الخالة الضائعة

 

 


( 210 )

 


( 211 )

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مقدمة الناشر

 

المرأة ـ الجزء الثاني من إنسان الأرض : لها وضعها الخاص ، ونفسيتها الخاصة ، وطريقتها ، وذوقها .
وهي في كل ذلك تمثل الوجه الآخر للحياة . وواضح أن على الانسان أن يعرف « وجهي » الحقيقة حتى يستطيع أن يحكم بصدق ، وينمي الحياة بشكل طبيعي ، ويضمن الاستقرار والبقاء للجنس البشري.
ومن الخطأ أن ننظر إلى جانب واحد من المرأة كأن ننظر إلى هيكلها الذي قد لا يختلف كثيراً عن هيكل الرجل كما أن من الخطأ أن ننظر إلى جانب واحد من جوانب الرجل .
إن الحضارة المادية سقطت في قاع الفساد والفوضى عندما نظرت إلى جانب واحد من المرأة فوقعت بسبب هذه النظرة الضيقة في متاهة التناقض فهي في نفس الوقت الذي تحمل المرأة مسؤولية الأمومة ، والرضاعة ، وما إلى ذلك ، في نفس الوقت حملتها مسؤوليات الرجال ، فأصبح الرجل


( 212 )


يتملّص عن مسؤولياته ، بينما تحملت المرأة ـ بالاضافة إلى مسؤولياتها الطبيعية ـ بعضاً من واجبات الرجل .
أما الاسلام فهو ينظر إلى « كل » المرأة ولذلك يضعها في مكانها الطبيعي ، فلا يحيف بها ، ولا يحملها أكثر من طاقتها .
ولكي نفهم شمولية النظرة الاسلامية إلى المرأة ، فعلينا أن نطالع هذا الكتاب فهو أحسن كتاب يمكن ان يعالج موضوع المرأة ، لأنه صادر من المرأة ذاتها ... فليس الكلام صادراً « بالنيابة » وإنما هو كلام أصيل ...
فمؤلفة الكتاب « بنت الهدى » صاحبة فكر ثاقب ، وفهم موضوعي وقد استهوت جماهير النساء والفتيات بكتاباتها الشيقة .
نرجو من طبع هذا الكتاب الجديد لها أن نكون قد قدمنا خدمة ـ ولو بسيطة للمرأة في هذا العصر .

دار التعارف للمطبوعات

 


( 213 )

 

الخالة الضائعة


كانت خديجة جالسة تستمع إلى خالتها تتحدث مع أمها بصوت يتهدج من البكاء وهي تقول ، وهكذا ترين كيف ذهبت أتعابي معهم هباء وكيف أنهم تجاهلوا الليالي التي سهرتها والآلام التي تحملتها والتضحيات التي قدمتها ، أما والله لقد بعت آخر حلية لي في سبيل إرسال بشرى إلى الخارج من أجل إكمال دراستها بعد أن لم تقبل هنا في الجامعة وقد رهنت بيتي مرتين من أجل أن يصبح ولدي هشام دكتوراً ملء السمع والبصر أتذكرين كيف أنني بعت فرش بيتي في سبيل أن أحقق رغبة بشرى في شراء جهاز التلفزيون ؟ ولكن الآن ، هل تراهما يذكران شيئا من ذلك ؟ أبداً لقد أقصاني هشام عن بيته لأن زوجته تستقبل من الزائرات طبقة لا يروقها وجودي بينهن ولأنها تريد أن تكون حرة في بيتها تتصرف به كما تشاء دون أن يكون عليها رقيب . وظننت أن لي في بيت بشرى ملجأ ألوذ به أو ليست هي ابنتي الوحيدة التي كنت أدنو اليها بمزيد من الأمل


( 214 )


والرجاء ؟ أو لست أنا التي فتحت لها أبواب الحياة وجعلتها تنطلق متحررة من كل قيد فهل تعلمين كيف كان مقامي عندها ؟ لقد أخذت تعاملني كخادمة أنظف لها بيتها وأربي لها أطفالها بينما تنتقل هي مع زوجتها بين المسارح ودور السينما والنوادي . وأمس تأخرت حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وكان طفلها يبكي بشكل مستمر وقد عجزت عن إسكاته بأي ثمن . وعندما عادت كنت غير مرتاحة ولأول مرة أظهرت لها تبرمي لهذا الوضع وبأن من الواجب عليها أن تعرف بأن مقامي في بيتها هو مقام أم ولست خادمة أو مربية أطفال فهل تعلمين ماذا كان جوابها ؟ آه أن قلبي ليتمزق ألماً حينما أذكره لقد قالت لي وبكل صفاقة أنك تتكلمين وتنسين أن بيتي هو الذي تكفل بإعالتك وإعاشتك ثم لا تنسي أيضاً بأنني كنت ولا أزال حرة وأنني غير مستعدة أن أُقيد نفسي من أجلك أو من أجل طفلي . وهنا لم تتمكن الخالة من الاسترسال في حديثها وأخذت تجهش في بكاء مرٍ حزين . فنهضت خديجة وقدمت إلى خالتها كأساً من ماء بارد وحاولت هي وأمها أن تخففا عنها حتى سكن جأشها إلى حد ما وعند ذلك انبرت خديجة لتقول : إن مما يؤسف له أن تكون تضحياتك التي ذكرتها هي التي حدت به إلى هذا الموقف العصبي يا خالة . أنك كنت تسيرين في طريق خيّل لك أنه من صالح ولديك وصالحك معهما وقد صور لك الوهم أن سعادة ابنتك منوطة بأن تكون حرة فعملت على ذلك وكانت


( 215 )


النتيجة أنها تحررت من كل شيء ، حتى من حقوق الأمومة والبنوة ، ساعدتها أن تتنكر لدينها فخلعت عنها الحجاب وجهلت أن ذلك يؤدي لأن تتنكر لك بالنتيجة ، هيأت لها مجالات اللهو التي تشغلها عن أداء واجبها نحو ربها فشغلها ذلك حتى عنك وعن مراعاة مقامك الذي رفعك الله عز وجل إليه أنت حينما سمحت لها أن تنسى الآية المباركة التي تقول : ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) والآية التي تقول : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ) والآية التي تقول : ( وَلْيضربن بخمرهن على جيوبهن ) . كان عليك أن تعرفي مسبقاً أن هذا السماح يستدعي نسيانها للآية التي تقول : ( تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما واخفض جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ) . إن النتائج يا خالتي كانت متوقعة وغير مستغربة أبداً فشتان بين من يسهر ليلة أمام أفلام الخلاعة والمجون وبين من يسهره يقرأ في كتاب يقول له ، ومن نظر إلى والديه نظرة ماقت فقد عقّهما ـ ويقول أيضاً ـ الجنة تحت أقدام الأمهات أنك يا خالتي بعت آخر حلية من حليّك لترسلي بشرى إلى الخارج لكي تحوز على شهادة ولكن فاتك أن سفرتها تلك لم تكن لتهيأ لها شهادة فقط ولكنها كانت كفيلة باجتثاث آخر غرسة صالحة مما لعلها كانت تختفي بين ثنايا نفسها وتعيدها إليك صورة مجردة عن


( 216 )


الحس والعاطفة ، وهنا أخذت الخالة نَفَساً عميقاً وكأنه حسرة وندم مرير وقالت : آه ما أصدقك فيما تقولين يا خديجة نعم أن الذنب ذنبي منذ البداية ولكنها غلطة تعرفت على نتائجها بعد فوات الأوان ، كنت أُصدق زوجي رحمه الله وأنا أسمعه يوصيني قائلاً : إياك أن تنشئي أولادي نشأة معقدة كنشأة خديجة ومحمد ، كان يهول لي نتائج ذلك بشكل جعلني أتمسك بفكرته حتى بعد موته ولكنني الآن أجد أنني كنت أسير خلف سراب فليس هناك من هو أسعد من أمك بك وبأخيك ، قالت خديجة معقبة على كلام خالتها ، وبزوجة أخي وزوجي أيضاً ، قالت الخالة طبعاً لأن زوجك ابن خالتك يا خديجة ، قالت خديجة لا ولكن لأننا أحسنا الإختيار ووفقنا إلى من يشدنا إلى أمنا أكثر فأكثر ، قالت الخالة في نبرة ندم صادق ليتني كنت قد اخترت لبشرى زوجاً صالحاً يخفف من حدة طيشها الأهوج ولم أدعها تقع في حبائل هذا الزوج المقامر السكير ، فابتسمت خديجة ابتسامة حزينة وتساءلت ، إذن ما الذي غركما منه يا خالة ؟ قالت أنه المال والثراء الذي كان يعيشه يا خديجة ، أن سيادته هي التي أخذت كلمة الموافقة من خديجة والمهر الذي قدمه هو الذي جعلني أسكت على مضض وليس لشخصه أي دخل في الموضوع ، قالت خديجة ما أحلى صراحتك هذه يا خالة ولكن من المؤسف أن تكون قد جاءت متأخرة وعلى كل حال فإن الله تبارك وتعالى سوف


( 217 )


د لن يدعك في حيرة وخاصة بعد أن تعرّفت على مواطن الخطأ في سلوكك الماضي .

***


قضت الخالة أسبوعاً كاملاً في بيت أختها جرت خلاله مع ابنها وابنتها بعض المفاوضات لم تكلّل بالنجاح وكانت النتائج سلبية بشكل عميق جداً ، ولهذا فقد عرضت عليها أختها أن تبقى معها ولكن البيت كان صغيراً ولا يسع لوافد جديد وخصوصاً مع وجود ابنها وزوجته وأطفاله ، ولهذا فقد امتنعت الخالة عن قبول هذا العرض وباتت ليلتها الأخيرة بعد أن علمت أن لا مقام لها في بيت ولديها ، باتت تلك الليلة وهي من أمرها في همّ عظيم لا يعلمه إلا الله ، وعند الصباح وبينما كانت تقرأ ما تحفظ من سور القرآن الكريم دخلت خديجة عليها الغرفة ومعها زوجها محسن وأقبلت الأم بعد ذلك أيضاً ، وبعد تبادل التحية قالت خديجة : لقد جئنا أنا ومحسن في حاجة اليك يا خالة ونحن نرجو أن لا تردينا خائبين . قالت الخالة : إن حاجتكما على العين والرأس يا عزيزيّ ولكن أتراني أتمكن أن أنجز لكما حاجة وأنا على ما عليه من ضيعة ؟ قالت خديجة : ولكنك قادرة على تحقيق ما نطلب ثم أنك لست ضائعة ما دام الله معك يا خالة وما دمنا نحن نحيطك ونحرسك بقولبنا وأرواحنا ، والآن هل تعلمين ماذا نريد منك ؟ أننا نطلب منك الإنتقال إلى بيتنا فنحن


( 218 )


وحدنا هناك وسوف يكون مقامك بيننا كأحسن أم وأعز خالة كما أوصى بذلك الرسول (ص) في قوله لأحد المسلمين : ( ألك أمّ حيّة ؟ قال : لا . قال : أفلك خالة حيّة ؟ قال : نعم . قال : فابررها فأنها بمنزلة الأم ) (1).
فأشرق وجه الخالة ولاح على جبينها بارق من سعادة ولكنها فكرت قليلاً ثم قالت : ولكن ذلك قد يثقل عليكما وقد يحد من حريتكما . وهنا تكلم محسن فقال : أرجوك أن لا تفكري بشيء من هذا يا خالة فأنا قد حرمت حنان الأم منذ الطفولة وافتقدت ذلك الصدر الحنون ولعل الله عز وجل أراد أن يعوضني عن ذلك بوجودك في بيتي وسوف نضع المشتمل الصغير الذي في الحديقة تحت اختيارك ولك حتى أن ترفضي استقبالنا فيه وقد فرشناه لك بشكل نرجو أن يرضيك يا خالتي وسوف تتمكنين أن تستضيفي إليك ابنك أو ابنتك متى شئت أيضاً . وهنا التفتت الخالة إلى أختها وكأنها تستشيرها في الأمر ، فابتسمت أختها مشجعة وقالت : ما أراهما إلا مجدين في كلامهما ورغبتهما وأن من أسباب راحتي أيضاً أن أطمئن على خديجة بقربك منها .

***


مضت الشهور والخالة تنعم في راحة لم يسبق لها أن
____________
(1) باب 58 من أبواب أحكام الأولاد ( الوسائل ).


( 219 )


مرت بها من قبل ولم تستشعر في لحظة أنها غريبة عن أهل الدار ، وكانت خديجة تستدعيها عند استقبال زائراتها وتستصحبها معها في بعض الزيارات ، الشيء الذي جعلها تكتسب بعض المعلومات الدينية التي زادت من نقمتها على انحراف ولديها وعقوقهما ، وكانت تقارن بين سعادة خديجة الزوجية والتعاطف الروحي الموجود بينها وبين زوجها وبين القلق الذي تعيشه بشرى مع زوجها والمخاصمات العديدة التي كانت تنشأ بينهما نتيجة الشك والغيرة وحب الذات والرغبة في الاستقلال ، وكانت تعترف بعد كل مقارنة أن هذا الخط الذي كانت تعده خطأ معقداً غير صالح للحياة ، هذا الخط هو الذي يمتلك إمكانية الاستمرار ويتخلص من هفوات التعرج والتعقيد ، ولم يكن يسعها إلا أن تدعو الله أن يبارك هذين الزوجين المؤمنين ويهدي أبناءها لما فيه الخير والصلاح ... وفي صباح أحد الأيام وفي ساعة مبكرة جداً دق جرس الباب بعنف فسارعت خديجة لتفحته وإذا بها تجد بشرى وهي تحمل طفلها على ساعدها وقد أحاطت بعينيها هالة زرقاء وشاعت على وجهها مسحة من شحوب ، فابتدرتها بالسلام ورحبت بها قائلة أهلاً وسهلاً تفضلي . فدخلت بشرى وهي تلتفت قائلة أين أمي ؟ أين هي أمي ؟ قالت خديجة : إنها في بيتها هنا تفضلي إليها. ثم قادتها إلى جناح خالتها ، وهناك كانت الخالة جالسة على سريرها وأمامها على المنضدة كوب من الحليب ، ففوجئت بقدوم ابنتها وتحركت في


( 220 )


نفسها عواطف الأمومة فخيّل لها أن الشوق أو الندم هو الذي دفع ابنتها إلى الحضور ، ونهضت نحوها في لهفة ومدّت نحوها يدها تريد أن تضمها بها إلى صدرها لتطفىء في فؤادها هذا الأوار الملتهب من الحنين والحرمان ، ولكن بشرى جلست على كرسي هناك دون أن ترمي بنفسها على صدر هذه الأم المسكينة وقالت وكأنها لم تفارق أمها إلا صباح الأمس : لقد طردني من بيته أخيراً وكأنني سلعة رخيصة يحاول أن يستبدل بها غيرها ، فشاعت على وجه الأم صفرة قاتمة وقالت في لهفة : طردك من بيته ولكن كيف ومتى ؟ قالت : أنك تعلمين كم هو سافل ماجن يا أماه ، وقد أصبح في الأشهر الأخيرة قلما يعود إلى البيت قبل الساعات الأخيرة من الليل ، وما عاد في ليلة إلا ورائحة الخمرة تفوح من ثيابه فيرتمي على الفراش وهو كأنقاض رجل ، وأنا ومع كل هذا صابرة وكلما حاولت أن أشير إلى الموضوع كان يبادرني قائلاً : ألم نتفق مسبقاً أننا ينبغي أن نكون أحراراً وأن لا نعيش القيود التي تفرضها الأفكار الرجعية على طبيعة العلاقة الزوجية ؟ ولم يكن يسعني أمام هذا الكلام إلا أن أسكت وأحاول إقناع نفسي وتعويضها عن هذا الحرمان بما لديّ من حرية مماثلة لحريته ، ولكن الأمر تفاقم أكثر وأصبح يبتز أموالي وراتبي ويحرمني حق التصرف في شؤون بيتي وأخيراً طردني أمس وفي ساعة متأخرة من الليل وقال أنه لم يعد يطيق قيود الزوجية . وقد جلست في حديقة البيت حتى أشرق الصباح وها أنا جئت


( 221 )


إليك كما ترين فليس لديّ من يضمني إليه سواك لأن هشام ليس ممن يفتح لي بيته كما تعلمين.
كانت الأم تستمع وشحوب وجهها يتضاعف . ولم يفت خديجة أن تلاحظ ما ران على وجه خالتها من شحوب يحكي عن الألم الذي تعانيه ، وكانت بشرى تنتظر من أمها الجواب ، ولكن الأم لم تكن تريد أن تجيب ، فماذا عساها أن تقول ؟ ألا يكفي هذا البيت الصالح أن احتواها هي لتضيف إليه وافدة جديدة غريبة عنه في كل شيء ، ولهذا فقد آثرت السكوت مع جميع ما كان يمزق قلبها من ألم ، وعرفت خديجة طبيعة الموقف ورأت أن عليها أن تتدخل لتنقذ هذه الخالة من موقفها المحرج الحزين ، فقالت : حسناً صنعت بقدومك إلى أمك يا بشرى ، أنها هنا في شقتها هذه وحيدة وسوف يسعدها أن تكوني معها حتى يختار الله لك ما فيه الصلاح . وكأن هذه الكلمات بعثت في نفس بشرى بعض مشاعر الانسانية فأجابت في خجل وارتباك : لشد ما أنا شاكرة لك موقفك من أمي يا خديجة وها أنت تضيفين إلى أياديك يداً جديدة . فابتسمت خديجة وقالت : دعيك من هذه المجاملات يا بشرى واعلمي أن هذا البيت هو بيت خالتي ولهذا أرجو أن تكوني فيه مرتاحة راحة كاملة . وهنا نهضت الخالة واحتضنت خديجة وطبعت على جبينها قبلة حب وشكر وامتنان وقالت : ما أروعك يا خديجة وما أروع إيمانك الذي أبرزك على هذه الصورة المثالية . واغتنمت خديجة قرب خالتها منها فهمست


( 222 )


في اذنها قائلة : ولكن أرجو أن تطلبي منها الإلتزام بالحجاب ما دامت في بيتنا . قالت الخالة : نعم نعم لقد كنت عازمة أن أقول لها ذلك ثم اتجهت إلى ابنتها فجلست إلى جوارها وهي تقول : هل تعلمين يا بشرى بأنني شعرت خلال هذه الأشهر الأخيرة براحة لم أستشعرها في حياتي من قبل وأنني وجدت في قلبَيْ خديجة ومحسن من الرحمة والحنان ما عوّضني عما افتقدته في قلبيكما أنت وهشام ، فما الذي جعلكما وأنتما ابناي تتنكران لي على هذا الشكل وجعل أولاد أختي يحتضناني بكل رحابة صدر ؟ ليتك عرفت السبب والشيء الذي ميزهما عنكما كل هذا التمييز . قالت الخالة هذا ثم سكتت وكأنها تنتظر من ابنتها الجواب ، فأطرقت بشرى وقد عرفت الجواب ولكنها كانت تصارع نفسها في إبدائه وإخفائه ، وأخيراً رأت أن الواقع يدعوها لأن تعترف حتى ولو كان الاعتراف مراً فرفعت راسها لتقول : انه الايمان يا أماه وهو الذي ارتفع بهما إلى هذه القمة ، وتركنا إياه هو الذي هوى بنا إلى هذا الحضيض ، نعم أنه الايمان فما أشقانا بابتعادنا عنه . قالت الأم : الحمد لله الذي جعلك تعترفين بذلك ولهذا فأن عليك في المرحلة الأولى أن لا تشذّي في مظهرك الخارجي عن تعاليم الايمان المتمثل في هذا البيت . قالت بشرى في استغراب : ما الذي تعنيه يا أماه ؟ قالت : أن تلتزمي بالحجاب وتحاولي تكييف نفسك مع تعاليم الدين ما دمت هنا على الأقل . فأطرقت بشرى نحو الأرض وكأنها تعاني صراعاً


( 223 )


مريراً بين ما يدعوها إليه العقل وما تستفزها به النزوات والرغبات ، واغتنمت خديجة فترة سكوتها هذه وقالت : ولكن من المظنون يا خالتي أن بشرى قد تعرفت على مساوىء الابتعاد عن الدين بما فيه الكفاية ومن المأمول أيضاً أن تكون قد تحسست بالحاجة إلى تعاليم الاسلام بعد أن شاهدت عن قرب وعن بعد فشل التعاليم الوضعية الأخرى . وهنا رفعت بشرى رأسها ورنت نحو خديجة بنظرة اعتراف واستسلام ثم قالت : نعم أن الحق هو ما تقولين يا خديجة فقد سئمت حياة التكلف والمحاباة والركض وراء كل شارق وغارب وقد تعبت من حياة القلق والتفكك فما أحوجني إلى من يحتضنني ويهبني فكرة صالحة تبعث في روحي الأمان وتذيقني طعم الحرية الحقيقية من غير استعباد لأذواق الناس ورغباتهم ولكن ما الذي سيقوله الناس عني يا ترى ؟ قالت خديجة : لقد حاولت في المدة السابقة أن ترضي الناس عنك فاستعبدت كما ذكرت أنت لأذواقهم ورغباتهم ، فما هو الذي حصلت عليه من نتائج صالحة لذلك يا ترى ؟ يكفيك ما تجرعت من ويلات وآلام حطمت زهرة شبابك وأذوت رواء كيانك وهو في ريعانه ، ها هو إيمانك يدعوك لتعودي إليه وتعيشي مفاهيمه التي من حقها أن تتكفل بإسعادك في الدارين . قالت بشرى في نغمة ألم حزينة : أو يقبلني الايمان بعد كل ما صدر عني من أخطاء ؟ فأردفت خديجة تقول : نعم فإن إيماننا لجد حدب بناء ورؤوف وقد جاء في الحديث : ( أن الله ليحب الشاب


( 224 )


التائب ويكره الشيخ المقيم على المعاصي ) أفلا يسعدك أن تكوني ممن يحبهم الله عز وجل يا بشرى ؟.

***


مرت العديد من الأسابيع وبشرى لا تزال مع أمها وهي تقترب خطوة بعد خطوة من الإيمان ، فقد سحرتها شخصية خديجة فانجذبت إلى مفاهيمها بلهفة الظمآن المتعطش إلى الري ، وقد قدمت لها خديجة العديد من الكتب لتقرأها وكانت تطلب منها المناقشة بعد إكمال كل كتاب بشكل جعل عدة مفاهيم تتركز في ذهن بشرى بشكل ثابت ، وبدأت بوادر التغير الفكري تلوح واضحة على تصرفاتها وميولها ورغباتها مما كان يشيع في نفس خديجة الكثير من شعور الرضاء .
وبعد أن تم انفصال بشرى عن زوجها بشكل نهائي وعن طريق الطلاق استقلت مع أمها وابنها الصغير الذي احتفظت به قبال جميع ما تنازلت عنه من حقوق في بيت صغير مريح ، ومع أنها كانت قد خسرت من المادة الشي الكثير ولكنها أصبحت تعيش حياة ناعمة راضية بعد أن أخذت تقترب من واحة الايمان أكثر فأكثر .


 

نكران جميل

 

 


( 226 )

 


( 227 )


الانتظار حالة غير مريحة ومزعجة إلى حد ما ، ما دامت في البداية ، أما إذا حدث ما أطالها أكثر فإن من حقها أن تبعث في نفس الانسان بعض الشعور باليأس ، واليأس ما هو تأثيره بالنسبة للانسان ؟ أنه ملقط حساس يفتش بين جنبات الروح عن بذور الراحة ليقتلعها ويستقصي ما تعمر به النفس من آثار السعادة فيجتثّها .
كانت وداد تعيش حالة الانتظار هذه بالنسبة لصديقتها هدى ، فهي قد وعدتها بزيارة قالت عنها أنها تود لو تكون خاصة فحددت لها ساعة بعد الغروب ، ولكن أين هي يا ترى والساعة تكاد تشير إلى التاسعة مساء ؟
كانت بعض مشاعر القلق تتسرب نحوها بين حين وحين فتتكفل تلك المشاعر باقصاء أحاسيس العتب التي بدأت تراود نفسها لطويل الانتظار فتعود لتقول لعلها معذورة أو لعلها مجبورة ، فما سبق أن أبطأت عنها من قبل . وحاولت أن تقطع فترة الانتظار في مطالعة كتاب ولكن أفكارها كانت تحرم بعيداً


( 228 )


عما تقرأ . هناك حول هدى والسبب الذي دعاها إلى التخلف عن الحضور ، وحدثت نفسها قائلة : ليتني كنت أتمكن أن أتصل بها ولو عن طريق التلفون ولكن ...
وعند حوالي الساعة التاسعة والنصف دق جرس الهاتف فهرعت نحوه في لهفة وكأنها عرفت أنه يحمل إليها أخباراً عن هدى ، وفعلاً فقد عرفت منه أن هدى في خير وما كان تأخرها إلا لأمر قالت عنه أنه ضروري ! وقد أجلت الزيارة إلى صباح غد .
وفي صباح اليوم الثاني لم تطل مع وداد فترة الانتظار فقد وافتها هدى في بداية الساعات الأولى من النهار فاستقبلتها بحفاوة وحرارة ، ولكن لم يفتها أن تلاحظ آثار الشحوب التي رسمت معالمها على ذلك الوجه الذي طالما تميّز باشراقته من قبل . وعندما جلستا تتحدثان افتقدت وداد من صاحبتها تلك النغمة التفاؤلية التي كانت تميزّ صوتها وتساعده على كسب استماع الآخرين .
كان صوتها حزيناً وكلماتها افتقدت آثار الحرارة وانطبعت بطابع البرودة ، وكانت تحاول أن تعطي للسكوت زمناً أكثر مما تعطيه للكلام ، فشعرت وداد بلذعة الأسى وهي تجد صديقتها على هذا الصمت الهادىء الحزين ، وهدى لم تكن بالنسبة إليها صديقة فقط ، فلطالما كانت لها مناراً في ليل داج ومشعلاً من نور في ظلام رهيب ، ولطالما هدهدت روحها


( 229 )


بمفاهيم وسقت جدب أفكارها بالحكمة والموعظة الحسنة ولهذا فهي بالنسبة إليها تعني الشيء الكثير . وهنا شعرت وداد أن عليها محاولة جر هدى إلى التحدث عما تعانيه ، فقالت وقد جهدت أن تبدو لهجتها طبيعية : والآن ألا تحدثينني عما أخرك عني مساء أمس يا أختاه ثم أنك كنت قد أعطيت لذلك موعداً ولم يكن من عادتك خلف الوعد ؛ فصدرت عن هدى شبه آهة ثم قالت : لقد أصبحت غير قادرة على إنجاز الوعد في بعض الأحيان . وشعرت وداد أنها تتمكن أن تنفذ من هذه الثغرة إلى معرفة ما تعيشه هدى من آلام نفسية فتابعت تقول : ولكن هذه حالة غير خاصة بك يا هدى فقد يضطر الانسان إلى خلف الوعد في بعض الحالات ولأجل بعض الضرورات . قالت هدى : ولكن تتابع الضرورات في حياة الانسان تجعله .. قالت هذا ثم سكتت وأطرقت وكأنها لم تعرف كيف تكمل جملتها . ولاحظت وداد أن هناك قطرة من دمع سقطت على يد هدى التي كانت مستقرة في حجرها ، فهالها الأمر ! فلم تكن هدى تملك ذلك المدمع المعطاء الذي يذرف قطراته لكل مناسبة ولم تكن دموعها لتعتصر إلا لأمر عظيم ، فاندفعت تقول في شبه حشرجة : آه أتبكين يا أختاه وما عهدتك باكية قبل اليوم ؟ ما أثمن هذه الدمعة التي ذرفتها عيناك فلماذا لا تحتفظي بها لتذرف في سبيل الله ؟ فانتفضت هدى وكأن هذه الجملة الأخيرة قد أصابت لديها وتراً حساساً ورفعت رأسها وهي تقول : أو تظنين أن ألمي ودموعي ليست


( 230 )


من أجل الله يا وداد ؟ أنها من أجل الله وفي سبيل الله ولهذا فأنني جد حزينة في أيامي هذه يا أختاه . قالت وداد : ولماذا الحزن يا هدى ما دمت واثقة من سيرك في طريق الحق ؟ ألا تتكفل هذه الثقة بأن تهبك السعادة والرضا ؟ أليس أن في شعور الانسان وهو يحث الخطا نحو لقاء نبيه (ص) أبيض الوجه قد حفظ بعده الأمانة وأدى ما عليه من حقوق تجاه دينه ما يبعث في نفسه الغبطة ويملي عليه الفرحة ؟ هذا الانسان الذي يكاد يسمع صوت نبيه يقول : ( أنني اليهم لمشتاق ) . كم سيكون هانئا سعيدا لو سار في طريق يبل به شوق نبيه إليه ؟ قالت هدى : ولكن هذا هو ما يحزنني يا وداد فلقد أصبحت أخشى أن أقف في منتصف الطريق فلا أتمكن أن أمثل بين يدي الرسول (ص) ومعي صحيفة عمل قشيع على صفحة وجهه الكريم إشراقة نور ورضاء . قالت وداد : أو يكون ذلك بتقصير منك يا هدى ؟ فهزت هدى رأسها في تأكيد وقالت : لا ، أبداً ، أنني لا أتعمد التقصير في سبيل ديني ولا أتسبب في إهمال جانب من جوانب العمل لأجله ما وسعني ذلك ولكن قد أكون مجبورة . قالت وداد بلهجة من يعرف الجواب مسبقاً : وهل تجبرين على معصيته ؟ فابتسمت هدى ابتسامة حزينة وقالت : لا ، فلو تضامنت الدنيا ومن فيها لأجل أن تفرض عليّ معصيته لما نجحت . فأجابت وداد ابتسامة هدى بابتسامة مثلها وقالت : إذن ؟ قالت : ولكن تمر بي مواقف أفتقد خلالها إمكانية التوسع في الطاعة وأضطر إلى


( 231 )


بعض الجمود عن السمو نحو الكمال ، فأنا يا أختاه أصبحت أحس بشعور لم أكن لأستشعره من قبل ألا وهو شعور اليأس ! وهنا تساءلت وداد في لهفة : يأس ؟ ولماذا اليأس يا هدى ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون فكفكفت هدى دمعة جديدة قبل أن تسقط وقالت ليس يأسي من روح الله يا وداد ولكنه في نفسي فأنا عندما أصادف ممن حولي بوادر جفاء أو ألمس منهم بعض علامات النكران للجميل أوعز ذلك إلى قصور في شخصي أو ضآلة في طبيعة عطائي وأسلوب تعايشي وتعاملي على صعيد الايمان . فأشعر بالأسى يمزق صدري وأقف موقف الحيرة فلا أعود أعرف كيف أتصرف . فلا أنا أعرف مواطن تقصيري فأصلحها وأعتذر ولا أنا أتمكن أن أبريء نفسي واحمل الآخرين المسؤولية فأنصح وأوجه ، كانت وداد تستمع في اهتمام بالغ ولما سكتت هدى بادرتها بالسؤال قائلة : والآن هل حدث شيء جديد ؟ قالت : حدث أو لم يحدث المهم أن هذه الحالات عندما أخذت تلوح على مسرح حياتي بشكل متعاقب أصبحت تهدد روحياتي بالخطر ، قالت وداد : ولكن هناك في حياة المؤمن بعض الخطوط العريضة التي ترسم له طريقه في نوعية العطاء دينياً وأخلاقياً واجتماعياً فما دمت يا أختاه واثقة من أنك لم تنحرفي عن هذه الخطوط فلا يجدر بك أن تتركي لليأس إليك سبيلا . راجعي نفسك وحاسبيها وفتشي بين ثناياها عن مواطن الضعف والخطأ فأن وجدت منهما شيئا فحاولي أن


( 232 )


تجري لها عملية تنظيف ومسح كامل ولكن بدون يأس فإن الانسان المؤمن يسعى خلال حياته وراء هدف خير . وهذا الهدف لا يتحقق إلا بعد تربية النفس تربية صالحة ولعل هذه الحملة الاصلاحية سوف تضاعف من نضوج عطائك وبلورته أكثر وأكثر لأنه سوف يأتي نتيجة تجارب عديدة وممارسة طويلة فتحقق نتائجه بشكل أكثر سهولة وأقل مؤونة وأوسع نجاحاً . قالت هدى ولكنني فتشت بين ثنايا نفسي فلم أجد ما يؤخذ عليها ومع ذلك فقد عدت لأقول أن نفسي لتخادعني بذلك وهل يتمكن الانسان أن يكتشف عيوبه بنفسه ولهذا ترين أنني لجأت إليك تطبيقاً لقاعدة أن المؤمن مرآة أخيه المؤمن لتكشفي لي عما لعله يعشعش في روحي من أخطاء . قالت وداد : أنت يا هدى وكما عرفتك دائما لست ممن تسمح للأخطاء أن تجد إليها سبيلا ثم أنني ومع متابعتي لحركاتك في المجتمع لم ألاحظ عليك أي نقطة قد تدفعك إلى اليأس . أنك تستمتعين بروحيات مثالية و ... وهنا قطعت هدى كلمات وداد قائلة أرجوك يا وداد أنا لم أقدم إليك لأستمع منك إلى كلمات المديح والإطراء . لا يا عزيزتي أنني أريد النصيحة فقط ، فابتسمت وداد لهذه المقاطعة وقالت : أنني شخصياً لم أجد في سلوكك ما يؤخذ عليه وأنت أيضا وكما قلت قبل قليل لم تجدي ما يمكن أن يدينك . إذن فنصيحتي إليك أن تسيري في دروب الهدى تغرسي في كل تربة بذرة وتزرعي في كل روض زهرة وتنيري على كل


( 233 )


منعطف شمعة وإذا كان هناك من يشك في سلامة البذرة أو لا يستسيغ منظر الزهرة فإن ما ينبت عن البذرة وما يفوح من أريج الزهرة لكفيلان بجذبه إليهما من جديد بعد أن يثبتا وجودهما بشكل لا يقبل الجدل وهذا في الواقع هو الجانب المهم في حياة الانسان المؤمن إذ أنه بطبيعة وجوده عطاء ، والعطاء إذا كان خيراً فهو لا يهدف إلا إلى تحقيق غاية تقربه من رضاء الله ورضوانه ، فما دام يضع هذه الغاية كهدف له في الحياة لا يعود هناك أمر من الأمور يحول بينه وبين الانطلاق حتماً ولو لم يجد إنساناً واحداً يستجيب إليه . ثم أنني لا أكاد اعترف بشيء اسمه ( نكران الجميل ) ما دام الجميل من أجل الله وفي سبيل الله والله تبارك وتعالى لا تضيع عنده الأعمال ولا تشتبه عليه الأقوال وهو يجزي على الحسنة بعشر أمثالها . وهذا الشعور ، شعور الانسان أن أعماله لا تطلب التثمين إلا من الله عز وجل وحده ، هذا الشعور هو الذي يعلمه أن لا يزهد في فعل الخير مهما كانت ردود الفعل التي يجابهها ما دام واثقاً من تحقق الغاية الحقيقية وهي رضاء الله عز وجل : كانت وداد تتكلم وهدى تستمع في هدوء ثم سكتت وداد فترة لتجد آثار كلماتها على هدى فلاحظت علامات التفهم والرضا تلوح واضحة على محياها فشجعها ذلك لكي تسترسل في حديثها فقالت : لا تدعي هذه النظرة القاتمة تلون حياتك وأيامك وأنت ملء الوجود والحياة والمجتمع ، أنت هدى بكمالها وإيمانها وجهادها وصبرها


( 234 )


وعملها فلا تزهدي في نفسك يا أختاه ، أنت محط آمال ومنتجع أحلام فعيشي هذا مع نفسك أيضاً ، أنت يا أختاه شعلة إيمان وانطلاقة عمل وميدان جهاد فلا تجعلي النور ينحسر والعمل يتضاءل والجهاد يلقي السلاح ، أبعدي المنظار القاتم عن عينيك فأنهما خلقتا للتأمل والنظر البعيد والتطلع المشرق . كوني مرتاحة ما دمت واثقة من نفسك ولكن لا تهملي محاسبتها بين حين وحين لكي يمكنك ذلك من التحكم بزمامها والتعرف على واقعها الذي تعيشه ، وهنا سكتت وداد تنتظر الجواب ، وبعد فترة صمت قصيرة انبعث صوت هدى يقول في نبرة رصينة : ما أراك إلا وقد كشفت أمامي واقعاً كانت السحب السوداء تكاد أن تحجبه عني أو تحجبني عنه ! وهو أننا بوجودنا وأعمالنا وتصرفاتنا نتجه إلى نقطة واحدة هي رضاء الله ، فما دمنا لا نجد في أنفسنا ما يشير إلى انحرافنا عن تلك النقطة وذلك الهدف فإن علينا أن نمضي في سيرنا دون أن يعيقنا تصاعد غبار أو تناثر أشواك ولسان حالنا يردد قائلاً :

كل عذاب فيك مستعذب * ما لم يكن سخطك والنار


 

زيارة عروس

 


( 236 )

 


( 237 )


جلست غفران بعد أداء فريضة الصلاة تتلو آيات من القرآن الكريم وكانت تستشعر لعطاء ما تقرأ لذة دونها الشهد وتتجسس لمعاني ما تفهم نشوة روحية ترتفع بأفكارها نحو أجواء القدس وتحلق بآمالها وأمانيها في سماء الحق ، فهي تأخذ من كل آية درساً وتستقي من كل كلمة عبرة تفتح أمامها منافذ من نور لا تعود تبصر الحياة التي حولها إلا من خلالها ، ثم مرت في سياق تلاوتها بالآية المباركة التي تقول : ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ) وما أن انتهت من القراءة حتى شعرت أن هذه الآية لا تزال تتردد في فكرها وتملي على قلبها مرة بعد مرة ، فتفتح أمامها عالماً من ذكريات وصفحات من تاريخ لعب دور البطولة فيه أفراد بلغ بعضهم الشأو وتراجع البعض في وسط الطريق ، وهنا صدرت عنها آهة تشكو مرارة الذكرى . فإن مما يؤلمها جدا بوادر الخيبة التي تجدها تقطع على بعض المنطلقين خط السير نحو الكمال . وتصاعدت


( 238 )


سحابة قاتمة تحاول أن ترين على روحها لمرارة الذكريات ولكن كانت هناك مصادر نور تنطلق من تجارب صالحة بدأت الشوط فأتمته بنجاح ، وهنا برزت أمامها صورة صديقتها سعاد . فشعرت نحوها بشوق صادق فهي قد ذهبت منذ أيام مع عريسها ليستهلا حياتهما الجديدة في زيارة لبعض المشاهد المقدسة وكانت هذه الذكرى كفيلة ببعث ملامح نور زاهية في نفس غفران ، وعادت بها الذكرى إلى صديقتها سعاد فتذكرتها في ترقبها وهي فتاة واستعرضت الخطوط التي رسمت أبعاد اختيارها لشريك الحياة . ثم تطلعاتها الخيرة وهي تقف على أبواب الحياة الزوجية وترفعها عن الزخارف التي شوهت مفهوم هذه المرحلة المقدسة التي وجدت لتكون لبنة صالحة في بناء عش مؤمن سعيد تدعمه شركة روحية بين زوجين ويترعرع في جنباته جيل خير من الابناء ، ولم يسعها إلا أن تتوجه إلى الله العلي القدير أن يحرس صديقتها المؤمنة ويحقق لها آمالها الخيرة التي بنتها على هذه الزيجة المنتقاة ، ولم تكد غفران أن تصل في أفكارها عند هذا الحد حتى سمعت رنين جرس الباب فسارعت إليه لتجد إحدى صديقتها وقد جاءت لتخبرها بعودة سعاد ، فغمرتها الفرحة وقالت في لهفة بالغة إذن أنت ذاهبة إليها الآن انتظريني لأصحبك إليها يا أختاه ، قالت هذا ثم توجهت لتأتي بعباءتها ولكن صديقتها أجابت في تردد . ولكن لا . ليس الآن يا غفران ، فاستدارت غفران نحوها في استغراب وقالت ليس الآن ولماذا ؟ قالت يبدو أن


( 239 )


هناك بعض الموانع ، قالت موانع !! أرجو أن تكون خيراً ؟ فابتسمت صاحبتها ثم أردفت بعد فترة سكوت : لقد قيل أنها لا تزال جديدة عهد في بيتها ولهذا فهي لم تعد العدة لاستقبال الضيوف بعد !! فأطرقت غفران في ألم ثم رفعت رأسها وهي تقول : ولكن لا أظن أن سعاد تقول هذا فهل أنت واثقة مما تتحدثين ؛ قالت أنني واثقة مما نقل إليّ ولكنني مثلك لا أكاد أصدّق أن هذه هي فكرة سعاد أو ليست سعاد هي التي رسمت في خطوط زواجها صوراً من المثالية ترتفع بها عن الاهتمام بأمثال هذه الشكليات ، فأردفت غفران تقول في حيرة وألم : نعم أنني لا أكاد أصدق ولهذا دعينا نذهب يا هناء فلعل في الأمر بعض الالتباس ، قالت صاحبتها ولكن ألا يخطر لك أن هذا العذر يخفي وراءه أعذارا جديدة أخرى ، وعلى فرض وجود ذلك فسوف يكون ذهابنا غير مرغوب فيه ، فسكتت غفران برهة ثم قالت : نعم لعله كذلك فإن سعاد ليست ممن تمتنع عن استقبال زائراتها لقلة في أثاث أو بساطة في بيت ورياش أنها تهتم بالجوهر ولم يسبق لها أن اهتمت بالعرض يوماً ما .

***


قضت غفران ساعات عصرها ذاك وهي في ألم حزين تضرب للأمر أخماساً بأسداس . ولاحت لها فكرة قاتمة تقول لعل سعاد هي أيضاً ممن لم تتمكن من مسايرة التجربة الخيرة


( 240 )


حتى النجاح ، ولكنها عادت لتهتف لنفسها قائلة : لا . أن لدى سعاد من الكفاءة ما يمكنها أن تكون وسيلة إيضاح كاملة ولهذا فهي لن تضعف أو تتراجع أمام شيء ، وما كادت الساعة التاسعة تعلن عن انقضائها حتى دق جرس الباب من جديد فاندفعت نحوه غفران على أمل أن تجد خبراً جديداً عن سعاد وما أن فتحت الباب حتى كانت بانتظارها أروع مفاجأة إذا طالعتها من ورائه صورة سعاد .. كادت غفران أن تغالط بصرها لحظة ولكن يد سعاد التي امتدت نحوها لتصافحها بحرارة أثبتت لها الواقع المحسوس فغمرتها الفرحة وطبعت على جبين صديقتها قبلة إيمان صادقة وأسعدها أن تجد أسارير سعاد وهي تنطق عن الراحة والسعادة ثم أخذت بيدها وهي تردد : مبروك يا عزيزتي وألف مبروك . ما أكثر ما أوحشتينا بغيابك يا أختاه . قالت هذا ثم حاولت أن تدعوها إلى داخل الدار فأجابت سعاد : لا يا غفران أن هناك من ينتظرني في الخارج ولكنني افتقدت زيارتك لي عصر هذا اليوم وخمنت أنك لم تعرفي بقدومي بعد ثم لقد كنت في شوق إليك بعد هذه الفترة من البعد ، قالت غفران ولكن ألم تعلني أنت أن موعد استقبالك للزائرات لم يحن بعد ! فرددت سعاد كلمات غفران في استغراب قائلة : موعد زيارتي لم يحن بعد ولكن لماذا ؟ كيف يمكن لي أن أقول هذا وأنا في انتظار أخواتي منذ الساعة الأولى ؟ قالت غفران لأن بيتك لم يعد للاستقبال كما ينبغي ويليق فضحكت سعاد ثم قالت ومتى أصبحت


( 241 )


استقبل زائراتي على أساس من البيت وزخارفه ؟ ثم كيف أمكنك أنت أن تصدقي ذلك عني يا غفران ؟ وهنا شعرت غفران بموجة من فرح وسعادة تغمرها إذ وجدت أن آمالها وأمانيها لم تخنها في هذه الأخت العزيزة ورددت في شكر صادق : الحمد لله . الحمد لله . شد ما أنا سعيدة بك ومن أجلك يا سعاد ولكن ما هو مصدر ذلك الخبر إذن ؟ قالت أنها إشاعات ، قالت غفران ولكن بعض الاشاعات تحمل معها أعظم الأخطار لأنها ترمز إلى مفهوم مخالف لمفاهيم الاسلام فحاولي يا عزيزتي أن تحولي بينها وبين الانتشار واجعلي من حياتك القادمة وسيلة إيضاح كاملة ، قالت : نعم سوف أحاول ذلك ولن أدع ثغرة تنفذ من خلالها الاشاعات ، فربتت غفران على ظهرها برفق وهي تقول : واعلمي أن أمرك يهمني جدا لأنه الصورة الحية لحياة زوجية قامت على أساس الايمان ووضعت خطوطها على هدى من تعاليم الاسلام وغداً سوف أزورك مع مجموعة من الاخوات أن شاء الله ، فرفعت سعاد رأسها وهي تقول في اعتزاز : نعم وعلى الرحب والسعة تفترشين معي الحصير وتشربين وإياي ماء الغدير فإلى اللقاء يا أختاه .

***


بدأت غفران في صباح اليوم الثاني تتصل بصديقاتها تخبرهن بعودة سعاد وعزمها على زيارتها عصر ذلك اليوم ، ثم


( 242 )


خطرت لها ابنة خالتها هيفاء وكانت هذه قد كلفتها أن تخبرها عن موعد زيارتها لسعاد . فاحتارت كيف تبلغها الأمر وهي بعيدة عنها وبينما هي تفتش عن الحل سمعت صوت هيفاء تتحدث مع أمها في ساحة الدار فاتجهت نحوها وهي تجد أن حضور هيفاء وقد سهل لها العديد من المصاعب وبعد أن بادلتها التحية وجلست وإياها فترة قالت لها : كنت أحاول أن أتصل بك لأخبرك بعودة سعاد وبأننا ذاهبتان إليها عصر هذا اليوم فإذا أحببت أن تصحبينا اليها فعلى الرحب والسعة . فضحكت هيفاء وأجابت بأسلوب تهكمي ساخر : شكرا ، شكرا . فاستغربت غفران هذا النوع من رد الفعل الذي بدت بوادره على هيفاء وراجعت نفسها هنيئة ، أتراها أخطأت التعبير أو أساءت التصوير ، ولكنها لم تجد من نفسها ما يؤخذ عليه ولهذا رأت أن عليها أن تسعى إلى توضيح الموقف فأردفت تقول وقد لاح شبح ابتسامة على شفتيها : ولكن ما الذي أثارك على هذا الشكل يا هيفاء ؟ قالت هيفاء أن كلامك واضح التكلف وكأنك ومع هذا الأسلوب من الاخبار تريدين أن تقولي : لا تأتي معنا يا هيفاء ، وهنا شعرت غفران بلذعة الألم لهذا التجني ولكنها تماسكت ولم تمسح عن وجهها ابتسامتها وإن كانت تلك الابتسامة قد اكتست بعض معاني الشحوب وقالت بصوت حاولت أن يكون هادئا : وكيف عرفت ذلك يا هيفاء ، حبذا لو فسرت لي الأسباب التي حدت بك إلى كل هذا التأثر البالغ . قالت هيفاء : وهل أن


( 243 )


من المعقول أو من المنطقي عقلا وعمليا أن أذهب اليوم عصرا إلى زيارة سعاد وأنا لم أعرف بذلك إلا الساعة ؟ قالت غفران : وماذا في ذلك يا هيفاء ؟ قالت أنك تتجاهلين حقيقة واضحة وهي معدات الذهاب التي تتطلب يومين على أقل تقدير ! وضعت غفران رأسها بين كفيها وأسندت ساعدها إلى حافة الكرسي الذي تجلس عليه وقالت في لهجة حاولت أن تكون طبيعية : وما هي تلك المعدات بالله عليك يا هيفاء حدثيني بها أو ببعضها إذا أردت . فنشطت هيفاء للحديث واعتدلت في جلستها وكأنها في سبيل خوض معركة حياتيه وقالت : ان من تذهب إلى زيارة عروس تتحتم عليها عدة مقدمات :
أولا : أن تهيّء لها بدلة مناسبة . ثانياً : أن تختار يوماً لا يشغلها فيه شيء لكي تتمكن أن تصفف شعرها بشكل من الأشكال . ثالثاً : أن تكون متمكنة من ذلك من الناحية المالية . فكررت غفران كلماتها الأخيرة وقالت : متمكنة من ذلك من الناحية المالية ؟ وما هو ارتباط الناحية المالية بزيارة العروس ؟ فقهقهت هيفاء بشيء من السخرية وقالت : بالاضافة إلى متطلبات البدلة والحلاقة يبرز موضوع الهدية وما أراك إلا وقد نسيت هذه النقطة الحساسة قالت غفران : وكيف أنساها يا هيفاء وقد أوصانا الاسلام بها وعرفها إلينا على أنها مما يشد أواصر القربى ويؤكد عواطف الإخاء . قالت هيفاء : إذن فكيف تتوقعين مني أن أذهب عصر اليوم إلى


( 244 )


سعاد ولم أعد الهدية بعد ؟ قالت غفران : وهل أن من شروط الهدية أن تكوني مرهقة مالياً ؟ أن ذلك لا يعود يحمل معنى الهدية بل أنه يكتسي طابع الضريبة وبذلك تفقد الهدية لذيذ عطائها وتخسر الفوائد المتوخاة نتيجة ذلك ، إن الهدية يا هيفاء وضعت لكي تكون وصلة خير بين الأخوة المؤمنين ولكي ترمز إلى دوام تذكر الانسان المهدي للمهدى إليه وتعبر عن الاهتمام بأمره تارة والفرحة من أجله تارة أخرى . ولهذا فهي عندما تكتسي طابع القيم المادية تتحول إلى عبء ثقيل يرهق الانسان روحيا وماديا ، ألم تسمعي أن الرسول (ص) كان يتقبل الهدية ولو كانت قدحا من لبن ؟ قالت هيفاء : ولكن أليس من المخجل أن تذهب واحدة لصديقتها بهدية رخيصة ؟ قالت غفران : أبدا يا هيفاء فإن الهدايا على مقدار مهديها وليست على مقدار من أهديت إليه ، أن الذي يتلقى هدية وهو يعلم أنها لم تثقل على صاحبها في شيء يرتاح لها بشكل صادق لا يتأتى عند الهدايا المتكلفة الأخرى ، فأنت الآن يا هيفاء يمكنك أن تأخذي معك كتابا واحدا كرمز للفرحة بدل أن تتأخري عن زيارتها ، أما موضوع البدلة التي ذكرتها في المرحلة الاولى فأنه يمكنك أن تذهبي إليها اليوم ثم ترسلي إليها بدلتك بعد أن يتم إنجازها . فتفرست هيفاء في وجه غفران وقالت : ما أراك إلا ساخرة بي يا غفران فهل من المعقول أن يقوم أحد بهذا العمل ؟
قالت غفران : وإلا فما هو المانع الذي يمنعك أن تلبسي


( 245 )


ما لديك من ثياب وكلها جميلة وأنيقة وما هو الغرض من أن تكون زيارتك للعروس مرهونة بارتداء بذلة جديدة ؟ قالت هيفاء في شيء من التحدي : لكي أبرز بشكل مرضي ولكي أكون جميلة ، قالت غفران : لا شك أن لك تجارب سابقة في خصوص هذا الموضوع وقد سبق أن ارتديت ما يبرزك بشكل مرض فأين هي تلك الملابس يا ترى ؟ هذا إذا كان الهدف الرئيسي هو ما ذكرت أما إذا كانت هناك أسباب أخرى فهي كما أوضحت لك سابقاً أن من الممكن تلافيها بشكل من الأشكال ، ليتك كنت صريحة مع نفسك يا هيفاء لاعترفت بما أقول ولحاولت أن تتغلبي على هذا الطراز من التعايش مع الآخرين ، فهل تعلمين كم يؤثر هذا السلوك على طبيعة العلاقات وكم يتسبب هذا في إبعادك عن المجتمع وتجنبك لصديقاتك يا هيفاء ؟ كوني سهلة وقدمي الأهم على المهم واجعلي من الاهم ذلك الشيء الذي ينسجم مع طاعة الله عز وجل ويتماشى مع روح الانفتاح الخالص على صديقاتك المؤمنات .

***


بينما كانت غفران تحاول أن تصل في أحاديثها مع هيفاء إلى نتيجة مرضية تمكنها من انطلاقة جديدة لها في الحياة ، كانت سعاد تمر بدور مماثل لها فقد نهضت عند الصباح وبعد انجاز الأعمال البيتية انصرفت لتحضير كعكة من أجل


( 246 )


الزائرات الغاليات ، وبينما هي مندمجة في عملها مع جد مريح واندفاع صادق ، تصور لها أفكارها طبيعة الجلسة وترسم لها صورة عن أجوائها المحببة ، فهي تكاد مسبقا تلمح رجاء بطرائفها المحببة وإخلاص بأمثالها الحكيمة وآمال بصمتها المعبر وهادية بمثلها التي تتمكن أن تبرزها في كل مجال وتنفذ إليها من خلال كل ثغرة ، بينما هي غارقة في ذكريات سابقة رسمت لها ملامح الساعات القادمة سمعت رنين جرس الباب فسارعت اليه لتجد إحدى قريباتها التي أصبحت جارتها في بيتها الجديد ، فرحبت بقدومها وجلست وإياها للحديث فأخذت تحدثها تلك عن طبيعة المنطقة وأنها ارستقراطية إلى حد بعيد ، فقالت سعاد : أنني لا استشعر أهمية لذلك فإن الانسان المؤمن ليلتزم في حياته بسلوك لا يتغير ولا يتبدل في أي محيط مهما كان ارستقراطيا أو برجوازيا أو شعبيا فأن له خطوطا عريضة يسير عليها مهما كان الوسط الذي يعيشه ، فتململت جارتها لحظة ثم قالت في تردد : ولكن ، لعل هناك بعض النقاط مما يلفت الأنظار الشيء الذي لا أريده لك ولهذا أحببت أن أعرّفك على المستوى الرفيع للمنطقة وأنت جديدة عهد بسكناها . قالت سعاد : أية نقاط هذه التي تعنين ؟ قالت : أعني عدم وجود تلفاز في بيتكم أولا ثم هذا النمط من الحجاب الذي تلتزمين به . قالت سعاد : سوف أكون سعيدة أكثر لو عرفت أن هاتين النقطتين جديرتان لأن تلفتا إليهما الأنظار . فاستغربت جارتها من هذا الرد


( 247 )


وتساءلت : وكيف ؟ قالت : لأن ذلك يحقق لنا جانبا من جوانب العبادة التي خلقنا من أجلها : ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ) ومن أهم نواحي العبادة ناحية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى دين الله ولهذا فأنا إذ أفهم بأن هناك في مظهري الخارجي أو مظهر بيتي ما يلفت الأنظار أكون مرتاحة لأنني في ذلك كله قد حققت دعوة صامتة وأثبت حقيقة مقدسة بأسلوب عملي ، فدعيني أشكرك على بوادر البشارة التي حملتيها إليّ .
... كانت صاحبتها تستمع إلى سعاد وهي لا تكاد تصدق ما تسمع وكأنها أرادت أن تتخلص من الاستمرار في حديث لا تتمكن من مجاراته فكريا وعمليا فقالت : يبدو أن عندك ضيوف ؟ عرفت ذلك من رائحة الكيك التي أخذت تتصاعد منذ فترة ، فابتسمت سعاد وقالت : نعم ، لديّ مجموعة من الزائرات . فتلفتت صاحبتها حولها وكأنها تبحث عن شيء ، ثم قالت : فلماذا إذن لم تكملي فرش بيتك قبل استقبال الضيوف ؟ قالت سعاد : ليس لدي ما أضيفه عما هو موجود ... فأبدت تلك بعض علامات الاستغراب مع مسحة من الألم وقالت في صوت حاولت أن يكون حزيناً : أنت ليس عندك سجاد إذن يا سعاد ولكن كان يمكن أن تستعيري ذلك منا ، أرجوك اعتبري بيتي كبيتك تماما ، وحتى الآن يمكن أن أنقل اليك ما تفرشين قبل أن تبدأ الزيارات ويعرف عنك ذلك . فضحكت سعاد وقالت : أنا شاكرة لك


( 248 )


عواطفك هذه ولكنني أستميحك العذر عن قبولها لأنني لا أحس بالحاجة إلى ذلك أبداً ، فأبدت صاحبتها بعض بوادر الدهشة وقالت : وكيف ، أليس من الجميل أن يزورك الناس فيجدون بيتك كاملا غير ناقص ؟ قالت سعاد : نعم أن ذلك جميل ولكن الكمال الذي أهفو إليه ليس عن طريق أثاثه ورياشه وليس عن طريق وسائل الديكور التي تزين جدرانه .
ولكنه عن طريق انفتاحه هو ومن فيه لكل قادم وتطبيقه لتعاليم الاسلام في إكرام الضيف وبذل القزى للزائرين .

***


وعند العصر كان بيت سعاد يضم أروع اضمامة عطرة من الفتيات الصالحات بعد أن اعطين بكل خطوة درسا ورسمن على كل حركة وسيلة إيضاح هادية .


 

اختيار الزوجة

 


( 250 )

 


( 251 )


جلس مقداد يتحدث مع أمه في ساعة اختار أن تكون من الساعات التي ترى فيها منشرحة الصدر منبسطة الوجه قال : أن لدي فكرة أرجو أن تدخل على قلبك السرور يا أماه فأجابته باندفاع ولهفة قائلة : وهل أجد منك إلا ما يسعدني يا بني ؟ فما هي فكرتك هذه يا عزيزي ؟ قال : أنني أكملت دراستي كما تعلمين وأصبحت قادرا على فتح بيت وتحمل مسؤولية أسرة ، ولهذا فقد عزمت أن أجد لي شريكة حياة ؛ فأشرق وجه الأم بابتسامة عريضة وقالت : يا لها من فكرة رائعة ويا لها من بشرى سارة لقد كنت أنتظر هذا اليوم يا ولدي وكم تمنيت لك هذه وتلك ممن تزوجن من بنات عشيرتنا والحمدلله الذي جعلك تفكر بالأمر قبل أن يفوت الأوان ، فكرر مقداد الجملة الأخيرة في استغراب قائلا : قبل أن يفوت الأوان ؟ قالت : نعم ، أعني موضوع ابنة عمك حذام فهي مستحقة للزواج ولا يخلو بيتهم دوماً من خاطب ، فسكت مقداد لحظة ثم قال بنغمة حاول أن تكون لينة : إذن فلماذا نزاحم هذه المجموعة من الخطاب ؟ فبهتت


( 252 )


الأم وقالت في تعجب : ما الذي تعنيه يا مقداد ؟ قال : أقصد أن ابنة عمي لا تلائمني يا أماه ، فشهقت الأم في استغراب وقالت : لا تلائمك ؟ وكيف ؟ من هي أحسن منها ؟ لا لا يا بني أنك غلطان وسوف أذهب منذ الغد لاجراء مراسم الخطبة ، فأجاب مقداد في فزع : إياك أن تقومي بشيء من هذا يا أماه لأنني غير راغب في الموضوع ، قالت : ولكنك إذا علمت أنها أصبحت خطيبتك سوف تبدأ تنسجم معها فدع عنك هذه الأقاويل واعلم انني لا أريد الا مصلحتك وسعادتك فهي جميلة وصاحبة وظيفة محترمة أقصد مثقفة . قال مقداد : لا يا أماه أن هذه الخطوة هي ما يخصني أنا بالذات ولهذا فاتركي أمر التفكير في موضوع حذام ، فسكتت الأم وكأنها تحاول أن تستحضر في ذهنها موضوعاً جديداً ثم قالت : طيب إذن فليس هناك من هي أجدر من ابنة خالك إذا عدونا حذام ؛ فهذه لا تقل عن تلك جمالا وهي وإن كانت غير موظفة ولكن خالك رحمه الله قد أورثها تركة معتد بها مما يمكنك أن ... فقطع مقداد متسلسل حديثها قائلا في نفور : لا لا أرجوك يا أماه فكري معي بشكل موضوعي فأنا أريد شريكة حياة ولا أريد شركة تجارية . فظهر الغضب على الأم وقالت في حدة : وما الذي يعوز ابنة خالك أن تكون لك شريكة حياة أيضاً ؟ قال : أنها يا أماه لا تشاركني أفكاري ومعتقداتي ولهذا فليس في إمكانها أن تكون شريكتي في الحياة ، فضحكت الأم في سخرية وتهكم وقالت : أنك تتكلم وكأنك


( 253 )


ملاك لا يجد شريكة حياته إلا في حورية ، ألا تترك هذه الكلمات الفارغة يا بني ، أنك شاب مثقف حائز على شهادة راقية فلا يليق بك أن تفكر على هذا الشكل الخيالي يا مقداد ، فقال مقداد : أنني لست ملاكا ولا أحاول أن أفتش عن حورية ولكنني انسان مسلم افتش عن فتاة مسلمة ملتزمة بأحكام الاسلام وآدابه . قالت الأم بلهجة قاطعة : إذن فأنك سوف تبقى بدون زواج لأنك لن تجد فتاة تناسبك مع هذه المواصفات ، فابتسم مقداد في رفق وقال : لو حاولنا لوجدنا يا أماه . قالت : وكيف وجميع البنات اللواتي أعرفهن لا يمثلن فكرتك هذه ؟ قال : ولكنني أعرف من تتمثل بها هذه الشروط ؛ فاستفزها الجواب وقالت في استغراب : أنت تعرف ! من هي مثلا ؟! ومتى أصبحت ممن ينشىء علاقات خاصة مع البنات ؟ فأثارت هذه الكلمة أعصاب مقداد ولكنه تمكن من التحكم بها ولهذا رد عليها قائلا : أنني لا أقصد من معرفتي المعرفة المباشرة ولكنني أعني بها معرفتي بوجود مثل هذه الفتاة . قالت : ما أراك إلا وقد حددت موضوعا خاصا تريد أن تستدرجني إليه فمن هي هذه ( الست المحترمة ) يا سيد مقداد ؟ فابتسم مقداد ابتسامة مرة لهذا التهكم من امه ولهذه البداية المتعبة ثم قال : أرجوك أن تكوني أكثر تفهما لموقفي يا أماه ، وقد كنت أتمنى أن تقفي إلى جانبي في هذا الأمر وتحاولي اقناع والدي في هذا الموضوع فإن عاطفة الأمومة من حقها أن تتغلب على كل المشاعر الأخرى . وكأن


( 254 )


كلمات مقداد الهادئة وعباراته التحببية جعلتها تركن إلى الليونة نوعا ما فقالت بشيء من الرفق : وحق عينيك يا ابني أنا لا أفكر إلا من زاوية مصلحتك الخاصة . قال مقداد : إذن فأنا أطلب منك أن تسانديني في خصوص هذه الخطوة فأنا أعرف بمصالحي يا أماه . قالت بعد فترة تردد : نعم ما دام في ذلك ما يرضيك مع عدم تحملي لمسؤولية العواقب ، والآن أين الموضوع الذي تريده يا مقداد ، وما هي شمائل تلك الفتاة السعيدة التي نالت رضاك ؟ قال : أنني لا أنظر إليها إلا من الجانب الديني ، فهي كما أعرف عنها فتاة محجبة مؤمنة . قالت : آه ، إذن فهي غير مثقفة ؟ قال : أن لديها بعض الثقافة العامة وهي من الناحية الدينية مثقفة جدا . قالت : مثلا ما هي الشهادة التي حازت عليها ؟ قال : السادس الاعدادي يا أماه وهو قدر يمكنها أن تفهم ما يفيدها في الحياتين .
قالت : ومن أية أسرة هي يا ترى ؟ قال : أنها ابنة بيت عرف بالأمانة والصلاح وقد أعطى عنه سمعة حسنة خيرة . قالت الأم : آه ، إذن فهي لا تنتمي إلى أسرة محترمة مرموقة ؟ قال : وما هو تأثير الأسرة المرموقة إذا كانت الفتاة ذات أخلاق غير صالحة وذات طابع غير محترم .
وهنا شاهد مقداد أن وجه أمه أخذ يكتسي طابع الصرامة شيئا فشيئا فاستعاذ بالله في سره من ذلك وأردف يقول في رفق : أن السعادة الزوجية لا تعتمد على المال والجاه


( 255 )


والمقام يا أماه ولكنها تنطلق من زاوية التقارب الروحي والفهم المشترك لحقيقة الحياة .
وهنا أجابت الأم بنغمة جافة قائلة : وما هي مهنة أبيها يا ترى ؟ قال : أنه بقال يا أماه . فشهقت الأم وقالت : بقال !!؟ قال : نعم ، ولكنه رجل صالح أنشأ جيلا خيّرا فاضلا من الأبناء وكوّن أسرة مؤمنة سعيدة ، فقطعت الأم كلامه قائلة في توتر واضح : وأنت . أنت ابن الأشراف . ابن المال والثراء وربيب الثقافة والعلم . أنت حامل أعلى شهادة بشبابك وجمالك تريد أن تقرن حياتك مع ابنة بقال ؟ يا للعار ! ثم تريد أن أكون أنا واسطتك في ذلك ؟ قال : ولكن ما هو رأيك لو كنت قد اخترت ابنة بائع مجوهرات ؟ قالت : إن ذلك يعد تاجرا وشتان بين البقال وبائع المجوهرات يا مقداد ! قال مقداد : ان الفرق يبرز من الناحية المالية فقط وإلا فإن هذا يبيع خاتما وذاك يبيع سكرا ، كلاهما عاملان في سبيل الكسب من أجل العيش . قالت : ولكن تصور ردود الفعل لدى أبيك وأخيك . قال : لن تكون أسوأ من ردود الفعل لديّ بالنسبة إلى اختيار أخي لزوجته وموافقتكم على ذلك مع أنها فتاة متحللة غير ملتزمة ، وعلى كل حال فإن هذه هي رغبتي وهو قراري النهائي ، فأما أن تقدمي أنت لأجل انجاز الموضوع أو استقل بنفسي في الأمر . قال مقداد هذا بأسلوب صارم جاد عرفت الأم منه أنه يعني ما يقول ، فضحكت في سخرية وقالت : وهي أن الموبضوع يحتاج إلى


( 256 )


إقدام وإنجاز ؟ إن أقل إشارة منك تجعلهم يقدمون لك ابنتهم بكل سرور . فهز مقداد رأسه في تشكيك وقال : إذن جربي لنرى . قالت : ما أعجب هذا ! أذهب لأخطب لابني ابنة بقال ؟ أي جمال تمتلكه هذه الفتاة جعلك ترغب فيها وتغمض عن كل شيء ؟ قال : اقسم لك يا أماه بأنني ما رأيتها من قبل . قالت : إذن فما يدريك ولعلها قبيحة ؟ قال : لا ، أنا أعلم بأنها ليست هكذا ، ومع وجود الفضائل التي تتحلى بها لا تعود درجة الجمال تهمني يا أماه . قالت : أما والله أن عجبي لا ينقضي منك يا مقداد ! ولكن بأي وجه سوف تقابل أباك وأنت تحمل معك هذا الاقتراح ؟ قال : بالوجه الذي أُقابل به ربي يا أماه ، ولكنني أرجو منك أن لا تقفي ضدي وأن تساعديني ما وسعك ذلك ...

***


وفي صباح اليوم التالي فاتح مقداد والده في الموضوع ، وصادف من أبيه ثورة صاخبة أيضا ، ولكنه أصر على رأيه وأوضح لهم أن هذا أمر يجب أن يكون وأنه مصمم على إبرامه بأي شكل من الأشكال ، وأنه هو وحده صاحب الأمر فيه لأنه يخصه هو بالذات ، وقد وقفت الأم موقفا حياديا خفف من حدة التوتر ، وأخيرا خضع الأب لما يمليه مقداد على مضض ، فتوجه مقداد نحو أمه يطلب منها أن تذهب لاجراء مراسم الخطوبة وأن تحاول تذليل الأمر بأي صورة ،


( 257 )


قالت : أنني ذاهبة استجابة لأمرك يا بني ولكنني لا احتمل أن الموضوع يحتاج إلى تذليل وتمهيد ، فمن الذي تتقدم أنت لخطبة ابنته فيمتنع عن إعطائك يا بني ؟.
وعند العصر استصحبت الأم معها أكبر بناتها وألينهن جانبا وتوجهت إلى بيت العروس ، وفي الطريق استفسرت البنت من أمها عن اسم هذه الفتاة التي هما ذاهبتان لخطبتها فقالت الأم : أنا لم أشأ أن أسأله عن اسمها ، ولكنني أتوقع أن يكون : نهاية ، أو عطية ، فهل هي إلا ابنة بقال ؟ وعندما تقدمتا نحو الباب وطرقتاه كانتا تستشعران حالة ترقب وقلق خفية ، وفتحت الباب لهما فتاة صغيرة السن صبيحة الوجه بادية الجمال بشكل جعلهما تستشعران بمفاجأة غير متوقعة ، ورحبت بهما الفتاة وإن كان الاستغراب قد خالط نظرتها ، ثم قادتهما إلى غرفة الاستقبال وذهبت لاستدعاء امها ، وكانت الأم أمرأة وسط ، لا بالسمينة ، ولا بالضعيفة ، عليها مسحة من ملاحة وطيبة وقد رحبت بالزائرتين وجلست قبالهما وهي تنتظر منها ما يكشف عن طبيعة الزيارة ، وبعد تبادل بعض كلمات شكيلة قالت أم مقداد : ما تكون منك هذه الفتاة التي فتحت لنا الباب ؟ فابتسمت الأم وقالت : أنها ابنتي أفنان ، فرددت الأخت الاسم في نبرة إعجاب قائلة : أفنان ، يا له من اسم بديع ! وأردفت أم مقداد تقول : وهل عندك بنت غيرها ؟ قالت : لا ، فهي وحيدتي . فظهر على وجه أم مقداد وأخته السرور لأنهما عرفتا أن تلك الفتاة الجميلة كانت هي العروس


( 258 )


المطلوبة . وقبل أن تتحدث أم مقداد بشيء دخلت الفتاة من جديد وهي تحمل بيدها أكواب القهوة ، وبعد أن انتهت من تقديمها جلست فترة قصيرة دارت خلالها بعض الأحاديث بينها وبين الأم والأخت فكان أن انجذبتا نحوها بشكل فريد بعد أن حازت على إعجابهما بشكل كامل ، وبعد أن جمعت أكواب القهوة وغادرت الغرفة تكلمت أم مقداد فقالت : لقد دفعتنا غاية مباركة لزيارتكم اليوم يا أم أفنان ، ثم اندفعت تتحدث عن رغبتهم في المصاهرة وإعجابهم بالفتاة ، وكانت تتحدث بحرارة واندفاع يختلف مع ما كانت عليه قبل أن تدخل البيت وترى أفنان ، وتحدثت عن ابنها بكل إعجاب وذكرت عنه كل ما يميزه في نظرها ، من الشباب والجمال والشهادة والمال ، ولكنها غفلت عن التعرض إلى ناحية واحدة هي أهم ما في الأمر بالنسبة إلى أم أفنان وهي ناحية دينه وإيمانه ، ولهذا فقد فوجئت بما لم تكن تتوقعه من قبل إذ أن الأم أجابتها بلهجة مهذبة قائلة : ولكن مما يؤسفني أن أقول أن هذا الأمر من العسير تحقيقه ولعله في حكم المحال . فرددت الأم كلماتها الأخيرة قائلة : في حكم المحال ، ولماذا ؟ فابتسمت تلك وقالت : ان ابنتي لا تزال صغيرة . قالت أم مقداد : ولكنها ليست صغيرة جدا ، أنها في سن النضوج الكامل . قالت الأم : ولكن هناك عقبات كثيرة ولا حاجة بنا لذكرها في الوقت الحاضر . قالت أم مقداد : ولكن عليك أن تراجعي الأب وتتعرفي على رأي البنت فليس لك أن تبتي


( 259 )


بهذا الموضوع وحدك يا أم أفنان . قالت : لا أظن أن رأيها سوف يختلف عن رأيي . قالت أم مقداد : إذن ؟ قالت : إذن فأنا أعتذر وأتمنى لابنك أن يجد الفتاة التي تلائمه من جميع الوجوه . فظهر الألم على وجه أم مقداد وقالت : ولكن يبدو أن ابنتكم هي جد ملائمة لابننا وهذا هو الذي دفعنا إلى طلب يدها مع كثرة من حولنا من البنات ، ويا حبذا لو فسرت لنا سبب هذا الرفض البات وبهذه السرعة قبل أن تحاولي الاستفسار عن الولد أو الاستشارة من الآخرين . فتململت الأم ثم قالت : أنني لا أملك إلا بنتاً واحدة ولهذا فإن من واجبي أن أؤمن مستقبلها في حياتها الزوجية . قالت أم مقداد : ولكنني أوضحت لك أن ابننا جدير بإسعاد مستقبل ابنتك فهو متمكن من الناحية المالية بشكل كامل . قالت الأم : ان هذا ليس بالشيء المهم في نظري فإن المال لا يجلب السعادة ولا يطرد الشقاء . قالت : إذن أنها الشهادة وقد أخبرتك أنه يحمل شهادة عالية محترمة ، انه مهندس . نعم مهندس . وقد رددت أم مقداد كلماتها الأخيرة بشيء من الفخر والاعتزاز وكانت تتوقع أن تجد آثارها على وجه أم أفنان ، ولكن راعها أن تجد تلك تهز رأسها في عدم اهتمام ، ثم قالت : وهل أنني سوف أزوج ابنتي من أجل الشهادة ؟ أن الشهادة لا تزيد من الكفاءة الزوجية ولا تنقص منها . فاحتارت أم مقداد وتجردت من جميع أفكارها التي كانت تعيشها من قبل وشعرت أنها صاحبة حاجة ضعيفة أمام


( 260 )


إنسانة قوية متمكنة من الموقف ، وتساءلت في حيرة : إذن ما هي القواعد التي تؤمّن مستقبل ابنتك في نظرك يا ترى ؟ قالت : أن الأم عندما تتقدم لكي تخطب لابنها لا بد وأن تذكر أهم ما يميزه ولكنك لم تتعرضي لشيء من ذلك ولم تشيري إليه من قريب أو بعيد . قالت أم مقداد في استغراب : ماذا تعنين يا أم أفنان ؟ قالت : إن ابنتي فتاة مؤمنة لا تختار ولا نختار لها إلا الزوج المؤمن الصالح الذي يساعدها على التمسك بآداب الاسلام وأحكامه ، وأنت لم تذكري عن ابنك ما يدل على إيمانه ، ثم أن ابنتي محجبة ولعل ابنكم يريد عروسا تتماشى مع أخواته ومحيطه الخاص . وهنا أطلقت أم مقداد ضحكة عالية وقالت : نعم أنك على حق وقد فاتني أن أتحدث عن هذه الناحية لأنني كنت أتوقعها غير مهمة . قالت الأم : ولكنها بالنسبة لنا مهمة جدا . قالت أم مقداد : إذن فكوني على ثقة أن ابني هو أجدر ما يكون بابنتك لأنه شاب مؤمن صالح يصلي ويصوم ويفتش عن عروس محجبة . وهنا تبدلت تعابير وجه الأم وظهر على نظراتها الاهتمام لأول مرة ثم قالت : إذن لماذا لم تذكري ذلك منذ البداية ؟ قالت : لم يكن يخيل إليّ أن ابني مع جميع ما يميزه يفتقر إلى ذكر هذه الناحية بالذات ، أما الآن وقد عرفت عنه ذلك فماذا ترين ؟ واعلمي بأن وضعي الخارجي ووضع ابنتي لا يمثلان ذوق ابني ولا ينسجمان مع أفكاره وآرائه . قالت الأم في رصانة : إذن تفضلي واذكري الاسم الكامل


( 261 )


لكي نحاول أن نسأل عنه بشكل أوسع . قالت أم مقداد : نعم أن لك الحق في ذلك . ثم قدمت لها الاسم والعنوان بشكل مفصل وخرجت على أن تعود بعد اسبوع لتتعرف على قرارهم الأخير .

***


وفي البيت كانت مشاعر انتظار متناقضة ، مقداد ينتظر في لهفة ، والأب ينتظر في تبرم ، والأخت تنتظر في استخفاف . وما أن دخلت الأم حتى طالعتها نظرات الاستفهام فجلست فترة دون أن تعطي أي إشارة ثم قالت : أما والله أنها لعجيبة ! وسكتت ، فبادرها مقداد في السؤال قائلا : وما هو العجيب يا أماه ؟ هل حدث ما يريب ؟ قالت : لقد حدث ما لم أكن أتوقعه أبدا يا مقداد ! قال : آه أنهم رفضوا الموضوع إذاً يا أماه ...
وهنا قهقه الأب ضاحكاً في سخرية وقال : لكم أنت بسيط يا مقداد ! ابنة البقال ترفض خطبتك وأنت ابن الحسب والنسب ؟! ولم يكد يكمل جملته حتى استدارت الأم نحوه تقول في أسلوب جاد : ولكنهم بالفعل قد رفضوا ذلك يا أبا مقداد ! ففغر الأب فاه في استغراب وقال : رفضوا ؟ قالت : نعم . وهنا تساءل مقداد في لهفة : وماذا كان السبب ؟ قالت : لأنهم لا يعرفوا شيئا عن إيمانك يا بني وقد حدثتهم بجميع صفاتك وغفلت عن هذا الأمر ؛ ويبدو أنه كان في مظهري


( 262 )


ومظهر أختك التي كانت معي ما جعل الأم تزهد بإعطاء ابنتها إلينا ، لأنها على حد تعبيرها مؤمنة ملتزمة .
وإلى هنا سكتت الأم تنتظر من ابنها الاستزادة فقال مقداد : وأخيراً ؟ قالت : وأخيراً عرفت أسباب الرفض فأفهمتهم بأنك انسان مؤمن وعند ذلك فقط دخلت الأم في مرحلة التفكير بالأمر وقد أعطيتهم الاسم والعنوان من أجل الاستفسار ، ولكن إذا أردت الحقيقة يا بني قد فوجئت بموقفهم هذا ورأيت نفسي منقادة لأن أحترم قوة الايمان الموجودة لديهم بشكل لم تخضعهم لاغراء الأسماء والألقاب والأموال والشهادات . وما كادت الأم تنتهي من كلماتها الأخيرة حتى قال الأب : وهل رأيت الفتاة يا أم مقداد وكيف كانت ؟ فتضاحكت الأم وهي تنظر إلى مقداد بطرف خفي ثم قالت : أما هي فرائعة إلى حد بعيد ، جميلة ، ومهذبة ، ومحبوبة وعلى العموم فأن مقداد كما يبدو يعرف كيف يختار .
وبعد مضي أسبوع حصلت الموافقة من قبل أهل أفنان وتمّ عقد الزواج في جو هانيء سعيد .


 

صافرة إنذار

 

عاد عبد الحكيم إلى البيت ليجد أن زوجته إقبال لا تزال خارج الدار فجلس ينتظرها وهو يلاعب أطفاله تارة ويقرأ في كتاب تارة أخرى وحوالي الساعة العاشرة عادت إقبال ، فوجدها في أروع حلة وأبرز زينة على عادتها في التزام الأناقة ، ولكنها لم تمهله لكي يمتع نظره بمظهرها الجذاب إذ اتجهت إلى غرفتها وتخلصت هناك من وسائل التصنع فبرزت حقيقتها أقل جمالاً وأكثر نعومة وأنوثة . ولاحظ عبد الحكيم أن إقبال لديها ما تقوله له تتحبب إليه بشكل لا يحدث إلا في الحالات التي تسبق لها طلب أو حاجة ، وبعد أن استسلم الأطفال للنوم قالت إقبال : أنك لم تسألني عن زيارتي عصر هذا اليوم ، فابتسم عبد الحكيم واستعاذ في سره من هذه المقدمة ثم قال أرجوأن تكوني قد حصلت على بعض المتعة والراحة ؟ فاندفعت تقول وكأنها تتحدث عن الفردوس الموعود ، يا لله كم كانت الجلسة رائعة والحديقة واسعة والبيت فخم والتقديم محترم جدا وقد كانت أحدث ( باروكة ) هي باروكة صديقتي حياة وأغلى بدلة هي بدلة أم نعمان زوجة الدكتور عاصم آه كم كانت جميلة ومحترم وكم كانت بارزة مقدرة . نعم جداً جداً فضحك عبد الحكيم في ألم وتساءل من أم نعمان أم البدلة ؟ قالت لا أنها البدلة يا عبد الحكيم ، وقال وأم نعمان ماذا كان دورها يا ترى ؟ قالت وكأنها لا تريد أن تفسح له مجالا للحديث : ولكنني كنت خجلانة جدا بشكل لم أتمكن معه أن استشعر الأنس والسرور . فاستعاذ عبد الحكيم


( 266 )


بالله من جديد وحدث نفسه قائلا : هذه هي البداية والله يستر من النهاية . وسكت فلم يعقب ، قالت أراك غير مهتم بأمري يا عبد الحكيم أتراني هنت عليك إلى هذا الحد ؟ فها أنت إذا لم تحاول أن تتعرف على أسباب خجلي كأنني غريبة عنك . قالت هذا وكادت أن تستعبر باكية ، فحدث نفسه قائلاً : ان أمري لله الواحد القهار لو تأخرت عن سؤالها لحظة لقامت هنا مناحة . ثم أردف يقول : كيف يخيل إليك هذا يا إقبال ؟ ألست أنت زوجتي وأم أولادي ولكنني غفلت عن السؤال فسامحيني على ذلك والآن أي شيء بعث الخجل في نفسك يا عزيزتي ؟ أرجو أن لا تكون بدلتك الجديدة ؟ قالت : لا فهي وإن كانت أقل من بدلة أم نعمان ولكن يمكن التعويض عنها في المستقبل وإنما الموضوع هو موضوع تجديد اليوم الذي استقبل فيه الزائرات لقد مر زمن طويل دون أن أخصص يوما للاستقبال فماذا عساهن أن يفسرن ذلك إلا العجز المالي والمعنوي نعم أنهن سوف يظنن أن زوجي انسان بخيل غير عارف بقواعد المجتمع وهذا ما يؤلمني جدا ، نعم أنه يؤلمني من أجلك يا عبد الحكيم لأنك انسان ممتاز فإن من المؤسف أن تؤخذ عنك فكرة خاطئة وأنت كما أعرفك أروع زوج وأحسن رب أسرة فابتسم عبد الحكيم وقال : أنا جد شاكر لك عواطفك يا إقبال والآن ؟ قالت والآن أليس اليوم هو الخامس من الشهر ؟ قال : نعم . قالت : إذن فإن في إمكاني تعيين يوم للاستقبال ما دمت تتمكن من ذلك ، ولكن


( 267 )


وكأنك في حديثك عن اليوم الموعود تتحدثين عن فتح جديد يحتاج إلى اعداد مالي هائل ، فتضاحكت في دلال وقالت : لا أن الأمر ليس كما تظن يا عزيزي ولكنه قد يكلف ، يكلف ، وبقيت حائرة تردد كلمة يكلف . ولا تدري بماذا تعقب فقال لها مشجعاً : عشرة دنانير مثلا ؟ فأعادت كلامه بلهجة استغراب قائلة : عشرة دناينر ! لا أنها قليلة . قال : خمسة عشر ديناراً ؟ أجابت في تردد أو أكثر بقليل . فهز رأسه في ألم وتأفأف قائلا : ولكن كم هو عجيب طلبك هذا يا إقبال كيف سوف نتمكن أن نقضي البقية من الشهر بعد ذلك وقد أخذت من راتبي قسطا وافرا من اليوم الأول من الشهر لأجل أجرة الخياط وشراء الحذاء والجنطة . والآن تريدين أن تستهلكي أكثره في يومك الموعود فكيف سوف أتمكن أن أوفر الحاجيات الأخرى حتى نهاية الشهر ؟ قالت : يمكنك أن تستقرض لذلك من أحد الأصدقاء . قال : ألا يكفيني ما تحملته من ديون حتى أضيف إليها رقما جديداً ؟ ولأجل أي شيء ؟ لأجل أن تحدد زوجتي يوماً لاستقبال الزائرات . قالت : آه ان ظني لم يكذبني إذا . فها أنت ذا أصبحت تهمل أمري بشكل واضح لم يكن ليخطر لي من قبل ، ما أتعسني وما أشقاني إن أصبحت أنا ربيبة الترف والدلال غير قادرة على تعيين موعد للاستقبال ، كيف سوف أتمكن أن أواجه أهلي وعشرتي كيف سوف أتمكن أن أنظر إلى المجتمع بعيني ؟ إن ذلك يعني انعزالي عن المجتمع بشكل نهائي فإن من


( 268 )


المخجل أن أزور ولا أزار قالت هذا واندفعت تبكي بحرقة وحاول أن يقنعها بمنطق الواقع ولكنها أبت أن تستجيب قالت : إن ذلك يعرضني لأقسى الأمراض لأنني إذا لم أخرج من البيت يومين متتابعين أحس بانهيار عصبي وأفقد القدرة على تناول الطعام وبعد طويل نقاش وجدل خضع عبد الحكيم للأمر الواقع على مضض وتنازل مضطراً لما تمليه عليه زوجته.

***


واستعداداً لليوم الموعود بدأت إقبال توزع الأعمال بين أخواتها وصديقاتها ولما سألها زوجها عن طبيعة دورها وما تبقى لها من مهام بعد هذه الحملة من توزيع الأشغال على الأخريات ، قالت : أن علي أن أهيء البيت وأصف الكراسي !! وحان موعد الاستقبال وإقبال سادرة في تحقيق رغباتها بأي ثمن حتى ولو كان على حساب أعصاب زوجها وعواطفه تجاهها وكانت لا تنظر إلى ما هو أبعد من هذا اليوم ولا تحس بانعكاساته السيئة في حياتها الزوجية . وعند العصر حاولت أن ترتدي بدلة تزيد من تألقها واستعدت لاستقبال الضيوف وأرسلت بأطفالها إلى أمها وأقصت عبد الحكيم عن البيت قائلة له إياك أن تعود قبل الساعة العاشرة يا عزيزي لكي لا تكدر علينا جلستنا وسهرتنا السعيدة . ثم بدأ توافد الزائرات قبل الغروب بنصف ساعة . وكن جميعهن يتبارين


( 269 )


بأحدث أساليب الأناقة والمكياج ولم تكن تدخل واحدة منهن إلا وتستعرضها العيون فاحصة مدققة فتقول هذه : إن لون بدلتها غير مناسب . وتعلق تلك قائلة : كان من المفروض أن تكون أطول من هذا . وتتأفأف ثالثة وكأنها وجدت أمامها حالة شاذة وتهز رأسها في قنوط ثم تتمتم قائلة : لكم يزعجني هذا الانحراف بالذوق ! ما أبعد ملاءمة هذه التسريحة لوجهها . أف ، أسفي على الموضة كيف تبدو مشوهة . أنني أتحمل كل شيء ولا أتمكن أن أتحمل منظر تغاير الشكل مع المكياج . وكانت ترتفع من هنا وهناك بعض ضحكات رنانة لم تعرف حتى صاحبتها لماذا أطلقتها على هذا الشكل .
وفي حوالي الساعة الثامنة اكتمل ، فنشطت إقبال مع بعض صويحباتها لاعداد ما يستلزمه التقديم ، فوزعت الصحون والملاعق والسكاكين بانتظار ما يشغلها من مقليات ومحشيات وفطائر ومعجنات . وفي تلك اللحظة رن جرس التلفون وكانت المطلوبة إحدى الحاضرات ولم يكن في ذلك ما يثير لولا أنها عندما عادت كانت بادية الحيرة والاضطراب وأخذت تسأل عن صاحبة البيت التي كانت لا تزال في المطبخ ثم قالت : يعز عليّ أن أختصر الجلسة ولكن زوجي استدعاني إلى البيت لأنه سمع باحتمال وجود غارة وهمية تستدعي التعتيم ، ولهذا فإن من الراجح أن أعود إلى البيت في أسرع وقت . وما كادت تكمل جملتها حتى هاج جمعهن وماج ونسين في لحظة جميع قواعد الأتكيت في التزامه فلم يعد


( 270 )


يسمع منهن إلا : أين عباءتي ؟ أين جنطتي ؟ أن طريقي بعيد جداً . لا أدري هل أن أولادي في البيت أو خارجه ؟ الويل لي لو عارضني التعتيم في الطريق . ينبغي أن نذهب بسرعة . وكأنهن في غمرة اضطرابهن نسين صاحبة البيت التي حضرت مسرعة من المطبخ وقد استتفزتها الضجة ؛ فقد كن يتسابقن إلى الخروج تاركات ورائهن الصحون الفارغة تنتظر ، وصاحبة البيت حائرة لا تدري كيف تتصرف وهي تحاول أن تسكن من روعهن وتهدّيء من اندفاعهن ولكن دون جدوى . ولم تمض ربع ساعة حتى كان بيت إقبال خالياً إلا منها !! فاستدارت بعينيها وقد صعقتها الصدمة وأربكتها المفاجأة فلم تجد إلا الصحون الخالية والكراسي المبعثرة ، وتوجهت إلى المطبخ لتجد المآكل التي كلفتها الكثير من المال والعناء وحملتها المزيد من جميل المساعدات ، وجدتها مصفوفة في صحونها دون أن يلقي أحد عليها نظرة ، فهالها الأمر واستعرضت في فكرها جميع ما حملها هذا اليوم من مشاق مالية وروحية ، حتى أنه فتح بينها وبين زوجها فجوة لم تكن لتوجد لولاه . وكم كانت تعقد على يومها هذا من آمال في البروز وحب الظهور أمام المجتمع بالمظهر اللائق ، ولكن آمالها تنهار لمكالمة تلفونية واحدة ولم يسعها عند ذلك إلا أن تجلس فتبكي بمرارة ، ثم تذكرت موضوع الغارة الوهمية والتعتيم وتذكرت أن عبد الحكيم سوف لن يعود قبل العاشرة كما أكدت عليه هي من قبل ، ولهذا فهي سوف تبقى وحدها في البيت وخلال


( 271 )


العتمة ، وشغلتها فكرة الخوف إلى فترة عن فشل يومها وفكرت ، لعل عبد الحكيم سوف يسمع خبر الغارة فيعجل العودة إلى البيت ، وخرجت إلى الحديقة ولم تتمكن أن تقوم بأي عمل لأن الخوف كان قد استولى على مشاعرها فجلست فوق كرسي هناك تنتظر قدوم عبدالحكيم . وبعد فترة ألقت نظرة على ساعتها فوجدتها تشير إلى التاسعة ! إذن أين الغارة ، وأين التعميم ؟ وحاولت أن تخلع عنها البدلة ولكن الخوف كان يشلها عن كل عمل فلم تبرح مكانها حتى حانت الساعة العاشرة وليس هناك أي غارة أو تعتيم . وبعد الساعة العاشرة بدقائق رن جرس الباب فعرفت أن القادم هو عبد الحكيم فتوجهت لتفتح له الباب وهي لا تعرف كيف تتصرف من بعد هذا الفشل ، وقد ترددت لحظة قبل أن تفتح الباب ثم فتحته ويدها ترتجف فظهر من وراء الباب عبد الحكيم ، فحيته في ابتسامة حزينة فابتدرها قائلاً : هل يمكنني أن أدخل أم أنني جئت مبكراً ؟ فأطرقت برأسها إلى الأرض وقالت : ليتك كنت قد جئت من قبل ؛ تفضل فأنني وحدي هنا . فدخل إلى الحديقة وهو يستغرب من خلاء الدار بهذه السرعة ، ولكنه عندما شاهد الصحون النظيفة الفارغة وقف باهتاً والتفت نحو إقبال في تساؤل دون أن يقول شيئا ، فما كان منها إلا أن تندفع باكية وهي تقول : لا أدري كيف أفسر لك الموقف يا عبد الحكيم ، لقد خرجن قبل بداية التقديم وذلك من أجل الغارة الوهمية والتعتيم . وكانت إقبال تظن أن


( 272 )


هذا الخبر سوف يثير زوجها ولكنها وجدته على العكس من ذلك ، فقد ظهرت عليه بعض علامات الارتياح ثم قال : لطيف ! لطيف ! ولكن أي غارة وهمية هي هذه وأي تعتيم ؟ قالت : لقد اتصل زوج إحدى الزائرات معها تليفونياً وأخبرها بذلك وقد سبب هذا الخبر إثارة الفزع عند الاخريات . ولهذا ترى أنهن خرجن على هذا الشكل ، فقهقه عبد الحكيم ضاحكاً وهو يقول : ما هي إلا أكذوبة يا إقبال فهل أن من المعقول أن يكون هناك غارة وتعتيم من دون إخبار سابق ؟ والدليل على أنها محض أكذوبة هو عدم حصول أي غارة حتى الآن . فسكتت إقبال لحظة ثم قالت : نعم يبدو أنها كانت أكذوبة ولكن النتيجة كما ترى . قال : أرجو أن تكون النتيجة من صالحك يا إقبال وأتمنى أن يكون هذا اليوم قد أعطاك درساً تستفيدين منه في مستقبل أيامك القادمة . قالت : نعم أنه درس لا ينسى وسوف لن أعود لمثله أبداً ما دمت حية .

***


وفي صباح اليوم الثاني اتصلت معها صديقتها صاحبة المكالمة التليفونية التي أثارت المشكلة لتعتذر منها قائلة : يبدو أن ابني كان قد سقط من السلم وانكسرت يده نتيجة لذلك فأراد زوجي أن يستدعيني دون أن يثير في نفسي مشاعر القلق فاختلق موضوع الغارة والتعتيم ولكنني جد آسفة لما سببته لك من إزعاج . فأجابتها إقبال : لعل أن الموضوع في بدايته كان


( 273 )