|
ليتني كنت اعلم
( 230 )
بسم الله الرحمن الرحيم
( 231 )
جلست
( انفال ) في عيادة الطبيب ، تنتظر نتيجة الفحص ، وكانت تستعجل الوقت
لأنها مدعوة إلى حفلة ! لم تكن تفكر في طبيعة النتيجة بقدر ما كانت
تخشى من تسرب الوقت وفوات موعد الحلاقة ، فهي لم تكن تجد في التحليل
الذي تنتظر نتائجه سوى إجراء احتياطي جاء نتيجة رغبة الأهل واهتمامهم
بأمرها ، وإلا فهي لا تحس بأي عارض مخيف ، ولا تستشعر من المرض ما يريب
، عدا بعض الآلام الطفيفة في المفاصل ، وأخيراً استدعيت إلى غرفة
الطبيب ، فدخلت عليه وهي مستعجلة إنهاء الأمر ، والاسراع في الخروج ،
وفوجئت عندما دخلت بسحابة من كآبة ترين على وجه الطبيب ، الشيء الذي
دعاها أن تقول عندما سألها :
هل أنت صاحبة التحليل ؟
كلا إنها ابنتي.
فقد
أرادت أن تعرف الحقيقة ، ولعله سوف يتحفظ معها لو عرف أنها صحابة
التحليل ، ووقفت أمامه تنتظر ، فأشار
( 232 )
إلى كرسي هناك ، وطلب منها أن تجلس فجلست ، وقد بدأ الوجل يتسرب إلى
نفسها ، وتطلعت إليه في لهفة ، ولكن ليس من أجل الخروج في هذه المرة بل
من أجل فهم الحقيقة.
قال
:
 لماذا
لم ترسلوا رجلاً بدلاً عنك لأخذ النتيجة يا أنسة ؟
قالت
:
 لأني
كنت مارة من هنا ولهذا لم نجد ما يستدعي إرسال سواي ثم أنني أتمكن أن
أسمع الحقيقة مهما كانت.
فسكت
الطبيب وهو ينظر إليها في جد مشوب بالأسف ثم قال :
 إن
هذا يؤكد أنك فتاة مثقفة فاهمة لطبيعة الحياة.
قال
هذا ثم سكت ، فسرت في جسمها رعدة من الخوف وتساءلت :
 كيف
؟ وماذا تعني يا دكتور ؟ قال إن نتائج التحليل تشير إلى وجود مرض في
الدم.
قال
هذا ثم سكت وأطرق في أسى ، فلم تجد أنفال
( 233 )
حاجة لأن تستزيده أو تستوضحه أكثر ، فرددت في فزع قائلة ( سرطان ) ؟
ولم
يرفع الطبيب رأسه وبقي ساكتاً في ألم من أجل هذه الأخت المصابة ، وكان
هذا السكوت بمثابة حكم بالاعدام عليها فغمغمت تقول في شبه حشرجة :
آه
لقد انتهيت إذن ...
وهنا
عرف الطبيب أنها كانت تكذب عليه .. نعم عرف ذلك ولكن بعد فوات الأوان
فرفع إليها وجهه ونظر نحوها نظرة حنو وقال :
 أنني
آسف ، لماذا كذبت عليّ يا بنتاه ؟ ولكن وعلى كل حال فإن الموت والحياة
بيد الله وكم من مريض عاش وصحيح مات ؟
وكانت
( أنفال ) تشعر أن روحها أخذت تغور إلى الأعماق وأن يداً فولاذية امتدت
لتشد على قلبها فتعصره في قساوة ولكنها استجمعت فلول قوتها وهي تقول :
 أرجو
المعذرة يا دكتور وشكراً.
فرد
عليها الطبيب مشجعاً :
 كوني
قوية ومتفائلة ، فإن الطب لا يزال
( 234 )
 في
تقدم ولعل المرض الذي لا يوجد دواء له اليوم سوف يوجد دواؤه غداً ولهذا
فإن الأمل لا يزال موجوداً وسوف أبحث عن أحدث الأفكار الطبية لعلني أجد
الدواء المطلوب ولهذا فأنا أرجو أن تتركي لي رقم تليفونك يا بنتاه.
وبطريقة
روتينية ذكرت له رقم الهاتف فهي لم تكن تعي ما تقول أو ما يقول فقد
كانت تعيش آثار الصدمة في عنف ومرارة ثم أعادت عليه كلمة الشكر وخرجت.
وفي
البيت ... كتمت الحقيقة فلم تكن تعرف أو تقوى أن تتحدث عنها ثم إنها
وجدتهم في شغل عن ذلك بالاستعداد للذهاب إلى الحفلة ... وسألتها أمها
قائلة :
ألم
تمري على الدكتور يا أنفال ؟ ثم لماذا لم تذهبي إلى الحلاقة ؟
كان
السؤال عابراً غير منتظر للجواب ولهذا فقد ردت عليها باقتضاب قائلة :
 لأنني
سوف لن أذهب إلى الحفلة ، قالت هذا وصعدت إلى غرفتها وأغلقت الباب من
الداخل ثم استلقت على السرير وهي بكامل ملابسها وأصوات أهلها تصلها
وكأنها تأتي من وراء بعد ساحق وكان
( 235 )
 صوت
الريح يطرق أذنها فتجد فيه عزفاً جنائزياً حزيناً وكأنه العويل الذي
ينعى إليها شبابها وحياتها الفتية ...
حتى
غرفتها الحبيبة إليها أصبحت تجد أنها غريبة فيها ما دامت راحلة عنها
بعد قليل والبيت ؟ أنها أصبحت ضيفة في هذا البيت وسوف تتركه مجبرة لكي
يحل آخرون مكانها فيه يذكرونها فترة ثم ينسونها بعد حين ، وحاولت أن
تبكي فلم تسعفها الدموع فهي تريد أن تفكر ولا تريد أن تبكي وتلفتت
حولها في ألم ... وجدت الستائر التي بذلت الكثير من الجهد حتى حصلت
عليها والتي فتشت عن أحلى وأحدث تصميم لخياطتها ، هذه الستائر سوف تبقى
لتذهب هي إلى غير رجعة فماذا يهمها الآن لو كانت من خام او كتان ؟ أنها
ذاهبة عنها ومخلّفتها لسواها ، ليتها ما بذلت الجهود من أجلها ، ليتها
وفرت ذلك الوقت والمال لشيء يفيدها في محنتها هذه ، وهنا بدأت تفتش في
ذاكرتها عن شيء لعله يفيد ماذا ؟ أن لديها كل شيء الشباب . والجمال
والثقافة والمال والأثاث والرياش. ولكن هل يفيدها شيء من ذلك أو يدفع
عنها خطر الموت ؟ إنها كانت تتمنى لو تصبح موظفة تتقاضى راتباً شهرياً
محترماً وها هي الآن موظفة تتقاضى راتباً ولكن هل سوف يستنقذها راتبها
من الموت ؟ وهنا خطرت لها فكرة سارعت إلى التليفون وكان البيت قد أصبح
خالياً إلا منها فقد ذهب الجميع إلى الاحتفال فاتصلت بطبيبها وتساءلت
في لهفة قائلة :
( 236 )
 لو
ذهبتُ إلى الخارج هل سوف أجد علاجاً شافياً هناك ؟
قال
:
 ليس
هناك من جديد أنها أتعاب وخسارة بدون فائدة...
فأغلقت
السكة وجلست على المقعد بجوار الهاتف متهالكة ... حتى راتبها لا يغير
من الواقع شيئاً ... ثم نهضت تتجول في أرجاء البيت وكأنها تريد أن تودع
هذه المعالم الحبيبة اليها وألقت نظرة على الحديقة وقالت ليتها تعلم ،
ليت هذه الأشجار تعلم أنني راحلة. ليت هذه الأحجار تفهم أنني راحلة ليت
هذه الجدران تعرف أنني راحلة وأنني سوف لن أبدو متنقلة بين جوانبها بعد
الآن ، ليت هذه الأبواب تفهم بأنني راحلة وأن يدي التي كانت أول فاتح
لها سوف لن تفتحها بعد اليوم ، ليت هذه الروض يتمكن أن يستوعب معنى
أنني راحلة ، وهذه الأزهار التي غرستها يداي في التربة مستهينة بجميع
ما كلفني ذلك من وغزرات شوك مدمية أو صلابة صخور متحجرة هذه الزهور
التي طالما سقيتها من عرق جبيني إذا انقطع عنها الماء ورويتها من دموع
عيني متى ما لاحت عليها علامات الذبول. أما الآن فليتها تعلم بأنني
راحلة ، هذه الأشجار المثمرة التي استلمتها صغيرة ضعيفة فأمددتها بما
وسعني من عناصر الحياة
( 237 )
والرواء حتى اهتزت وربت وأنبتت نباتاً حسناً ، هذه الأشجار أتراها تفهم
بأنني راحلة أو تراها سوف تذكر احتضاني لها أيام زمان حينما كانت لي
معها أيام ؟ آه ليتها تعلم وليتها تفهم ، ثم هذه المقاعد التي كانت
تحتضن رأسي تارة وتسند ساعدي أخرى أتراها تحس بأنني راحلة عنها عما
قريب ، أم تراها سوف تستبدل بي غيري وتمهد الجلوس لسواي ومنضدتي هذه
التي كتبت فوقها بالدموع مرة وبالبسمات مرات أتراها تعلم بأنني راحلة ؟
وهل تفتقد رنة قلمي فوقها وموضع أوراقي داخل جرارها ، آه ليت كل ما
حولي يعلم بأنني راحلة... ثم ( ليتني كنت أعلم ) بأنني راحلة
إذن لما عشت الحرص على الدنيا ولما استشعرت الفخر والغرور ، نعم ليتني
كنتُ أعلم بأنني ضيفة في هذه الدنيا أذن لما خدعتني بخداعها ولما غرتني
بزخرفتها. ( ليتني كنت أعلم ) إذن لعرفت أن الرحيل عن حياة
بسيطة هو أسهل من الرحيل عن حياة منعمة مترفة ، لو لم أكن أعيش هذا
الترف لكانت النقلة من هذه الحياة إلى تلك الحياة أسهل بالنسبة إليّ ،
إن أهلي الآن في الاحتفال... هذه الاحتفالات التي كثيراً ما كنت
أنتظرها في المناسبات وأعد من أجلها الفساتين وأفتش بسببها عن أحدث
التسريحات هل أغنت عني شيئاً من طربها وسرورها ؟ وهنا تهاوت أنفال على
مقعد إلى جوارها وكأنها توصلت إلى حقيقة كانت تجهلها وقالت :
 ماذا
آخذ معي ؟ وهل آخذ معي شيئاً
( 238 )
 سوى
الأكفان والأعمال ؟ ولكن ما هي الأعمال التي سوف تصحبني خلال هذه
الرحلة البعيدة ؟ لا شيء ! نعم لا شيء !
وسرح
بها الفكر بعيداً إلى نصائح صديقتها سرّاء عندما كانت تحبب إليها طاعة
الله قائلة :
(
فَتَزَوَّدوا إنَّ
خّيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
) إنها حينئذ لم تكن تشعر
بأهمية الزاد ، أما الآن فهي في حاجة إلى زاد ، في حاجة إلى عمل صالح
تقدمه بين يديها أمام الله ، بماذا تجيب يوم الحساب ؟ كيف سوف تطلب
الرحمة من ربها وقد عصته في أبسط الاشياء ؟ كيف سوف تأمل العفو من
خالقها وهي لم تستجب لأمره خلال مسيرتها في الحياة ؟ ليتها كانت قد
قرأت القرآن بدل الساقط من الروايات . ليتها كانت قد تعرفت على دينها
عن طريق الكتب بدلاً عن طريق التعرف على مسارح هوليود عن طريق المجلات
... واستمرت أنفال تقول ليتني ليتني ما أسخطت فلانة ولا اعتديت على
فلانة ، ليتني ما كذبت على أحد وما اغتبت أحداً ، ليتني ما اسكتبرت على
فقير ولا استعليت على مسكين ، ليتني أعيش من جديد لكي أصحح أخطائي
وأعمل ما يرضي ربي ، لقد عبدت أهوائي ورغباتي وتجاهلت عبادة ربي ،
ليتني أعيش إلى فترة عسى أن أكفر عن سيآتي . وخطرت ببالها آية سمعت
جدها يقرؤها يوماً :
( 239 )
(
حَتى إذا جاء أحدهم
الموت قال رب أرجعونِ * لعلي أعملُ صالحاً فيما تركتُ كلا إنها كلمة هو
قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون
) وكأنها تناجي ربها بذلك...
كلا أنها ليست كلمة عابرة أعني ما أقول يا رب ... وهنا وخلال مناجاتها
لرب الرحمة انبجست الدموع من عينيها بحرقة وغزارة وأسندت رأسها إلى
يدها وأخذت تبكي. نعم تبكي ولكنه بكاء ندم وليس بكاء ألم ، وصممت أن لو
أمتد بها العمر فسوف لن تعصي الله طرفة عين ، ورن جرس الهاتف فقامت
إليه متثاقلة ورفعت السماعة لتقول ( نعم ) وكان صوتها متهدجاً قد غيرته
الدموع فجاءها صوت يقول :
 هل
أن الآنسة أنفال موجودة ؟
فعرفت
أنفال الصوت ، أنه صوت الطبيب ! قالت :
 نعم
إنها أنا يا دكتور. فاندفع يقول في فرحة صادقة : تهنيك السلامة يا
بنتاه ، إنه اشتباه ، أنك صحيحة سالمة والحمد لله...
وأذهلتها
الكلمات فلم تعد تعرف بماذا تجيب ورددت وكأنها في حلم قائلة :
 سالمة
وكيف ؟ لعلك تهزأ بي يا دكتور ؟ قال : معاذ الله أن أكون هازئاً ولكنه
( 240 )
 اعتذار
وصلني الآن من المشرف على التحليل يشرح فيه أنه وقع في خطأ إذ سجل اسمك
أمام اسم مريضة أخرى ، وها هي نتيجة تحليلك سالمة من كل ما يضير فاحمدي
الله على سلامتك يا بنتاه ...
فرددت
أنفال معه كلمات الحمد قائلة :
 الحمد
لله . وشكراً لك يا دكتور.
ثم
أغلقت السكة وهي تحس بأنها تحيا من جديد وتذكرت ما عاهدت الله عليه
وعرفت أنها إن نجت من موت معلوم الوقت فهي لن تنجو من موت مجهول الوقت
وإن الانسان ضيف في هذه الدنيا مهما طال به الأمد ... فكان أول عمل
قامت به أنها توجهت إلى القبلة لكي تصلي صلاة المغرب والعشاء بعد أن
بعد بها العهد عن الصلاة ، وحين انتهت من أداء الفريضة عاهدت الله من
جديد أن تبقى متمسكة بكل ما أمرها به من صلاة وصيام وحجاب وأن تترك كل
ما نهاها عنه ، ولأجل أن لا ننسى فقد خطت هذه الآية المباركة وجعلتها
على جدار غرفتها : (
حتى إذا جاء أحدهم الموت قال
ربّ ارجعني لعلّي أعملُ صالحاً فيما تركتُ كلا إنها كلمةٌ هو قائلها
ومن ورائهم برزخُ إلى يوم يبعثون
) ووضعت في الجهة المقابلة
الحكمة التي تقول : « تب
( 241 )
قبل موتك بيوم ولما كنت لا تعلم متى تموت فكن تائباً على الدوام ».
صفقة خاسرة
( 244 )
( 245 )
جلس
أمامها في وله لكي يقول لها :
 بأنني
أحبك إلى درجة العبادة ، وبأنك حياتي التي لا غنًى لي عنها...
صحيح
أنهما كانا في بداية أيام الخطوبة ولكنه كان يؤكد لها أن الحب كالتيار
الكهربائي الذي لا تحتاج انطلاقته إلى مزيد من المقدمات !! وكانت تستمع
إليه في سعادة وتستشعر لكلمات الاطراء بشيء من الغرور قال :
 أنه
يود لو تم العقد في أقرب فرصة فهو لم يعد يجد للحياة معنى بدونها !
وقال أيضاً أنه يعجب كيف أمكن له أن يعيش سنيّ حياته الماضية وهو بعيد
عنها فهي قد أصبحت بالنسبة إليه محور السعادة ومنطلق الهناء ! قال أنه
سوف يستأجر بيتاً كبيراً فخماً يتماشى مع حجم السعادة التي يحسها ،
وقال أيضاً أنهما سوف يقضيان
( 246 )
 شهر
العسل في الخارج لأن حياة زوجية تقوم على مثل هذا الرصيد الضخم من الحب
لا يناسب استهلالها إلا مصايف باريس !!
وكان
يتحدث باندفعان ويملأ حديثه بكلمات الحب والاعجاب ... وكانت هي سارحة
وراء أحلامها التي بدأت تتحقق في شخص هذا الخطيب ... وانتبهت على خصلات
من شعرها أخذت تتطاير فوق جبينها فرفعت يدها إلى شعرها تصففه وهي تقول
في دلال :
 لكم
كنت تتعجل الخروج بشكل لم أتمكن فيه حتى من ترتيب شعري ؟ قال : أن شعرك
جميل على أي صورة كان وأنت مرتبة على أي حال من الأحوال.
فابتسمت
في زهو وكأنها أرادت منه المزيد فقالت :
 حتى
فستاني الجديد لم تنتظر حتى يصلني من الخياطة.
قال
:
 ألم
أقل لك أن هذا لا يهم ؟ أنا لا أهتم بأمثال هذه الأمور ما دام الهدف
الحقيقي قد تحقق من حصولي عليك يا عزيزتي.
( 247 )
قالت
في شيء من الحماس :
 أتراك
هكذا حقاً ؟
 قال
: نعم وأقسم لك بحبي على صحة ما أقول .
 قالت
: إذن فأنا سعيدة إذا كنتُ أتمنى أن أحصل على زوج لا تهمه المادة...
 قال
: نعم أنني هكذا وسوف تلمسين بنفسك صدق ما أقول ...
فتشجعت
من جوابه وقالت :
 نعم
أن المادة هي عرض زائل وأنا لا أحسب لها في حياتي أي حساب ولهذا فقد
تنازلت لأبي عن جميع ما كنت قد أدخرته من راتبي حينما وجدته في ضائقة
مالية...
وهنا
وعلى خلاف عادته في الاسراع في الجواب سكت برهة ولكنه استعاد نشاطه
بسرعة وقال :
 لطيف
أن تمدي إلى أبيك يد المساعدة فأن الضائقة المالية قاسية لا تطاق ولهذا
فأنا أشك بمقدرتنا على استئجار بيت كبير !!
( 248 )
قالت
:
 المهم
في البيت أن يكون مريحاً سواء كان كبيراً أو صغيراً...
قال
:
 نعم
وأن تكون فيه وسائل الراحة من ثلاجة ومكيف هواء وغسالة واشباه ذلك ...
قالت
:
 إن
هذه حوائج تشترى بشكل تدريجي فنحن نتمكن في البداية أن نكون على شيء من
البساطة لأن أبي كما لعلك تعلم لا يتمكن في الوقت الحاضر أن يساهم بشيء
يذكر..
فأطرق
برهة وهو يتشاغل بتوقيت ساعته ثم رفع رأسه في شيء من البرود قائلاً :
 إن
البساطة لطيفة في كل شيء ولهذا فإن في إمكاننا أن نستغني عن السفر إلى
الخارج !!.
( 249 )
قالت
:
 نعم
ان هذا هو الاصلح سيما وأنني مرتبطة ببعض السلف والأقساط !!
وهنا
لم يتمالك نفسه فقال بشيء من الحدة :
 إذن
فأن راتبك مستهلك على ما يبدو ؟
قالت
:
 تقريباً...
فتململ
في جلسته ثم قال :
 وأنا
أيضاً مرتبط بكثير من الديون والسلف ولهذا سوف لن أفكر في أمر الزواج
حالياً !!
ثم
نهض وهو يقول :
 أخشى
أن لا أتمكن من رؤيتك ثانية ولهذا اتمنى لك كل السعادة وموفقية !.
قال
هذا ثم انصرف وكأنه هارب من وحش مخيف !! وكأن هذه لم تكن قبل قليل
حبيبته التي لا يتمكن أن يحيا بدونها ... وتقدم منها الجرسون يطلب دفع
الحساب فعرفت أنه خرج حتى دون أن يدفع فحدثت نفسها قائلة وهي
( 250 )
تضحك : لقد كنت أظن هذا ولذلك حشدت له هذه المجموعة من الأكاذيب ، إنه
غبي ، فقد فاته أنني كنت اختبره في ذلك وأن رصيدي في المصرف ضخم وأنني
غير مرتبطة بأي سلفة ولكن الخير فيما وقع فقد كانت ( صفقة خاسرة
) بالنسبة إلي.
( 251 )
آخر هدية
( 253 )
كانت
تعيش في قلق وانتظار ، فماذا كانت تنتظر يا ترى ؟ بعد أن رحل عنها
الحبيب وفارقها القرين ؟ لقد كانت تنتظر هدية ! نعم هدية ارسلها اليها
قبل أن يرحل وقبل أن يغلق عينيه الغاليتين عن هذه الحياة ليفتحها من
جديد في عالم النور والخلود وهدايا الحبيب حبيبة مهما كانت لأنها
التعبير المجسد للعواطف والمثال الناطق عن التجاوب والتقارب ، ولكن هذه
الهدية فريدة في بابها لأنها هدية زوج راحل أعدها لكي تصل إلى يد زوجته
في وقت يكون هو فيه قد فارق الحياة ... أنها ذخيرة واحدة من مجموع ما
أمدها به من ذخائر ثمينة خلال أيام اللقاء ... ولهذا كانت تنتظرها
بفارغ صبر ولهذا أيضاً كانت تتساءل عمن عساه يعرف من أمرها شيئاً ...
لقد أخبرها بذلك قبل أن يرحل عندما كانت يتدرب على خوض معركة الانتصار
معركة الكرامة وأكاليل الغار ولكنه رحل قبل أن يسلمها إياها . نعم أنه
رحل وتركها تنتظر عودته سالماً يحمل إليها معه هديته المنتقاة ...
ولكنه لم يعد ، نعم أنه لم
( 254 )
يعد وأنّى له أن يعود ؟ إن من يذهب إلى ساحة الحرب وهو مؤمن بقضيته
التي يدافع عنها من العسير عليه أن يعود دون أن ينال إحدى الحسنيين :
|
(
فأما حياة تسر الصديق |
* |
وأما
ممات يغيظ العدا
) |
كثيرون
أولئك الذين ذهبوا وعادوا للحياة ... ولكن أتراها حياة هذه التي
اشتروها بثمن باهظ من الانهزامية والتخاذل والاستسلام ؟ كلا أنها الموت
بعينه والله ... وزوجها الراحل ، هذا الشهيد الذي سقط في ( معركة
الكرامة ) وهو يدافع عن أرضه المغتصبة ، ودياره المباحة نعم زوجها الذي
فارقها قبل أن تطفأ شمعة عرسه وودعها وزهرة زواجهما لم تتفتح بعد ، هذا
الحبيب الذي غرس في نفسها من قبل أن الروح الغالية حقاً هي التي ترخص
أمام الواجب ولهذا خلفها وهي ما زالت ترفل في ملابس عرسها . وذهب إلى
ساحة الجهاد ، هذا الحبيب كان قد وعدها بهدية فما الهفها على استلام
تلك الهدية الحبيبة لقد انتظرته طويلاً وهو في مكانه البعيد تتسقط
اخباره وتتابع آثاره وتبتهل إلى الله أن يشد أزره ويضاعف صبره وثباته
في مجابهة العدو ... ثم ها هي الآن تنتظر هديته بعد أن خاب انتظارها
لشخصه الحبيب بعد أن سقط شهيداً في معركة البطولة وملحمة الحق والكرامة
، أفتراها تنسى أنه كان قد وعدها بهدية وأنّى لها أن تنسى ؟
( 255 )
وقد نقشت صورته على صفحات قلبها بخطوط من نور زادها الموت بهاء ورداء
... أنه فارس أحلامها حياً وميّتاً . أنها ما زالت تعيش معه وتعيش من
أجله وهي فخورة به سعيدة لذكراه ، إذن فمن حقها أن تنتظر الهدية
وتترقبها في شوق وحنين ... ثم وصلتها الهدية بعد فترة من الزمن قصيرة
في حساب الأيام طويلة في حساب العواطف والأحداث ... نعم لقد وصلتها
الهدية فتطلعت نحوها وهي ما زالت في اليد التي حملتها اليها من بعيد
... تطلعت إليها كما تطلعت إليه من قبل شهور وهي تراه لأول مرة كطيف
ملائكي مشرق بالنور ، وعادت بأفكارها إلى تلك اللحظات حيث كانت تتطلع
إليه كأمل لحياة زوجية سعيدة وحيث كادت تهتف لولا رادع من حياء ـ أنه
أمل حياتي وفارس أحلامي المنتظر ـ نعم إنه كان ولا يزال فارس أحلامها
وأمل حياتها حتى ولو أنه ذهب ولن يعود. لأنه ذهب من أجلها هي ، من أجل
كل زوجة مظلومة . من أجل كل طفل بائس من أجل كل شاب تائه نعم أنه ذهب
من أجل أن يعيد إليها وإلى كل فرد كرامته ووطنه السليب ، ذلك الوطن
المقدس الحبيب الذي أصبح نهباً للدخلاء والعملاء والمستعمرين ، أفلا
يحق لها أن تبقى تعيش معه ومن أجله كما كانت تعيش من قبل ؟ وامتدت يدها
تستلم الهدية وكل ذرة في كيانها تنطلق بالفرحة والحسرة وفتحتها أمامها
وأطرقت ملياً تتطلع اليها ببلسم من بلاسمه التي طالما مسح بها على جراح
قلبها من قبل فماذا كانت
( 256 )
الهدية يا ترى ؟ كانت لوحة خضراء كتب عليها بحروف بارزة هذه الآية
الكريمة :
(
الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم
صلوات من ربهم ورحمة وألئك هم المهتدون
).
وعلقتها
حيث يمكنها أن تفتح عليها عينيها في كل صباح وحيث تكون آخر ما تبصره
عيناها في كل مساء تماماً كما كان هو من قبل ... ثم وقفت أمامها لكي
تعاهد الله وتعاهده من جديد بأنها سوف تبقى سائرة على الطريق الذي سار
به من قبل حتى تجد أمامها راية الحق وهي ترفرف فوق الأرض المحتلة في
فلسطين ، ومتى عصف بها الشوق أو ضج بها الحنين تذكرت الآية المباركة
لكي تكتسب منها مزيداً من الإطمئنان...
الايام الاخيرة
( 258 )
( 259 )
واحسرتاه
، لم أكن أعلم أن تلك كانت هي أيامها الأخيرة وان ذلك اللقاء كان هو
اللقاء الأخير ، ليتني علمت ذلك... نطقت ( سراء ) بهذه الكلمات التي
خنقت العبرات بعض حروفها وشاركت الشهقات البعض الآخر واستمرت تردد في
يأس : ليتني علمت ذلك ... وكانت صالحة لا تزال تقف أمامها بصمودها الذي
ساعدها على حمل هذا الخبر المشؤوم . فما كان منها إلا أن مدت إليها
يداً حاولت أن تجعلها ثابتة ولكنها كانت ترتجف وودت لو أنها دافئة وهي
باردة كالصقيع ، مدت إليها هذه اليد وهي تقول ما الذي كان يجديك يا (
سراء ) أنها جنبتنا جميعاً معرفة أنها سوف تنتهي وآلام ذلك واستقبلت
حكم انتظار الموت بصمود وانطوت وحدها أهوال ذلك الانتظار ، فماذا كان
يجديك معرفة ذلك يا سرّاء ؟ قالت : لو كنت أعلم لتزودت منها زاداً
يرشدني ويساعدني على شق طريقي في الحياة ، ثم لألقيت
( 260 )
نظرة أخيرة أُودعها جميع ما أكنه لها من حب وأحكي لها من خلالها قصة
الود الصادق والوفاء الذي لا يزول. آه يا لضيعتي ببعدك يا أختاه ؟ ما
أراني إلا تائهة بعدك بين أمواج الحياة ؟ وهنا عادت صالحة لتقول :
 أنها
كانت تعرف مكانتها لديك ولهذا فقد أوصت إليك بكتاباتها الاخيرة.
فانتفضت
( سراء ) ومسحت دموعها لتتطلع إلى صالحة وهي تتساءل :
 كتاباتها
الأخيرة ؟
قالت
صالحة :
 نعم
يبدو أنها كانت تكتب مذكرات ... وها أنا قد سافرت اليك لأحمل لك هذه
الوديعة الغالية.
قالت
صالحة هذا ثم أخرجت من محفظتها دفتراً وقدمته إلى سرّاء . فمدت سرّاء
يدها نحوه وهي ترتجف وسرعان ما طالعتها ورقة بيضاء قد ألصقت على غلاف
الدفتر وهي تحمل هذه الآية المباركة ـ فرددت قائلة : إنا لله وإنا إليه
راجعون ثم فتحت الدفتر لتقرأ على صفحته الأولى هذا العنوان ( الايام
الاخيرة ).
( 361 )
« الأيام الأخيرة »
بسم الله الرحمن الرحيم
 بالأمس
عرفت أنني سوف انتهي وبسرعة ! عرفتُ أن حياتي أصبحت تعد بالأيام ، فما
هي إلا مسألة وقت فقط ، وأنها النهاية على كل حال من الأحوال ، نعم
النهاية ، ولكنني الآن لا افكر بالنهاية كما أُفكر في البداية وفيما
يفصل بينهما من أحداث فإن ذلك يرتبط في الصميم مع الوضع الذي سوف تكون
عليه النهاية ، كما تقول الآية المباركة : (
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا
أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات
) إذن عليّ أن أُراجع نفسي
وأُحاسبها لأعرف ما الذي ينتظرني هناك ؟ النور أم الظلمة ؟ السرور أم
الوحشة ، القيود أم الانطلاق ؟ ولهذا ، فأنا الآن لا أُفكر في النهاية
كما أُفكر في البداية ولكن ما هي البداية ومتى يحق لي أن أُوقّت بداية
حياتي ؟ هل يكون ذلك من زمن
( 262 )
 الطفولة
؟ ولكن كلا ... فأنا لا أريد أن أكتب هنا قصة حياتي فأشغل بها الآخرين
ولكنني احاول أن أُصور مشاعري ، مشاعر الانسان عندما يقف على مفترق
طريقين. الحياة الأولى ، والحياة الثانية. ولهذا فلا دخل لطفولتي في
ذلك ولا ارتباط لها مع تحديد ما ينتظرني الآن ... لأن الطفولة هي فترة
المهلة التي أعطاها الله للانسان قبل توجيه التكليف إليه ، ثم أن
للطفولة بعض المعاني التي لم أتعرف عليها ، فقد سمعت كثيراً عن الطفولة
كما وقد قرأت الكثير عنها ، قيل : أنها عالم زاخر بالمرح والانطلاق ،
عامر بالأماني والآمال ، وقيل عنها أيضاً : أنها فرصة تتوفر خلالها
أسباب السعادة للطفل لأنه سوف يكون سعيداً بما لديه راضياً عن حياته ،
نعم قيل هذا وقيل عنها ما هو أكثر من هذا وقد سمعت ما قيل وقرأتُ ما
كتب ولكنني شخصياً لم أتعرف على معنى الطفولة كما يصورها الآخرون فلم
تكن طفولتي بالنسبة لي سوى فترة من حياة خضتها بدون سلاح من تفكير أو
( 263 )
 شد
من إيمان فأرهقتني بآلامها وأربقتني بإحكامها وحيرتني بالصراع الذي كنت
أُعانيه بين نفسي الكبيرة وجسمي الصغير وبين مسؤوليتي الخطيرة وتفكيري
الضعيف ولهذا فان الطفولة لا تعني بالنسبة لي إلا فترة زمنية جامدة غير
معطاء ، فلأدع محاسبة أيام الطفولة لأبدأ بدارسة ومحاسبة أيام الصبا
والشباب...
 الصبا
؟ أنه شريط يمر أمامي وهو مثقل بالصور ينوء تحت وطأة ثقلها تارة
ويتراقص لخفة حملها أُخرى ، أنه مسرح يحكي قصة النفس التي تاقت إلى
التكامل فتلفتت حولها تفتش عن الخيط الذي يصل بها إليه ثم أردت أن أفهم
، فلم أكن أرضى من فهم الحياة مجرد ظاهرها وإنما كنت أغور في الأعماق
لأصل إلى ما أهدف إليه وأنشده ، فهمتُ من الكون أن هناك يداً عظيمة
تسيره وقوانين ثابتة تقدره فإذا به على هذا النسق وهذا الجمال ... ثم
سبرت أغوار النفوس ... فكانت الحيرة وكان التردد بل وكانت التعاسة
والخيبة في كثير من الأحيان كنتُ أبحث
( 264 )
 عندهم
عن الحب لا الرياء ، والصداقة لا الرفقة ، والصدق لا الزيف ، فكثيرا ما
كنتُ أعود كليمة الفؤاد دامية القلب صريعة الدمعة. نعم كثيراً ما كنت
أعود كليمة الفؤاد دامية القلب صريعة الدمعة. نعم كثيراً ما كنت أعود
هكذا وليس دائماً والحمد لله. ولكنني في كل تجربة كنت استمد منها
مزيداً من العلم ومزيداً من المعرفة بتلك الطبائع وتلك الخفايا... ومن
ثم بقيت وأنا أطلب المزيد من الفهم والمزيد من المعرفة. فأين وجدتها يا
ترى ؟ وجدتها في معرفة اسلامي الذي به أدين ووجدتها في قرآني الذي أعرف
أنه رسالتي السماوية في الحياة... فهرعت إلى هذا الرواء وأنا على لهفة
الظمأ والحرمان ، كانت هذه هي بداية فترة الصبا التي أحاول أن استعيد
ذكرى أيامها في كتابة هذه السطور... نعم وساعاتها بكل ما زخرت به من
سعادة وشقاء وسخط ورضاء لأرى مدى مسايرتي لكل ذلك دون أن انحرف عما
رسمه الله لي في الحياة ، وما أراني الآن وأنا واقفة على
( 265 )
 أبواب
الآخرة إلا مدفوعة إلى إقرار الحقيقة مهما كانت ، حقيقة موقفي من
الأحداث وواقع تفاعلي معها على أساس الايمان ، لأن اللف والدوران
ومحاولة تغطية الحقائق سوف لن يجديني نفعاً وأنا في طريقي إلى المثول
أمام الحاكم العادل حيث لا إنكار ولا إصرار ، لا مغالطة ولا مواربة : (
يوم تشهد عليهم
ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون
) إذن فلأكن صريحة في محاسبة
نفسي ودراستها ولأكن واقعية في تلك المحاسبة ! ولكن ألم أكن أعلم أن
الموت خط على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ؟ ألم أكن سمعت من
قبل قول إمامنا عليه السلام : « أيها الناس أنكم طرد الموت »
إذن فلست وحدي من ينبغي أن يتوخى جانب الصراحة في محاسبة النفس ولكنه
كل إنسان !! نعم كل انسان عرف أنه وجد ليتكامل عن طريق العبادة ثم
ليموت بعد ذلك فيجني حصاد ما قدمت يداه.
|
يا آمن
الأيام بادر صرفها |
* |
واعلم
بأن الطالبين حثاث |
الفاقة المالية
( 268 )
( 269 )
والآن
، فلأقرار الحقيقة ، لقد مررت في بداية عهد الصبا بضائقة مالية خانقة
امتدت خيوطها نحو المأكل والمشرب والمسكن والملبس والفقر حالة قاسية
يجر معه اشكالاً وأشكالاً من المآسي والآلام فماذا كان شعوري حين ذاك ؟
هل ضعفت أمام الأزمة أم قويت حتى جعلتها تضعف أمامي ؟ الواقع أنها كانت
تجربة أشعرتني بأهمية الايمان في حياة الانسان وعلمتني مفهوم كلمة
الرسول الأعظم التي تقول : ( ليس منا من لم يتغنى بالقران )
فالانسان وأي انسان مهدد لأن يتعرض لأزمة مالية أو فاقة مادية فأي حال
سوف يكون عليه إذا لم يكن لديه غناء روحي واكتفاء ذاتي ، وكلاهما لا
يوجدان إلا عن طريق الايمان الذي يرتفع بالفرد المؤمن عن المواد
الأرضية ويعلمه كيف يكون سيد نفسه وسيد الآخرين.
|
هب
الدنيا تساق إليك قسراً |
* |
أليس
مصير ذاك إلى الزوال |
( 270 )
إذن
فليس عجيباً أن أقول أنني خلال تلك الفترة كنتُ سعيدة ! ولم يخطر ببالي
أبداً أن الفقر أحد أنواع الخيبة بل على العكس من ذلك تماماً فقد كنت
أحاول أن افتش عن الطاقات الروحية الكامنة في وجودي لاستثمرها في عمل
كل ما هو صالح وكل ما هو خير فما دمت قد افتقدت المواد الزائلة التي
أستند إليها في مسيرة الحياة فقد كان عليّ أن أسند خطواتي على دعائم
جوهرية ثابتة منطلقة من المثل البناءة والمفاهيم الخلاقة ، وهذه المثل
وهذه المفاهيم هي وحدها الكفيلة ببناء شخصية الانسان وصقل أبعاد وجوده
في الحياة ، ومن هنا عرفت معنى الفقر ومعنى الغنى ، عرفت أن الفقير هو
ذلك الذي يتأرجح كيانه الاجتماعي على كفة ميزان المادة فهو يرتفع مع
ارتفاع ارقام ما يملك وهو ينزل مع هبوط العدد في رصيده الخاص ، ولهذا
فهو فقير! فقير إلى الدنانير التي تستند وجوده فقير إلى العمارات التي
تشير إليه ، فقير إلى الأثاث والرياش الذي يحببه إلى الناس ويشجعهم على
الالتفات حلوه ، أنه فقير إلى المادة لأنها عنوان عزه وحريص عليها
لأنها محور تبادر وجوده ، وهو يخشى من زوالها لأن زوالها يعني زواله هو
، أو ليس هذا هو الفقير بعينه ؟ ولما كنت أعرف من الفقر معناه الحقيقي
فقد كان من حقي أن لا أدع للفاقة المالية مجالاً لأن تسمني بسمة الضعف
أو الحيرة أو تلون نظرتي إلى الحياة بمنظار الحسرة والحرمان كنت خلال
تلك
( 271 )
الفترة سعيدة وسعيدة جداً وكان فكري خالياً من كل شائبة بعيداً عن كل
نائبة لا يهمني سوى بناء شخصي على أساس من الدين ولا أسعى إلا إلى وراء
المعرفة ، نعم المعرفة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى وقد كنت أجد من
قليل ما أناله من آثار المعرفة الكثير الكثير من النشوة الروحية
والراحة النفسية لأنني كنت أسعى إلى ذلك القليل بجهد كثير وجناح قليل
ولهذا فقد كان للفوز عندي معنى الانتصار ، وهكذا كنت والحمد لله غنية
وسعيدة وهذه هي الروعة الربانية في حياة الفرد المؤمن.
فترة الركود
( 274 )
( 275 )
إنها
فترة جمود مؤسفة وإن كانت قصيرة الأمد والحمد لله... ولكنني الآن
وحينما أجد أن منيتي قد عاجلتني قبل أن أحقق غايتي في مستوى العبادة
والعمل في سبيل الله من حقي أن استشعر الندم والحسرة لمرورها فما قيمة
حياة الأنسان ما لم تكن ساعاتها موصولة بالعمل من أجل الله يا الله...
ما أقسى الجمود وما أمر أن يعمل الانسان على التسويف والتخفيف ؟ ها أنا
ذي أحس أن تلك الأيام تعاتبني فتكويني بعتابها أنها تأسى على ساعاتها
وهي تخط في صفحة الاعمال بدون عمل ( غير ما وجب من الفرائض ) إنها خجلى
إذ تعرض أمام الحاكم العادل وهي زاهدة في ثواب أو متواضعة في التطلع
إلى الرضوان ، ولكن ماذا عساي أن أصنع ؟ وما فات لا يعود ، أنا لا أنكر
إن كان علي تعويضها فيما بعد ولكن أتراني عرفت أن ساعات الانسان
ودقائقه محسوبة ومكتوبة ؟ أتراني أديت لهذه المعرفة حقها ؟ هذا ما لا
يعلمه إلا الله عز وجل...
( 276 )
( 277 )
الانفتاح من جديد
( 279 )
إن
من رحمة الله عليّ أن فترة الجمود تلك لم تكن طويلة فقد حدث ما هزني
وبعث فيّ الحياة من جديد ودفعني إلى التعرف على مسؤوليتي بشكل أقوى مما
كنت عليه ، وهكذا فان الانسان لا يتبلور ويتكامل إلا بعد المرور بمختلف
أشكال التجارب والمحن وفعلاً فأنا أحمد الله إن مررت بمحنة حسستني
بأهمية الايمان عندي من جديد وما أحسن قول الشاعر حينما يقول :
|