|
صراع من
واقع الحياة
( 7 )
بسم الله
الرحمن الرحيم
المقدمة
قارئاتي
العزيزات :
ان
تجسيد المفاهيم العامة لوجهة النظر الإسلامية في الحياة هو الهدف من
هذه القصص الصغيرة ، لأني اؤمن بأن اعطاء المفهوم على المستوى النظري
لا يمكن أن يحدث من التغيير والتأثير ما يحدثه إعطاؤه مجسداً ومحدوداً
في احداث وقضايا من واقع الحياة ، ومن أجل ذلك اهتم القرآن الكريم
بإعطاء المثل والقيم عبر صور قصصية من حياة الأنبياء والدعاة الى الله
وما تلابسها من ظروف وأحداث.
ولئن
كانت هذه القصص القصيرة في هذه المجموعة من نسج الخيال فهي منتزعة دون
شك انتزاعاً من صميم الحياة التي تحياها الفتاة المسلمة اليوم. ولهذا
فإن أية فتاة سوف تقرأ في هذه القصص أحداثاً عاشتها بشكل وآخر مباشرة ،
أو تفاعلت معها ، أو مرت قريباً منها ، وسوف تجد في كل قصة الموقف
الإيجابي الذي تفرضه وجهة النظر الإسلامية في
( 8 )
الحياة ، والبون الشاسع بين نظافة هذا الموقف وطهارته وتساميه وبين
الإنخفاض والانحطاط الذي تمثله وجهات النظر الأخرى في الحياة.
صراع
كانت
فاطمة تسير وهي في دوامة من الأفكار ، تتقاذفها ، وتتلاعب بعواطفها
المرفهة ، ومشاعرها الحساسة. وكانت تحث خطاها ، وتستعجل الوقت لكي تصل
الى حيث تريد. إلى مصدر النور والإشعاع في حياتها ، ومبعث الرضا
والطمأنينة بالنسبة لعواطفها وأفكارها ، فهي تشعر بشعور مبهم تتمنى لو
تمكنت من التغلب عليه والتخلص منه ، ولكنها لا تزال ضعيفة وفي حاجة الى
ركيزة قوية تشدها وتأخذ بيدها لانتشالها مما هي فيه. وكانت تحدث نفسها
قائلة : سوف احدثها عن كل شيء ، سوف اشرح لها ما الاقيه من صعوبات ،
وسوف اعترف امامها بأني خائفة من ان يلحقني الجبن او ان اتراجع.
وما
أن وصلت الى البيت المقصود حتى اندفعت تطرق الباب في لهفة ، وهي خائفة
من الخيبة ومن عدم وجود صديقتها في البيت ، وحينما انفتحت الباب اندفعت
تسأل عن عفاف ، ولما علمت بوجودها اتجهت نحو غرفتها بخطوات مضطربة
فتلاقت معها وهي قادمة لاستقبالها ببشاشتها
( 10 )
الهادئة ، فصافحتها بحرارة وسارتا حتى استقر بهما الجلوس في غرفة عفاف
، وبنغمة طيبة تصحبها رنة عتاب قالت عفاف : لقد اوحشتيني طيلة الأسبوع
الماضي يا فاطمة فأهلا بك وسهلاً . ولم تكد فاطمة تستمع الى صوت عفاف ،
ونغمتها الرصينة الحنون ، حتى سكنت جذوة ثورتها وكادت ان تنسى ما أتت
لأجله ، ولهذا فقد اطرقت دون ان تجيب ومرت فترة ، كانت خلالها عفاف
تحدق في وجه فاطمة حتى قرأت مشاعرها مرتسمة عليه ، ثم تقدمت بمجلسها
نحو فاطمة ، وابتسمت ابتسامة عطف وتشجيع وهي تقول أراك لست على طبيعتك
يا فاطمة فهل لي ان أعرف السبب ؟ وكأن هذا السؤال قد فتح امام فاطمة
باب الحديث ، فقالت وصوتها يتهدج ما أراني الا منكرة لحالي يا اختاه ،
فقد تنكرت لي عواطفي ، وخانتني الشجاعة بعد أن حسبت أني قد تدرعت من
ايماني بدروع تعصمني من الشيطان ، وتصد عني كل ما من حقه ان يصل الى
غايتي او هدفي من قريب او بعيد ، ولكن ... وسكتت فاطمة تحاول أن تستحضر
العبارة الواضحة التي تكشف عما تعانيه ، ولكن عفاف سبقت افكارها وقد
توصلت الى معرفة المحنة التي تعيشها صديقتها ، والدور الذي تمر فيه ،
فقالت وكأنها تحاول ان تفتح امام فاطمة باب الحديث ، لتتعرف على جميع
ما لديها وما تحسه من مشاعر قالت ولكن ماذا يا فاطمة ؟ قالت فاطمة ولكن
شجاعتي بدأت تخونني يا أختاه ، فلم أعد اطيق هذه
( 11 )
الصعوبات التي تعترض طريق الدعوة الدينية ، قالت عفاف : وأي صعوبات هذه
يا فاطمة ؟ حدثيني بما لديك فلست سوى أختك في الإيمان . قالت فاطمة ،
لقد آمنت بواجبنا نحن المسلمات ، ومسؤوليتنا تجاه ديننا واسلامنا
الحبيب ، فاندفعت أدعو اليه ، واحاول ان استنقذ من اتمكن عليهن من بنات
الإسلام من الواقع المرير الذي يضللهن ، ولكن المجتمع يا عفاف . وسكتت
فاطمة فقالت عفاف وماله يا فاطمة قالت فاطمة إنه مجتمع فاسد لا يقيم
للمفاهيم والمثل وزنا ولا ينظر إلا من وراء منظار المصالح والغايات ،
هذا المجتمع جعلني أشعر بمرارة لم أكن أريدها أو ارغب فيها قالت عفاف
او كنت تحسبين ان طريق الخدمة الدينية مفروش بالأزهار ؟ خال من المتاعب
والمصاعب ؟ نحن لا ينبغي لنا ان ننكر وجود المصاعب والمتاعب ، ولكن
المطلوب منا أن لا نحس بقساوتها ومرارتها ما دمنا قد سرنا في طريق الله
، وفي طريق الحق ، ألم تسمعي قسم الفتاة المؤمنة الذي ينطق عن لسان كل
من مشت في طريق الله ؟
اسلامنــا انت
الحبيب * وكل صعب فيك سهــل
ولأجل دعوتك العزيـزة * علقـم الأيـام يحـلــو
والآن
. حدثيني بهدوء عما آثارك يا فاطمة ؟ قالت فاطمة أنه ليس بالشيء المعين
يا عفاف ، قالت عفاف ، ولكنه
( 12 )
الجبن امام التيارات المنحرفة ، والخوف من الأفكار المسمومة ؟ وكانت
عفاف تحاول بكلماتها هذه ان تثير الحمية في فاطمة وفعلا فقد نجحت
بمحاولتها فما كادت فاطمة تسمع كلمة الجبن والخوف حتى انتفضت مستنكرة
وهي تقول : أبدا أبدا أنا لا اجبن اما تيار ، ولا اخاف من فكرة ،
ولكنها المضايقات ، المعاكسات ، عدم التجاوب عدم التفهم و و و
قالت
عفاف وماذا أيضاً يا فاطمة ؟ اكملي ما لديك لاجيبك عليه : قالت فاطمة
لقد آمنت أن عليَّ أن أخدم ديني بكل صورة وبأي مجال من المجالات ،
وآمنت أيضا أن العقيدة الإسلامية لا تعرف حدودا ومقاييس عدا مقاييس
الدين والعمل له .. وهنا سكتت فاطمة وكأنها لا تعرف ما تريد ان تقول ،
فقالت عفاف ولهذا فقد آلمك ان وجدت المجتمع لا يزال يرزح تحت وطأة
المقاييس الخاطئة ، وينظر للأفراد بمنظار المادة وداخل أطار من القشور
الزائفة ، أليس كذلك يا فاطمة ولكن لو كان مجتمعنا مجتمعا مثاليا يؤمن
بالفاهيم الإسلامية وينظر للفرد والمجتمع بمنظار الحقيقة لما استطاعت
الدعوة التي حملنا على عاتقنا مهمتها ان تصقل نفوسنا وتتسامى بعزائمنا
من خلال صعاب الطريق ومشاكله وأشواكه ولو كنا ندعو في مجتمع فاضل ونهدي
بنات جنسنا في بيئة صالحة بصورة مواكبة للتيار بدلا عن مجابهته كما
نصنع اليوم لما كنا من الصابرين والصابرات الذين عنتهم الآية المباركة
(
إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات
( 13 )
والقانتين والقانتات والصادقين
والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين
والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين
الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً
) (1) قالت فاطمة
ولكنهم يستهزؤن يا عفاف ، انهم يضحكون ، ويشمتون ، عندما نصبح في شدة
او نمر بتجربة قاسية ، فابتسمت عفاف وهي تقول دعيهم يضحكون قليلاً فسوف
يبكون كثيراً يا فاطمة ، ألم تسمعي الآية القرآنية التي تقول (
لتبلون في اموالكم وانفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن
الذين اشركوا اذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور
) (2) والآية القرآنية المباركة الأخرى (
ولا تحسبن الذين يفرحون بما
أتوا ويحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب
ولهم عذاب اليم
) (3).
ان القرآن الكريم قد أوضح امامنا كل شيء ، وخطط لنا طري الدعوة بما فيه
من عقبات ، وبما يليه من نعيم وجنان ، اذن فنحن حينما ندعو الى ديننا
يجب أن نكون على ثقة من مواضع أقدامنا لكي لا نتأرجح للعقبات ، او
نتداعى امام السدود ، علينا أن نتذكر دائماً
____________
(1) سورة الاحزاب الآية 35.
(2) سورة آل عمران الآية 186.
(3) سورة آل عمران الآية 187.
( 14 )
المرحلة الاولى للدعوة الاسلامية ، والمصاعب والأهوال التي صادفت
الرسول الأعظم (ص) ، وهو يدعو الناس الى أن يخرجوا من عبادة اصنام
ينحتونها الى عبادة الله الواحد القهار ، ثم وهو يهذب امة بدائية
تغلغلت فيها العادات الهمجية من النهب والسلب ، والقتل ، والسكر
والفحشاء ، والمجون ، ويغرس فيها المفاهيم السماوية ، والأخلاق
المثالية ، لتكون خير أمة أخرجت للناس ، علينا ان نتصور محمد بن عبد
الله وهو سليل اشرف اسرة عرفتها الجزيرة العربية ، ثم وهو انبل رجل في
قريش يقر له بالكمال الكبير والصغير والرفيع والوضيع ولا يسمى إلا
بالصادق الأمين ، علينا أن نتصور هذا الرجل العظيم وهو يبعث بالنبوة ،
ويختاره الله لحمل الرسالة ، فتتألب عليه العشائر ، وتتكاتف ضده
القبائل ويحاصر بالتهديد والوعيد ، وهو صامد ثابت ، لا يرجع عن دعوته ،
ولا يفتر عن تبليغ رسالته ، ثم يقاطع ويعزل هو ومن معه من المؤمنين
وكأنه انسان منحرف ، أو زعيم عصابة ضالة ، ثم يتحمل اشكالا من اساليب
الأهانة والاستهزاء فيقال عنه ساحر وهو النبي ، ويقال عنه كذاب وهو
الصادق الأمين ، ويقال عنه معلم وهو الذي يتلقى الوحي من السماء ويقال
عنه مجنون وهو اكبر عقل تقبل افكار النبوة ، علينا ان نتصور كل هذا ثم
نتذكر دعاء النبي (ص) حينما ذهب ليدعو الناس في الطائف ، فأرسلوا اليه
بأطفالهم يستهزئون ويسخرون ،
( 15 )
ويرمونه بالحجارة والسباب ، حتى التجأ الى جدار هناك ورفع يديه نحو
السماء وهو يقول : « اللهم اليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني
على الناس ، يا رب المستضعفين وربي ، الى من تكلني ؟ الى قريب يتجهمني
! أم الى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك عليّ غضب ؟ فلا أبالي ، ولكن
عافيتك هي اوسع لي » إن علينا يا فاطمة أن نتذكر خاتمة هذا الدعاء
حينما يقول ، ان لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ، بعد بدايته الناطقة
بالألم والأسى ، فنحن ما دمنا على ثقة من صواب فكرتنا ، وصدق عقيدتنا ،
ينبغي أن لا نتداعى امام التهاويل والأباطيل ، او امام المشاكل
والعقبات ، تذكري يا فاطمة ان السيدة زينب بنت امير المؤمنين لما وقفت
على جثمان أخيها الإمام الحسين في يوم عاشوراء ، وهو الأخ والحامي
والمعيل ، قالت زينب وهي تقف على جثمان الإمام رافعة يدها نحو السماء
اللهم تقبل منا هذا القربان ، نعم يا فاطمة علينا أن نتذكر كل هذا ،
لكي لا نستهول الأحداث التي تعترض طريقنا . وما أن سكتت عفاف حتى
استعبرت فاطمة وهي تقول ، لا حرمني الله منك يا عفاف فما أنت الا بلسمي
الشافي ، ومناري الهادي ، فقد اعدت لي بكلماتك الروح التي كدت ان
افتقدها ، نعم أعدتيها إلي ولكن بشكل ثابت لا يمكن أن يتزعزع أو يتأرجح
، ما كان اغباني وأنا أندفع الى اليأس يا عفاف ؟ قالت عفاف أبدا يا
فاطمة أنك لم تيأسي لحظة ، ولم تكوني غبية قط ، ولكنها مشاعر تتولد
( 16 )
من جراء بعض العوامل في المجتمع والمحيط ، وان أحسن دليل على صمودك
وايمانك انك اتجهت الي لأساعدك على الوقوف في المزالق التي لا يد لك
بإيجادها ، وإنما هي نتيجة انحراف المجتمع الجاهل المسكين ، ثم لعلك قد
هجرت المطالعة كما هجرتيني منذ فترة يا فاطمة ؟ قالت فاطمة أنا لم
اهجرك يا عفاف ، ولكنني كنت اعيش في دوامة ، وكنت اخشى ، وسكتت فاطمة
وكأنها تتردد في اكمال جملتها فاردفت عفاف قائلة كنت تخشين مصارحتي بما
يعتلج في افكارك يا فاطمة ؟ أليس كذلك ، ولكنك في هذا فقط كنت غلطانة
يا عزيزتي ، اتخشين مصارحتي وتنطوين على هذه المشاعر دون ان تخشي من
عواقبها عليك ومضاعفاتها بالنسبة لأفكارك ؟ قالت عفاف هذا ثم حدقت في
عين فاطمة وهي تبتسم بلطف فما كان من فاطمة إلا أن قالت كوني على ثقة
يا عفاف من اني سوف لن ادع للضعف سبيلا الي بعد اليوم ، واعاهدك أيضا
أن ابثك ما لدي من الالام والآمال ، لتكوني ملاكي الهادي كما كنت دائما
وأبدا فقالت عفاف أنا لست ملاك ، يا فاطمة وما أنا إلا اختك المحبة
الناصحة لك ولجميع فتيات الإسلام .
صمود
لم
يكد الفجر يلوح طابعاً اول خطوطه على صفحات الأفق حتى نهضت وفاق من
فراش لم يجمعها وإياه النوم فقد قضت ليلتها تعد ساعاتها بألم ، وتطوي
دقائقها بالدموع وما ان لمحت خطوط الفجر حتى شعرت به ينتزعها من فراشها
ليستنقذها مما هي فيه ، وليدعوها الى ترك اليأس المرير ، ويفتح أمامها
أبواب الأمل والرجاء ، في الصلاة والدعاء واتجاه الروح وقربها من
الرحمن ، وفعلا فقد اندفعت بلهفة الى تهيئة مقدمات الصلاة ، وكأنها
تستعد لموعد يقربها ممن تحب ، ويفتح أمامها ابواب الرجاء ، وسرعان ما
اندمجت مع صلاتها تاركة ورائها آلام الحياة ومآسيها ، منصرفة الى
خالقها الذي تتجه اليه ، وانتهت من صلاتها فعادت الى واقعها المرير ،
وما هي عليه من حيرة قاسية تقف بها على مفترق طريقين ، طريق السعادة
المادية في الدنيا الفانية ، وطريق السعادة المادية في الدنيا الفانية
، وطريق السعادة الروحية في الصمود على الايمان والذي يصل بها الى
السعادة الحقيقية في الحياة الباقية بعد أن يحقق لها في الدنيا ايضاً ،
مفهوم السعادة الواقعية ، الناتجة عن السير الصالح في
( 18 )
خط الإسلام ، وتعاليمه ويبتعد بها عن المشاكل والويلات ، التي يجرها
الانحراف عن هدى الإسلام ، طريق يفتح أمامها أبواب الدنيا ببهرجتها
الخلابة ، واساليبها الخادعة ، ونعيمها الموهوم ، وطريق يأخذ بيدها الى
مطلع الهداية ، ويثبت أقدامها على جادة الصواب ، ويشدها الى إسلامها
وما فيه ، من مثل ومفاهيم ، وقيم ، وأخلاق ، فيشعرها بلذة الانتصار ،
ويكللها بأكاليل الصمود ، والثبات ، وهي بطبيعتها فتاة مسلمة تأبى أن
تختار الطريق الدنيوي الخادع ، ولكنها تخشى أن تضعف حيال التيارات ، او
تنهار امام الوعد والوعيد ، وهذا ما جعلها تقضي ليلتها ساهرة تتطلع الى
الفجر بصبر نافذ ، ولم تكد تنتهي من صلاتها حتى رفعت يديها نحو السماء
قائلة ، يا رب انك تعلم اني فتاة يتيمة فقدت ابوي وأنا بعد صغيرة ،
وذهب أخي الى حيث يستكمل دراسته في الخارج ، فخدعته أوروبا بحضارتها
المزعومة ، فنساني أو تناساني ، وانجرف وراء لهوه ومجونه ولكنك وبرحمتك
يا رب ، عوضتني بنور الإسلام الذي أشرق على جنبات روحي فأضاءها ، ونفذ
الى العميق من مشاعري واحاسيسي فوهبها الأمن والرضاء ، واستقر في صميم
فكري فوجهه الوجهة الصالحة في الحياة ، وقد مكنتني يا مولاي ، بما
وهبته لي من سلاح الإيمان ، وقوة العزيمة ان ارتفع بنفسي عن كل وهدة ،
واحتفظ بفكري وقلبي نقيين طاهرين ، لم تدنسهما الحضارة الكاذبة ، ولم
تدنسهما التمدن الخادع ،
( 19 )
بأساليبه البراقة ، ولم تضللهما الفكر الوافدة ، بسمومها ، وهكذا
مكنتني يا رب ، أن أشق طريقي في الحياة قانعة راضية ، وكنت أشعر يا
إلهي بعد كل انتصار أحرزه في مضمار هداية البنات المخدوعات أشعر بسعادة
تنسيني حرماني من حنان الأبوة ، والأمومة ، وحماية الأخوة كنت اعوض
بتلك السعادة عما الاقيه ، من قساوة عمي الذي تعهدني ، هذا العم الذي
يستهين بجميع ما اؤمن به من مثل ، وقيم ، ومفاهيم ، ولكن ؟ هذا الوافد
الغريب هذا الشاب المائع الماجن ، الذي سحر عمي ببريق أمواله ،
واستهواه بابواق سياراته العديدة ، هذا الذي جعل حياتي جحيما منذ أطل
على هذا البيت ، ولاحت لعين عمي عماراته الشاهقة المرتفعة في سماء
بغداد ؟ هذا الذي تجرأ على طلب يدي وهو يجهل اني لا انظر اليه من وراء
عماراته وسياراته ، بل انني انظر اليه بمنظار الواقع ، فانفر منه
بمجونه ، وميوعته واخشاه لتحلله وانحرافه ، ولكن عمي ، هذا الرجل
المغرور ، لم يزل يتعقبني بفتاه هذا بالوعد تارة ، وفي الوعيد اخرى ،
انه يصور لي الفردوس الأرضي غافلاً عن فردوسك يا رب ، انه يبني لي
الصروح الشاهقة من الاماني والآمال جاهلاً ان آمالي واماني منوطة بك
وحدك ، أنا اخشى ان افقد فردوسك اذا حصلت على هذا الفردوس المزعوم ،
انا اخشى ان انحرف عن تعاليم الإسلام إذا نزلت امام رغبة عمي وقرنت
حياتي مع هذا الشباب ، ولكن الضغط شديد ، وأنا وحيدة فريدة
( 20 )
أقاوم ، واصارع ، بدون ناصر أو معين ، إلاك يا رب حتى اخي الوحيد ، انه
قد انحرف مع التيار الساحق ، ولا ريب ولا أدري ؟ فلعله لو كان حاضراً
لآزر عمي وساعده على ما يريد ؟ فأنا لا أعرف شيئا عن اخلاقه وما انتهى
اليه ، فقد تركني فتية صغيرة ، ولم يعد لحد الآن ، ناسيا أن لديه اختا
هي احوج ما تكون اليه ، والى رعايته وعنايته لقد نساني أو تناساني
بالمرة ، ولكنني لم انس أخي ، لقد كنت أدعو له بالهداية على طول الخط ،
فارحمني يار بي برحمتك ، ولا تتركني انجرف الى الهاوية راضية أو مرغومة
بعد قليل سوف يستأنف عمى عملية التعذيب ، ويعاود كلمات التهديد والوعيد
، انك تعلم يا إلهي انه حبسني في غرفتي هذه منذ يومين ، محاولا اخضاعي
لما يريد ؟ ولهذا فإني خائفة يا رباه ولكنني سأحاول الصمود ، سوف اقف
امام كل شيء ، حتى تصلني رحمتك ورضوانك ؟ وكأن هذه المناجاة أسبغت على
وفاق بعض الشعور بالراحة النفسية بعد ان ناجت ربها القادر على كل شيء
واوكلت اليه زمام أمرها في الحياة ، وهل هناك راحة نفسية أعمق من راحة
الإنسان السائر في طريق الله ؟ وهل هناك اطمئنان اعمق من اطمئنان الذي
يسلم أمره الى الله ؟ وهل هناك شكاية اكثر تأثيراً من الشكاية الى الله
؟ وهذا ما جعل وفاق تشعر بنعاس هو أشبه ما يكون بالاستسلام ، وفعلا فقد
أسلمت نفسها للنوم بعد ليلة طويلة قضتها ساهرة ، ولكن اغفاءتها تلك لم
تستمر
( 21 )
سوى فترة قليلة فقد استفاقت على صوت عمها وهو يقرع النافذة صائحاً
بصوته الحاد ، ألا تزالين نائمة يا عجوز القرون الوسطى ، فنهضت مذعورة
واجابت بانكسار ، نعم يا عماه فقد اخذتني سنة من النوم ، قال العم وقد
حاول ان يلطف صوته : أراك منبسطة الوجه في صباحك هذا يا وفاق ؟ لعلك قد
عدت الى الحقيقة وتركت وراءك عالم الخيال ؟. فحاولت وفاق ان تتبسم ، ثم
قالت لقد كنت اعيش دائماً في عالم الحقيقة يا عماه ، قال العم ، ولكنها
حقائق القرون الماضية ، وليست حقائق القرن العشرين ، والآن . فإذا كنت
قد عدلت عن فكرتك العفنة فتعالي لأفتح لك الباب بيدي هذه التي سوف تفتح
لك أبواب السعادة في الحياة ، قالت أنا لا أريد ان تفتح لي ابواب
النعيم الدنيوي لتسد أمامي أبواب الرحمة والغفران ، أنا لا ابيع آخرتي
بدنياي يا عماه فارحمني ودعني وما أريد ، فزمجر العم قائلا أنا لن أدع
الفرصة تفلت من يدي بسهولة ، أنا لا أريد أن تبقي في صومعتك هذه متلفعة
بالأغطية السوداء منطوية على نفسك مع الكتب والأوراق ، انك تجلبين عليّ
العار والشنار ، فتهدج صوت وفاق وهي تقول انا هكذا كنت وهكذا سوف أبقى
يا عماه قال إذن فاخرجي من بيتي فلم أعد اطيق بقاءك وانت على ما عليه
من أسلوب منحرف في الحياة ، فرفعت وفاق وجهها نحو السماء وكأنها تطلب
المعونة من الله ثم قالت بقنوط هل تعني ما تقول يا عماه ؟ قال نعم
( 22 )
يكفيني ما سببت لي من مشاكل وما كدرت عليّ صفو حياتي بأفكارك ومثلك ،
انك مخيرة بين ان ترضي بهذا الشاب زوجاً او ان تخرجي من بيتي على أن لا
تعودي إليه ، لأرى مدى ما تنفعك مفاهيمك ، ومدى ما ينصرك اسلامك الذي
تدعين قرري مصيرك يا وفاق. فأطرقت وفاق برهة ثم قالت لقد قررت . قال
اترضين بهذا الشاب اذن ؟ فقالت وفاق بصوت رصين . لا ، انا لن ابيع ديني
بدنياي ، فثار العم واندفع نحو الباب يفتحه ويقول اذن تعالى واخرجي فلم
يبق لك مكان في هذا الدار ، أما واني لآسف على ما بذلته في سبيلك من
جهود ، اذهبي وفتشي عن اسلامك او عن اخيك الذي اهملك وتركك بعد ان عرفت
كيف يعيش ، اخرجي بسرعة ، فلم أعد اطيق بقاءك في البيت وكان العم يتكلم
ووفاق تلبس ابرادها للخروج ، ولم تكن تملك من مال الدنيا شيئا عدى حلية
ذهبية فحملتها في حقيبته ثم انثنت الى مكتبتها الصغيرة فاختارت منها
المصحف الشريف ، وبعض الكتب الاسلامية ، ثم توجهت الى عمها قائلة ألا
تزال تصر على رأيك يا عماه ؟ ألا تندم على ما أنت مقدم عليه ؟ فأزبد
العم قائلا أبدا أنا لن اضمك في بيتي بعد الآن ، فلم يعد هناك من أمل ،
فاخرجي وفتشي عن إسلامك ومفاهيمك ونادي اليك أخاك الذي أهمل وجودك
وتناساك ، فرفعت وفاق طرفها نحو السماء ثم قالت وهي تتقدم نحو الباب
نعم اني ذاهبة يا عماه ، وإني لسعيدة لانتصاري هذا ، فقد اكمل
( 23 )
الله نعمته عليّ . والهمني القوة في العقيدة ، والثبات على الإسلام ،
فوداعا يا عماه ، وكانت وفاق تنتظر ان يرجع عمها عن قراره في آخر لحظة
لكنه شيعها بكلمات السباب حتى توارت في منعطفات الشارع ، وهناك ، شعرت
وفاق بضيعة ما فوقها ضيعة ، انى عساها ان تذهب ؟ والى أية ناحية تتجه ؟
وقد غدت وحيدة في هذا العالم الواسع ، غريبة عن مجتمعها الذي يحيطها ،
المجتمع الذي تستنكر عليه أعماله ويستنكر عليها أعمالها ، وتنقم عليه
لفاسده ، وينقم عليها لصلاحها ، فرانت عليها سحابة يأس مريرة اسلمتها
لحيرة قاسية ، وفيما هي غارقة في لجة الإنفعالات طرقت سمعها نغمة محببة
وهي ترتل آيات القرآن الكريم ، وانتبهت على المقرىء وهو يتلو هذه الآية
(
أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم
البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر
الله ألا إن نصر الله قريب
) (1) ، فشعرت وكأنها هي المخاطبة في هذه الآية
وتجدد في قلبها الأمل وهي تستمع الى وعد الله بالنصر فاستعادت في لحظة
بإيحاء من هذه الآية المباركة جميع ما لديها من عزيمة ، وكل ما تملك من
ثبات ، وفكرت الى اين تتجه ! ولكن بروح مشرقة ونفس مطمئنة ، فخطرت لها
صديقتها وداد : ماذا عليها لو ذهبت الى هناك وطلبت منها
____________
(1) سورة البقرة الآية 114.
( 24 )
ان تكلف اخاها بالبحث عن أخيها الغائب ؟ فقد كان صديقه قبل ان يسافر
ولعلها ان وجدت أخاها او عرفت بمكانه سوف تتمكن ان تكتب اليه وتطلب منه
ان يعود بعد ان تحدثه بما هي عليه ، وفعلا فقد اتجهت الى بيت صديقتها
وداد وخيوط الأمل تداعب اوتار قلبها ووصلت الى هناك : وما طرقت الباب
حتى فتحته لها وداد ولم تكد تراها حتى احتضنتها بلهفة وشوق بالغين ،
وراحت تقبلها وهي تردد قائلة تهاني لك على هذه البشرى السارة يا وفاق
علم الله لقد استطرت لها فرحاً من اجلك يا اختاه . فأنكرت وفاق على
صديقتها هذه التهاني والتبريكات وتساءلت في حيرة عن أي شيء تهنيني يا
وداد فانبرت وداد تقول اولم تصلك رسالة من أخيك يا وفاق أولم تعلمي أنه
في طريقه الينا وانه سوف يصل اليوم او غدا وكانت هذه البشرى السارة
اكثر مما تتحمله وفاق فتهاوت بين يدي صديقتها وهي تردد : احقا ما
تقولين ؟ فأخذت وداد بيدها وقادتها الى غرفتها حيث جلستا هناك وما ان
استعادت وفاق رشدها من أثر المفاجأة حتى خطر لها أمر هالها انها قد
غفلت عنه وهو أن أخاها قد إنجرف مع التيار ، وتلونت نظرته للحياة
بالمنظار الغربي ، اذن فهو صورة ثانية عن عمها الذي نبذها قبل ساعة .
فالتفتت نحو صديقتها تقول بجد رصين وكيف علمت ذلك يا وداد وهل عرفت أي
شيء قد دعاه الى العودة ؟ فقرأت وداد ما دار في خلد وفاق فابتسمت لها
مشجعة ثم قالت لقد كتب الى اخي يقول انه لم
( 25 )
يعد يستطيع البعد عنك بعد الآن وبعد أن عاش حياة الحضارة المزعومة ،
واطلع على مآسيها وفواجعها ، وتعرف على أمراضها وسمومها ، وانه سوف
يعود ليحميك من شر الحضارة الخادعة ، والتمدن المزعوم ، هاك ورسالته
فاقرأيها ليطمئن قلبك يا وفاق وكانت الفرحة قد استولت على وفاق فلم تعد
تتمكن من القراءة فها هو الله تبارك وتعالى يستجيب لها وينصرها في احرج
لحظة ، وها هو اسلامها يشد ازرها كما كانت ترجو وتأمل وها هي مثلها
ومفاهيمها تنتصر وتعيد اليها الأخ الغائب بعد ان كفر بأفكار أوروبا
وحضارتها الموهومة ، فطلبت من وداد ان تقرأ لها الرسالة فقرأت لها وداد
رسالة الأخ وقد جاء فيها : لقد انخدعت يا صديقي فترة من الزمان ، ظننت
فيها ان هذه الحياة المائعة هي الطريق الى السعادة وقد شغلتني دنيا
الغرب ببهرجها ، وصرفتني عن واجبي نحو نفسي ونحو اختي التي تركتها صبية
صغيرة ، وانا اقر لك بذلك يا صديق الطفولة والفتوة ، ولكن لا عجب فقد
نسيت نفسي أيضا واضعتها على مذبح الشهوات ، وكان ان أخذت الحقائق تنكشف
لي واحدة بعد اخرى فإذا بهذه العمارات الناطحة للسحاب الساهرة للصبح
على قرع الكؤوس وضرب الدفوف اذا بها تضم افضع المآسي واهول المصائب ،
واذا بهذه النوادي الزاخرة باشكال اللهو والمجون ما هي إلا أحابيل
تضليل للشباب المخدوع ، وعملية وأد لمستقبله وكيانه في الحياة ، وإذا
بهذا الجيل من النساء
( 26 )
المزهوات بالمساواة مع الرجل إذا بهن لسن سوى سلعة رخيصة جدا بين أيدي
الرجال يتحكم فيهن الرجل كما يريد ويبرزهن بالشكل الذي يهوى ، وإذا
بهذا الصخب في الحياة العامة ، وهذا الركض وراء كل ما يسمى حضارة ، وكل
ما يسمى تمدن ، إذا به يخفي هما دفينا ، ومشاكل كبار ، يعج بها المجتمع
الغربي وكل من سار على شاكلته ولهذا فقد انتبهت الى نفسي وعدت بفكري
الى اختي التي لا ريب انها الآن قد بلغت الروعة في ريعان الشباب
والفتوة فخشيت عليها مصير هذه الفتيات ، وخشيت عليها أن تنحرف مع
التيار الذي أخذ يغزو البلدان الإسلامية تحت اسماء مستعارة من التمدن
والتقدم ، فعزمت أن أعود الى وطني لأحمي اختي ، واصونها بمهجتي عن
الإنحراف ، نعم أنا أريد أن أعود ، لآخذ بيدها نحو جادة الصواب ،
ولنذهب معا نلتمس السعادة الواقعية في تعاليم الإسلام.
ثبات
كان
المساء كئيبا تلبدت سماؤه بالغيوم ، وزمجرت الريح فيه تنذر بقرب هبوب
العاصفة ، وقد ضمت خديجة اليها اولادها الثلاث في غرفة متواضعة وهي
تفترش بساطاً بالياً لم يبق من معالمه شيء ، وكانت ترفع طرفها الى
السماء خلسة عن أطفالها لتتابع تطوراته خشية ان تهب العاصفة قبل أن
يعود زوجها من الخارج ، حتى سمعت صوت المفتاح وهو يدور في الباب فنهضت
مسرعة وأهابت بأطفالها قائلة قوموا فاستقبلوا أباكم فهتف صغيرهم قائلا
وهل جاء لنا بالخبز يا أماه ؟ فنهرته بلطف قائلة ان هذا لا يهم لا تلق
عليه هذا السؤال. واندفع الأولاد نحو الأب مهللين ومعهم أمهم وقد
انطبعت على وجهها ابتسامة طيبة وكأنها لم تكن تعيش ساعات القلق المريرة
من قبل وكان الأب يحمل على يديه بعض الأرغفة من الخبز مع قطعة من الجبن
فسارعت الأم الى استلامها منه ولم تمض فترة حتى أعدت وجبة العشاء
المتواضعة في أوان نظيفة وان كانت قد فقدت لونها لكثرة الاستعمال ،
وتحلقت الأسرة حول هذه المائدة البسيطة
( 28 )
وحاولت الأم ان توجد جوا من المرح والسعادة بين افراد الأسرة وما أن
فرغوا من الطعام حتى استسلم الأطفال لنوم عميق يحلمون فيه بأنواع
الحلوى واشكال العرائس واللعب ومضت فترة سكوت على الأبوين قطعها الأب
قائلا في مرارة : وهكذا ترين هذه السنة وهي تكاد تنتهي دون أن احصل على
عمل ، وقد استنفدنا كل ما كنا قد ادخرناه وبعنا ما تمكنا من بيعه من
أثاث البيت ، ولم يبق لدينا ما يمكننا من مقاومة الجوع ، فقالت الأم
بصوت حاولت أن تجعله متفائلا لقد بقي لدينا الإيمان ، وبقيت لدينا
الإرادة ، وهما الطريق الى كل خير وسعادة ، فقال الأب واي خير وسعادة
ونحن نرى الإيمان يجرنا الى ان نجد اولادنا يتضورون جوعاً في اسمال
بالية ، أما وربي أنه الايمان الذي جعلني اتحمل هذا الشظف من العيش
وانها الهداية التي جرعتني كؤوس الفقر والحرمان واحدا بعد واحد ، فقد
كنت اتقلب في بحبوحة من العيش قبل أن .. فقطعت الأم كلام زوجها قائلة
واية بحبوحة تلك ؟ ومتى كان القمار رصيداً للأسرة ؟ وما قيمة الغذاء
الذي يملأ الجوف نارا ؟ والكساء الذي تعقبه سرابيل النار ؟ نحن لم نكن
سعداء ومصيرنا تحدده الصدفة او الخدعة ، نحن لم نكن سعداء حينما كنا
نشبع على حساب جوع غيرنا ، ونلبس في الوقت الذي يتعرى فيه سوانا ، أية
سعادة في ذلك الجحيم ؟ قال الأب ولأجل هذه المفاهيم اقلعت عن القمار ،
ولأجل هذه المفاهيم أيضا وصلنا الى ما
( 29 )
نحن عليه ، قالت الأم ان لقمة خبز يابسة نأكلها ونحن بها احقاء لهي
افضل بكثير من الموائد العامرة بأطائب الطعام نأكلها بعد ان ربحنا
ثمرها على الموائد الخضراء ، وبعد أن سبب ربحنا الخسارة لسوانا من
الناس ما أهمية اكلة لذيذة او بزة انيقة يعقبها عقاب الله ، قال الأب
أنا أعرف كل هذا يا خديجة وأنا احمد الله الذي هداني للإيمان واشكرك
لمساعدتي على النهوض من ذلك الحضيض ولكن حياة الفقر مريرة وعذاب الحاجة
لا يطاق .. قالت خديجة مهما كانت حياة الفقر يا حسان فهي حياة زائلة
يخالطها الأمل ويعتمل بها الرجاء وقد يعقبها اليسر او يتبعها الرخاء
ولكن الحياة الأخرى الحياة الحقيقية التي لا تنتهي ولا انقضاء لها تلك
الحياة التي يجب ان نحسب لها حسابنا ونهيء للرحيل اليها امتعتنا من
الأعمال الصالحة الخيرة ، فلا تأسف على ما فات ، واحمد الله على ما
أعده لك من نعيم التوبة ومثوبة الصبر على الفاقة وسبيل رضاء الله
واجتناب معاصيه ، ولا تدع لليأس اليك سبيلا . قال الأب أنا لست يائساً
يا خديجة ولكني اخشى ان أنهار امام هذه الصعاب فيزلني الشيطان وأعود
الى ما ابتعدت عنه . قالت الأم لا تزال لدي حلية حرصت عليها كذكرى
لزواجنا وسوف ابيعها منذ الغد ونعيش بثمنها لفترة من الزمان سيمدنا
الله خلالها بعونه ويفتح امامك طريقاً للعمل الحر الشريف ، قال الأب
اذن فلا كن على ثقة من نفسي الى فترة اخرى ! قالت الأم نعم كن على ثقة
يا حسان فإن الله
( 30 )
لن يترك عباده ييأسون من رحمته ، ولا يزال في الدنيا أشخاص يثمنون
الاعتدال ويقدرون الصلاح ، وسوف ترى كيف يبتسم لك المستقبل ويفتح لك
الحظ السعيد ذراعيه ، فتأوه الأب ثم قال اذا صحت امالك يا خديجة فما هي
الحكمة من هذه الأزمة التي نجتازها ؟ فقالت الأم انها فترة اختبار
ومرحلة تجربة لك ولنا جميعاً ألم تسمع الآية التي تقول (
ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر
الصابرين
) (1) فقال الأب ومتى سوف تنتهي هذه الفترة
القاسية ؟ قالت الأم متى ما اجتزنا الامتحان بنجاح فقال الأب وما هو
النجاح المطلوب ؟ قالت هو ان نتحمل آلام الجوع وويلات الفقر دون ان نمد
أيدينا الى المال الحرام واني لعلى ثقة من أن فترة الأمتحان تكاد أن
تنتهي بنجاحنا والحمد لله .. والى هنا انتهى حوار الزوجين فاستسلما
للنوم وقد أوكلا امرهما لله الواحد القهار ، واستفاقت الام عند طلوع
الفجر فأيقظت الأب ليؤديا صلاة الصبح ثم انصرفت الأم لتهيء الشاي قبل
ان يستيقظ الأطفال وانهمك الأب يقرأ بعض سور القرآن الكريم واشرق الصبح
، واستفاق الأولاد ، فقدمت الأم لهم أكواب الشاي ولكن احدهم احتج قائلا
اين الخبز إذن يا ماما ؟ إن صديقي حامد واخوته يفطرون على الخبز والزبد
والبيض في كل
____________
(1) سورة البقرة الآية 155.
( 31 )
صباح ، فشعرت الأم بفؤادها وهو يتمزق لوقع هذه الكلمات ، ولكنها طبعت
على قسماتها ابتسامه جريحة وقبلت طفلها وهي تقول سوف يكون افطارك منذ
الغد كما تحب وتشتهي يا عزيز الروح ان شاء الله ، فتساءل الطفل ببراءة
لما قلت ان شاء الله يا ماما ؟ قالت الأم لأن الله هو الذي يرزقنا يا
ولدي وهو الذي يمكننا من تهيئة الغذاء والكساء ، ولولا ارادة الله
تبارك وتعالى لما تمكنا حتى من استنشاق الهواء ، فقال الطفل وهل سوف
يرزقنا الله الخبز والبيض عند الإفطار يا ماما ؟ قالت الأم نعم نعم يا
ولدي ان ذلك سوف يكون ان شاء الله ، وكان الأب يستمع الى ما يدور بين
ابنه وزوجته وهو مذهول امام قوة الإيمان التي تشد هذه الزوجة الصالحة
ورأى ان عليه ان يؤازر هذه الأم المجاهدة ويساعدها على بعث روح الأمل
والثقة في نفوس الأطفال فبدأ يتحدث اليهم عن المستقبل ، وكيف ان الله
سوف يهديه الى عمل يدر عليه الربح الكثير ، فيشتري لهم ما يشتهون ، من
الحلوى ، والفواكه ، فيأكلون كما يأكل حامد واخوته ، ويلبسون كما
يلبسون ، وما أن اتم حديثه الذي استحوذ على اهتمام الأطفال حتى سمع
طرقا على الباب فتوجه ليفتح الباب وهو يتساءل في سره عن الطارق ؟ وقد
قل من يطرق بابه بعد أن انفصل عن جماعة اللهو والمجون ، وكأن قلب الأم
قد آمل ان تكون هذه الطرقات فاتحة خير في حياتهم فوقفت في مكانها تنتظر
ومضت فترة ليست بالقصيرة وان كانت في حساب
( 32 )
الانتظار طويلة جدا وعيون الأم متجهة الى مدخل الدار ، وعاد الأب وقد
تهلل وجهه واشرقت اساريره فاندفعت اليه الأم وهي تقول ظني بأن فترة
امتحاننا قد انتهت يا حسان فأخذ بيدها في حب وخشوع وقال نعم يا شريكة
حياتي ، ورفيقة آلامي وآمالي ، نعم يا عزيزتي ، لقد انهى الله تبارك
وتعالى فترة الاختبار واجتزناها بنجاح والحمد لله ، ولكن بجهودك
وبصمودك وايمانك .. حقا لقد تمثلت فيك كلمة امامنا جعفر الصادق حينما
قال « المرأة الصالحة خير من الف رجل غير الصالح » ويبدو ان انكشاف
الأزمة كان بتوفيق من الله تبارك وتعالى وبسبب من جهودك ايضاً ؟ وهنا
قالت خديجة بصوت تهدج من التأثر لعله كان رسول الحاج صاحب اليك ؟ قال
بل انه الحاج صاحب نفسه ، انه زوج صديقتك أم جهاد ، وكان يقول انه منذ
مدة يفتش عمن يتمكن ان يأتمنه على ادارة تجارته ومساعدته في انجاز
الأعمال وقد علم متأخرا من زوجته بحاجتي الى العمل وبملابسات وضعي
الماضي ، والحاضر ، فرأى ان عليه ان يختارني أنا دون سواي ، ليكون
الأداة التي يهيأها الله لانتشال عباده الصابرين من وهدة اليأس والقنوط
، وقد قال ضمن ما قال انك الآن اطهر واعف من سواك لأن التائب عن الجرم
يكون كمن ولدته امه.
مقاييس
انتهت
السيدة سعاد من ارتداء ملابسها وهي تستعد للذهاب الى الاحتفال بمناسبة
زفاف بنت صديقتها المفضلة ام سلام ثم جلست على أحد الكراسي تنتظر بنتها
دعاء وكأنها عادت فشكت في حسن مظهرها فاتجهت من جديد الى المرآة ووقفت
امامها مليا ثم استدارت لتطمئن من أناقتها ثم عادت الى جلستها تنتظر
وكأنها استبطأت ابنتها فقرعت جرسا الى جوارها دخلت على أثره خادمة شابة
قد جمعت شعرها على شكل تسريحة علاية وارتدت ( فستاناً ميني جوب ) مفتوح
الصدر ، يكشف عن النصف الأعلى من النهدين ، وصبغت شفتيها بالروج الأحمر
، فنظرت السيدة سعاد اليها برضاء ، وتأملت أناقتها بدقة ثم قالت أراك
قد انتهيت من استعدادك قبل سيدتك يا سنية ؟ أذهبي وقولي لها أن امك
تنتظر ، فإن الطريق بعيد ، ويلزمنا ساعة من الزمان حتى نصل الى هناك ،
ومن الضروري ان نكون أول الوافدات لصلتي الوثيقة بالأم وصلة دعاء
بالعروس . فاستدارت الخادمة في غنج وهي تقول امرك يا مدام ، ورأت
السيدة سعاد ان
( 34 )
تستغل فترة انتظارها لتتأكد من اناقتها ومكياجها من جديد فتوجهت الى
المرآة والقت نظرة عامة على ملابسها ، ومكياجها ، وتسريحتها ثم عادت
الى جلستها وهي تتأفف لتأخر ابنتها ، وتمتمت تقول ان الساعة تقارب
السابعة والنصف ويلزمنا ساعة للطريق وسوف يبدأ الاحتفال في الساعة
التاسعة وما كادت تتم كلماتها حيث دخلت سنية وهي تتأود في مشيتها
بدلاعة فنظرت اليها السيدة سعاد مستفهمة فابتسمت البنت في مكر وقالت ان
الست دعاء سوف تتهيأ يا ستي ، فاستشاطت السيدة سعاد وهي تقول : ماذا ؟
سوف تتهيأ ؟ إذن ماذا كانت تصنع لحد الآن فتمايلت سنية ثم ضحكت وهي
تقول كانت تصلي قالت السيدة سعاد : كانت تصلي ؟ اذن فلم تكن تستعد طيلة
هذه المدة ؟ يا لشذوذ هذه البنت المسكينة ، ثم أردفت السيدة سعاد قائلة
اذهبي اليها مرة ثانية يا سنية وقولي لها ان امك لن تنتظر اكثر من عشر
دقائق اخرى فذهبت سنية ثم عادت لتقول انها آتية يا مولاتي فأثارت هذه
الكلمة السيدة سعاد ونهضت واقفة وهي تقول ماذا تقولين ؟ وكيف تمكنت من
الاستعداد خلال هذه الفترة القصيرة ، لا شك انها سوف تجلب عليّ العار
في هذه الحفلة ، اسفي عليها وعلى جمالها الرائع وهي تمحو معالمه
باهمالها وشذوذها ، وللمرة الرابعة اتجهت السيدة سعاد نحو المرآة
وكأنها تريد ان تعوض بأناقتها عن اناقة ابنتها وما أن عادت من امام
المرآة حتى رأت ابنتها داخلة وقد انطبعت على
( 35 )
قسماتها بسمة ملائكية زادتها جمالا وبهاءا وهي تقول : ها أناذي على
استعداد يا أماه ، ولكن السيدة سعاد تسمرت في مكانها وهي تتأمل ابنتها
بعين ناقدة ثم انفجرت تقول بتهكم طبعا طبعا انك على استعداد وأي
استعداد هذا أو سوف تذهبين الى الاحتفال بهذا الثوب الطويل المغلق ؟
ومع هذا الشعر البسيط المهمل ؟ وبهذه الأكمام الطويلة ؟ ثم اين المكياج
؟ وهل هناك فتاة لا تعرف ان ترسم عينيها وشفتيها غيرك يا مسكينة ؟ لقد
اخرتيني طيلة هذه المدة وقد كنت آمل ان تكوني مشغولة باعداد نفسك
للحفلة فإذا بك كنت تصلين ، ثم تقولين باعتزازها انا ذي على استعداد ،
وكانت دعاء تستمع الى امها بهدوء ، وبعد أن انتهت الام من حملتها
الثائرة قالت دعاء بصوت مؤدب اما أني كنت اصلي فإن الواجب الديني كان
يحتم على ذلك لأني سوف لن اتمكن من الصلاة خلال الاحتفال وسوف لن ينتهي
الاحتفال قبل نهاية وقت الصلاة ، وأما ثوبي فهو ليس بالطويل يا اماه
أبدا ولكنه ليس ميني جوب واما شعري فهو مصفف بشكل بديع ولكن بدون أن
أجلس ساعات في صالون الحلاقة استمع الى انغمام الموسيقى والوث شعري
بمختلف أنواع المواد ، وأما المكياج ؛ فأنا لا أجهل طريقة وضع المكياج
يا أماه ولكني لا اشعر بالحاجة الى ذلك ولا اريد ان اعتمد عليه في
ابراز شخصيتي بين المجتمع ، فهزت الأم رأسها بأسف وتبرم وتمتمت تقول
دعينا نمضي قبل ان ترتقي المنبر وتمطرينا بسيل من المواعظ
( 36 )
والحكم كعادتك دائماً ولكني احس بمرارة الأسف وأنا ارى سنية تفوقك زينة
واناقة ، فقالت دعاء اذا كانت المقاييس تقاس بهذا الشكل من الاناقة فان
لسنية كل الحق ان تتقدم عليّ في هذا المضمار ، قالت السيدة سعاد الواقع
اني لست ادري كيف ستقابلين وجوه المجتمع من سيدات وسادة هناك ! وبأي
صورة باهتة سوف تظهرين وسط أجواق المطربات والمغنيات ؟ فردت دعاء بهدوء
ان الاحتفال ليس بمختلط يا أماه ولو كان مختلطاً لما ذهبت اليه بأي حال
من الأحوال ، ثم ليس هناك أي جوق غنائي ، أو أي مجموعة طرب ، فقهقهت
السيدة سعاد وهي تقول مستهزئة اذن فإن الدعوة لأجل القاء خطاب ديني في
فضل الحجاب ؟ فكتمت دعاء غيضها وقالت بهدوء : لا ، ليس هناك خطاب ديني
ولكنه اجتماع لوداع العروس قبل رحلتها الى شهر العسل ، ولاحظت الأم ان
دعاء تتكلم بجد وانها مستعدة لاطالة الحديث ، فخشيت ان تتأخر عن بداية
الاحتفال فقالت تريد ان تنهي الحديث هي بنا الآن ، وخلال الطريق حدثيني
بما لديك من أخبار الاحتفال ، فاتجهت دعاء الى حيث اتت بمعطف أسود طويل
فضفاض وارتدته ثم لفت حول رأسها طرحة سميكة سوداء وكانت امها قد اعتادت
ان تراها في هذا الزي ولذلك لم تعترض من جديد واستقلتا السيارة ومعهما
سنية تحمل علبة فيها وسائل مكياج سيدتها لتصلح ما يفسد من مكياجها خلال
الطريق ، وبعد أن قطعت السيارة
( 37 )
النصف الأكثر من الطريق سألت السيدة سعاد ابنتها كيف عرفت ان الحفلة
غير مختلطة يا دعاء ؟ وانها خالية من الأجواق الغنائية ، قالت دعاء كان
من المفروض ان تكون الحفلة مختلطة وان تقام في احد النوادي العامة وذلك
تمشياً مع ذوق السيدة أم العروس ، ولكن صديقتي العروس ابتهال وهي فتاة
مؤمنة قوية في ايمانها كما تعلمين ، أبت ان تكون حفلة زفافها على هذا
الشكل من التحدي لأحكام الشريعة وآداب الاسلام ، وحصل صراع ، بين الأم
والبنت ولكن انضمام فكرة العريس الى فكرة العروس ، وإصرار ابتهال على
الغاء الاحتفال بتاتا ، جعل أم العروس تنزل أمام رغبة ابنتها وتجعله
احتفالا خاليا من كل انواع التفرنج ، وكانت السيدة سعاد تستمع الى
ابنتها وعلامات الاستغراب بادية على ملامحها ثم قالت وهل ان العريس مثل
العروس يحمل نفس الافكار الرجعية ؟ فابتسمت دعاء بمرارة لعبارة امها
القاسية وقالت طبعا انه مثلها من ناحية الإيمان والاعتدال ولو لم يكن
كذلك لما رضيت به زوجاً فالفتاة المؤمنة لا تقرن حياتها مع زوج ماجن لا
يماشيها بأفكارها وعقيدتها لأن اختلاف الأفكار هو أقوى معول في هدم
الحياة الزوجية ثم كيف تعتبرين هذه الأفكار افكارا رجعية وهي من صميم
ديننا وقد نص عليها قرآننا ، ان افكارنا هي الأفكار الصالحة يا أماه ،
وان فكرة السفور والاختلاط هي الفكرة الرجعية التي تعود بالإنسان الى
العهود البدائية حيث لا شريعة سماوية ، ولا مبادىء
( 38 )
انسانية ، وكأن حديث دعاء كان قد أثر على أمها لأنها ردت عليها قائلة
ولكن بغير حماس ان الحضارة تدعو الى ذلك يا دعاء ، قالت دعاء أية حضارة
هذه يا أماه انها حضارة مبطنة بالمآسي والأهوال مغلقة بالاغلفة البراقة
التي تخفى وراءها عوامل الشر ، والنزعات الحيوانية ، والأغراض الشخصية
، نحن لا نؤمن بهذه الحضارة الخادعة يا اماه ، قالت الأم بنغمة لا تخلو
من أسف ولكنه المفهوم العام في زماننا هذا ، والمقياس الذي تقاس به
الشخصية يا دعاء ، فردت دعاء بحماس ولهذا فنحن نسعى الى ابطال هذا
المفهوم ، ونحاول ان نثبت للمجتمع أن في امكان الفتاة ان تبرز لسبب من
كمالها الشخصي وليس على حساب وسائل المكياج ومستحدثات الموضة ، فهي
حينما تبرز بكمالها المستقل تشعر بلذة الكمال ونشوة الانتصار ، خلاف ما
لو برزت على حساب تخطيطات مصممي الأزياء وواضعي خطوط المكياج فهي حين
ذاك تكون وسيلة للعرض لا اكثر ولا اقل ، وعند هذا وصلت السيارة الى باب
الاحتفال فما كان من الام الا وربتت على ظهر ابنتها قائلة بارك الله
فيك يا دعاء ، ليتني اتمكن ان اكتسب منك هذا اليقين ، وهذه الروح
المطمئنة الواثقة .
مذكرات
1
| 2 | ـ196
لقد
عشت بالأمس ساعات عصيبة تقاذفتني فيها عوامل القلق ودانت عليّ خلالها
سحب اليأس ، انها كلمات لمياء ، حينما البت عليّ بنات الصف وهي تقول ..
ما أرى حجاب هدى إلا ضرباً من افكار المراهقة الطائشة انها تحاول بذلك
ان تجلب اليها الأنظار ؟ كانت هذه هي كلمات لمياء التي اسلمتني الى
حالة نفسية مريرة شككت خلالها الى فترة في حقيقة مشاعري الذي جعلني
اعيش تلك الساعات القاسية . بالله ما اقسى ان يشك الإنسان في يقينه او
يتردد في واقعه ، نعم انه لشعور مؤلم ، ومؤلم جدا عفا الله عن لمياء ما
اقساها وهي تكيل الاتهامات للبنات المؤمنات ، لقد جعلتني كلماتها أعود
الى الدار وكل ذرة في كياني تنطق بالحيرة ، والقلق ، والألم ، ثم راجعت
نفسي بعد أن تمكنت من تهدئة عواطفي الثائرة ، راجعت نفسي لأرى مدى ما
تعنيه بالنسبة لي كلمات لمياء ، وناقشت الموضوع من شتى نواحيه ، فرأيت
اولا ، ان دور المراهقة ليس دور الشذوذ في الأفكار كما تدعي
( 40 )
لمياء ، وإنما هو دور النمو نحو الكمال الجسمي والعقلي وان الفكر يتفتح
خلال هذه الفترة كما لا يتفتح في فترة سواها . وذلك بعد أن يكون قد
تخلص من شوائب الطفولة ولم يتعب بعد من جراء تضارب افكار الحياة ، إذن
فإن فكرتي في خصوص الحجاب لا يمكن لها ان تكون فكرة ناجمة عن شذوذ فكري
، ثم رأيت ثانياً ، ان لفت الأنظار لا يتأتى بسبب من هذه الابراد التي
أتلفح بها بل العكس تماماً ، فقد سبق ان مارست اساليب لفت الأنظار ،
وذلك قبل ان يهديني الله للإيمان ، ورأيت كيف كانت أنظار الرجال
تلاحقني بندائها الصارخ أينما اتجهت ، اني كنت المح في وجوههم جوعتهم
الشرهة وتلذذهم بالعرض الجاهز السخي ولكن ، الآن ما الذي عساه يلفت
اليه انظارهم من هذا الحجاب ؟ ثم حتى لو لفت نظرهم فانه سيعود اليهم
خائباً وهو حسير ، سوف تكون كل قطعة من هذه الأبراد رادعا لهم عن
انتهاك محراب الطهر وتدنيس الكيان المقدس ثم فكرت ثالثاً ان لمياء لم
تكن تعني ما تقول ، ولكنها كانت تحاول بذلك ان تثبت قدمها في الطريق
الوعر الذي سارت عليه .
وبعد
كل هذا لم أعد اشعر بوقع كلمات لمياء ، ولم يعد لدي أثر منها عدى الأسف
على شبابها ان يصبح في مهب الريح ، ودعوت الله ان يساعدني على التمكن
من هداية لمياء ، وجرها الى طريق الصواب ، ونمت وأنا افكر في احسن
طريقة أمد بها يد العون الى لمياء ، وقد اصبحت اليوم وانا
( 41 )
اشعر براحة نفسية عميقة فقد صممت ان أجاهد من أجل لمياء ، حتى اهديها
سواء السبيل ان شاء الله .
5
| 2 | ـ196
لقد
كنت بالأمس على موعد مع صديقتي ولاء ، وكان من المفروض ان تزورني عصراً
لأجل ان نستذكر دروسنا ونستعد للامتحان ، ولكنها لم تحضر ، وانا جد
قلقة من أجلها انتظرتها حتى يئست من قدومها ، حاولت ان اتصل بها
تليفونياً فلم اتمكن ، قضيت الليل كله قلقة من أجلها ، ولكنها اتصلت بي
قبل ساعة وقالت انها كانت محمومة ولذلك لم تتمكن من الحضور ، فدعوت
الله ان يشفيها ويمنّ عليها بأبراد العافية .
أنا
احب ولاء جدا وان كانت معرفتي بها لا تتعدى السنة ، ولكنها فتاة مؤمنة
، متدينة ، فاهمة ، انها تشاركني افكاري ، وتعيش معي آمالي واحلامي ،
لقد جمعتني واياها الصدفة في بداية العام الدراسي ، فجذبني نحوها
ايمانها ، وجذبها نحوي ايماني ، فتعارفنا وكأنا لم نتجانب من قبل ما
اصدق قول الشاعر حينما يقول :
قد يجمع الرأي
اشخاصا وان بعدوا * وقد يفـرق خلف الرأي اخوانــا
6 | 2 | 196
( 42 )
اليوم
هو اليوم الذي نعقد فيه اجتماعتنا الدينية من كل اسبوع ، نقرأ القرآن
الكريم ، ونفسر آياته ، ونتمرن على تهيئة المواضيع الإسلامية ، والقاء
المحاضرات الدينية ، ولا أدري هل سوف تحضر ولاء ؟ ام ان حماها سوف
تعقها عن ذلك ؟
7
| 2 | ـ196
لقد
كان اجتماعنا ناجحا ، وقد كانت ولاء هي أولى الوافدات ، مع أنها كانت
محمومة ، وتشكو من بعض الآلام ، ولكنها قوة الإيمان ، هي التي دفعت بها
الى الحضور.
وإذا حلـت
الهدايــة قـلـبــا * نشطــت للعبــادة الأعضــاء
لله
در ولاء ، لقد تحدثت فأبدعت واندفعت في البيان فأجادت ، وكأنها انصرفت
عما تعانيه ، وحلقت بروحها وفكرها نحو هدفها الاعلى ، الدعوة الدينية.
13
| 2 | ـ196
لقد
تحدثت في اجتماع الأمس حول موضوع لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ،
وبعد الانتهاء من الحديث قالت احدى الاخوات المؤمنات ان امها تحاول ان
تفرض عليها
( 43 )
خلع الحجاب في بعض الحالات وتوهمها انها ما دامت مؤمنة يجب عليها اطاعة
امها لأن ذلك مفروض عليها من قبل الله ، والحقيقة انني قد تألمت لحال
الأم الضالة ، وحال البنت المسكينة ، التي تحاول امها ان تجعلها ضحية
تحت شعار اطاعة الأم ؟ ثم اكدت عليها من جديد ان لا طاعة لمخلوق في
معصية الخالق حتى ولو كان المخلوق أماً أو أبا.
25
| 2 | ـ196
منذ
فترة وأنا احاول أن اتقرب الى لمياء لغرض التمكن من هدايتها ، وما أكثر
ما عانيت من هذه ، وما اكثر ما تلقيت من كلماتها الجارحة ، ولكنني
ولأجل غايتي المنشودة كنت اتجرع كل ذلك بصبر واناة ، كنت احدثها بهدوء
وهي تجيب بثورة ، وانظر اليها بابتسام ، وهي تواجهني بالتقطيب ، ولكنني
اخذت اشعر بأن ابتسامتي بدأت تسري اليها ، وان هدوئي أخذ يشملها وهي
تحدثني فتفاءلت بذلك وجعلته بادرة خير ، الشيء الذي شجعني على أن أهدي
لها مجموعة من الكتب الإسلامية التي تبحث عن الحجاب واسبابه وفوائده ،
وعن السفور ومباعثه ، ومفاسده ، وكان منها كتاب الحجاب لأبي الأعلى
المودودي والعفاف لمحمد امين زين الدين ، ونظرية العلاقة الجنسية لمحمد
مهدي الاصفي ، ومعركة التقاليد لمحمد قطب ، وامس عند خروجها من المدرسة
طلبت مني أن ازورها في بيتها لأن لديها
( 44 )
ما تقوله لي ، ومع أن هذا الأمر يبدو غريباً لأن صاحب الحاجة هو الذي
يجب ان يزور الطرف الآخر ولكني سائرة وراء غاية سامية ، وهدف معين ،
ولذلك سوف أذهب اليها وانا راضية فرحانة
26
| 2 | ـ196
لقد
ذهبت امس لزيارة لمياء ، فاستقبلتني بحرارة جعلتني لا اندم على قيامي
بهذه الزيارة ، وبعد أن استقر بنا الجلوس بدأت تتحدث : تحدثت عما سمعته
مني ، وتحدثت عما قرأته في الكتب التي قدمتها لها ، ثم تساءلت أخيراً
هل حقا ان في امكانها ان تتعلم لو أرادت ان تتحجب أم ان الحجاب سوف
يكون حائلاً دون ذلك ؟ فأوضحت لها ان الاسلام الذي فرض الحجاب على
المرأة قد دعاها في الوقت نفسه الى طلب العلم ، بل ان نبي الإسلام جعله
فريضة واجبة على كل مسلم ومسلمة ، وان لها أن تتعلم ولكن مع حفاظها على
حجابها ومع تجنبها من الاختلاط مع الرجال بالشكل الذي يؤثر على محو
الهالة القدسية التي تحيط بها .
29
| 2 | ـ196
يالله
كم أنا سعيدة اليوم ، فها أنا راجعة لتوى من المدرسة بعد أن شاهدت
لمياء تلجها وهي محجبة ، وتخرج منها وهي محجبة ، الحمد لله الذي فتح
صدرها للإيمان ، اللهم لطفك بالبنات المسكينات ، اللهم هيىء لهن سبل
الهداية
( 45 )
فإنهن مخدوعات ، ضللتهن افكار الحضارة الخادعة تحت شعارات العلم
والتقدم.
فكأنما التعليم
ليس بممكن * إلا إذا برزت بغير غطــاء
12
| 3 | ـ196
لقد
قالت مدرسة التاريخ امس لو نزل القرآن في هذا العصر لما أوجب الحجاب
على المرأة لأن دور المرأة في هذا الزمان والنظرة اليها لا تمكن من
الاستغناءعن المرأة ولا تستيغ عزلها عن الحياة ، كان هذا ما قالته
مدرسة التاريخ الست نهاد ، فما كان مني الا ان أطلب منها السماح لي
بالمناقشة ، ثم قلت لها انني اناقش ما قالته من زاويتين : اولا ، ان
وجود المرأة في مختلف الحضارات زمان نزول القرآن او قبله لم يكن أقل من
وجودها الآن فقد كان سبق لها أن مارست شتى أنواع الظهور حتى الحكم ،
فالتاريخ يحدثنا عن ملكات امثال زنوبية ، وكيلو باطرة ، وكانت الحضارة
اليونانية تركع وتسجد امام معاني الجمال الموجودة في المرأة ، ولا يزال
ما نحتوه لها يعد من أثمن التحف الفنية ، وكذلك الحال في الحضارة
الرومانية والفارسية فهم جميعاً وان كانوا قد وأدو حق المرأة كإنسانة
وشككوا في أن هل لها روح ام لا ، وهم وان منعوها عن اداء الطقوس
الدينية على حساب كونها
( 46 )
مخلوق نجس ، ولكنهم كانوا يستغلون جمالها وأنوثتها بشكل واسع حتى
أمروها وملكوها كما هو الحال في كيلو باطرة ولكن ، لما أساءت التصرف
قدم لها أحد الرجال ثعباناً ساماً ورجح لها أن تموت مسمومة على أن تقع
اسيرة بيد العدو فتجلب لهم العار ، وهذا يدل على تجاهلهم لإنسانيتها
وكيانها المستقل وإلا فبأي حق يفرض عليها الانتحار ؟ وعلى كل حال فإن
هذه الصور من تاريخ المرأة في مختلف الحضارات قبل الإسلام تدلنا على أن
دور المرأة في تلك العصور لم يكن أقل أو أضيق من دورها في هذا العصر
إذن فالتشريع الذي شملها حين ذاك يستمر في شموله حتى الآن . اما
الزاوية الثانية التي أود أن أناقش فيها فهي ان الإسلام لم يعزل المرأة
ولم يستغن عنها لأجل فرض الحجاب أبدا بل ان الاسلام هو أول من جعل من
المرأة شريكة مع الرجل في بنيان الأمة كما جاء في الآية الكريمة (
ومن يعمل من الصالحات من ذكر
او أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا
) وكما
قال نبي الإسلام « النساء شقائق الرجال » والإسلام لم يفرض الحجاب لغرض
عزل المرأة عن الحياة ، لما تدل عليه نفس آية الحجاب المباركة اذ يوجه
الأمر فيها اولا الى الرجال لكي يغضوا من ابصارهم ، ولو كان الحجاب
عزلا للمرأة عن الحياة لما وجد ما يبرر تشريع غض الرجال لأبصارهم ثم ان
التاريخ يحدثنا عن دور المرأة المسلمة في حياة الأمة وكيف أنها كانت
تشهد الغزوات مع الرسول تداوي الجرحى وسقي
( 47 )
العطشى ، حتى انها كانت تحمل السلاح في بعض الحالات بمرأى ومسمع من
الرسول (ص) وكان رسول الله (ص) يسهم للنساء من الغنائم كما يسهم للرجال
. ثم ان التاريخ يحدثنا أيضاً عن سيدات مسلمات باشرن بمهمة الدعوة الى
الدين ، وعقدن الندوات للتوعية الدينية ، وروين الاحاديث عن الرسول ،
وفسرن آيات القرآن الكريم ، كل هذا يؤكد لنا ان الإسلام لم يعزل المرأة
عن الحياة ، ولم يوجه افكار المسلمين الى احتقار المرأة ونبذها ، حتى
ان افكار المسلمين في سنة مقتل الصالح كانت تتقبل ان تتولى الحكم امرأة
عندما ارتقت شجرة الدر الى العرش ، ويؤكد لنا أيضاً ان فرض الحجاب على
المرأة ليس سوى استجابة لما تفرضه طبيعتها وتدعو اليه طبيعة الرجل ،
فالرجل بطبعه وتكوينه تواق للمرأة ، والمرأة بطبعها وتكوينها خلقت
لاستمالة الرجل ، اذن فظهور المرأة امام الرجل من حقه ان يثير في
الجنسين الغرائز المكبوتة ، وهذه الغرائز اما أن تشبع حاجتها فتكون
الفوضى الجنسية التي تشمل البيت والأسرة والأفراد وتحطم الرجل والمرأة
سواء بسواء كما حدث في البلدان الغربية وكما تدل عليه الاحصاءات الآتية
... آ ـ ان 6 | 1 من الفتيات الامريكيات يتزوجن وهن حاملات من علاقة
سابقة ـ بـ ـ تقل نسبة الزواج في اميركا بصورة واضحة وبعكس ذلك تزداد
نسبة الطلاق حتى شملت ما يقارب من 25% من مجموعة الزيجات ـ جـ ـ هبوط
نسبة الزواج في عرض عشر
( 48 )
سنوات الى النصف .
هذا
اذا انطلقت هذه الغرائز على سجيتها اما اذا كبتت فإنها سوف تترك وراءها
مختلف أنواع العقد وأمراض الكبت من الناحية الفكرية والعاطفية . هذا هو
السبب الرئيسي في فرض الحجاب وليس كما يتوهم البعض من انه ختم ملكية
المرأة للرجل او عزل للمرأة عن المجتمع .
25
| 3 | ـ196
لقد
أصبحت اشعر ان مدرسة التاريخ الست نهاد اصبحت تنظر الي باحترام بعد أن
عرفت انني انسانة صاحبة عقيدة ، ومبدأ ، وان تمسكي بالإسلام وآدابه ليس
مجرد عادات وتقاليد ، بل أنه نابع عن رغبة وتصميم وإيمان ، لك الحمد يا
ربي اذ وفقتني للتمكن من مناقشتها عندما نالت من التشريع الإسلامي ، لو
كنت قد سكت في ذلك اليوم ، لو كنت قد جبنت عن مواجهتها بالحق لعدتني
فتاة رجعية ، واقعة تحت تأثير العادات ، والتقاليد حتى ولو كنت قد
ناقشتها ببذاءة ، لو كنت قد رددت عليها بكلمات نابية ، بأسلوب جارح ،
انها ما كانت لتعترف لي بما تعترفه الآن ، لعدتني طالبة غير مهذبة ،
ولأوعزت ذلك الى خطأ الفكرة التي اؤمن بها والتوجيهات الإسلامية التي
أسير عليها ، ولكنني ناقشتها بهدوء ، وبأدب وبأسلوب منطقي ، وها أنا
أرى نتيجة ذلك ، لقد قالت امس للطالبات ليتكن تتمثلن
( 49 )
بهدى ، فإنها فتاة ممتازة . لك الحمد يا ربي ، يا من قلت في محكم كتابك
الكريم (
ان الله لا يضيع عمل عامل منكم
من ذكر او انثى ).
2
| 4 | ـ196
بالأمس
كنت في مكتبة المدرسة اطالع كتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين
لأبي الحسن الندوي وانتبهت من استغراقتي الطويلة في المطالعة على صوت
الست نهاد وهي تقول ما الذي تطالعينه يا هدى ؟ فنهضت واقفة بأدب وقدمت
لها الكتاب فجلست على احد الكراسي تقلب صفحاته واحتراما لها ، ولأجل ان
اتركها تقرأ بدون تحفظ ، غادرت المكتبة ولكنني لاحظتها حين انتهاء
الدوام وهي تحشر الكتاب بين كتبها فعرفت انها تريد ان تطالعه باتقان ،
انها خطوة هامة ، انها فاتحة خير.
16
| 4 ـ196
منذ
مدة وانا اشعر صديقتي المؤمنة صفية تعيش في صراع نفسي مرير ، وقد أثر
ذلك على نشاطها في العمل ، واندفاعها في الخدمة الدينية ، ومع انها لم
تتخلف عن جلساتنا واجتماعاتنا ولكنني احس ان لديها ما يعذبها وهذا ما
يحز في نفسي ويجعلني أتألم من أجلها ، ليتني أعرف السبب في الامها .
أنا أجهل عن وضعها الداخلي اي شيء لا ادري لعلها في ضائقة مالية ؟
لعلها تخشى ان يتكشف من حالها ما لا تريد ؟ ولكنها غلطانة ، فنحن لا
نعير زخارف الحياة
( 50 )
اهتمامنا ولا ننخدع ببهرجها وزبرجها ، يكفينا ويكفيها أيضا انها قد
اثبتت شخصيتها في وسطنا وبرزت بين لداتها بعقيدتها وسعة اطلاعها ، وعمق
مفاهيمها الإسلامية نحن نثمن الجوهر ولا يهمنا العرض ، فليست وسائل
الحياة المادية سوى اشياء عرضية زائلة اما الجوهر الواقعي الذي لا يمحى
ولا يزول فهو الفكر الصالح والاتجاه الخير .. ولكن صفية ، يبدو انها
غير مطمئنة الى بلوغنا الى هذا المستوى من الواقعية في التفكير ، هذا
اذا كانت الأزمة التي تعانيها هي ازمة مادية ، سوف احاول ان اتعرف على
اسباب المشكلة التي تعيشها لعلّي اتمكن ان امد اليها يد المساعدة .
24
| 4 | ـ196
لقد
اكتشفت السبب الواقعي للازمة التي تعيشها صفية ، انها حالتهم
الاقتصادية ، وبيتهم المتواضع وخشيتها من ان يؤثر ذلك على مكانتها بين
الصديقات ، ولهذا فهي تعيش في دوامة من الآلام والانفعالات ، ولكنني
تمكنت من جرها الى عالم الحقيقة التي نعيشها قلت لها : ان محمد بن عبد
الله اعظم رجل عرفه التاريخ ، حمل الى البشرية أقدس رسالة سماوية وهو
فقير ، في الوقت الذي كان يتمكن فيه ، لو اراد ، ان يعيش حياة الترف
التي كان يعيشها كسرى وهرقل ، وان فاطمة الزهراء بنت الرسول كان بيتها
متواضعاً يشمخ في تواضعه على ايوان كسرى وكان اثاثها بسيطاً يتعالى
( 51 )
في بساطته فوق رياش فارس ، وزخارف الروم ، وكذلك الحال لدى صحابة
الرسول الأبرار ، فالتاريخ يحدثنا عن حريق هائل شب في المدائن خلال
ولاية الصحابي الشهير سلمان الفارسي لها ، فكان ان هرع الناس الى
رياشهم وأموالهم يستنقذونها بجهد جهيد اما سلمان والى المدائن وحاكمها
ووراث عرش كسرى في الأمارة ، فقد حمل على ظهره كل ما يعود اليه ولم يكن
ذلك يتعدى صرة صغيرة من الملابس ، وقرآن ومصلاة ، وابريق ماء ، وخرج من
منطقة الحريق قائلاً : هكذا ينجو المخفون.
26
| 4 | ـ196
بالأمس
التقيت بصديقة حميمة لي كانت تجمعني واياها صلة وثيقة ولهذا فقد كنت قد
عرفتها عن قرب ، وعن قرب جدا فرأيتها مثال الفتاة الطيبة الطاهرة لم
تكن تظن بأحد السوء ، ولم تكن تضمر سوءاً تجاه أحد ، وأكاد اتمكن ان
أقول : انها لم تكن تعرف الحقد والبغضاء بمعناها الصحيح ، كانت تثق بكل
رفيقاتها ثقتها بنفسها تماما ، وفية مخلصة ، تبذل يد المعونة لكل
محتاجة من اخواتها المسلمات ، كانت تعطى من نفسها اكثر مما تأخذ بكثير
، فهي تحسن حبا بالاحسان واشباعا لرغبتها في مساعدة الغير وثقة منها
انها بهذا ستكون الرابحة في الدارين ، وعلى كل حال فقد كانت فتاة
مثالية ، ثم حدث ان ابتعدت عنها فترة لم اتمكن أبانها من مطالعتها
ومراجعتها ، ثم لقيتها أمس فهزتني فرحة اللقاء ،
( 52 )
ولكن صدمني الاطار القاتم الذي شمل الموقف ، فقد طالعني منها منظارها
الأسود الذي أصبحت لا ترى الدنيا الا من ورائه ، ثم عرفت انها قد
اكتشفت في مجتمعها نواح كانت تجهلها منه ، واطلعت على مفاهيم معكوسة لم
تكن تخطر لها على بال ، فرأت كيف تقلب المثل فتقابل بالنقيض ، فهي لم
تشعر في يوم من الأيام ان هناك فيمن حولها من يفرق بين المحسن والمسيء
في كل ظرف وحين .. وهكذا ، ولهذه النواحي واشباهها اخذت تتبرم بالحياة
، وتسعى الى العزلة والانفراد ، وقد تبدل لهذا سلوكها وتغيرت طباعها
وفقدت راحتها النفسية على هذا الوضع رأيت بالأمس صديقتي بعد طول افتراق
فعرفت ان هذه المسكينة ليست سوى ضحية من ضحايا المجتمع ، فما كان مني
الا ان سألتها قائلة وهل ندمت يا عزيزتي على ما قدمت يداك من احسان وما
وهبه قلبك من حب ؟ وهنا شعرت ان صراعا عنيفا قام بين عقلها وعاطفتها
وكنت آمل ان يتغلب العقل فترد عليّ ـ لا ـ ولكنها لم تتمكن من مقاومة
أي من الدافعين فسكتت ولم ترد ، فأجبت انا بدلا عنها فقلت لها برفق :
قولي لا يا عزيزتي فإن عمل الخير في نفسه شيء جميل ، وصفاء النفس بذاته
شعور مريح ، فلا تأسفي على شيء منهما ويكفيك سعادة انك تطالعين صفحات
ماضيك فترينها بيضاء ناصعة من كل شوب ، فقولي اني لست نادمة يحفظ الله
لك أجر ما فعلت . لا تندمي يا صاحبتي ولا تيأسي فما زالت الدنيا في خير
ولا
( 53 )
يزال هناك من يحفظ الجميل ، ويقدر الفضل ، ولهذا فإني ارجوك بل والح
عليك ان لا تدفعك الخيبة من المجتمع الى الحقد عليه ، ولا يجرنك الفشل
في عمل الخير الى الزهد فيه بل استمري على السير في طريقك الواضح ،
وحاولي ان ترفعي عن عينيك هذه الغشاوة القاتمة لتعودي كعهدي بك فتاة
طيبة ، حلقي في سماء الكمال ، ولا تهبطي الى حضيض النقص ، فإن اهم ما
ينقص من المرأة ويحط من مكانتها هو الحقد ، والظن السوء ، لا تحقدي او
تظني بأحد السوء ، احملي اختك على سبعين محمل خير وسوف ترين راحتك
النفسية وقد عادت اليك كأروع ما تكون.
وهكذا
بدأت احدثها بما يعود بها الى واقعها الذي تنكرت له ، ولم افارقها الا
وانا على ثقة من انها سوف تكون في مستقبلها كماضيها .
1
| 5 | ـ196
سألتني
اليوم واحدة من الأخوات المؤمنات عن معنى ما جاء في دعاء كميل بن زياد
(رض) « يا رب ، اسألك بحقك وقدسك واعظم صفاتك واسمائك ان تجعل اوقاتي
في الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك موصولة » قالت ليس فينا من
تتمكن ان تقتصر في حياتها على ذكر الله والتسبيح والتهليل فنحن اذ نعيش
وبحكم لزوم التعاون مع الآخرين مهما أمكن ، لا بد لنا أن نباشر شتى
اعمال الحياة ولا يمكننا
( 54 )
التنصل والتزام التكبير والتهليل فقط ، فقلت لها على مهلك يا اخية فنحن
لسنا بمكلفين ان نقضي الليل والنهار بالتسبيح والتكبير مثل قول سبحان
الله والحمد لله ولا إله الا الله والله اكبر فهذا وان كان من الذكر
المأثور ومن الباقيات الصالحات لكن ليس هو الذكر كله ، فكم يوجد من
يذكر الله بلسانه وينساه في قلبه وافعاله ، ولكننا نستطيع بسهولة ان
نجعل اوقاتنا في الليل والنهار بذكر الله معمورة وبخدمته موصولة دون ان
نعطل شيئا من أعمالنا للحياة ، فبالأضافة الى العبادات اليومية
المفروضة ، ومقدماتها وآدابها ، فأنت مثلا اذا كنت زوجة صالحة وربة بيت
خيرة تكونين بذلك دائما وأبدا ذاكرة لله مطيعة لأوامره فقد جاء في
الأخبار ان امرأة سألت الرسول (ص) عما عندنا نحن النساء من قبال الجهاد
وثوابه عند الرجال فقال صلوات الله عليه : الزوجة الصالحة وادارة البيت
الناصحة الطاهرة ، ثم ان المرأة وكيفما تكون سيدة أو آنسة تتمكن ان
تصبح دائما وأبدا ذاكرة لله تعالى ، خادمة لأوامره ، متبعة لتعاليمه ،
فكل يد معونة تسديها المرأة ولو لأقربائها الأقربين اذا كانت خالصة لله
تكون ذكراً لله تعالى ، وكل لفتة طيبة تبديها تجاه الغير بدون أية غاية
دنيوية تكون ذكراً لله سبحانه ، وكل سحابة ضيق تتحملها بصبر ، وكل فكرة
صالحة تفكر فيها لأجل الخير ، دون أي شيء آخر ، وأي نعمة تحدثت بها لا
مباهية ولا متعالية ، وحتى البسمة والضحكة إذا جادت بها خالصة من كل
شائبة رياء او
( 55 )
ملق ، كل هذه تكون ذكراً لله سبحانه ، ولكن يتفق لنا ان تحين لنا فرصة
نتمكن فيها من افشاء سر او الجهر بسوء يكون لنا من ورائه نفع او لنا به
مصلحة شخصية ثم لا نأتي بشيء من ذلك بوازع ديني لا غير فنكون ذاكرين
لله تعالى مطيعين لأوامره ، ولذلك فمن الجدير بنا أن نبتهل الى الله
تبارك وتعالى ان يجعل اوقاتنا في الليل والنهار بذكره معمورة وبخدمته
موصولة .
5
| 5 | ـ196
ان
الامتحان النهائي يقترب ولا بد لي ان اتفرغ للتحضير لأتمكن من اجتياز
هذه المرحلة بتفوق ولكي اثبت ان العمل الإسلامي لم يقعد بي عن الدراسة
ولم يشل تفكيري عن المطالعة بل فتح ذهني اكثر وركز تفكيري بصورة اعمق .
ولهذا سوف أترك كتابة المذكرات الى حين بداية العطلة ان شاء الله .
قلب
يتعذب
أتراني
سوف أقوى على الثبات ؟.. اتراني سوف اتمكن من التمسك بهذه الخيوط التي
تشدني الى الأمل ؟.. اتراني أستطيع ان ابقي قدمي راسختين مع كل ما
يدميهما من شوك ؟.. اتراني اتمكن أن اشد بصري نحو مطلع النور مع كثير
ما يحول بيني وبينه من ضباب ؟ يا لله ، أي ضباب هو هذا الذي تكاثف
ويتكاثف لكي يحجب عني بريق الضياء ؟.. نعم ، أي ضباب هذا الذي يأبى إلا
أن يلاحقني فيسد عليّ منافذ الحياة بعدما احاول أن أفتحها واسعة رحيبة
لكي انفذ منها ما اريد ؟... ولكنني طالما نفذت من خلاله وأنا أعرف انه
ضباب !... ولكنه الآن عاد اكثر ظلمة وأعمق كثافة .. انه تمكن ان
يستغفلني فيرسل بعض خيوطه الى فكري لتعشعش فيه .. ولهذا فأنا أتساءل
كما لم أتساءل من قبل .. اتراني سوف أقوى على الثبات ؟.. أية قوة هذه
التي ستشد من عزيمتي التي أكاد أفتقدها .. وأي حارس هذا الذي سوف يحرس
فكري عن انفتاحه على خيوط الضباب الكثيف التي سربتها اليه قساوة الحياة
.. نعم
( 57 )
قساوة الحياة .. فما أقسى أن يتابع الإنسان الذبالة الأخيرة من مصباح
أمانيه وهي تنطفىء عطشاً للزيت وهو يعلم أن لا زيت هناك ، ولكن عليه أن
يتابع ذبذبتها بعطف وحنان ؟!.. ما أقسى الشعور بالنهاية والأقسى منه
اذا كانت النهاية بطيئة ؟.. ما اقسى أن يكافح الإنسان أمواج الحياة وهو
يعلم أن لا ساحل هناك !.. إنه الكفاح اليائس العقيم .. ما أقسى أن تكون
خيوط الغد غير واضحة ، والأقسى من ذلك أن توجد الخطوط ولكنها متشابكة
الأطراف غير واضحة الأبعاد لما يكتنفها من ضباب ؟!... يالله الضباب مرة
ثانية ؟!... انه لايريد ان ينفك عني ويأبى أن يتركني بأي شكل من
الأشكال .. لعن الله هذا الضباب الظالم المظلم ... انه يشيع في القلق
ليل نهار ، والقلق ما هو إلا أداة لدك الارادة مهما كانت قوية ... ولكن
أية ارادة هذه التي سوف يبقي عليها الضباب ؟... أتراني سوف أعود فأزهو
بارادتي من جديد ؟...
فكر في
مهب الريح
ها
أنا ذي أعود اليك يا مذاكراتي لأبثك ما أجد بعد أن لم أعد أقوى على
الكتمان ... ان آنية الماء التي توضع على النار لا بد لها من تنفس وإلا
لانفجرت تحت وطأة الغليان .. وهكذا هي آلامي يا وريقاتي ، فهي تكاد
تنفجر في أعماقي كبركان من نار يحيل أعصابي الى هشيم .. ولكنك أنت
الوحيدة التي اتمكن أن ابثها ما أجد لأخفف الضغط عن هذا الكيان الذي
أخذ يتداعى تحت ضربات الأحداث .. صحيح انني لا استطيع ان أقول ولكني
استطيع أن اكتب .. فقد يوجد ما يكتب ولا يقال ، وقد يوجد ما يقال ولا
يكتب .. نعم أنا أريد أن احدثك عن ليلي وآلامه ونجومه التي تتضاحك عليّ
لسهري ، وترنو إليّ بفضول لتتعرف على الشيء الذي باعد بين اجفاني ،
وولد النفرة بين عيني والنوم وبين جسمي والفراش .. أنا أريد ان احدثك
عن نور القمر الذي أضحى يعذبني باشراقته التي طالما تغنيت بها من قبل ،
وطالما أشرقت لها جنبات روحي تتجاوب معها في حنان .. أريد أن أحدثك عن
الأطياف التي تتراءى لي
( 59 )
وكأنها نذر الشقاء تتلاعب بأفكاري وعواطفي كما يتلاعب الذئب بفريسته
وهو يحاول تمزيقها بأنيابه .. نعم يا وريقاتي ، أنها أطياف كانت تتراءى
لي منذ زمان رفيقة بي تارة وعنيفة أخرى .. ولكنها منذ هذا الأمد الذي
لا أقوى على تشخيصه لما يتلفعه من ضباب انها منذ هذا الأمد لم تعد
تفارقني ولم تعد ترفق بي أبداً فهي عنيفة ومفرطة في العنف .. الشيء
الذي جعلني أنقاد اليها ملقية سلاح المقاومة الذي طالما استنقذني منها
فيما مضى .. فالى أين ستقودني هذه الأطياف يا ترى ؟ .. وهل هناك من
يستنقذني منها أو يساعدني في التغلب عليها الحقيقة انني يائسة ، فالى
أين سيقودني هذا اليأس ؟.. ليتني اجد من يقودني الى مطلع النور من جديد
.. حتى هذه الكتب التي كانت سلاحي الذي أصد به هجمات الضباب فيما مضى
لم تعد تؤدي مهمتها بالشكل المطلوب ولم تعد حروفها تعني عندي اكثر من
خطوط سوداء قاتمة لقد حاولت بالأمس ان استعير بعض الكتب من المكتبة
العامة ولكني عد فسلمتها بعد استلامها بثلاث ساعات لانني عجزت عن
القراءة .. أنا التي طالما سحرتني الكتب بأفكارها .. فالى أين سوف
ينتهي بي الحال ؟..
حشرجة
روح
هل
ترى حرم عليّ النوم الهانيء ؟ أو هل سوف تعود الى مقلتي تلك الاغفاءة
اللذيذة فأتذوق من جديد طعما للاستغراقة الحالمة التي كانت تلفني كلما
عسعس الليل ، ام تراني سأبقى أستجدي اسنة فلا تجيبني ، واستدعي الرقاد
فلا يواتيني ؟.. وحتى اذا تسلل النوم الى عيني على غفلة من الضباب وعلى
غرة من الاطياف ، فهو رقاد فزع متقطع لا يكاد يغلبني حتى يغلبه الضباب
وأطيافه القاسية الهوجاء فيوقظني لاُواجه من جديد واقع الحياة .. ما
أحلى النوم الذي يبعدني عن الواقع المرير ، وما أمر النوم الذي تلاحقني
خلاله ظلال اليقظة القاتمة .. أتراني اتمكن ان اعده نوماً أم هو أحد
اشكال العذاب وبعض أنواعه ؟!. ولهذا فأنا لا اتمكن أن اقول أنني لا
أنام ، ولكن أي نوم ؟.. وأنا لا أريد أن اقول انني لا أضحك فأنا أضحك
ولكنها ضحكة جريحة وكأنها حشرجة روح وأنا لا أريد أن أقول انني لم أعد
أحيا كما تحيا الاخريات أنا أحيا ، ولكن أية حياة ؟.. انها أشبه ما
تكون بالحجر الكاوي الذي تغطيه طبقة من
( 61 )
الرماد الهادىء فلا يوحي للناظر بما يخفى من اوار .. هكذا كنت ، ولا
ازال اضحك ليضحك سواي واتظاهر بالسعادة ليسعد من يهمه أمري فيفرح لذلك
صديقي ويأسى له عدوي .. ولكن أتراني سوف اتمكن المقاومة ، أم ان معالم
الضباب ، هذا الضباب القاتم الذي يحاكي لونه لون عباءتي السوداء أتراه
سوف يرسم خطوطه على قسماتي فيبدي ما احاول اخفاءه ويفضح ما أود ستره ..
ليتني أتمكن الثبات ، فأنا لا أطيق نظرات الرحمة وهي منصبة عليّ ، ولا
أريد ضحكات الشماتة وهي تتردد في مسمعي تحمل صداها المشؤوم .. ليت هناك
من يحاول ان يستنقذني مما أنا فيه !
بقايا
كيان
ما
أراني إلا وقد انتهيت .. فقد اتسعت سطوة القلق حتى شملت جميع اتجاهاتي
في الحياة .. فما أن أمسك القلم حتى يحيله القلق الى اداة عاطلة لا
تعرف كيف تخط الكلمات ، وما أكثر ما حاولت أخط به ـ على جموده وفتوره ـ
ولكنها أية خطوط ؟..
انها
كلمات جوفاء تفتقد الحياة والرواء لأن هذا الضباب اللعين يأبى إلا أن
يمتد اليها فيتسرب بين حروفها ليحيلها الى احرف باهتة لا تعني شيئا ولا
تمكن من شيء وهل يقوى الإنسان أن يعيش دون أن يكتب ودون أن يقول ؟..
أية حياة هي هذه ؟ انها الحياة التي تحكى عن الميت الحي .. لا أدري ،
هل سأعود فأعرف انني احيا من جديد ، او هل سأجد اليد الرحيمة التي تمسح
على جروحي والصدر الحاني الذي اسند رأسي اليه ، لا بالله ما اجد ؟؟..
فلا بد من شكوى
الى ذي مروءة * يواسيــك أو يسليـك أو يتوجــع
( 63 )
إلى
هنا انتهت رباب من مطالعة دفتر المذكرات الذي هو ضيفها منذ ساعة بعد أن
ألقته المقادير بين يديها وهو ملقى على جانب الطريق .. فشعرت بشعور
الألم لهذا القلب المعذب ولهذا الكيان الذي يوحي بالانهيار .. ثم
استسلمت الى استغراقة طويلة استعادت خلالها ما جاء في المذكرات مثل قول
الكاتبة « ليت هناك من يحاول أن يستنقذني مما أنا فيه » وقولها «
اتراني سوف أعود فأزهو بارادتي من جديد » .. إذن فإن بيداء هذه الكاتبة
المجهولة قوية بطبيعتها ، ثابتة بشخصيتها ، وانها لم تتهاو إلا تحت وقع
سياط قاسية وقاسية جداً .. وهي مع ذلك تتمنى لو تمكنت من الوقوف وتتوق
الى عهدها السابق من الثبات .. ورددت رباب في ألم : ليتني كنت أعرفك يا
بيداء لكي أصل اليك يا طعينة الحياة ، يا حبذا لو كنت أقوى على انتشالك
يا ضحية الضعف البشري الذي لا يتخلص منه الإنسان الا بسلاح |