة . وذلك الفراغ يتيح المجال للرسالة الجديدة أن تمتد وهذه النكسة تهيء الجو النفسي لقبولها ، وليست هذه النكسة مجرد حادثة تقع صدفة في تاريخ الحضارة الإنسانية وإنما هي نتيجة طبيعية لتناقضات التاريخ المنقطع عن الله ـ سبحانه وتعالى ـ التي لا تجد لها في نهاية المطاف حلاً حاسماً فتشتعل النار التي لا تبقي ولا تذر ويبرز النور في تلك اللحظة ليطفئ النار ويقيم على الأرض عدل السماء .

 

صفحة (89)

 

وسأقتصر على هذا الموجز من الأفكار تاركاً التوسع فيها وما يرتبط بها من تفاصيل إلى الكتاب القيم الذي أمامنا ، فإننا بين يدي موسوعة جليلة في الإمام المهدي "عليه السلام" وضعها أحد أولادنا وتلامذتنا الأعزاء

وهو العلامة البحاثة السيد محمد الصدر ـ حفظه الله تعالى ـ  وهي موسوعة لم يسبق لها نظير في تاريخ التصنيف الشيعي حول المهدي " عليه السلام " في احاطتها وشمولها لقضية الإمام المنتظر من كل جوانبها ، وفيها من سعة الأفق وطول النفس العلمي واستيعاب الكثير من النكات واللفتات ما يعبر عن الجهود الجليلة الذي بذلها المؤلف في إنجاز هذه الموسوعة الفريدة. وإني لأحس بالسعادة وأنا أشعر بما تملأه هذه الموسوعة من فراغ وما تعبر عنه من فضل وبناهة وألمعية وأسأل المولى ـ سبحانه وتعالى ـ أن يقر عيني به ويريني فيه علماً من أعلام الدين . والحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين . وقد وقع الابتداء في كتابة هذه الوريقات في اليوم الثالث عشر من جمادى الثانية سنة 1397 هـ ووقع الفراغ منها عصر اليوم السابع عشر من الشهر نفسه.

والله ولي التوفيق .

 

محمد باقر الصدر

النجف الأشرف

 صفحة (90)