|
ذكريات
على تلال مكة
( 315 )
بسم الله
الرحمن الرحيم
وأخيراً
...
بدت
خيوط الفجر المضيئة لتنذر بميلاد يوم جديد ، واليوم يختلف تأثيره في
حياة الانسان مع اختلاف ما يضم بين ساعاته من عطاء وما يحمل لمن يمد
بهم أو يمد عليهم من فائدة ورواء ، ولهذا .. فقد يطول اليوم ويطول
اليوم ويطول تبعاً لامتداد آثاره التي يتركها في حياة الانسان وقد يكون
قصيرا جدا ينتهي مع انتهاء ساعاته المعدودة .
ويومنا
ذاك .. كان حريا ان يكون طويلا بآثاره خالدا بعطاءاته.
ثم
.. انطلقت بشائر الصبح لتعلن النهاية لساعات الليل التي كانت طويلة
بدقائقها اذا قيست بما ضمت من افكار وما حملت من آمال وآلام ، وقصيرة
بالنسبة لساعات النوم التي تقلص عددها خلالها الى النزر القليل .. وكان
الصباح نديا بقطرات المطر مظللا بقطع السحاب الشيء الذي جعله غير
( 316 )
مشرق في مظهره الخارجي وان كان في واقعه يحمل معاني اشراقة الرحمة وهو
ينفتح عن فترة زمنية تنطلق بها ارواح المؤمنين في مسيرتها نحو الله
ملبية في ترجيعها ذلك النداء الخالد الذي أمر الله عز وجل به نبي الله
ابراهيم اذ قال عز من قائل :
(
وإذن في الناس بالحج
يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ...
) .
وكان
علينا ان نغادر البيت متوجهين نحو المطار ، فوقفت لالقي نظرة اخيرة على
ما اعددته من متاع للسفرة الطويلة البعيدة الاغوار خشية ان يكون هناك
ما أهمل أو أغفل ولم تكن مجموع الامتعة لتتعدى .. حقيبة واحدة فماذا
عسى ان يصحب معه ذلك الانسان الراحل الى بيت الله ؟ أو ليس هو منطلق
للحج نحو بيت كان خلال نشأته الاولى بواد غير ذي زرع ؟ نعم أو ليس وهو
منطلق نحو تلك الرحاب يعيش مفهوم دعاء نبي الله ابراهيم حينما يقول :
(
رب اني اسكنت من
ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة
).
وهكذا
كان ...
فقد
بقي هذا البيت كعبة للمسلمين في مشارق الارض ومغاربها تندثر الحضارات
وتتلاشى مع كل ما تحمل معها من جلال وشموخ ويبقى هو خالداً مع خلود
الدهر شامخا مع
( 317 )
شموخ الحق ، اذن .. فماذا عسى ان يحمل معه هذا الذي طمح باماله الى
المثول في تلك الرحاب ؟ بعض متطلبات الحياة الضرورية مع قرآن كريم .
وكتاب دعاء ، ومنسك لاعمال الحج . ومصباح صغير لجمع الحصى من المشعر .
ثم دفتر للخواطر وقلم للكتابة . وجواز سفر اخضر وجواز صحي اصفر !!!
ووقفت
اتاكد من وجود هذه الاشياء وأضع الجواز في مكان قريب لأنه هو الذي يفتح
امامي مغاليق الحدود ومن تلك الوقفة انطلقت بافكاري الى .. ما أعددته
من متاع لسفري الطويل فسفرتي هذه كان من المفروض لها ان لا تتجاوز
السبعة عشر يوماً ، أما تلك السفرة فهي طويلة وطويلة جدا عميقة وعميقة
الى حد بعيد .. انها بدون عودة . وبدون خط رجعة أنها نقلة من هذه
الحياة الفانية الى حياة أبدية باقية ، فما احوجها الى متاع وما احوجني
خلالها الى زاد ؟.. لنفرض مثلا انني نسيت حاجة او اهملتها فإن من السهل
اليسير عليّ ان أعوض عنها بما أجده هناك ولكن خلال سفرتي تلك حيث
لاعودة بعدها ولا رجعة فماذا عساي ان اصنع ان وجدت نفسي قد اهملت حمل
الزاد او تجاهلت اهمية المتاع ؟؟..
عندما
اعلن لنا ( متعهد القافلة ) ان علينا ان نصحب معنا غطاء بادرنا الى حمل
ذلك بدون ابطاء فلماذا ؟ لأنه خبير
( 318 )
بطبيعة الجو .. ولأنه هو الذي سوف يقوم باحضار حوائجنا فيعلم ما سوف
يهيؤه لنا وما علينا ان نعده لانفسنا ولكن .. عندما نسمع الى الرسول
الاعظم وهو يتلو علينا آي الكتاب قائلاً « وتزدوا فإن خير الزاد التقوى
» نسمع بدون استماع .. ونقرأ بدون اقتناع .. ونطمع بالمغفرة بدون زاد
.. عجيب !! فهل ترانا كنا نأمل بالدفء في سفرتنا تلك بدون غطاء ؟ هل
كان من الممكن ان نقول ان المتعهد رجل كريم فلنذهب معه بدون غطاء وهو
لا شك سوف يهيىء لنا ما يدفع عنا غوائل البرد ؟! أبدا ان هذا غير معقول
لأنه غير مسؤول عن ذلك ما دام قد أنذرنا واعلمنا بما لنا وما علينا ..
أما
ما أمرنا الله به من زاد وما أوصانا بحمله من متاع فنحن نتجاهله
ونتناساه ثم نعيش على امل ان يغفر لنا الله برحمته ويشملنا برضاه !!!
* * *
وارتفعت
بنا الطائرة .. بعد ان عقدنا نية الاحرام ونحن لانزال على ارض مطار
بغداد ورددنا كلمات التلبية قائلات « لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك
لك لبيك ، ان الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك لبيك » ..
ورأينا
الشمس تشرق علينا صافية نقية تهبنا الدفء وتغمرنا بالضياء فاستغربنا
ذلك وقد كانت تظللنا قبل
( 319 )
دقائق وترشنا بقطرات متلاحقة من المطر ! فهل ان في الامكان ان يتغير
الجو في مثل هذه السرعة ؟ وما أبعد البون بين هذه الشمس الدافئة التي
تشرق تحت سماء نقية صافية .. وبين ذلك الضباب الذي كان يشمل جوانب
انظارنا قبل قليل ؟ حقا انه لأمر عجيب ! هذا التحول الطارىء على صفحات
السماء وهذا التبدل الحادث في أعالي الافق ! أولم نكن نتطلع الى السماء
نبحث فيها وبين طبقات السحب التي تحجبها عن اثر الشمس ؟ أولم تختلط
قطرات المطر مع دموع المودعين ويتجاوب انين الريح مع زفرات المفارقين ؟
فكيف حدث هذا يا ترى ؟ أهو استجابة لدعاء داع ابتهل الى الله قائلا :
يا محول الاحوال حول حالنا الى أحسن حال .. أم ماذا ؟؟ واخيرا اكتشفنا
الحقيقة فعرفنا ان الطائرة قد ارتفعت بنا فوق السحاب اذن فنحن الذين
ارتفعنا عن السحاب وأمطاره وليس السحاب هو ذلك الذي انكشفت عنا بتحول
سريع ، فما أحلى ذلك وما أروع ان نكون ملحقين باجسامنا في فضاء نقي
وتحت شمس صافية الضياء تاركين وراءنا متاعب المطر ومصاعبه وقد كشف لنا
ذلك الموقف حقيقة ما اكثر من يجهلها منا .. وهي .. ان الانسان يتمكن من
الارتفاع بروحه وفكره عن سحب الريب وغيوم الجهل والانحراف ، نعم يرتفع
بروحه عنها ليستنقذها نقية طاهرة دون ان تعلق بها شائبة او يلوثها درن
من الادران .. فهو يستطيع ذلك لو اراد حتى ولو عاش في أجواء مظللة
بالغيوم ثم توصلنا الى حقيقة
( 320 )
ثانية ايضا .. وهي .. ان على الانسان ان يسعى نحو مطلع النور بأي ثمن
وان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم ولا يحول الانسان من
الظلمات الى النور الا اذا شاء هو ذلك وعمل من أجل ان يكون مؤهلا لذلك
التحويل ، فما أحلى ان نحلق بانفسنا في سماء نقية كما حلقنا بأجسامنا
خلال رحلتنا بأجسامنا خلال رحلتنا تلك ، وما أروع ان نلتفت فنجد ذاتنا
وقد تنزهت عن الرذائل وحلقت في سماء الكمال تاركة وراءها ويلات
الانحراف وآفات السقوط كما تركنا وراءنا ونحن في الطائرة الارض المغطاة
بالوحول والآفاق الملبدة بالغيوم .
وبعد
مضي مائة دقيقة أعلن لنا عن قرب هبوطنا الى مطار جدة ، وذلك يعني اننا
سوف نكون بعد يوم أو يومين في مكة .. فما أعظم هذه الحقيقة وأضخم ما
تعنيه وترددت في ذهني وعلى فمي هذه الابيات ..
قالوا غدا نأتي
ديار الحمى * وينـزل الركب بمغنـاهـم
فكل من كان مطيعــاً لهم * اصبح مســروراً بلقياهـم
قلت فلي ذنب فما حيلتـي * بأي وجــه أتـلـقـاهـم
قالـوا أليس العفو من شأنهم * لا سيمــا عمن ترجـاهم
( 321 )
فجئتهم أسعى
الى بابهـم * أرجوهم طوراً واخشاهــم
* * *
واستقرت
بنا الطائرة على ارض مطار جدة بعد ان دارت فوق مدارجه دورات طويلة ،
فحمدنا الله على سلامة الوصول وحسن التوفيق .. ثم تطلعت انظارنا نحو
الباب تترقب الاذن بالنزول . ومضت دقائق طوال لأنها كانت مشوبة
بالانتظار .. ومن خصائص الانتظار مهما كانت انواعه وبواعثه واسبابه من
خصائصه ان يضفي على الوقت مطاطية هائلة فيضاعف ادراكنا بأهمية الى
اضعاف كثيرة ومضت فترة ثم طلب منا ان نبرز جوازاتنا الصحية ! فأمسك كل
منا بجوازه ( الاصفر ) بين أنامله وكأني انسان خرج لتوه من احدى
المصحات وبقينا نتطلع نحو الباب في مزيج من اللهفة والضجر وبنظرات
تنطلق بالاحتجاج .. واخيراً انفتح باب الطائرة عن رجلين صعدا ليطمئنا
على سلامة القادمين من الامراض ( الوبائية ) فتفحصا معظم الجوازات ومن
العجيب اننا كنا ممن لم تصل اليهم عملية التفتيش ، وكأن سلامتنا بدت
واضحة جلية دون معاينة ومزيد تدقيق .. فكيف حصل هذا ؟ ولماذا ألسنا مثل
باقي المسافرين ؟ انه عدم الاخلاص في العمل والاهمال لا اكثر ولا اقل !
والجواز الصحي عن أي شيء كان يحكي يا ترى ؟ انه كان يحمل شهادة التطعيم
ضد
( 322 )
الهيضة وضد الجدري ، ولم يكن هناك اي احتمال ان احد المسافرين مصاب
فعلا بمرض الجدري او مرض الهيضة ، لا .. ولكن المطلوب التطعيم الوقائي
وهو التأكد من أن هذا المسافر الوافد قد حصن نفسه عن التعرض لهذه
الأمراض أخذ المسافرون بالهبوط .. وبقيت نزولي في مقتري الأخير والجواز
فبدأت أفكر .. تذكرت جالسة انتظر خلو السلم من الزحام الصحي الذي أسأل
عنه من منكر ونكير وأهمية كل تطعيم وقائي يشير اليه ذلك الجواز ، انهم
يطالبونني بشهادة التلقيح ضد أمراض عديدة ، هذه الامراض التي يعاني
المجتمع من ويلاتها الشيء الكثير نعم هذه الامراض التي لا تتولد لدى
الانسان نتيجة ضعف جسم او قرب من المصابين وانما هي وليدة ضعف الايمان
وتحلل الشخصية ، انها وليدة الذوبان في شخصيات الآخرين مهما كان هؤلاء
الآخرين منحرفين او مبتذلين او متذبذبين .. انه مصل وقائي يهب للانسان
حصانة تقية ويلات السقوط .. نعم . ان الانسان ليسأل في مقره الاخير عن
روحه لماذا اطلقها وراء رغباتها بغير رقيب وعن فكره لماذا جعله يتجه
حيث شاء دون تهذيب ؟ وعن قلبه كيف أهمله فجعل آماله وأمانيه تنمو
أوراقها وتمتد فروعها كالشجرة التي تفتقر الى التشذيب ؟ انه ليطالب
بجواز صحي ومن أين له ذلك الجواز ؟ الا اذا كان خلال حياته قد عمل على
الوقاية وباشر عملية التطعيم ان الموظف السعودي قد يهمل او يغفل كما
اهملنا او غفل عنا .. أما هناك .. حيث يتلقانا ملائكة
( 323 )
الله الموكلين بفحص ( جوازتنا الصحية ) فليس فيهم من يغفل عن صغيرة
كانت او كبيرة لأنهم « ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم
ويفعلون ما يؤمرون » ..
* * *
وهبطنا
الى مطار جدة ..
فكان
هناك مجموعة من المسافرين قد اصطفوا على شكل نصف دئرة منفتحة استعدادا
لالتقاط صور تلفزيونية فانتحينا عنهم جانباً .. فقال لنا قائل : هلا
تفضلتم بالاشتراك ؟ انه فلم تلفزيوني يعرض على الشاشة كأثر مرئي لهذه
الرحلات !! ووددت لو أرد عليه قائلة : نحن أيضا في حالة التقاط صور ..
ولكن اتراه كان يفهم ما الذي اعنيه وبهذه العجالة ؟ فاكتفيت ان اقول له
كلا ووقفت جانبا أشاهد الجماعة التي كانت تستعد للتصوير كان البعض منهم
يصلح من مظهره والبعض الاخر يحاول ان يتقدم ليحتل مكانا احسن وهذا امر
طبيعي بالنسبة لانسان يشعر انه في معرض تصوير فهو ولا شك يحاول ان
يتجنب كل ما يشين من مظهره الخارجي او يؤثر عليه لكي يبدوعلى شاشة
العرض بهيا متكاملا في وقفته تلك وارتسمت في فكري صورة للعرض الاكبر
خلال يوم القيامة « يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية » فها هي اجهزة
الالتقاط تتوجه نحونا كما كانت تتوجه منذ اصبحنا مشمولين بالتكليف
الالهي في مسؤولية حمل الامانة التي عرضت على
( 324 )
السماوات والارض فأبين ان يحملنها وحملها الانسان ، نعم ولكنها أجهزة
التقاط تختلف عن هذه الاجهزة المادية المصطنعة .. ان هذه لا تتمكن ان
تسجل سوى الغشاء الخارجي لجسم الانسان ، وحتى هذا فهي لا يسعها ان
تصوره اذا حال بينها وبينه شيء ولو كان غطاء رقيقاً ، أما تلك فهي تسجل
حتى نظرات العيون وخواطر القلوب ..
يعلم
خائنة الاعين وما تخفي الصدور .. ( ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك
احدا ) اذن .. فلو عاش الانسان هذه الحقيقة ولو احس بها خلال حركاته
وسكناته ولمحاته ونظراته لحرص دائما وبدا ان يبرز بالشكل المرضي وان
يحتل مكانا احسن يوم يعرض فلم حياته امام البشرية بدون غطاء . ثم ..
عرض علينا ان نتحدث امام شريط للتسجيل لنبشر اهلنا بسلامة الوصول ..
عجيب ! ولكن أترانا كنا قد وصلنا ؟ ان المسافر لا يسجل لنفسه الوصول
الا اذا وصل الى النقطة التي انطلق نحوها منذ البداية ـ ونحن كنا في
انطلاقتنا تلك متوجهين نحو هدف معين لم يحققه لنا الوصول الى مطار جده
.. الم نكن سائرين في ركاب هذه الآية الكريمة «
ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا
» .. اذن فأين
نحن من الحج وأين نحن من السلامة ؟ سلامة الجسد لاتعني شيئا في حساب
الراحل الى الله ..
( 325 )
ولكن هي سلامة العمل وصحة الاداء ، فما اكثر سلامة الاجساد وما أقل
سلامة الاعمال ..
وصعدنا
الى مدينة الحاج
وهي
عمارة كبيرة تتألف من طوابق عديدة تحيطها عمارات وغرف واسعة وتشرف من
احدى جوانبها على ساحة المطار ومن خصائصها انها ومع جميع ما قد تسبب
الاقامة فيها من مضايقات .. انها تبعث في نفس الانسان نوعا من الانشراح
والانطلاق ، وكأنها مرحلة انتقال شيقة ثم انها المنزل الاخير الذي
ننطلق منه نحو بيت الله الحرام ، وكانت الغرفة التي توجهنا نحوها
جانبية تطل على بعض شوارع مدينة جدة ومدخل مدينة الحاج ، واجتمعنا لاول
مرة نحن النساء المسافرات ضمن القافلة في غرفة واحدة ، وبدأنا نتصفح
الوجوه في تطلع لهفان ووددنا لو وجدنا اثرا لطابع مميز يشمل الجميع
طابع الشعور بالوحدة المنطلقة من وحدة الغاية واتحاد الهدف في الحج ..
ولكن ..
وقمنا
ببعض المحاولات للتعرف على رفيقات السفر فكان فيهن من تستجيب بتحفظ
وفيهن من تلوي جيدها في شيء من اللامبالاة ( عدى من كانت معرفتنا بهن
تسبق حدود هذه السفرة طبعا ) وقد كان الشعور الغالب على بعضهن هو
التطلع الى ما في أسواق جدة من جديد !! وبما اننا كنا قد
( 326 )
أحرمنا من مطار بغداد فقد عرضنا ذلك لبعض الاسئلة عن الاسباب التي
دعتنا الى تقديم الاحرام فأخذنا نشرح طبيعة الحكم الشرعي في ذلك وكيف
ان الاحرام يجب ان يكون من احد المواقيت الخمسة : الجحفة . يلملم . قرن
المنازل . مسجد الشجرة . وادي العقيق . ولا يصح الاحرام من غيرها الا
بنذر شرعي ، والنذر الشرعي لا ينعقد الا اذا كان المكان الذي ينذر
الاحرام منه أبعد عن مكة من الميقات او بمحاذاته ومن أجل نفس هذا الحكم
كنا نشاهد في مدينة الحاج مجاميع من الحجاج وهم في طريقهم الى الجحفة
من اجل عقد نية الاحرام ، والجحفة تبعد عن جدة بمقدار ( 180 ) كيلو متر
تقريبا ، وبتنا ليلتنا في مدينة الحاج وكنا نحرص بعد أداء كل فريضة ان
نراجع أحكام الحج في المنسك الذي صحبناه معنا فنعيد قراءة ما عرفناه
ونتأكد من معرفة ما جهلناه ونتبادل نحن الستة شرح اعمال الحج ونؤكد على
أعمال العمرة لأنها أول فريضة تنتظرنا في مكة ولم يكن هذا من أجل اهمال
في التحضير من قبل او غفلة عن سير احكام الحج واعماله ، ولكنه كان على
سبيل التأكيد والتجديد ثم انه من اجل فتح المجال امام الاخريات للسؤال
اذا كن في ريب من عمل او شك في حكم من الاحكام وكانت اهم نقطتين
واجهتنا في اصلاح احرام المحرمات من حولنا هي اولا : انهن كن يتجردن عن
الجوارب فور عقدهن لنية الاحرام ويستعضن عنها بلبس السروال الطويل وذلك
في اعتبارهن لسببين : احدهما وجوب
( 327 )
اظهار ظهر القدم حال الاحرام وثانيهما جواز ابداء القدم امام الرجال
ظنا منهن ان جواز كشف ظهر القدم حال الاحرام ليس الا احتياط استغنى عنه
التشريع لعدم تأكده . هذا مع تأكد حرمة كشف القدمين امام الرجال
الاجانب وعدم وجود مجال لمقايستها مع الكفين ، فالاسلام حينما شرع
الستر للمرأة كصيانة لكيانها ووقاية لوجودها الخاص ووجودها العام ضمن
المجتمع وتجنيب لها وللمجتمع مغبة تكشفها امام الرجال حينما شرع ذلك لم
يرد من وراء ذلك التشريع عزل المرأة عن الحياة او حبسها عن مجالات
التعايش السليم الطاهر مع المجتمع . ولهذا فقد اجاز لها كشف الوجه
والكفين لانهما كل ما يحتاجه الانسان ، وأي انسان رجل كان أو امرأة
حينما يتفاعل مع الحياة في مختلف المجالات ان اي عمل او علم لا يحتاج
الى ابراز الكتفين او ابراز جدائل الشعر مثلا ولكنه قد يكون في حاجة
الى كشف الوجه والكفين وهذان هما ما أجاز التشريع للمرأة أظهارهما عند
الحاجة ، اما القدمان فما هو الشيء الذي يتوقف على كشفهما يا ترى ؟ وما
هو الاثر غير المرضي الذي يتركه سترهما في مجالات الحياة ؟ لا شيء ابدا
ولهذا وجب علينا ستر القدمين وابيح لنا كشف الكفين هذه هي النقطة
الاولى .. اما النقطة الثانية .. فهي عدم اتقان مقدار ما ينبغي كشفه من
الوجه حال الاحرام !! فنحن اذ نعرف ان احرام المرأة بوجهها ينبغي ان
تلتزم بكشف الوجه من قصاص الشعر وحتى الذقن لا أكثر ولا اقل ، ولعل هذا
( 328 )
يفتقر الى شيء من الدقة ولكن أهمية فريضة الحج عميقة وكبيرة جداً أفلا
تستحق قليلا من الدقة والالتزام ؟؟!
وركبنا
السيارة في طريقنا الى مكة .. وهي سيارة كبيرة حمراء غير مكشوفة كتب
عليها بالخط الابيض العريض كلمة ( التوفيق ) وكان هناك سيارة حمراء
اخرى تساير سيارتنا وقد ركبها رجال القافلة ولم تكن تلك لتختلف عن هذه
الا بكونها مكشوفة السقف تمشيا مع الحكم الشرعي الذي لا يجيز للرجل
المحرم الاستظلال بالظل المتنقل ، وما ان تحركت بنا السيارة حتى وجدت
نفسي غارقة في دوامة من الانفعالات المختلفة التي هي مزيج بين الرضا
والخوف والرهبة والرغبة والفرحة والحسرة .. وانطلقت أردد على لساني
كلمات التلبية « لبيك اللهم لبيك » انها استجابة للنداء الخالد الذي
امر الله نبيه ابراهيم (ع) ان يطلقه في آذان البشرية ولكن اتراها
استجابة كاملة ؟ ان التلبية تكون مخلصة صادقة اذا نطق بها اللسان
واوحاها الفكر وصدقها القلب وأكدها العمل . ان حركة اللسان وحدها لا
تكفي باعطاء مفهوم التلبية الا اذا تظافرت معها جميع الجوارح لدى
الانسان ، « لبيك لا شريك لك لبيك » انه اقرار بالوحدانية وتأكيد على
العبودية المطلقة « ان الحمد والنعمة لك والملك » نعم ان الحمد لله
وحده لانه وحده صاحب كل نعمة ومصدر كل رحمة فهو المحمود الاول في كل ما
يحمد عليه ، وهنا تذكرت كلمة للامام : ان شكري اياك يحتاج الى شكر ، ان
يكون الانسان مقرا بالحمد والشكر
( 329 )
لله لهي السعادة ما فوقها سعادة لما يتضمن ذلك الاقرار من مصادر رحمة
وينابيع رضوان ، ـ ان الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك لبيك »
ومرة ثانية يتكرر في كلمات التلبية الاقراربالوحدانية ، هذه الوحدانية
التي تنطلق عنها وحدة الهدف ووحدة الغاية لكي يكون القصد في العبادة
متوجها بمجموعه نحو الله نزيها عن الرياء بعيدا عن الخيلاء نقيا من
شوائب الغرور وحب البروز أو الظهور خاليا مما يوجب الشرك المنافي لخلوص
الاعمال لله ومن اجل طاعة الله .. واندمجنا مع كلمات التلبية حتى
شارفنا ( الحديبية ) وهي أول حدود الحرم للقادم من جدة ، وهناك وجدنا
السيارة الحمراء المكشوفة ( سيارة الرجال ) تنتظر ! واعلن لنا عن ضرورة
تجديد نية الاحرام لمن احرم من جدة !!! واستغربت الامر ! لأن الحديبية
ليست ميقاتا للقادمين من العراق ! وعلى كل حال فقد وقع الكثير من الهرج
والمرج بين المحرمات المسكينات فتارة يطلب منهن النزول واخرى يطلب منهن
العودة الى مقاعدهن ، ثم تتلى عليهن نية الاحرام من خارج السيارة وعن
طريق مكبر للصوت فتأتي الكلمات ضعيفة غير واضحة فتتصاعد كلمات احتجاجهن
« لم نسمع لم نعرف ماذا قال ، ومضت فترة صخب بين قيل وقال ثم انتهت
بسلام والحمد لله . وكنا نحن المحرمات من بغداد نحمد الله ما وفقنا
اليه من صحة الاحرام وعدم احتياجه الى تجديد او اتمام ثم سارت بنا
السيارة من جديد وكنا نشعر ان
( 330 )
كل ميل تطويه عجلاتها ( الكليلة ) تقربنا نحو الهدف فتخفق لذلك قلوبنا
وكأنها تحاول ان تبعث من طاقاتها الحرارية قليلا من الحرارة في السائق
الذي كان يبدو وهو لا يريد ان يكلف نفسه عناء الضغط على البنزين كانت
أرواحنا تهتز مع طي الطريق في نشوة روحية خالصة فتود لو سابقت هذه
العجلات الثقيلة التي لا تكاد تستجيب للمحرك بسهولة وهي لا تعلم ولا
تشعر بما تحمل من شحنات آمال تتمنى لو سابقت الريح في الوصول الى رحاب
الله واخيرا وبعد مضي ما يقرب من ساعتين بدت لنا من بعيد معالم مكة ..
فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله ..
* * *
ووصلنا
الى مكة ..
وكانت
الساعات الاولى من الليل قد انقضت ونحن في الطريق وتوجهنا نحو البيت
الذي خصص لنزولنا وهو غير بعيد عن الحرم والحمد لله فألقينا أمتعتنا
وجددنا الطهارة ثم تهيأنا للذهاب الى الكعبة ، من أجل الاتيان بطواف
العمرة ، وهناك طلب منا ان ننتظر لكي نتناول العشاء وبعد ذلك نذهب مع
مجموع الحاجات وبحراسة من بعض مساعدي المتعهد ، ولكن أترانا نتمكن من
الانتظار ؟ وكل جارحة من جوارحنا قد استحالت الى لهفة وجميع مشاعرنا
أخذت تنطق بالحنين فلقد كنا على موعد مع جبار السماء لنطوف حول
( 331 )
الكعبة طالبين الغفران ولنسعى بين الصفا والمروة مبتغين الرضوان ،
عندما يعيش الانسان في إنتظار لقاء محبب اليه لا يعود يهنأ بشيء قبل أن
يتحقق له ذلك اللقاء فهو يستحيل بجميع وجوده الى لهفة وانتظار وهل هناك
ما هو أحب الى الانسان من ساعة رحمة واونة غفران ؟ ولهذا فقد عز علينا
الانتظار ، ولماذا ننتظر يا ترى أمن أجل غذاء ؟!.
ولكن
ما أهمية الغذاء المادي بالنسبة للغذاء الروحي الذي ينتظرنا هناك ، أم
من أجل الحصول على حراسة الحارسين ؟ أو لم يقل امامنا جعفر الصادق (ع)
في وصيته لمن يريد الحج الى بيت الله الحرام : ( ولا تعتمد على زادك
وراحلتك وأصحابك وقوتك وشبابك ومالك مخافة ان يصير ذلك عدوا ووبالا فإن
من ادعى رضا الله واعتمد على شيء سواه صيره عليه عدوا ووبالا ليعلم انه
ليس له قوة ولا حيلة ولا لاحد الا بعصمة الله تعالى وتوفيقه ) اذن فليس
هناك ما يدعونا الى الانتظار ..
وانطلقنا
نحن بمجموعتنا الصغيرة نحو بيت الله الحرام وكان الطريق الذي يفصل
بيننا وبينه عبارة عن سوق يسمى بسوق الليل وهو ملىء بزخارف الحياة التي
عرضت للابصار بشكل يساعد على الاغراء .. ولكن .. أترانا كنا نبصر من
هذه الزخارف شيئا ؟ أم ترانا كنا نتحسس آثار وجودها ونحن مندفعات نحو
بيت الله الحرام تسبقنا الآمال بالغفران وتحدو بنا الاماني لنيل
الرضوان ؟...
( 332 )
انها رحلة .. تلك الخطوات .. رحلة الانسان الذي هرب الى الله عز وجل من
ذنوبه تائبا وعلى اخطائه نادما رحلة الانسان الذي يستشفع الى الله
قائلا ( الى من يذهب العبد الا الى مولاه والى من يلتجىء المخلوق الا
الى خالقه ) وقاربنا البيت المبارك وكنا نهبط في طريقنا اليه لانه في
واد بين الجبال والمرتفعات . ولكنه هبوط جسمي يبعث الى الارتفاع الروحي
ويبلغ اسماعنا دوي السعادة وهم في مسيرتهم المباركة بين الصفا والمروة
وكان لذلك الدوي المبهم الكلمات اعظم الاثر في الترهيب والترغيب فهل
حقا اننا على بضع خطوات من بيت الله الحرام ؟ وهل حقا ان هذه النوافذ
الحديدية المرتفعة تطل على اقدس بقعة خلقها الله وتشرف على أول بيت وضع
للناس ؟ وهل حقا ان هذا الوجود الضعيف قد انطلق بآثامه واخطائه هاربا
من الله الى الله وها هو قد اوشك ان يحظى بالمثول امام كعبة المسلمين
في مشارق الارض ومغاربها ؟ انها نعمة لا يكاد يصدقها الانسان لنفسه ،
وهذا الدوي الذي كلما دنونا نحوه اكثر تكشف عن كلمات تقول ( الله اكبر
لا اله الا الله . الحمد لله . لا اله الا الله وحده وحده . انجز وعده
ونصر عبده . وغلب الاحزاب وحده ) هذه الكلمات هي التعبير الواضح عن كل
ما يشتمل عليه الحج من شعارات ومفاهيم ، الوحدانية لله والخضوع
لعبوديته والتوكل عليه ، والثقة بنصره لعباده الصالحين .
* * *
( 333 )
ووقفنا
امام الكعبة وكانت وقفتنا من الجهة المقابلة للحجر الاسود حيث يجب ان
يبدأ الطواف من هناك وكان المطاف محتشدا جدا لا تبدو منه سوى رؤوس رفعت
وجوهها نحو السماء ترتجي الرحمة من العلي الاعلى وتهتف في قنوط
المساكين قائلة ( اللهم اني اليك فقير ، واني خائف مستجير ، فلا تغير
جسمي ولا تبدل اسمي ) .. ولاحظت صعوبة الطواف وهو في قمة ازدحامه وتلفت
حولي اتطلع الى الوجوه التي تقف الى جانبي وادرس مدى تمكنهن من خوض هذا
البحر البشري الزاخر ، فاسعدني واراحني ان أجد اللهفة لديهن قد طغت على
كل شيء فأمدتهن بطاقات من الارادة والتحمل والثبات والاصرار على بلوغ
الهدف باي ثمن فسمينا بسم الله الرحمن الرحيم وتراجعنا قليلا عن مواجهة
الحجر الاسود لنطمئن من مرور جميع جسمنا امامه ثم .. اندمجنا مع مجموع
الطائفين ..
وبدأنا
نفقد الاحساس بصعوبة السير وسط الحشد الهائل ولم نعد نبالي بما نتعرض
اليه من ضيق بعد أن اندمجت جميع مشاعرنا في ترديد هذه الكلمات ( اللهم
ادخلني الجنة برحمتك ، واجرني برحمتك ، يا ذا المن والطول والجود
والكرم ، ان عملي ضعيف فضاعفه لي ، وتقبله مني ، ربنا آتنا في الدنيا
حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار ، اللهم البيت بيتك والعبد عبدك
وهذا مكان العائذ بك من النار ) .. وكنا كلما اكملنا دورة واحدة
عددناها مع بعضنا بصوت مسموع لكي نتجنب الشك والنسيان فليس بغريب ان
يندمج الانسان
( 334 )
الطائف مع أهدافه وعطاءاته فينسى العدد والحساب ويبقى يدور ويدور وكأنه
لا يريد الله يترك دورته حتى يستوثق من الغفران ، ولهذا كنا نهتم بحفظ
العدد واتقانه فإن الطواف هو رمز لدوران الانسان حول غاية يؤمن بها أو
هدف يسعى اليه ، فهو يلف حولها لكي يبدأ من حيث ينتهي ، وهو يشعر
الانسان انه انطلق من الله وسوف يعود الى الله وانه دار ضمن حدود
وابعاد رسمها الله عز وجل فليس له ان يتعداها فينقص منها او يزيد ، ان
دورته حول هذا الرمز الإلهي ترسم له حدود تحركاته في الحياة فهو اذ
يتحتم عليه هنا ان يدور بأقدام ثابته ينقلها من فوق الارض باختياره
يتحتم عليه ايضا خلال دورته الكبرى في دوامة الحياة ان لا تزل به قدم
أو يندفع وراء غاية دون رؤية أو استبصار وهو في دورته المقدسة هذه اذا
اندفع الى الامام بدون خطوات ثابته عليه ان يعود من النقطة التي ارتفعت
فيها قدماه عن الارض ، يعود ليبدأ سيره من جديد وكذلك الحال في مسيرة
الحياة فإنه متى ما تعدى حدودها باندفاع او انحراف له ان يعود ليباشر
سيره من جديد وفقا للحدود التي حددها له الله عز وجل ـ وذلك ما يسمى
بالتوبة » انه رمز يطبع بطابعه جميع تحركات الانسان في حياته القادمة
خلال جميع مجالاتها وابعادها ، واكملنا دوراتنا السبع وقد كانت النهاية
من حيث البداية وهي مواجهة الحجر الاسود وكما احتطنا فتأخرنا عن الحجر
في البداية فقد احتطنا وتعدينا موضعه المبارك قليلا في النهاية .. ثم
انسحبنا من بين
( 335 )
الجموع ونحن نحاول ان يكون انسحابنا هادئا لا يعيق طواف الطائفين
وخرجنا وكل جارحة من جوارحنا تنطق بالحمد لله رب العالمين .
* * *
وتوجهنا
الى مقام ابراهيم لنصلي الى جواره او خلفه صلاة الطواف ، وهي ركعتان
كصلاة الصبح لا تختلف عنها الا بالنية فقط ، وكانت تلك البقعة المباركة
مليئة بالمصلين ولولا شمولنا بعين عناية الله ورحمته لتعذر علينا ان
نجد لنا مصلى هناك وبدأنا نصلي على التعاقب لكي تحرس كل أربع منا
المصلية الواحدة مخافة ان تتعرض لما يفسد صلاتها من آثار الزحام ...
ومن هنا تبرز حقيقة جديدة لعميق اهمية الصلاة في حياة الانسان ، فهي
تواكب حياته في اليوم خمس مرات وهي ترافقه حتى في عبادة الحج لكي لا
يبتعد عن هذه الصلة الوثيقة التي تشده بالخالق دائما وابدا ، انها
ركعتان لا غير ولهذا فهي صغيرة اذا قيست مع حجم عبادة الحج الكبير
وضخامة أعماله وواجباته ، ولكنها مع ركعاتها القليلة كانت ركنا من أهم
أر كان الحج يجب الاتيان بها مع اتقان الكلمات والتأكد من الحركات
وخلوص النية في الاداء ، « واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا
من مقام ابراهيم مصلى .. » انها سلاح هذه الصلاة سلاح يجند الانسان
المصلي ليقف في خط الدفاع يدافع بها عن روحه ليحتفظ بها قوية عزيزة لا
تعرف
الخضوع لغير الله ولا تلتمس الرجاء الا من عند الله «
اياك نعبد
واياك نستعين »
ويدافع بها عن فكره لكي لا يشمله الخمول أو يرهقه الشذوذ أو تتبعه
الحيرة والضيعان والتذبذب والتيهان «
اهدنا الصراط المستقيم
» ويدافع بها عن وجوده كله عن
اعصابه لكي لا يشدها اليأس وهو يتمكن ان يدعو من خلالها قائلا «
ربنا آتنا في الدنيا حسنة
في الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
» وعن اعضاء
جسمه لكي لا يضعفها الخمول او يوهنها الجمود فيبعث فيها الحركة باتباعه
لرياضة الصلاة وتفاعلها الصالح مع كل عضو من اعضائه وله ان يعبر عن ذلك
خلال تحركاته فيها قائلا « بحول الله وقوته أقوم وأقعد » .. نعم انها
سلاح قوي لا غنى للانسان عنه ولهذا نجده يواكب حياة الانسان ليجعله
دائما وابدا قويا في دينه ثابتا في عقيدته صلبا في ارادته وابعاد وجوده
وانتهينا من الصلاة وكانت صلاتنا خلف المقام المبارك بمكان قريب والحمد
لله وكان علينا ان نتوجه بعد ذلك للسعي وقد كنا نشعر بالتعب ولكن ومن
جديد عرفنا .. كيف يتبلور التعب عن راحة ، وكيف يتفتح العناء عن طاقات
سعادة ، عرفنا كيف يستحيل العذاب الى عذوبة وكيف تهب المرارة معنى
الحلاوة ، كانت قلوبنا تخفق بشدة ولكننا لم نكن نعرف من تتابع خفقانها
انها مرهفة ولم نكن نجد في تلاحق ضرباتها انها مجهدة . كلا . ولكننا
كنا نحس بالشوق يستغذها ونستشعر الفرحة وهي تداعبها فنجدها وكأنها
ضائعة بهذا الكيان الذي
( 337 )
يحبسها ويفرض عليها قيوده والتزاماته تواقة لأن تنطلق في رحاب هذا
البيت لائذة بالحرم كالحمام الوديع او ملحقة في اجوائه كالملاك الطاهر
او مرفرفة حول قواعده كالنسمات العذاب ، ولهذا لم نكن نريد ان نجلس
لنستريح وانما ذهبنا تحت خطى الشوق واللهفة الى المسعى المبارك ..
ووقفنا
بين الصفا والمروة ...
وهو
رواق بنيت سقوفه وجدرانه من المرمر الخالص وامتد في وسطه صفان
الدارابزون لا يتعدى الفاصل بينهما المترين تتخللهما بين كل مسافة
قصيرة فتحة متوسطة الاتساع من أجل مرور المستطرقين وكان اعداد هذين
الصفين من أجل حصر السعاة الراكبين بينهما حفاظا على راحة السعاة
المشاة ، والسعي يختلف عن الطواف بحرية السير فيه أو الركوب فللانسان
الساعي ان يختار الركوب اذا اراد حتى ومع تمكنه من السير وذلك ما لا
يصح خلال الطواف الا عند العجز الكامل او الضرورة القصوى وكان هذا
الرواق الطاهر يقع بين ربوتين او جبلين مجدبين احدهما وهو الصفا تعتليه
قبة منبسطة العمق والثاني الذي هو المروة يكون سقفه مستويا الا من
تعاريج البناء ويبلغ طوله حوالي الميل والنصف ومن الصفا كان يجب علينا
ان نبدأ السعي فارتقينا هضبته المباركة وأدينا نية السعي قائلات « أسعى
بين الصفا والمروة سبعة أشواط لعمرة التمتع الى حج الاسلام لوجوبه
امتثالا
( 338 )
لأمر الله سبحانه وتعالى » ثم بدأنا نسير سيرا رتيبا يتخلله الدعاء
والابتهال وكانت الاصوات من حولنا تتصاعد قائلة : « ان الصفا والمروة
من شعائر الله فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما ومن
تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ».
فما
اروع ان تصبح الخطوات وهي مسيرة مؤدية لشعائر الله وما اضخم الحقيقة
التي يشترك في الانصياع اليها وجود الانسان بجميع ابعاده وجوارحه
وأحاسيسه . انها حقيقة العبادة بشمولها الواسع لشخصية الانسان منها هو
السعي لا يتطلب من الحاج سوى نقل اقدامه فوق ارض منبسطة ملساء ولكن ومع
كل خطوة ترتسم صورة للعبادة وخلال كل شوط يسجل رقما لاداء الواجب .
وبعد ان انهينا اشواطا اربعة جلسنا على مرتفعات الصفا لنسترد شيئا من
الراحة لاجسامنا وأقدامنا التي ارهقها المسير ومن هناك انطلقنا نفكر ..
فعدنا بافكارنا الى حيث سعت السيدة هاجر ام اسماعيل وهي تفتش عن ماء
تروي به ظمأ وليدها الغالي فهي تنطلق تبحث لتعود .. وتعود لتنطلق من
جديد وهي في كل هذا موزعة القلب بين طفل ضامىء وأمل في وجود ماء . نعم
.. لقد لاقت هاجر الكثير من التعب والنصب وتعرضت لشديد محنة واذى ولكن
وبما ان ما لاقته وما تعرضت اليه كان في سبيل الله ومن أجل الانصياع
الى اوامر الله فلا زالت كل
( 339 )
هذه الملايين من الاقدام السائرة في كل موسم في كل عام ما زالت تتقصى
آثار تلك الاقدام الطاهرة في مسيرتها المباركة ، ثم ألم تكن هاجر امرأة
؟ اذن أفلا يمكن لنا ان نعد هذا الجانب من الحج هو تخليد لجهود المرأة
في عالم العبادة والفداء ثم ألا يمكن لنا ان نعرف من هذا ايضا ان
المرأة قادرة على رسم خطوط بارزة في ميدان العمل والجهاد ؟ وعدنا الى
اكمال اشواطنا السبعة بعد فترة استراحة وتفكير .. وانهينا الاشواط
السبعة على هضبة المروة وكنا قد صحبنا معنا مقراضاصغيرا من أجل التقصير
اذ يجب علينا عند الانتهاء من السعي ان نقصر قليلا من شعر رأسنا أو
نقلم قليلا من أضفر يدنا . وقد احتطنا فجئنا بالتقصيرين وبذلك انتهينا
من عمرة التمتع للحج .. فالحمد لله على ما هدانا والشكر له على ما
وفقنا اليه ..
* * *
وقضينا
ثلاثة ايام في مكة بين زيارة وطواف حتى عصر اليوم الثامن من شهر ذي
الحجة الحرام حيث كان علينا ان نذهب الى عرفات .. ومع ان وجوب الوقوف
في عرفات يبدأ من زوال اليوم التاسع وينتهي عند الغروب ولكن عادة
الحجيج هي الخروج الى عرفات عصر اليوم الثامن اي يوم التروية . وذهبنا
بعد الظهر الى الحرم المبارك وجلسنا امام الكعبة الشريفة ننتظر الغروب
وسرح بي الفكر الى الواقع
( 340 )
الرائع الذي نعيشه أفتراها كانت حقيقة واقعية جلستنا تلك ؟ وراق لي ان
اكتب بضع كلمات على ورقة صغيرة حاولت ان اصور بها ما اعيشه من افكار
انها اعز كلمات كتبتها خلال سفرتي تلك لأنها كتبت عن كثب من الكعبة
وانطلقت من اشرف بقعة في أقدس مكان وارتفع صوت اذان المغرب هاتفا بكلمة
العزة الخالدة . الله أكبر . لا شيء اكبر من الله هذا الكبر الذي يقره
الانسان لجبار السماء يشعره بالصغار امامه تبارك وتعالى ولكنه صغار
تجاه الخالق وتواضع تجاه المخلوقين اذ انه عندما يعترف ان الله اكبر لا
يعود يحس بكبر أحد سواه وهذا ما عناه الشاعر محمد اقبال في قوله « سجدة
للاله تنجيك يا انسان من الف سجدة للعبيد » أية متعة هذه التي تسمو
بروح الانسان فوق كل شيء لانه لا يعود يحتاج لشيء سوى الله ؟ واية صفة
هي عنده التي ترتفع بمعنويات الفرد المؤمن حتى لا يعود يخضع لاحد او
يتنازل لاحد لان الله وحد اكبر .. ومن هنا نعرف مدلول الحديث النبوي
الشريف الذي يقول « من اعطى الذل من نفسه فليس منا » واستجبنا للنداء
الخالد فتوجهنا للصلاة على مقربة من الكعبة وذلك لان البيت كان غير
مزدحم لكثرة من خرج الى عرفات من الحجاج وبعد ان انتهينا من الصلاة
عقدنا نية الاحرام للحج قائلات « نحرم لحج الاسلام اداءا قربة الى الله
تعالى » .. وخرجنا من الكعبة متوجهات نحو البيت الذي ننزل فيه .. وهناك
والى جوار المنزل كانت تقف سيارات النقل حيث سارت بنا نحو عرفات ..
( 341 )
كان
الطريق الذي يفصل بين مكة وعرفة ليس بالطويل او البعيد ولعله لو اجتيز
في الحالات الطبيعية لما استغرق اكثرمن نصف ساعة مع اكثر التقادير
ولكنه وفي تلك الليلة المزدحمة بالحجاج كان لا يكاد يقطع الا بعد جهد
جهيد وزمن طويل . ولهذا سلك السائق بنا طريقا ملتويا عله يكون أقل
زحاما واكثر انفتاحا ولكن يبدو ان سائقنا لم يكن الوحيد الذي قصد هذا
الطريق اذ وجدناه والحمد لله غاصا بالسيارات زاخرا بالحجاج . فدعونا
الله ان يعظم شعائره ويزيد من هداية القلوب التي تهفو اليه . ووصلنا
اخيرا الى عرفات .
وكان
ظلام الليل يضاعف من هيبة تلك الصحراء التي لا يرى فيها سوى خيام بيضاء
امتدت بينها شوارع رملية تتطلب الهداية اليها الى خبير ممن مارس طبيعة
التربة ونشأ على بساطها الطاهر وتوقفت بنا السيارات الى جانب احد
الشوارع ونزلنا منها نحمل في يد حقيبة ضمت ملابس الاحرام الاحتياطية
والسجادة والمصحف وكتاب الدعاء ونحمل في اليد الثاني ابريقا فارغا
لتهيئة الماء وسرنا وراء دليلنا نلف حول بعض الخيام وننعطف مع انعطاف
الممرات التي بينها حتى وصلنا الى حيث الخيمة التي أعدت لنا ...
دخلنا
الخيمة لنجدها مضاءة بالكهرباء ولكنها غيره مفروشة .. فتصاعدت من حولنا
اصوات احتجاج قائلة ما
( 342 )
هذا ؟ كيف نجلس ؟ كيف سوف ننام ؟ هذا وضع عجيب ! فآلمنا ان نسمع كلمات
الاحتجاج هذه بالنسبة لافتقاد مواد ترف لا تأثير لها على طهارة تلك
البقعة او قدسية تلك الليلة . ولكننا تمكنا والحمد لله وبشكل غير مباشر
ان نشيع في الخيمة جوا من الدعاء والابتهال ولم تمض مدة طويلة حتى فرشت
لنا الخيمة بالسجاد والرياش ومع ما كان لهذا الفراش من راحة جسمية فقد
شعرت بأنه شيء مرغوب فيه لواقع الحياة فهو يذكرنا من جديد بالحرص على
نعومة العيش والتسابق على ما هو احسن من وسائل المادة ولكن « قل من حرم
زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق » ..
وأصبح
علينا الصباح ونحن في عرفات وهو الموقف الوحيد الذي يتحتم ان يؤمه
الحجاج في وقت واحد وخلال ساعات معينة منذ الزوال وحتى الغروب .. فيا
لها من حكمة في التشريع تهيىء للمسلمين فرصة اجبارية للاجتماع والتعرف
على بعض فيتمكن الانسان المسلم خلال تلك الساعات ان يدرس عن كثب اخلاق
اخوته المسلمين وعاداتهم وافكارهم ويتطلع على ما لديهم من جديد في
مجالات العلم والعمل ثم ان المسلمين خلال ذلك ليتمكنوا وبسهولة ان
يبحثوا مع بعضهم اهم مشاكلهم العامة ويضعوا لها حلولا مستقاة من حكمة
الآخرين وتجاربهم .. هذا لو أديت شعائر العبادة في الحج بمضمونها
المطلوب طبعا ، وقد جاءت عدة تفاسير للسبب الذي من أجله سميت هذه
( 343 )
البقعة بعرفات ومن بينها تعارف المسلمين على أرضها المقدسة ، ومنها
انها البقعة التي تعارف عليها آدم وحواء بعد هبوطهما من الجنة ، ومنها
انها البقعة التي نزل فيها جبرئيل على نبي الله ابراهيم وقال له اعترف
لله بما لديك . وبما ان التفسير الاول هو اكثر الثلاثة صحة واقربه الى
الواقع الذي تدل عليه سائر اعمال الحج . فنحن نأخذ به ولكن ومع كل
الاسف .. مع وقف التنفيذ فلماذا ؟
..
لأن هذا المفهوم غير واضح في اذهان الحاج منهم لا يعرفون من عرفات سوى
جانب الصلاة والدعاء من العبادة ، ولهذا فإن اي اقدام على ذلك يعد
تطفلا غير مستساغ اللهم الا في مجالات خاصة جدا .. وانقضت ساعات النهار
الاولى والجميع بين دعاء او صلاة او قراءة قرآن .. والحقيقة ان ساعات
الحج في عرفات لاتكاد توازى بثمن لانها بجميع دقائقها عطاء حيث يحلق
الانسان بروحه بعيدا عن عوالم المادة وخدعها وغرورها فيروح يعترف
بآثامه تارة ويستغفر منها اخرى وهو يتضرع الى الله تعالى قائلا « اللهم
اجعلني أخشاك كأني أراك واسعدني بتقواك ولا تشقني بمعصيتك ».
وكيف
يمكن لانسان ان يعبد ربا لم يره ؟ انه يراه بالدلائل فأن قصرت الباصرة
عن رؤيته فيجب ان لا تقصر البصيرة عن ذلك ، وهل تعرف السعادة الا بتقوى
الله .. ان تقوى الله هي التي ترسم للمتقي طريق الخير في الحياة وتحدد
( 344 )
له خطوط مسيرته الفاضلة حيث توجد منه فردا صالحا جديرا ان يكون نواة
للمجتمع الصالح ثم ينطق بحقيقة الشد الذي يشده نحو مولاه ويعترف
بانقطاعه التام لرحمة الله الواحد القهار اذ يبسط يده بالدعاء قائلا :
« انت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها وتضيق بي الارض برحبها ولولا
رحمتك لكنت من الهالكين » .. وهكذا هو الانسان ـ هذا الانسان التائه في
عالم الغرور الراكض في حياته وراء السراب الذي خيل اليه انه سوف يخرق
الجبال طولا .. هذا الانسان لا يشعر حماية الله له وحاجته الى الله الا
عندما تعييه المذاهب وتضيق به الارض . عند ذلك يتوجه الى القوة الوحيدة
القادرة بعد ان يستشعر عجز ما عداها عن حمايته . وقديما قال الامام
امير المؤمنين عليه السلام .
«
أدع الله في الرغبة كما تدعوه في الرهبة » ومن خلال هذه الدعوات يستشعر
الحاج انقطاعه الى الله فيروح يدعوه بلسان أوبقه ذنبه واخرسه جرمه
قائلا « فها أناذا يا الهي بين يديك يا سيدي خاضع ذليل حقير » شعور
مطلق بالانقطاع الكامل التام لله تبارك وتعالى حيث لا مناص من الاعتراف
بالذنب ولا فكاك من الشعور بالتقصير وحيث لا يعرف بهذا الشعور او بذاك
الاعتراف سوى الله وحده .. ولهذا نجد ان ساعات الحاج في عرفات هي ساعات
بناء للروح وصهر للافكار وتعقيم للقلوب وهي بالنسبة لمن هو في مستوى
الحفاظ على مكاسبها الثرة واستند لها بالشكل الصحيح مرحلة انتقال من
( 345 )
الظلمات الى النور وطريق ارتقاء من الحسن الى الاحسن فيا لها من ساعات
ومن العجيب ان نجد هناك من يحمل هما لطعام او شراب او فراش او مهاد ،
الشيء المادي الوحيد الذي يحرص عليه الانسان هناك ويتمنى لو حصل على
مزيد منه هو الماء نعم الماء . لانه الوسيلة الوحيدة الى الطهارة
والطهارة هي من شروط صحة العبادة . والماء لم يكن وافرا بالشكل المطلوب
لان المنطقة هناك لم يكن قد امتدت نحوها انابيب الاسالة .. وكان على
متعهد القافلة ان يهيىء الماء للحجاج .. كان موضوع الماء مشكلة تثير
الخوف لدينا من نفاذه .. والمشكلة الثانية كانت المرافق الصحيحة !! حيث
يتعذر على الانسان الدخول اليها والخروج منها سالما من النجاسات وحيث
كان حجاج ثلاثة او أربعة من المتعهدين يقفون في انتظار اخذ أدوارهم
والمرافق لا تتعدى المرفقين او الثلاثة ..
وانقضى
النهار وفي اخر ساعة منه باشر العمال في جمع الخيام مقدمة لنقلها الى
منى وجلسنا كل الى جوار امتعتها تحت السماء وفوق الرمال وكنا خلال تلك
الساعة نشعر بحسرة الوداع لهذه البقعة الطاهرة وتلفتنا حوالينا علنا
نتمكن ان نحتفظ بأكثر مقدار ممكن من الذكرى وحان وقت الغروب فأدينا
الصلاة وتناولنا شيئا من الاكل ثم نادى المنادي بنا قائلا ـ هيا نحو
السيارات ـ فقد كان علينا ان نتجه من هناك الى « المشعر الحرام »
* * *
( 346 )
وسرنا
نحمل امتعتنا يحدونا مساعد متعهدنا وهو يحمل بيده مكبرة للصوت يدنيها
من فيه اكثر مما يجب فينبعث الصوت أجشا غير واضح الحروف . ولهذا فقد
كنا نسير باتجاه مشرجة مكبرة الصوت غير فاهمات ما تعنيه تلك الحشرجة ..
كانت كل واحدة منا تحمل بالاضافة الى امتعتها الخاصة ابريقا مملوءا
بالماء لاننا كنا في طريقنا الى مزدلفة وأصل تحصيل الماء هناك يكاد ان
يصبح معدوما ولهذا فقد اخطرنا من قبل المتعهد ان نحمل اباريقنا ملأى
بدل ان نحملها فارغة !ومضينا نلف وندور بين الخيم والسيارات نبحث عن
التي اعدت لنا فلا نتمكن ان نهتدي اليها لتشابه المواقف والمعالم وكانت
ظلمة الليل تزحف نحو تلك البقاع بسرعة فتبعث في نفوسنا الرهبة والهيبة
وتشعرنا بالخوف من الضلال في ذلك الليل الرهيب فنروح نحث الخط وراء
مكبر الصوت لا نلتفت يمنة ولا يسرة لكي لا ننحرف عن الطريق ، وقد
تجمعنا مع بعضنا وحرصنا ان لا نكون بعيدات كان صوت أحد مساعدي المتعهد
يرتفع من ورائنا بين فينة وفينة وهو يقول ـ مزيدا من الانتباه الى
الطريق ان الانحراف عن الخط يعنى الضلال ـ سيروا وراء الصوت الذي
يحدوكم ـ .. نعم كان علينا ان نسير وراء الصوت الذي يحدونا وكان علينا
ان نلم شملنا فلا نتفرق لكي لا نتعرض للضياع ولكن ألسنا دائما وابدا
مدعوين لأن نسير وراء صوت الحق الذي يدعونا « والرسول يدعوكم لما
يحييكم به » ..
( 347 )
نجتمع ونتقارب ونسير متكاتفين وراء صوت غير واضح الكلمات يخرج عن مثلنا
لا يزيد عنا الا لقديم معرفته في الطريق ثم نصم آذاننا عن نداء الرسول
.. هذا النداء الخالد الدائم في دعوته لنا للسير ورائه نحو الجنان ..
مالنا نخشى الضلال لتحذير من انسان ولا نخشى التيه الذي يحدونا الى
النار وقد حذرنا عن ذلك كل نبي أو وصي نبي ؟ وما لنا لا نلتفت يمنة ولا
يسرة خشية ان تفتقد آثار الدليل ونروح خلال حياتنا العامة نتقلب يمينا
وشمالا متجاهلين الامل الالهي الذي يقول « فاستقم كما امرت » ..
وضلالنا هنا .. ما هي نتائجه يا ترى ؟ نحن مهما ضللنا او انحرفنا سوف
نجد امامنا اناسا مثلنا لا تفرقهم عنا سوى الالوان او الجنسيات او
الاخلاق والعادات .. اما ضلالنا عن مسيرة الحق فسوف يسلمنا الى ايدي
ملائكة غلاظ شداد وسوف يعرضنا الى نار نورها ظلمة وشرابها الصديد
وطعامها الزقوم .. فما أبعد الفرق بين الضلالين .. وما اجهلنا عندما
نقتفي هذه الاثار ونتجاهل تلك الحقائق .
ووصلنا
اخيرا الى موقف السيارات حيث سارت بنا نحو مزدلفة المشعر الحرام .
ووصلنا
الى مزدلفة والليل يكاد ينتصف لالبعد في الطريق بل لازدحام في حركة
المرور ومزدلفة ليست سوى ارض منبسطة قاحلة لا شجر فيها ولا ماء ولا شيء
يعلو ارضها سوى الجبال حتى المخيمات التي تنتصب في منى وعرفات لم يكن
في مزدلفة منها اثر والمزدلفة هي المشعر الحرام
( 348 )
الذي نزل فيه قول الله تعالى ( فاذا افضتم من عرفات فاذكروا الله عند
المشعر الحرام ) وافترشنا البطانيات التي كنا نحملها بالاضافة الى ما
حمله المتعهد من فراش معنا وجلسنا لكي نستريح قبل المباشرة بجمع الحصى
. وكنا حينما نتجه بأبصارنا لا نجد الا اشباح الناس وهم بين منحني لجمع
الحصى على ضوء مصباح صغير في يده .. وبين سائل يتحسس الطريق نحو جماعته
.. وكانت ملابس الاحرام البيضاء هي الوحيدة التي ترى في تلك الصحراء
الواسعة ومن خلال سواد العتمة .. وهنا ينبغي لي ان اعترف بالعجز عن
تصور ساعات مزدلفة وارضها وسمائها وروعتها وعطائها وهيبتها وجلالها فهي
وكما عشتها في تجربتي الخاصة فوق التصوير والتمثيل .. ولا يمكن لانسان
ان يفهمها الا اذا عاشها عن فهم وادراك .. وبعد ان أرحنا اجسامنا من
تعب الطريق باشرنا بجمع الحصى لاجل رمي الجمرات وكان علينا ان نجمع
تسعة واربعين حصاة والمستحب ان نضيف اليها احدى وعشرين واحدة اخرى من
اجل احتمال عدم اصابة الرمي ومضينا ننحني نحو الارض نطلب الحصى . كانت
الحصاة الواحدة اثمن لدينا من حبة اللؤلؤ لانها من مكملات حجنا وشروط
صحته .. اما حبات اللؤلؤ فلم تكن لتجدينا شيئا في ذلك المجال . ان هذه
الحصيات التي نلتقطها من المشعر الحرام لكي نرمي بها الجمرات في منى
ليست سوى رمز لسلاح من الايمان لنرمي به الشر والعصيان
( 349 )
والخروج عن طاعة الخالق هذه المعاني التي ترمز اليها الجمارات .. ولهذا
اراد التشريع الاسلامي ان يعلمنا باننا عن طريق الايمان وحده نتمكن ان
نحارب الشر ونقابل الجور .. فالايمان هو الذي يتكفل بتسليحنا للمجابهة
وتحصيننا ضد الانهيار ومن هذا نعرف الحكمة التي فرضت ان يكون الحصى من
المشعر الحرام الداخل ضمن الارض المقدسة وكانت كل واحدة منا تحمل معها
كيسا صغيرا من الخام اعد خصيصا لحفظ هذه الحصيات الثمينة فجمعنا
المقدار المطلوب وحرصنا ان نغلق عليها الكيس بدقة واتقان . ثم اضطجعنا
لننام قليلا فإن تواصل التعب من حقه ان يؤثر على التفاعل الكامل مع
العبادة وكانت جنطتنا الصغيرة هي وسائدنا خلال النوم بعد ان افترشت كل
واحدة منا نصف بطانيتها وتغطت بالنصف الثاني وأباريقنا الثمينة جدا الى
جوار رؤوسنا واستيقظنا قبل الفجر بساعتين فجددنا الطهارة وتوجهنا
للدعاء وكان أروع ما قرأناه خلال تلك الساعات هي المناجاة السفرية
المنسوبة الى الامام امير المؤمنين (ع) ففي هدوة ذلك الليل الرهيب وفي
فضاء ذلك الافق الرحيب ومع الظلمة التي لا يلون سوادها سوى مصباح يدوي
صغير كان من الرائع جدا جدا ان يرتفع صوت خاشع ليقول :
الهي لئن جلت
وجمـت خطيئتـي * فعفوك عن ذنبي أجـل وأوسـع
الهي ترى حالي وفقري وفاقتــي * وانت مناجاتي الخفيــة تسمـع
( 350 )
الهي لئـن
خيبتنـي وطـردتنـي * فمن ذا الذي أرجــو ومن ذا يشفع
الهي فآنسـنـي بتلقيـن حجتـي * اذا كان لي في القبر مثوى ومضجع
الهي اقلنـي عثرتي وامح حوبتي * فإني مقــر خائــف متضــرع
الهي لإن أقصيتـنـي وأهنتنــي * فما حيلتي يا رب ام كيف أصنــع
الهي وهذا الخلق ما بيـن نائــم * ومنتـبـه في لـيـلـه يتضــرع
وكلهم يرجــو نوالـك راجيــا * لرحمتك العظمى وفي الخلد يطمـع
...
وحان وقت الصلاة فأديناها ودعونا لاخواننا من المؤمنين والمؤمنات .. ثم
ارتفع اذان الصبح وكنا نلاحظ بوضوح الخيط الابيض وهو ينبلج من الخيط
الخيط الاسود وهنا تبدو بوضوح الحقيقة العلمية التي ترمز اليها الآية
المباركة « نولج
الليل في النهار ونولج النهار في الليل
» فإن الايلاج
يعني التدخل التدريجي وهكذا هو الامر بانبثاق النهار عن الليل ودخول
الليل على النهار ولهذا نجد الخط الابيض يلوح رويدا من وراء الافق
الممتد . وكنا قد استصحبنا معنا بوصلة لتعيين القبلة ولهذا فقد اتجهنا
نحو القبلة في ادعيتنا وصلواتنا وعلى هداها ايضا أدينا صلاة الصبح
وبقينا ننتظر طلوع الشمس
( 351 )
لان التشريع لا يجيز للرجال مغادرة مزدلفة قبل ذلك . وهذا التشريع مما
تختص به الشيعة دون الفرق الاخرى من المسلمين ولهذا كانت السيارات
تمتلىء بالحجاج وتغادر المشعر عند منتصف الليل حرصا على سهولة السير
وتلافي حرارة الشمس والتمكن من الوصول الى رمي الجمرات بسهولة .. وهنا
أحب ان اقف امام هذه النقطة التي اجدها مهمة جدا بالنسبة لاعمال الحج
وتنظيمه وتوفير الراحة لكل فرد مؤمن فالمرأة غير مجبرة شرعا على المكوث
حتى الصباح كما حدثنا الرواة عن الامام جعفر الصادق (ع) : انه ارسل
العلويات منذ الليل الى منى لكي يجتنبن مشقة الزحام ويوفر لهن المجال
للرمي بسهولة . اذن فلماذا يفرض على كل امرأة ان تتحمل المصاعب التي
تتولد عن التأخير من أجل الرجال وفي امكانها شرعا أن تؤدي واجبها وتأوي
الى خيمتها في منى والشمس لم تشرق بعد ! نعم الا يجدر بالرجال ان
يحرصوا على ذلك فيهيأ للنساء ركب خاص ينقلهن في الساعات الاخيرة من
الليل الى منى ؟
وعلى
كل حال فقد ركبنا السيارات وسارت بنا لا نقطع من الطريق نصف فرسخ الا
وتقف نصف ساعة لانقطاع خط السير وكانت الشمس قد ارتفعت بحرارتها
الكاوية والماء الذي معنا قد استنفذته الليلة الماضية وليس من السهولة
بمكان ان يجتمع العطش والحر والتعب لولا احساس الانسان بأنه في طريقه
الى عبادة وكان ذلك الصباح هو اليوم العاشر
( 352 )
من ذي الحجة الحرام . اي يوم العيد . عيد للروح التي بلغت مطلوبها من
الحج ، وعيد للقلوب التي تعيش مفاهيم الحج ، وعيد للانسان الذي يشعر
بالسعادة لانه وصل الى هذه البقاع وتمكن من العمل على ما يريده الله
والا فإن اجسام الحجاج خلال ذلك اليوم تكون في قمة تعبها وجهدها وهي
بعيدة عن العيد بالمفهوم السطحي الذي يتعارف عليه . ومن نظافة الجسم او
جديد اللبس انه عيد بمفهوم العيد الصحيح عيد التكامل الروحي للانسان
... وارتفع النهار اكثر فاكثر والسيارة لا تتمكن ان تسير وكنا نجد
الحجاج وهم يتركون ما يركبون لكي يقطعوا الطريق راجلين فوددنا لو تمكنا
من السير ولكن ذلك كان يتطلب وجود دليل معنا ولم يكن في سيارتنا اي
دليل اللهم عدى رجل واحد وكله المتعهد بمداراتنا ولكنه كان اعجز من ذلك
بكثير وبعد لاي سمعنا صوت متعهدنا وهو يسألنا عن راحتنا في الطريق وكان
قد وصل مع مجموعة الرجال فاقترحنا عليه ان يرسل معنا من يتكفل بايصالنا
الى منى مشيا على الاقدام فهيأ لنا اثابه الله اثنين احدهما حاج من
الحجاج والثاني احد المساعدين فنزلنا من السيارة وعرض على الباقيات
النزول فامتنعن عن ذلك ولم تلتحق بنا سوى سيدتين منهن فأصبحنا بمجموعنا
سبعة ورجلين . وسرنا وسط زحام الطريق يحدونا الامل في سرعة الوصول
وقطعنا مسافة طويلة تخللتها الكثير من الصعوبات حتى وصلنا الى منى ..
ومنى بلدة فيها البيوت
( 353 )
الصغيرة والعمارات الكبيرة ومنها المحلات المتنوعة والمساجد المتعددة
ولكنها بلدة صغيرة لا يمكن لها ان تستقبل عشرا من معشار هذا الحجيج
ولهذا فقد انتشرت على شوارعها الخيم واتسع نطاق الخيمات من يمين البلد
ومن شمالها الى حيث يرمي البصر وكان الدخول الى منى من خلال شارع يسمى
بشارع العرب وهو طويل وعريض يمتد من بداية منى حتى نهايتها ..
وتتشعب
منها جميع الشوارع الفرعية الاخرى ، وسرنا في هذا الشارع نفتش عن موقع
خيمتنا الذي قيل انه بالقرب من البريد وغير بعيد ايضا عن الجمرات .
وبعد ان ارهقنا السير طلب الرجلان منا أن نقف ليذهبا هما لاستطلاع
الطريق فوقفنا الى جانب بائع مرطبات وكنا قد بلغنا القمة من العطش
والظمأ والتعب فطلبنا منه ماء . فلم يلتفت نحونا وبعد ان كررنا الطلب
مرات عديدة قال : لا يوجد عندنا ماء اشربوا بارد . مع ان الماء موجودا
والثلج كان وافرا لديه . ولكن البارد كان من حقه ان يعرضه لربح اكثر .
ومع اننا كنا نشكو من اعراض الزكام والسعال ولكننا اضطررنا الى شراء
البارد لنروي به بعض ظمئنا بعد ان تعذر علينا شرب الماء . وامرنا لله
الواحد القهار .
ووصلنا
اخيرا الى الخيمة وكانت قد هيئت وفرشت منذ الليل فارتخينا قليلا
وتناولنا وجبة صغيرة من الاكل ثم جددنا الطهارة وتوجهنا نحو رمي
الجمرات ووقفنا امام جمرة العقبة
( 354 )
يتعدى الامتار الخمسة والستة » ويرتفع بمقدار مترين تقريبا وقد قام هذا
النصب فوق هضبة ترتفع عن الأرض بما يقارب الثلاث امتار يحيطها سياج
منخفض وعلى مقربة منه كان يبدو شامخا راسخا جبل العقبة حيث تمت بيعتا
العقبة عندما كان النبي (ص) يجتمع في شعاب الجبل مع الانصار من الأوس
والخزرج اثناء موسم الحج وكان الواجب على كل حاج ان يرمي في حصياته
السبعة متعاقبة نحو هذا النصب المرتفع فوق الهضبة ولهذا كانت الآلاف من
الأيدي تمتد لرمي حصاها الواحدة تلو الأخرى .. ومن العجيب ان لا تشتبه
الحصوات على الرماة ولا يجهل الرامي مكان حصاته حتى يجدها تستقر في
المكان المقصود أو يجدها قد هوت قبل ان تصل اليه فيعود ليرمي بدلا عنها
واحدة . ولم يكن الرمي مزدحماً جدا لعدم وصول الكثير من الحجاج ولهذا
تمكنا ان نصل الى مقربة السياج المحيط ورمينا حصياتنا بشكل هادىء
ومطمئن والحمد لله .
وبعد
ان انتهينا من الرمي كان علينا ان نعود .. والعودة تعرضنا لان نكون في
مواجهة الرماة وذلك يعني ان نصبح معرضات للاصابة بالحصى التي ترمى من
بعيد فتصيب تارة وتخطىء اخرى ومن الطريف أن بعض الحجاج كانوا يعقبون
حصاهم بما لديهم من أحذية مخرقة او نفايات متفسخة ولهذا فقد كان علينا
ان نشق طريقنا بين الصفوف ونحن منحنيات تجنبا ان نكون مرمى لما يرمى به
( الشيطان ) وما ان تخلصنا
( 355 )
من منطقة الزحام حتى وجدنا عددنا قد نقص واحدة . فكدر ذلك علينا فرحتنا
باتمام مهمة الرمي وتلفتنا يمنة ويسرة نبحث عنها بعيون حائرة وسط هذه
الجموع الغفيرة العدد المتباينة اللون واللغة ثم حاولنا ان نفتش فمنعنا
الدليل الذي كان معنا عن ذلك وذهب هو يفتش عنها وسط المجاميع وكنا نحن
نساء قافلة اليعقوبي لدينا ما يميزنا عن الآخرين وهو قطعة قماش خضراء
كتب عليها اسم المتعهد واسم المطوف . ومع ان صاحبنا المساعد لم يكن
يعرف القراءة والكتابة ولكنه كان يشخصنا من طبيعة لون القطعة وصورة
كتابتها فذهب لكي يجدها تقف في جانب من الجوانب وعاد يصحبها وهو يشعر
بالانتصار لعثوره عليها بسهولة والحقيقة وحفاظا على الواقع نسجل شكرنا
لهذا الانسان الذي استشعر مسؤولية حمايتنا لبضع ساعات هي من الصعوبة
بمكان مع انه اجير لدى المتعهد لا اكثر ولا اقل أثابه الله على ذلك
ووفقه للهداية في طريق الخير .. ولم نتمكن ان نعرف عنه سوى انه سائق
سيارة استصحبه المتعهد مع سيارته الى مكة وانه ينادى بأبي حيدر . وعلى
كل حال فقد عدنا نحو الخيمة لنجد ان الركب لم يصل بعد وكان الظهر قد
حان فأدينا صلاتنا ثم وكلنا من يذبح الهدي بدلا عنا لتعذر ذلك بالنسبة
لنا واوصيناه ان يحتسب ثلثها نيابة عن صديق كان قد وكلنا باحتسابه
وثلثها الثاني نيابة عن فقير كنا قد طلبنا اذنه في ذلك قبال مقدار من
المال والثلث الثالث نيابة عنا ثم توجهنا للنوم لأن اعراضا للحمى
والزكام
كانت قد بدأت تتفشى بيننا شديدة عند بعضنا وخفيفة عند الآخريات ، وبعد
الظهر بقليل وصلت بعض طلائع الركب وعصرا وصلت وجبة منه . وبعد أن عرفنا
باكتمال الهدي كان علينا ان نقصر ونحل احرامنا . وفعلا فقد قصرنا وبذلك
تحللنا من شروط الاحرام عدى الطيب والنساء فإن ذلك لا يصح الا بعد طواف
الحج .
ونمنا
ليلتنا تلك في منى وذهب مجموعة من الحاج بعد منتصف تلك الليلة نحو مكة
المكرمة لاداء طواف الحج ولكن انحراف صحتنا خلال تلك الليلة منعنا عن
الالتحاق بهم .. وفي صبيحة اليوم الثاني كان علينا ان نرمي الجمرات
الثلاث الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ... وموقع الجمرات ليس ببعيد عن
مخيمنا والطريق الذي يفصل بيننا وبينه واضح المعالم مستقيم الشوارع .
وهذه
من اكبر النعم التي من الله بها علينا .. ولهذا فقد توجهنا صباح اليوم
الحادي عشر للرمي وحدنا وكان الرمي مزدحما جدا والناظر اليه عن بعد لا
يجد سوى رؤوس مرفوعة وأيد ممتدة وحصى تنهال كالمطر على الجمرات ، منظر
رهيب يومي بالكثير .. ووصلنا الى مقربة من الجمرة الصغرى فوقفنا ننتظر
لحظة مناسبة نتمكن خلالها ان نلج هذه الجموع نعم هذه الجموع التي جاءت
تؤكد على الجانب السلبي من العبادة . فهي عندما طافت حول البيت وسعت
بين الصفا
( 357 )
والمروة اكدت على طبيعة مسيرتها في الحياة وانها تنطلق من الله لتعود
اليه وذلك هو الجانب الايجابي جانب الطاعة الكاملة والانصياع التام
للخالق جل وعلى .. وهنا . هنا ، عليها ان تؤكد على الجانب السلبي من
العبادة فهناك رسمت عبادتها كلمات الاطاعة .. الانقياد .. وهنا ترسم
عبادتها كلمات رفض المعصية ورمي ما يعكر مسيرة الانقياد .. انه الجانب
السلبي ، فلا يكفي في مفهوم التوحيد الخالص ان يعبد الانسان ربه ويعبد
معه سواه وليس من علامات العبادة الصادقة ان يطيع الانسان خالقه ثم لا
يرفض ما يتعارض مع أمر الخالق ولهذا اشتملت اعمال الحج على الجانبين
السلبي والايجابي .. ثم هذا الاصرار على الرمي لايام ثلاثة وبحصوات سبع
لكل مرة من المرات . ان هذا الاصرار هو بمثابة التأكيد والتشديد على
رفض ما هو باطل ومحاربة كل ما يرمز الى الشر من قريب او بعيد . انها
عهود ومواثيق تعبر عنها هذه الحصيات . وترمز اليها هذه الجمرات ولا
يفوتنا ملاحظة الانسجام بين عدد اشواط الطواف والسعي وبين عدد الحصى
لكل رمية وعدد ادوار الرمي . فالعدد في جميع ذلك لا يتعدى السبعة وهذه
حكمة نتمكن ان نفهم بها الموازنة التي ينبغي ان يحتفظ بها الانسان في
نفسه . نعم الموازنة بين مستوى تقبل المعروف ومستوى رفض المنكر : انه
تشريع كامل متجانس النواحي والاطراف ولكن مما يدمي القلب ان نجد اكثر
متلقي هذا التشريع غير واعين لحكمته وشموله الواسع .
( 358 )
لو كانت هذه الايدي التي تمتد لترمي هذا النصب الحجري .. لو كانت تمتد
دائما وابدا لترمي كل ما يرمز الى معصية الخالق اذن لما كان للشر مقر
على الارض . ولكن ..
ووجدنا
اخيرا منفذا تغلغلنا خلاله مقتربات نحو الجمرة ومن رحمة الله وعنايته
بنا ان تمكنا من الوصول الى أقرب نقطة حيث أدينا واجبنا بسهولة وعدنا
بسهولة ايضا . وكذلك كان الحال في رمي الجمرتين فالحمد لله رب العالمين
..
وبقينا
ننتظر لكي نعود الى مكة لاداء طواف الحج وبما ان المبيت واجب في منى
فكان علينا أحد أمرين .. اما ان نذهب عصراً ونعود قبل منتصف الليل وأما
أن ننتظر حلول منتصف الليل ثم نخرج بعد ذلك وقد اخترنا الشق الثاني
فنمنا في بداية الليل ساعة او ساعتين ثم استيقظنا بعد منتصف الليل
بقليل فجددنا الطهارة وخرجنا بصحبة شقيق المتعهد وخمس من نساء القافلة
ورجلين من رجالهن .. واستأجر لنا صاحبنا سيارة اوصلتنا الى باب الحرم
المكي ( باب سعود ) كان الطريق خاليا هادئا تنساب السيارة فيه انسيابا
مريحا وكنا نشعر بالغبطة كلما اقتربنا من مكة .. فقد كنا على موعد مع
ساعات عبادة وعطاء .. ودخلنا الحرم وكان لهيبته اكبر الاثر في نفوسنا
وكأننا ندخله للمرة الاولى .. وهذا من خصائص ذلك الحرم الطاهر فهو لا
يفقد في نفوس داخليه هيبته وروعته مهما تكررت الزيارات وتلاحقت
المشاهدات .
( 359 )
وبدأنا
نطوف .. وكان طوافنا هذا اسهل من طوافنا الاول بكثير وذلك لقلة الزحام
وهدوء الطواف ولهذا فقد ادينا طوافنا بسهولة لم نكن نتوقعها مطلقا
وخرجنا من الطواف لنتجه نحو الصلاة . ووقفنا نصلي في أقرب نقطة من مقام
نبي الله ابراهيم وبعد ذلك كان علينا ان نذهب نحو المسعى فاسترحنا
قليلا ثم سمينا باسم الله وتوجهنا نحو الصفا والمروة وبدأنا نقطع
الاشواط هناك جيئة وذهابا .. وكان صاحبنا يحمل بيده علما اخضرا وهو
يسير امامنا لكي لا نضل عنه .. ولكن المجال لم يكن يدعو الى ذلك ولم
يكن هناك اي خطر للضلال او لم يكن للضلال اي خطر . وعلى كل حال . فقد
سرنا داعيات مرة وساكنات اخرى حتى انهينا اشواطنا السبعة والحمد لله
فهل انتهت اعمال الحج بهذا يا ترى . كلا فقد كان علينا ان نطوف طواف
النساء . ولولا طواف النساء هو طواف حول الكعبة الشريفة فيه من القرب
والخشوع الشيء الكثير لولا هذا لكان غير مرغوب فيه لأن وجوبه يأتي بعد
ان يكون الحاج قد صرف من الطاقات اكثرها . ولكن الشعور بالقرب من تلك
البقعة المباركة لابد وان يتغلب في نفس الحاج على كل تعب ونصب وطفنا
طواف النساء .. وكان الطواف قد ازدحم عن طوافنا الاول نسبيا ولكن وعلى
كل حال لم يكن بالشكل المتعب جدا ثم ادينا صلاة الطواف الواجبة وبذلك
انهينا جميع اعمال الحج .. عدى رمي الجمرات لليوم الثالث ..
( 360 )
اي شعور من الشكر والامتنان لله الواحد القهار يشعره الحاج عندما ينتهي
من نطق آخر كلمة في تشهده من الصلاة ؟ لقد أحسست بالضعة والعجز الكامل
عن التمكن من شكر الله على هذه النعمة فسجدنا سجدة الشكر .. ولكن شكرنا
لله يحتاج الى شكر .. وذهب صاحبنا بعد الصلاة ليأتي لنا بكوز من ماء
زمزم فيا لعذوبة ذلك الماء المالح !! عذوبة معنوية تنسي الشارب مرارته
الحسية .
وكنا
نحس بمزيد الحاجة الى الماء فشربنا حتى ارتوينا وغسلنا وجوهنا ثم حمدنا
الله من جديد .. ولا يسعني هنا الا ان اسجل كلمة شكر لصاحبنا شقيق
المتعهد ذلك فقد عاملنا معاملة جيدة ووفر لنا في تلك الساعات جميع ما
تمكن عليه من أسباب الراحة فأسأل الله تعالى ان يجزيه عنا خير الجزاء
.. وللقارئ ان يتصور مدى حاجتنا في ذلك الوقت الى الراحة وهي لاتتم الا
بالعودة نحو منى والطريق كان مهددا بالازدحام كلما قرب انتهاء الليل
ولكن كان علينا ان ننتظر فإن احد الحجاج الذي صحبنا في منى كان قد
انفصل عنا بالطواف والسعي هو وزوجته وكان علينا ان ننتظره لكي نعود معا
.. هكذا قال صاحبنا المتعهد .. وحفاظا على آداب المصاحبة فقد خضعنا
للامر الواقع وجلسنا ننتظر . وطالت المدة دون ان يتفضل صاحبنا فيمر
علينا مرور الكرام حتى يئس متعهدنا من عودته واعتقد انه قد عاد بزوجته
الى منى فخرجنا نسحب اقدامنا في الارض سحبا لشدة التعب والسهر
( 361 )
وهيأ لنا صاحبنا سيارة نقلتنا الى مدخل منى حيث تعذر عليها ان تستمر
لكثرة الزحام فنزلنا لنمشي ذلك الطريق الطويل ونحن متعبات مرهقات
نعسانات مريضات .. ولكن .. واخيرا وصلنا الى الخيمة والشمس لم تشرق بعد
فحمدنا الله على السلامة .. ووجدنا حاجتنا ( زوجة الحاج الفاضل ) تغط
في نومة عميقة ثم استيقظت لكي تقول ( لماذا تأخرتم ؟ ) !!
وكنا
في حاجة ماسة الى النوم فنمنا قريرات العين لتمكننا من اداء الواجب
بالشكل الصحيح .. واستيقظنا بعد ساعتين لتناول افطارنا وكنا قد استعدنا
بعض قوانا والحمد لله .
* * *
كان علينا ان نرمي الجمرات لليوم الثالث وبينما كنا نتحدث عن احسن وقت
نتمكن فيه من الذهاب اذ بمجموعة من السيدات يدخلن الخيمة عائدات من
الجمرات وكل واحدة منهن تنادي بالويل والثبور للازدحام المرير وصعوبة
الوصول اليه ، فهذه تقول كدت اختنق ـ وتلك تقول ـ انه موت محقق ـ واخرى
تقول ـ انه الهلاك بعينه .. تهويل ومبالغة غير مستحبة أبدا .. وتلفت
حولي فوجدت الوجوه وقد علتها مسحة من القلق .. وكأن اخواتي خيل اليهن
ان هناك تطورا جديدا قد حدث في نطاق رمي الجمرات .. وان صعوبة المرمى
قد تصاعدت الى مستوى الموت والهلاك فاردت ان احسم فترة الانتظار
المشوبة بالقلق
( 362 )
ولهذا اقترحت عليهن الذهاب نحو الجمرات .. فجددنا الطهارة لأن من
مستحبات الرمي هو أن يكون الرامي حافظا للطهارة ثم توجهنا نحن الخمسة
نحو المرمى .. كانت مهمتنا في ذلك اليوم هي أسهل منها في اليومين
الماضيين فلم نلحظ من قريب أو بعيد أثر من آثار الهلاك أو الموت أو
الاختناق وخرجنا من محوطة الجمرة الكبرى صخبات ضاحكات لأننا بذلك كنا
قد أنهينا جميع اعمال الحج .. نعم انهيناها بالاصالة ولم نضطر الى
وكالة وانهيناها باطمئنان ولم نتعرض فيها لشك او نسيان .. انتهينا منها
واعيات ولم ننصرف عنها جاهلات .. وأخيرا انتهينا منها راغبات في العودة
غير برمات لشيء أو ساخطات على أمر من الامور .. ولهذا كنا نضحك ..
ولهذا أيضا كنا نحس بالغبطة والسعادة .. فالحمد لله على ما انعم واسدى
. وعدنا الى الخيمة وهناك كانت الخيمة اشبه ما تكون بسوق خيري.
|