|
بطولة
المرأة المسلمة
( 209 )
بسم الله
الرحمن الرحيم
بطولة المرأة وعلاقتها بالحضارة
قد
يكون أهم مايميز الاسلام في موقفه من المرأة عن غيره من المبادئ والنظم
التي عاشت قبله واستجدت بعده هو نظرته الانسانية الى المرأة والرجل على
السواء في كل تشريعاته ومفاهيمه ونظرته للمرأة بما هي انثى الى صف
نظرته للرجل بما هو ذكر فالاسلام حين ينظر الى الرجل بوصفه انساناً
وينظمه ويوجهه ينظر الى المرأة باعتبارها انساناً ايضاً ويساويها مع
الرجل على الصعيد الانساني في كل تنظيماته وتوجيهاته لانهما سواء في
كرامة الانسانية وحاجاتها ومتطلباتها . وأما حين ينظر الاسلام الى
المرأة بما هي انثى وينظم انوثتها ويوجهها ينظر في مقابل ذلك الى الرجل
باعتباره ذكرا ، ويفرض على كل منهما من الواجبات ويعطي لكل منها من
الحقوق ما يتفق مع طبيعته وفقاً لمبدأ تقسيم العمل بين افراد المجتمع ،
وتنشأ عن ذلك الفروق بين احكام المرأة وأحكام الرجل .
فمرد
الفرق ين أحكام المرأة واحكام الرجل الى تقدير
( 210 )
حاجات ومتطلبات الانوثة والذكورية ، وتحديد كل منهما وفقا لمقتضيات
طبيعته . أما في مجال التنظيم الذي يرتبط بانسانية الانسان فلا فرق فيه
بين المرأة والرجل ، لانهما في نظر الاسلام انسان على السواء . وقد
شرحنا هذه النظرة الانسانية للاسلام الى المرأة التي تساوي فيها الرجل
في كتاب ( المرأة مع النبي ) بكل تفصيل ، وقلنا ان الاسلام وحده هو
الذي نظر الى المرأة نظرة انسانية على قدم المساواة مع الرجل ، بينما
لم تنظر الحضارات الاخرى وحتى الحضارة الاوربية الحديثة الى المرأة الا
بوصفها انثى وتعبيرا عن المتعة والتسلية والموقف الحضاري لكل مجتمع من
المرأة ينعكس بدرجة كبيرة . وبقدر تغلغل تلك الحضارة على دور المرأة في
تاريخ ذلك المجتمع وطبيعة موقفها من الاحداث . فالمرأة في مجتمع يؤمن
بانسانية المرأة والرجل على السواء تمارس دورها الاجتماعي بوصفها
انسانة فتساهم مع الرجل في مختلف حقول البطولات الانسانية ، وتقدم أروع
النماذج في تلك الحقول نتيجة للاعتراف بمساواتها مع الرجل على الصعيد
الانساني . وعلى العكس من ذلك المرأة في مجتمع ينظر اليها بوصفها انثى
، قبل ان ينظر اليها بوصفها انسانة ، فانها تنكمش وفقاً لهذه النظرة ،
وتحرم من ممارسة اي دور بطولي على اساس انساني بل يرغمها المجتمع على
التعويض عن ذلك بمختلف ألوان الظهور على اساس انوثتها ، وما تعبر عنه
من متعة ولذة للرجل . ونجد خير مصداق لذلك في تاريخ المرأة التي عاشت
( 211 )
في كنف الاسلام ، وفي ظل مختلف الحضارات الاخرى فكان دورها ومختلف
بطولاتها تتكيف وفقا لطبيعة المبدأ ومفهومه الحضاري عنها . فقد عبرت في
ظل الاسلام عن انسانيتها أروع تعبير وأقامت بطولاتها على هذا الاساس ،
بينما لم تعبر في المجتمعات الاخرى اللااسلامية الا عن انوثتها ولم يتح
لها ان تقيم لها مجداً الى على اساس هذه الانوثة وبقدر ما فيها من
وسائل الاغراء للرجال لاعلى اساس انسانيتها وبقدر ما فيها من طاقات
الخير والاصلاح .
بطولة المرأة الاوربية القديمة :
ولنبدأ
أولاً بالمرأة اليونانية ، ففي اليونان مثلاً وهي أرقى الامم القديمة
حضارة وتمدناً في التاريخ القديم بذلت محاولات للارتفاع بالمرأة
اليونانية وانتشالها من حضيضها الذي كانت تعيشه في عصره البدائي القديم
. وفعلا فقد تمكنوا من ذلك ولكن على أي حساب وبأي دافع ؟ على حساب
تكوينها الجسماني ومظهرها الخلقي لاغير ، فتفننوا في نحت التماثيل
الفاضحة ونقش الصور المكشوفة وجعلوا من المرأة رمزاً للجمال والحب
والعشق ومصدراً للشهوات الحيوانية والاهواء الوحشية ، وبهذا فقد رفعوا
المرأة من وهدتها كانسانة ساقطة الى صورة خليعة وتمثال من البرونز ،
يركعون بين يديه اكباراً لنواحي الجمال التي يبرزونها فيه . وكان من
جراء جريهم وراء الشهوات الحسية ان تغلبت عليهم المادة ، وجرفهم تيار
( 212 )
الغرائز البوهيمية وسيطرت عليهم الاهواء الجامحة . وهذه العوامل هي
أقوى معول يهدم حضارة الامم ويحط من مكانتها في التاريخ . ولهذا فنحن
نرى المرأة اليونانية لا تذكر في التاريخ الا كصورة نقشتها ريشة مصور
او تمثال أبدعه فنان . نعم هذا كل ما تبقى للمرأة اليونانية لانها كانت
قد تسنمت المجد على حسابه ولسبب منه.
وقد
تسنم الرومانيون ذروة المجد والرقي بعد اليونان . وفي الرومان أيضاً
نلاحظ سلسلة الصعود والهبوط التي كانت تعيشها المرأة في الامة
الرومانية فقد كانت لعبة طيعة يتلاعب رجلها بها كما يشاء حتى في حياتها
في بعض الأحوال . وبالتدريج تضاءلت عند الرومان فكرتهم الوحشية على
المرأة بعد أن أخذوا يحاولون التقدم نحو المدينة والحضارة فحاولوا ان
يرفعوا من مكانة المرأة وان يجعلوا منها مخلوقة لها كيان في المجتمع
فماذا صنعوا وبأي شيء رفعوا من مكانة المراة عندهم ؟ وماذا كان دور
المرأة الرومانية في محاولة التمدن تلك : لا شيء غير تبجيل المومسات
وتقديس الشهوات واباحة النساء حتى أضحت بعض المؤسسات يتلاعبن بأحوال
الدولة وشؤونها وكانت بيوتهن نواد تضم كل متحضر ، ومتمدن . ولهذا فقد
عمت الفوضى الحيوانية من جراء ذلك واختل نظام الدولة وانحطت مكانتها
كأمة . وفعلا فقد ذوت دولة الرومان وتلاشت حضارتهم ولم يبق للمرأة
الرومانية من ذكر
( 213 )
في التاريخ سوى كونها انثى ساعدت على هدم حضارة امة .
بطولة المرأة الاوربية الحديثة :
ثم
جاءت اوربا المسيحية بعد ذلك فكان دورها فيها دوراً سلبياً على طول
الخط ، ولم تحاول هي أو لم يحاول علماء اوروبا المسيحية ومفكروها بان
يهيئوا للمرأة أي مجل تلعب فيه أو أي منفذ تنفذ منه الى زاوية التاريخ
، حتى جاءت أوروبا الجديدة فحاولت ان تنهض بالمرأة الاوروبية وان تجعل
منها عنصراً فعالاً في المجتمع ففتحت لها أبوابه لتلجه كما تشاء .
وولجته فعلا واحتلت مكانها في الى جوار الرجل ولكن لا لكونها انسانة
ذات كيان روحي مستقل بل لكونها اداة من ادوات تسلية الرجل الذي مَنّ
عليها بولوج المجتمع ، وفتح امامها مغاليقه . ثم حاولت اوروبا الجديدة
ان تتظاهر بمساواة المرأة مع الرجل في قوانينها ونظمها ، وتوصلت إلى ما
يبدو في ظاهره مساواة ، ولكن واقع مساواتهم هذه جاءت مختلفة عن حقيقة
المساواة ، فلم تبرح المرأة الأوربية خاضعة لنفوذ الرجل عليها في كل
المجالات وحتى فيما تملكه هي او فيما يحق لها التصرف فيه . وفي قبال
هذه المساواة الموهومة استنفذ الرجل منها كل ما يشاء دون قيد او شرط
واستعرضها كسلعة رخيصة بعد ان فقدت جميع مقومات انوثتها من عزة وكرامة
، وبعد ان خسرت شخصيتها كأنثى وكيانها كامرأة واختصر دورها في الحياة ،
على تحقيق رغبات الرجل ومتابعته فيما يتفنن
( 214 )
لها من اسباب الاناقة وما يهيئ لها من طرق الدعارة والاستهتار . هذا هو
في الواقع كل ما احرزته المرأة الأوروبية الحديثة وهذا كل ما تمثله
اليوم وما تذكر به في الغد يوم تشع الحقيقة في العالم . وهذا هو حال
المرأة في مجتمع ينظر اليها كأنثى لا كأنسانة .
( 215 )
بطولة المرأة المسلمة
أما
المرأة المسلمة فقط اعتمدت ببطولتها على انسانيتها فقد بعد ان تبوأت
مكانتها السامية في الاسلام على حسابها الخاص وعلى كونها انسانة كالرجل
المسلم وهو انسان لها ما له وعليها ما عليه وان اختلفت عنه بالوظائف
والتكاليف التي وزعت على البشر كل حسب ما تتطلبه فطرته ويقتضيه تكوينه
. ولهذا ولكونها في الصعيد العام انسانة كالرجل برزت شخصيتها لامعة
وضاءة وسجلت لها في التاريخ ذكراً عطراً كأروع ما تسجله انسانة مستقلة
لها عقيدتها ورسالتها السماوية . وقد عرفت المرأة المسلمة قيمة النصر
الذي احرزته والمستوى الرفيع الذي ارتقت اليه بعد ان قضت عصوراً عاشتها
وهي في مهملات التاريخ ، ولهذا فقد سعت جاهدة للعمل على اثبات كفاءتها
لذلك . وكان في كثرة النساء المبادرات للإسلام أصدق دليل على ما حمله
الاسلام للمرأة المسلمة من خير وصلاح ، وما هيأ لها من محل رفيع ،
وفعلاً فقد سجلت المرأة المسلمة في التاريخ الاسلامي أروع صفحات كتبتها
بالتضحية والفداء ، وخطتها بدماء الآباء
( 216 )
والابناء بعد أن أكد الاسلام على اعتبارها في الصعيد الانساني كأخيها
الرجل لا أكثر ولا أقل فكما أن بطولة الرجل المسلم كانت في مجالين وفي
اتجاهين في مجال التضحية والجهاد وفي مجال حمل فكرة الدعوة ، كانت
بطولة المرأة المسلمة أيضا في المجالين مجال التضحية والفداء ومجال حمل
فكرة الدعوة . وفي كلا الصعيدين كانت تعمل كانسانة لا كانثى .
بطولة المرأة في ميدان حمل الدعوة :
أما
في ميدان حمل الدعوة فقد شهدت المرأة المسلمة في صدر الاسلام الحروب
والوقعات وجهدت على أن تبرهن بمواقفها البطولية تلك كونها تعمل للاسلام
على أساس من انسانيتها . التي أقرها لها الاسلام ولها الحق في الدفاع
عن الرسالة التي تدين بها . وتاريخ المرأة المسلمة يحدثنا عن بطلات
ضاهين في بطولتهن الرجال واقتحمن لظى الحروب غير هيابات ولا وجلات .
وهذه احداهن وهي نسيبة بنت كعب بن عمر بن عوف الانصارية وقد كانت سيدة
جليلة القدر كبيرة القلب عالية الهمة رفيعة الروح ، وقد اسلمت في اوائل
من اسلم وما ان خرج زوجها غزية بن عمرو وابناها حبيب وعبد الله الى
أُحد حتى خرجت معهم متطوعة مختارة وفي أُحد كانت تقوم بفعاليات مهمة
فهي تسقي العطشى وتداوي الجرحى وتطبب المرضى . وفي مرة خرجت في اول
النهار كعادتها لتسقي جرحى الحرب من المسلمين فانتهى بها
( 217 )
المطاف الى رسول الله وهو في اصحابه والنصر للمسلمين ، فلما أنهت
مهمتها وعادت لاحظت ان النصر قد جانب المسلمين فانحازت الى رسول الله ،
فلما انهزم المسلمون أخذت بالسيف وجعلت ترمي بالقوس بين يدي رسول الله
حتى وصلت اليها الجراح وذلك لما ولى الناس عن رسول الله ، وقد اقبل ابن
قميئة وهو يصيح دلوني على محمد فلا نجوت ان نجا ، فاعترض له مصعب بن
عمير وناس معه وقد كانت نسيبة ام عمارة فيهم فضربها وضربته على ذلك
ضربات ولكنها لم تصبه لانه كان قد تدرع بدرعين من حديد . وقد حدثت
نسيبة عن وقعة أُحد فقالت : انكشف الناس عن رسول الله فما بقي إلا نفر
لا يتممون العشرة وأنا وابناي وزوجي بين يديه نذب عنه والناس يمرون
منهزمين. ورآني رسول الله لاترس معي فرأى رجلا موليا ومعه ترس فقال
لصاحب الترس : الق ترسك الى من يقاتل فالقى ترسه فأخذته وجعلت أتترس به
عن رسول الله . هذا ما روته أم عمارة عن موقفها في أحد وعن موقف الرسول
منها واهتمامه بأمرها وهي تذود عنه مع القلة من الرجال وقد استمرت
نسيبة بمهمتها تداوي وتطبب وتقاتل عندما تدعو الحاجة الى ذلك ، حتى جرح
ابنها عبيد بن زيد وجعل دمه يسيل وهي لاهية عنه بقتال الاعداء حتى نادى
رسول الله ابنها فقال : اعصب جرحك فتنبهت الى ابنها واقبلت اليه ومعها
عصائب قد اعدتها للجراح فربطت جرحه والنبي واقف ينظر اليها .
( 218 )
ثم قالت لابنها بعد ان انتهت من تضميد جراحه انهض يابني فضارب القوم
فجعل النبي يقول : ومن يطيق ما تطيق أم عمارة ثم اقبل الرجل الذي ضرب
ابنها فقال رسول الله هذا ضارب ابنك قالت نسيبة فاعترضت له فضربت ساقه
فبرك قالت فرأيت رسول الله يبتسم حتى رايت نواذجه وقال استقدت يا أم
عمارة ثم اقبلوا يعلونه بالسلاح حتى أتوا على نفسه فقال النبي الحمد
لله الذي ظفرك وأقر عينك من عدوك وأراك ثأرك بعينك . وفي رواية ان رسول
الله كان يقول : لمقام نسيبة يوم خيبر خير من مقام فلان فلان . وكان
الرسول يراها يوم أُحد وهي تستبسل بالجهاد وقد شدت ثوبها ومئزرها على
وسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحاً وكان رسول الله يذكر شجاعتها ويقول اني
لأنظر الى ابن قميئة وهو يضربها على عاتقها . وكان اعظم جراحها وقد
داوته سنة ولم يمنعها جراحها هذا عن السعي الى خوض غمار الحرب عندما
نادى رسول الله الى حمراء الأسد فشدت عليها ثيابها فما استطاعت من نزف
الدم وأعياها الخروج فباتت ليلتها وهي تداوي جراحاتها المتعددة . فلما
رجع رسول الله من الحمراء ارسل اليها عبيد الله بن كعب المازني يسأل
عنها فرجع اليه بخبر سلامتها ففرح بذلك ، وكأنه كان قد افتقد مكانها مع
المجاهدين هناك فأراد ان يطمئن على سلامتها وان يشجعها ويرفع من
معنوياتها وان يبين لها أن قلبه الكبير ورسالته السماوية تتسعان لكل من
نذر قلبه للاسلام ، وانها بجهادها
( 219 )
ذاك حازت عند ربها درجة المجاهدين الابرار . وقد روي عن الرسول انه قال
يوم أُحد ما التفت يمينا ولا شمالاً الا وأنا أراها تقاتل دوني . هذه
هي نسبية في صدر الاسلام وهذه آيات بطولتها وجهادها بين يدي رسول الله
(ص) وهي مندفعة وراء عقيدتها الخالصة وهذا هو موقف الرسول الاعظم من
المرأة المسلمة وحتى بعد الرسول لم تكن جذوة الحماس الديني لتخمد في
صدر نسيبة وقد أضاءها في جوانحها رسول الله ورسالته الخالدة فقد شهدت
قتال مسيلمة باليمامة وتطوعت للجهاد وللدفاع عن العقيدة الاسلامية
وأبلت في تلك الوقعة بلاءً حسناً وجرحت أحد عشر جرحاً وافتقدت يدها في
تلك الوقعة كما فقدت ولدها أيضاً وهي صابرة محتسبة لم تهن ولم تنكل
وأنى لها ان تنكل او تتراجع وهي التي واكبت سير الرسالة منذ فجرها
الاول ونذرت نفسها لقضيتها العادلة منذ شهدت بيعة الرضوان مع القلائل
الذين شهدوها وهي التي روي عنها انها أتت النبي فقالت ما أرى كل شيء
الا للرجال وما ارى النساء يذكرون فكان ان نزلت الآية الكريمة «
ان
المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الى آخر الآية
» وبهذا
اثبتت ان للمرأة المسلمة في الاسلام شأناً ومقاماً ينص عليه القرآن
الكريم وما كانت نسيبة لتندفع هذا الاندفاع الثوري وتقوم بهذه التضحيات
الجسام لو لم يقر لها الاسلام حقوقها كاملة في الحياة ولو لم يساو
بينها وبين الرجل على صعيد انساني واحد
( 220 )
ولو لم يخلق لها الاسلام الجو الذي مكنها من أن تلعب دورها البطولي فيه
على اساس انساني فنسيبة امرأة ونساء قريش نساء أيضاً ولكل من نسيبة
المسلمة والمرأة القريشية الكافرة قلب امرأة وعاطفة انثى ومع هذا فقد
خرجن القريشيات الى القتال مع أزواجهن ليضربن الدفوف ويذكين فيهم
الاحقاد ويحملن مراود ومكاحل فاذا تكعكع أحدهم ناولنه اياها وقلن له
أنت امرأة . خرجت نسيبة المسلمة وغيرها من المسلمات ليقاتلن ويطببن
ويداوين ويثبتن حين يفر الرجال وقد روت ام عمارة عنهن قالت رأيتهن يوم
أحد وقد ولين منهزمات مشمرات وهن يتبعن الرجال المنهزمين على الخيول
على اقدامهن فيسقطن في الطريق فأي روح هذه التي جعلت من نسيبة داعية
مسلمة تقاتل مع النبي حتى تجرح وتقاتل بعده حتى تقطع يدها وجعلت نساء
قريش يضربن الدفوف ثم يولين الادبار منهزمات انها روح الاسلام وما يهبه
للمسلمات من معنويات عالية . أعلى الله مقام أم عمارة ورزقها الخلد
موئلاً ومقاماً وجعلنا ممن يقتفين آثارها ويهتدي بهداها وجعل من
المجتمع الاسلامي الحاضر مجتمعاً اسلامياً واقعياً يمكن المرأة المسلمة
الواقعية من القيام بمهمتها كمسلمة وجعل المسلمات كامهاتهن في مطلع
الاسلام جديرات بتحمل مسؤولية الدعوة للاسلام والحفاظ عليها . وهذه
بطلة ثانية وهي نسيبة بنت الحارث الانصارية وكانت تعد من فواضل نساء
عصرها ومن خيرة نساء الصحابة ، وقد غزت مع رسول الله في أكثر
( 221 )
غزواته تمرض وتداوي وتقوم برسالتها كمسلمة على أروع وجه وأبهاه . وكان
تمريض مرضى الحرب وتطبيق جرحاه يعد في ذلك العصر الذي لم تكن وسائل
العلاج المستحدثة موجودة فيه يعد ضرورة من أهم ضرورات الحرب ومقوم من
مقومات انتصارها وصمودها أمام الاعداء ، فلولا وجود المطبب والمداوي
لتلاشى الجيش ولا نشغل كل جندي بأخيه وبصديقه ورفيقه . ولهذا فقد أسهم
لها رسول الله سهم رجل تقديراً منه لموقفها البطولي وتشجيعهاً لها
ولغيرها من المسلمات على مساندة الدعوة والقيام بما يقوين عليه من
أعمال وتضحيات . فالاسلام لايريد ان يعزل المرأة المسلمة عن الدعوة ولا
يريد ان يقعد بها عن مواكبة سير الرسالة وهو يعلم ان المرأة عضو فعال
في كل مجتمع ولا يمكن للمجتمع الاسلامي ان يعيش وقد شل أحد أعضائه
ولهذا فنحن نرى ان الرسول الاعظم كان يعني بالمتطوعات من المسلمات
ويسهم لهن رجل ... ومن النساء المسلمات اللواتي شهدن الوقعات مع رسول
الله يداوين ويطببن معاذة الغفارية وأم منيع بنت عمر بن عدي بن سنان
وهند بنت عمر بن حرام وأمية بنت قيس بن الصلت الغفارية وقد روي عن أمية
هذه ان قالت جئت رسول الله في نسوة من بني غفار فقلنا انا نريد ان نخرج
معك الى خيبر يارسول الله نداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا
فقال رسول الله على بركة الله قالت فخرجنا وقمنا بواجبنا في الجهاد نعم
هكذا كن النساء
المسلمات وقد حبب الاسلام اليهن الفداء وجعلهن يستهن بمصاعب الحرب
وأهواله وسعين اليها مندفعات غير هيابات ولا وجلات . وهكذا كان رسول
الله رؤوفاً بالمسلمات باراً بهن ، لا يرد لهن طلباً ولا يحط من
مكانتهن ولا يشعرهن بعجزهن فالمرأة انسانة كما أن الرجل انسان ولكل
انسان حقه الطبيعي في الدفاع عما لديه والذود عما يعتز فيه وبما ان
الاسلام هو اغلى شيء لدى المرأة المسلمة لم يشأ نبي الرحمة ان يحرمهن
من لذة الذود عنه ، فهن متطوعات مندفعات وراء حماسهن الديني .. وممن
شهدن الغزوات مع رسول الله ايضاً حمنة بنت جحش وهي من المهاجرات وقد
شهدت اُحد فكانت تسقي العطشى وتداوي الجرحى وبرزة بنت مسعود بن عمر
الثقفية وام زياد الاشجعية وهي سادسة ست نسوة خرجن يوم خيبر فبلغ ذلك
النبي فبعث اليهن فقال باذن من خرجتن فقلن له خرجنا ومعنا دواء نداوي
الجرحى ونناول السهام ونسقي السويق ونغرل الشعر ونعين في سبيل الله
فقال صلى الله عليه واله وسلم أقمن فلما فتح الله عليه خيبر قسم لهن
كما قسم للرجال وكذلك ام سليط وهي من فضليات نساء عصرها وقد حضرت مع
النبي اُحداً وكانت تزخر القرب للمجاهدين وتقوم على مداواة المرضى منهم
وام سنان الاسلمية وقد استأذنت الرسول عند خروجه الى خيبر فقالت يا
رسول الله أخرج معك في وجهك هذا أخرز السقاء ، وأداوي المرضى فأذن لها
رسول الله وقال اخرجي على بركة
( 223 )
الله تعالى فان لك صواحب قد كلمنني وأذنت لهن من قومك ومن غيرهم فان
شئت فمع قومك ، وان شئت معنا فقالت ام سنان معك يارسول الله فقال رسول
الله تكوني مع ام سلمة زوجتي فكانت وشهدت فتح خيبر كذلك ام الضحاك بنت
مسعود الانصارية وأم العلا الانصارية وكعبية بنت الاسلمية واُم سليم
بنت ملحان بن خالد وقد شهدت يوم أحد وسقت فيه العطش ، ودوات الجرحى ثم
شهدت يوم حنين وابلت فيه بلاء حسناً ، وكانت قد حزمت خنجراً على وسطها
وهي حامل يومئذ بعبد الله بن أبي طلحة فقال ابو طلحة يا رسول الله هذه
ام سليم معها خنجر ان دنا مني احد من المشركين بقرت به بطنه واقتل
هؤلاء الذين يفرون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك فانهم بذلك اهل
فقال لها رسول الله يا أم سليم ان الله قد كفى واحسن ...
أولاء
جميعهن وكثير من المسلمات كن يبذلن مهجهن رخيصة في سبيل المبدأ
والعقيدة وهن في ذلك غير ملزمات فالاسلام لم يفرض الجهاد على النساء
ولم يكلفهن بشيء منه رأفة بهن وحرصاً منه على فرز وظائفهن عن وطائف
الرجال وتفرغهن لما تدعوهن اليه طبيعتهن الانثوية ولهذا فنحن نرى أن
كثيراً من النساء المجاهدات كن يستأذن النبي في الجهاد ولا يخرجن بدون
أذن منه مع حرصهن الشديد على الخروج وكأن المرأة المسلمة كانت تتوق الى
ما كتب للرجل من أجر في الجهاد وتأسى لحرمانها منه فحاولت ان لا تدع
فرصة الجهاد
( 224 )
تفوفتها وهي الحريصة عليه ، فخرجت تطبب وتداوي ثم تضرب وتقاتل فقد كانت
المرأة في صدر الاسلام تأخذ الاسلام من منبعه الزاخر فتنطبع روحياتها
وعواطفها انطباعاً اسلامياً واقعياً فيهون لديها العزيز والغالي في
سبيل عقيدتها ومبدئها السماوي وتقدم الضحايا من الاخوة والابناء قريرة
فخورة ثم تحاول ان تقوم بنفسها أيضاً بدور ايجابي في معارك الحق مع
الباطل فتستأذن في شهود الغزوات وتشهدها فعلاً وتبلى فيها البلاء الحسن
ولم يكن موقفها ذاك الا بدافع من يقينها بالحق الذي هي عليه ، وثقتها
من أن النعيم السماوي سوف يضم من تفقده من الاعزاء والأحباء . هذا
اليقين الذي تغلب في المرأة المسلمة في صدر الاسلام على المشاعر
العاطفية التي يزخر بها قلب كل انثى فالتاريخ يحدثنا عن صفية بنت عبد
المطلب بن هاشم وهي زوجة العوام بن خويلد بن اسد وقد شهدت غزوة أحد
تطبب وتداوي فلما انهزم المسلمون قامت وبيدها رمح تضرب في وجوه القوم
وتقول انهزمتم عن رسول الله فلما رآها رسول الله قال لابنها الزبير بن
العوام القها فأرجعها لا ترى ما بشقيقها حمزة بن عبد المطلب فلقاها
الزبير فقال يا اماه ان رسول الله يأمرك ان ترجعي فردت عليه قائلة ولم
. فقد بلغني انه مثل بأخي وذلك في الله عز وجل قليل فلما أرضانا بما
كان من ذلك لأحتسبن ولأصبرن ان شاء الله تعالى فلما جاء الزبير رسول
الله واخبره بذلك قال خل سبيلها ، فأتت صفية أخاها حمزة
( 225 )
فنظرت اليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت له ولم تزد .. هذا كان هو رد
فعل مقتل حمزة رضوان الله عليه لدى اخته صفية لانها كانت مسلمة ، وكانت
على يقين راسخ من أن أخاها قد مضى على حق وقتل شهيداً في سبيل الذود عن
رسالة السماء فقالت كلمتها الخالدة ذلك في الله عز وجل قليل . وأي شيء
أشد هولا من أن ترى أخت صفية أخاها الشهيد حمزة وهو قتيل وقد مثلت فيه
آكلة الأكباد ولكن صفية ماذا كان موقفها من ذلك كله . هل نادت بالويل
والثبور ، هل جزعت وأقامت الدنيا صراخاً وعويلاً ، هل شتمت ولعنت
قاتليه ، هل أظهرت التبرم بالحرب هل وقفت موقف الانثى أم موقف الانسانة
، أبداً لم تقف موقف الانثى بل موقف الانسانة الصابرة صلت عليه
واسترجعت واستغفرت له ، فلم تكن صفية لتجزع من الحق أو تتبرم بما يفرضه
الاسلام ولكنها بكته ما دامت جاهدة مقروحة ومن رثائها له قولها :
فـو الله
لاأنسـاك ما هبت الصبا * بكاءا وحزنا محضري ومسيـري
فيا ليـت شلوي يوم داك واعظمي * لـدى أضبـع تقتادني ونســور
كما
ان موقف الخنساء بنت عمر بن الشريد من فقد أخويها قبل الاسلام واولادها
الاربعة بعد الاسلام يدل يوضوح على
( 226 )
الروحيات السامية التي كن يعشن بها النساء المسلمات في صدر الاسلام .
فقد فقدت الخنساء أخويها صخراً ومعاوية في عصر الجاهلية انتزعتهما منها
أيدٍ حاقدة وحزازات عصبية قبلية فأفرطت في الجزع لذلك ونظمت بهما
المراثي الطوال التي ضاهت بها أكابر الشعراء ودأبت على أن تشهد سوق
عكاظ في كل سنة على هودج مكلل بالسواد تنشد المراثي وتنعى أخويها
القتيلين وأشعارها في رثاء صخر تشير الى لوعتها المحمومة وصبرها الذائب
في أتون الحقد والضغينة ومما قالته في صخر راثية :
يؤرقنــي
التذكر حين امسي * ويردعني مع الاحــزان نكس
على صخر وأي فتى كصخر * ليوم كريهـة وطعان خلــس
فلـم أر مثلـه رزءا لجــن * ولـم أر مثلـه رزءا لانــس
إلا يـا صخر لا انساك حتى * أفارق مهجتـي ويشق رمسـي
ولولا كثرة الباكيــن حولي * على اخوانهـم لقتلــت نفسـي
يذكرني طلوع الشمس صخرا * وأذكـره بكـل غـروب شمس
( 227 )
وما يبكــون
مثـل أخي ولكن * أسلــي النفس عنـه بالتأســي
ومما
قالته في أخيها معاوية :
فأقسمت لا ينفك
دمعي وعولتي * عليــك بحزن ما دعا الله داعية
ثم
تمضي السنون والخنساء لا تنفك تبكي اخويها بمرارة وأسى ، حتى تشرق شمس
الاسلام فتسلم الخنساء مع من اسلم وهي لا تزال تبكي اخويها ليل نهار
حتى تتقرح اجفانها لذلك ، فيقال لها ما قرح مآقي عينيك فتقول بكائي على
السادات من مضر فيقال يا خنساء انهم في النار فتقول ذاك اطول لعويلي
عليهم كنت أبكي لصخر على الحياة وأنا اليوم أبكي له من النار ثم حضرت
حرب القادسية ومعها بنوها وهم أربعة فقالت لهم من أول الليل يا بني
اسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين ووالله الذي لا اله الا هو انكم بنو
أمرأة واحدة ما خنت اباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت
نسبكم وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب
الكافرين واعلموا ان الدار الباقية خير من الدار الفانية يقول الله
تعالى ( يا أيها
الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون
)
فاذا اصبحتم غداً ان شاء الله سالمين فاغدوا الى قتال عدوكم مستبصرين
وبالله على أعدائه مستنصرين فاذا
( 228 )
رأيتم الحرب وقد شمرت عن ساقها واضطرمت لظى على سياقها وجللت ناراً على
أوراقها فتيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا
بالغنم والكرامة في الخلد والمقامة .. وفعلاً فقد خرج أولادها الاربعة
واستبسلوا في القتال حتى قتل الواحد تلو الاخر فلما بلغها الخبر قالت
الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي ان يجمعني بهم في مستقر
رحمته ... هذا هو الاسلام وهذه هي روحياته المثلى التي تحبب الى الأم
شهادة ابنها وتهون لديها مصابها فيه وهذه هي المرأة المسلمة التي لعبت
دورها في المجتمع المسلم كانسانة وعلى حساب انسانيتها التي أقرها لها
الاسلام والتي اختصت بها المرأة المسلمة في ظل شريعة الاسلام دون غيرها
من النساء والامم غير الاسلامية فعندما شعرت المرأة المسلمة ان الاسلام
يحلها في مجتمعه المسلم محل الانسانة ذات الكيان الخاص رأت ان عليها ان
تثبت لها ذلك الكيان وان تبرهن في سلوكها عن جدارتها للمحل الذي أحلها
منه فخلدت لها في صفحات التاريخ أروع آيات البطولة والفداء وقد تمكنت
المرأة المسلمة في صدر الاسلام ان تبرهن على ذلك وتؤكده ويكفي المرأة
المسلمة فخراً موقف الحوراء زينب عندما قالت كلمتها المأثورة وهي على
جثمان أخيها الامام . اللهم تقبل منا هذا القربان ولم يكن فقيد الحوراء
كغيره ممن فقدته النساء ولم تكن مصيبته كغيرها من المصائب وهو الامام
والاخ والحبيب وبعد أن تقدمه الى الشهادة خيرة بني الاب والعم والاصحاب
( 229 )
والأنصار فأي عقيدة هذه التي دفعت الحوراء الى هذا الفداء والحوراء
انثى لها ما لدى كل انثى من رقة عاطفة ومشاعر حساسة ثم هي اخت وقد فقدت
في فقد أخيها ركنها الركين وحصنها الامين وريحانة ابويها وجدها العظيم
ثم هي ايضاً مسلمة وقد شاهدت قوى الظلم تبغي على الحق وتردي بضعة
النبوة والرسالة ولكن ومع كل هذا تقف على جثمان اخيها لتقول اللهم تقبل
منها هذا القربان يا الله ما أقدس قربانك يا بنت رسول الله وأسمى
معنوياتك يا عقيلة بني هاشم وما أروع هذا الفداء الذي افتديت به شريعة
جدك ورسالة السماء فركزت بذلك اركان الدعوة الاسلامية على مدى العصور
والأجيال .
بطولة المرأة في حمل الفكرة :
وأما
على صعيد حمل الفكرة ونشر الثقافة الاسلامية ومفاهيم الشريعة الجديدة
وأحكامها فما أكثر النساء اللواتي أخذن الاسلام من منبعه الزاخر فبشرن
به ودعون اليه بعد أن تعمقن في فهم الاسلام فكن مدارس اسلامية يروين عن
النبي ويروى عنهن .
وفي
طليعة الراويات عن النبي والناشرات لاحكام الاسلام الصديقة الطاهرة
فاطمة الزهراء صلوات الله عليها . فقد روت عن أبيها ، وروى عنها ابناها
الحسن والحسين ، وزوجها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ،
( 230 )
وعائشة وسلمى ام رافع ، وانس بن مالك ، وام سلمة ، وأرسلت عنها فاطمة
بنت الحسين وغيرها .
وروت
عن الرسول أيضاً أسماء بنت عميس الخثعمية وروت عنها أم جعفر واُم محمد
ابنتا محمد بن جعفر . وروت عن النبي أيضا اُم اسحاق بنت سليمان وروى
عنها محمد بن العباس بن الوليد عن ابيه عن أمه عن أم اسحق عن ابي
عبدالله . وممن روين عن النبي اسماء بنت يزيد بن السكن الانصارية .
وأسماء هذه كانت محدثة فاضلة ، ومجاهدة جليلة ، من ذوات العقل والدين
والخطابة ، حتى لقبوها بخطيبة النساء . وقد أتت النبي وهو في أصحابه
فقالت : بأبي وأمي انت يا رسول الله انا وافدة النساء ان الله عز وجل
بعثك الى الرجال والنساء كافة ، فآمنا بك وبالاهك وانا معشر النساء
محصورات مقصورات قواعد بيوتكم ومقضى شهواتكم وحاملات اولادكم وانكم
معشر الرجال فضلتم علينا بالجمع والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز
والحج بعد الحج وافضل من ذلك الجهاد في سبيل الله عز وجل ، فان الرجل
منكم اذا خرج حاجاً او مجاهداً حفظنا لكم اموالكم وربينا اولادكم افلا
نشارككم في هذا الاجر ؟ فالتفت النبي الى أصحابه بوجهه كله ثم قال :
سمعتم ما بمقالة أمرأة قط أحسن من مسألتها في امر دينها من هذه ؟
فقالوا يا رسول الله ما ظننا ان امرأة تهتدي الى مثل هذا . فالتفت
اليها وقال : افهمي ايتها المرأة واعلمي من خلفك من النساء
( 231 )
ان حسن تبعل المرأة لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك
كله . فانصرفت وهي تهلل . وقد روت اسماء بنت يزيد هذه 81 حديثاً عن
النبي . وروى عنها ابن اختها محمود بن عمر الانصاري ، وابو سفيان مولى
بني أحمد ، وعبد الرحمن بن ثابت الصامت الانصاري ، ومجاهد بن حبيب
وغيرهم .
وموقف
اسماء هذا يعطينا صورة واضحة عن مكانة المرأة في الاسلام ، وعن قوة
شخصيتها التي اكسبها اياها الاسلام ، وعن روحياتها السامية التي منحها
الاسلام اهم مقوماتها . وقد روت عن رسول الله ايضاً فاختة ام هاني بنت
ابي طالب . وقد روت 46 حديثا ، وروى عنها مولاها ابو مرة وابو صالح
بازام وابن ابنها جعدة المخزومي وابن يحيى بن جعفر وابن ابنها هارون
وعبدالله بن عياش وعبدالله بن الحارث بن نوفل وابنه عبدالله والشعبي
وعبد الرحمن عن ابي ليلى وعطاء وكريب وعروة بن الزبير ومحمد بن عقيبة
بن أبي مالك . وقد روت عن النبي أيضاً فاطمة بنت قيس بن خالد الاكبر بن
وهب القرشية الفهرية 34 حديثا ، وروى عنها القاسم بن محمد بن ابي بكر
بن ابي الجهم وابو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير
وعبدالله بن عبدالله بن عبيد بن مسعود والاسود بن زيد وسليمان بن يسار
وعبدالله البهي ومحمد بن عبد الرحمن بن ثابت وسحيم مولى فاطمة بنت قيس
وعائشة وام سلمة وغيرهم .
( 232 )
وكذلك
روت عن النبي أيضاً نسيبة بنت الحارث الانصارية وهي من نساء الصحابة ،
وقد روى عنها أنس بن مالك ومحمد بن سيرين وعبد الملك بن عمير وحفصة بن
سيرين واسماعيل بن عبدالرحمن بن عطية وام سراحيل ، ومن الروايات عن
النبي أيضاً اُم مبشر بنت البراء بن مقرور الانصارية ، وهي صحابية ،
روت عن النبي عشرة أحاديث ، وروى عنها جابر بن عبدالله الانصاري ومحمد
بن عبدالرحمن بن خلاد الانصاري ومجاهد بن جبير وقد روت عن النبي أيضاً
ميمونة بن الحارث بن حزن الهلالية أم المؤمنين وقد روت عن النبي ستة
وسبعين حديثاً ، وروى عنها ابن اختها عبدالله بن عباس وابن اختها
الاخرى يزيد إبن شداد بن الجهاد وإبن اختها عبدالرحمن بن السائب
الهلالي وابن أختها الاخرى يزيد بن الاصم وربيبها عبدالله الخولاني
ومولاتها ندبة ومولاها عطاء بن يسار ومولاها يسار وإبراهيم ابن السباق
وعبيدالله بن عتبة وغيرهم. وممن روين عن النبي أيضاً ميمونة بنت سعد
مولاة النبي وقد روى عنها أيوب بن خالد بن صفوان وطارق وعبدالرحمن
وهلال بن أبي هلال المدني وابو زيد الضبي وآمنة بنت عمر بن عبد العزيز
وزيارة بن أبي سورة وعثمان بن أبي سودة . ومن الروايات عن النبي (ص)
أيضاً أم سلمة أم المؤمنين ، وقد روت عن رسول الله وعن أبي سلمة وعن
فاطمة الزهراء 387 حديثاً ، وروى عنها ابناها عمرو زينت ابناً أبي سلمة
( 233 )
ابن عبد الاسد ومكاتبها نبهان واخواها عامر بن امية وابن اخيها مصعب بن
عبدالله بن امية ومولاها عبدالله بن رافع ونافع وسفينة وابو كثير وابن
سفينة وخيرة ام الحسن البصري ونعمان بن بشار واسامة بن زيد عن الحارثة
وهند بنت الحارث الفراسية وصفية بنت شببة وابو عثمان الهدى وحميد وابو
اسامة ابنا عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وابناه عكرمة وابو بكر وعثمان
بن عبدالله بن وهب وعروة بن الزبير وكريب مولى ابن عباس وقبيعة بن ذؤيب
ونافع مولى بني عمر ويعلى بن مملك وعبدالله بن عباس وعائشة وابو سعيد
الخدري وآخرون .
انظر
الى هذه المدرسة الاسلامية الحية التي كانت تتمثل في المسلمات العالمات
الفاهمات ، وانظر الى كفاءتهن لذلك بعد أن كانت المرأة قبل الاسلام
موؤدة وهي وليدة ومملوكة للرجل ، وهي امرأة ومشكوك في انسانيتها عند
مختلف الامم وفي شتى الشرائع والقوانين ولكن الاسلام والمرأة في ظل
شريعة الاسلام ارتفعت بكيانها وعلى حساب انسانيتها الى محل رفيع خولها
ان تكون راعية للرسالة السماوية وشارحة لأحكامها وآدابها . فالمرأة
المسلمة والرجل المسلم بالنسبة للرسالة والدعوة سواء ، فقد امتدت
اليهما معاً يد الاسلام لترفعهما من وهدة الجهل والضلال ، واشرقت
( 233 )
ابن عبد الاسد ومكاتبها نبهان واخوها عامر بن امية وابن اخيها مصعب بن
عبد الله بن امية ومولاها عبد الله بن رافع ونافع وسفينة وابو كثير
وابن سفينة وخيرة ام الحسن البصري ونعمان بن بشار واسامة بن زيد عن
الحارثة وهند بنت الحارث الفراسية وصفية بنت شببة وابو عثمان الهدى
وحميد وابو اسامة ابنا عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن المسيب وابو وائل
وصفية بنت محصن الشعبي وعبد الرحمن بن ابي بكر وعبد الرحمن بن الحارث
بن هشام وابناه عكرمة وابو بكر وعثمان بن عبد الله بن وهب وعروة بن
الزبير وكريب مولى ابن عباس وقبيعة بن ذؤيب ونافع مولى بني عمر ويعلى
بن مملك وعبد الله بن عباس وعائشة وابو سعيد الخدري وآخرون .
انظر
الى هذه المدرسة الاسلامية الحية التي كانت تتمثل في المسلمات العالمات
الفاهمات ، وانظر الى كفاءتهن لذلك بعد كانت المرأة قبل الاسلام موؤدة
وهي وليدة ومملوكة للرجل ، وهي امرأة ومشكوك في انسانيتها عند مختلف
الامم وفي شتى الشرائع والقوانين ولكن الاسلام والمرأة في ظل شريعة
الاسلام ارتفعت بكيانها وعلى حساب انسانيتها الى محل رفيع خولها ان
تكون راعية للرسالة السماوية وشارحة لأحكامها وآدابها . فالمرأة
المسلمة والرجل المسلم بالنسبة للرسالة والدعوة سواء ، فقد امتدت
اليهما معا يد الاسلام لترفعها من وهدة الجهل والضلال ، واشرقت
( 234 )
عليهما معا أيضاً شمس الرسالة لتضيء لهما طريق الحق في الحياة ولهذا
فان عليهما معا أن يعملا في سبيل الاسلام ما وسعهما عمله . وكثرة
النساء المسلمات اللواتي روين عن الرسول يدل دلالة واضحة على الوعي
الاسلامي الذي كان يضيء أفكار المسلمات وممن روين عن النبي أيضاً ام
هشام بنت الحارث الانصارية ، وسبيعة بنت الحارث الاسلمية . وقد روي لها
عن رسول الله أثنا عشر حديثا ، وروى عنها فقهاء المدينة والكوفة كعمر
بن عبدالله بن الارقم ومسروق بن الاجدع وزفزني بن أوس بن الحدثان وعبيد
ابو سوية وعمر بن عتبة بن فرقد . وروت عن النبي أيضاً ضباعة بنت الزبير
بن عبد المطلب الهاشمية ، وهي مهاجرة من المهاجرات الاولى ، روت عن
النبي وعن زوجها المقداد بن الأسود أحد عشر حديثاً ، وروى عنها ابن
عباس وعائشة وابنتها كريمة بنت المقداد وابن المسيب وعروة بن الزبير
والأعرج وغيرهم . وروت عن النبي أيضاً ام الحصين بنت اسحق الاخمسية وام
حكيم بنت أمية ، وام اسحق الغنوية ، وأسماء بنت وائلة بن الاسقف
الليثية ، وامامة بنت حمزة بن عبد المطلب ، وامية بنت رقيقة ، وانسية
بنت حبيب بن يساق الانصارية ، وام بجيد الانصارية وخولة بنت قيس
الانصارية ، وام عثمان بنت سفيان القرشية ، وكثيرات غيرهن من المسلمات
اللواتي كن يأخذن الاسلام من مصدره لروايته والدعوة اليه ، واللواتي
حملن بأكفهن مشعل الدعوة والهداية .
( 235 )
هذه
هي المرأة المسلمة الانسانة في صدر الاسلام التي خلدت لها في تاريخ
الامة الاسلامية اسمى ذكر واروع أثر . والمرأة المسلمة اليوم هي بنت
تلك المرأة المسلمة التي عرضت صدرها لحراب الاعداء وشهدت بعينها قتل
الاباء والابناء . فما الذي يقعد بالمرأة المسلمة البنت عن ان تعيد
تاريخ المرأة المسلمة الام ، وان تقفو خطواتها في الحياة ، لا شيء غير
انها افتقدت وبالتدريج ونتيجة لا بتعادها عن روح الاسلام الحقيقة
انسانيتها ، وعادت مجرد انثى تتلاعب بها الاهواء والتيارات ، وتسخرها
ميول الرجال ، ويستهويها كل لمح كاذب او وميض خادع ، ولهذا فقد وقعت في
أحابيل شائكة شوهت انوثتها وافقدتها شخصيتها كانسانة في الحياة ، فهي
مهما سمت اُم حاولت السمو لن تتمكن ان تسمو كانسانة مستقلة ما دامت
تخضع لأحكام الرجل في اتخاذ طريقتها في الحياة وتتبع ما يمليه عليها من
اساليب الخلاعة الرخيصة . فما الذي يمنع المرأة المسلمة اليوم من ان
تشق طريقها في الحياة ثقافة وعملاً مع محافظتها على حجابها الذي يلزمها
الاسلام به ؟ لا شيء غير غضب الرجال لذلك ، وسخطهم عليه ، لانه سوف
يحول دون متعة استجلاء مفاتن المرأة ومحاسنها . فهل السفور من شروط طلب
العلم ؟ او هل الخلاعة والتهتك من شروط الثقافة والتمدن ؟ لا وألف لا
ليس للسفور ولا للخلاعة اي دخل من قريب أو بعيد في العلم والثقافة
ويمكن التمييز بينها وبسهولة أيضاً متى ما عادت المرأة المسلمة ، وأحست
بوجودها كانسانة لا كأداة
( 236 )
من أدوات ارضاء الرجل . ولكن اعداء الاسلام لن يسمحوا بفرز العلم عن
السفور والثقافة عن الخلاعة ، فهم يحاولون بشتى الاساليب المغرية ربط
الاثنين معاً ليحطوا من شأن المرأة المسلمة ومن مكانتها في العالم ،
ولكي لا يكون بدلاً عن اُم عمارة واحدة الف اُم عمارة ، وبدلاً من أروى
واحدة ألف أروى وهذا ما يخشاه اعداء الاسلام وهذا أيضاً ما يجب على كل
مسلمة ان تسعى اليه جاهدة .
|