كلمة ودعوة

 


( 126 )

 


( 127 )

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إلى المجد يا فتـيات الهــدى * لنحـيي مآثــرنا الخـالـدات
ونمضـي سويـاً إلى غايــة * لأجـل لقاهــا تهـون الحـياة
ونكتب تاريخنا ... ناصـعـاً * مضيئاً بإعمــالنا الزاهــرات
فـأمـا مقـام العـلى نرتقيه * وأمــا قبوراً تضــم الرفـاة

 

النجف الإشرف

بنت الهدى

 


( 128 )

 


( 129 )


 

الاهداء

 


إلى : فتاة الاسلام المفدى ...
إلى : من استحالت برسالة السماء إلى سيدة وقائدة ـ بعدما كانت مسودة وموؤودة ! إلى حفيدة حاضنات الاسلام خديجة والزهراء وبنت سكينة والحوراء . إلى المتطلعة لحياة سعيدة خيرة تنشد به سعادة الدنيا والآخرة .
إلى أختي المؤمنة في كل مكان أهدي هذه البضاعة المزجاة والمجموعة الاسلامية ، كمذكرة أخوية تزداد بها مناعة ووقاية من السموم الأجنبية الفاتكة ، وهي بالوقت نفسه بلسم لجراحها وشفاء لصدرها وقوة جبارة لبعض نقاط ضعفها بعون الله تعالى .

النجف الإشرف

بنت الهدى

 


( 130 )

 


( 131 )


 

تمهيد

 

 

من أنت


كتبت إليّ اخت مسلمة وسألتني قائلة : لماذا بالله عليك لا تصرحين عن اسمك الصحيح لنعرف من انت ومن تكونين ؟
فإليك يا اختاه جوابي لعلك تعرفين منه من أكون أنا ؟ .
فإنا اولاً وبالذات اختك المخلصة الدائبة على تتبع آثارك وتعقب خطواتك بدافع الحب والعطف ، وانا أيضا متطوعة مختارة لأجل قضية الاسلام وحمل مشعله الوهاج ما وسعني حمله وعلى قدر طاقتي وامكانياتي في الجهاد ، وانا ايضاً من اريد ان اجعل من نفسي مثلاً ونموذجاً أجري عليه تجارب أدب الاسلام التي قد يظن البعض الجاهل او المتجاهل أنها تجارب فاشلة ، فأنا أريد أن أثبت بنفسي ما يحدثنا به التاريخ الاسلامي عن امهات واخوات لنا في صدر الاسلام ناهضن بثقافتهن أعاظم الرجال مع تمسكهن بالاسلام وتعاليمه .
ولا يخفى عليك يا اخية اني لم اكن لأقول هذا وشبهه لو أنك كنت تعرفين اسمي الصغير التافه ، وهذا أحد الدواعي


( 132 )


لعدم ذكري لذلك الاسم الذي أكاد انساه انا نفسي فلماذا لا تنسينه أنت ايضاً يا عزيزتي ؟.
فأنا في أكثر أوقاتي أصبحت مندمجة معكن ومنصرفة عن نفسي إليكن ولهذا فأنا في اكثر اوقاتي أكون بين الهدى تاركة ورائي تلك الحروف التي لا دخل لها بما أنا في سبيله .
نعم حروف لا تتعدى الأربعة فما خطرها إذن ؟ وما شأنها بالنسبة للغاية التي أبتغيها ؟ فلك ان تتصوريني كما تشائين .
تصوريني سيدة عجوزاً قد اكتمل عمرها وتقدمت بها السنون فهي تضع النظارات على عينيها وتدني النور اليها ، أو تدنو هي من النور ، ثم تمسك القلم وتقرب نحوها الدواة وتباشر الكتابة اليك ، وهي بين حين وآخر تعيد ترتيب أوراقها ثم تضع القلم جانبا برهة لتريح يدها ورأسها ، ثم تعود مرة أخرى لتكتب وتستأنف ما قطع عليها التعب . واخيرا ... عندما تنتهي من الكتابة تستلقي على ظهرها لتستريح وهي تشعر بدوار واعياء .
ولك ايضاً ان تتصوريني امرأة قد تخطت الشباب أو كادت قليلة الكلام كثيرة الفكر ، لا تكتب إلا بعد طول ترو وتأمل اذا كتبت اقتضبت ، واذا تحدثت اختصرت ، ومن رأيها الخاص ان الكتابة لا يمكن أن تجتمع مع أي شيء آخر ، فهي إذا كتبت تركت كل شيء ، واذا كان لديها أي شيء تركت الكتابة ، وإذا أرادت أن تكتب تنفرد بنفسها في غرفتها


( 133 )


الخاصة فتجمع فوق منضدتها شتى الكتب لتختار من بينها الموضوع الملائم . فهي حريصة جداً على ان لا تكتب إلا في مكانها الخاص ، وفي جو ملائم هادئ وهي حريصة أيضا أن يدل مظهرها على شخصيتها وان يرسم في خطوط جبينها وحركاتها خطوط افكارها وميولها .
ولك ايضا ان تتصوريني فتاة شابة في ريعان الشباب ضاحكة الثغر ، طلقة المحيا تندمج في كل موضوع ولا يفوتها شيء مما حولها ترضي كل جليس ، إذا كتبت تكتب بسرعة وبدون اي مقدمة ، واذا تكلمت تتكلم بهدوء وتحسب لكل كلمة حسابها ليس عندها اي مكان خاص بها تستنزل فيه الالهام ، أينما خطرت لها خاطرة او عنت لها فكرة سجلتها على ورقة او اي شيء آخر حتى ولو كان علبة سيجارة ، وهي حريصة على ان لا يتاثر مظهرها بأفكارها وميولها وان لا تكتب افكارها على قسماتها وحركاتها ولهذا فهي بين ذلك كله فتاة كباقي الفتيات لا تتميز عنهن بشيء إلا بقوة الارادة وسمو الروح ، وهي تستطيع ان تتحمل كل شيء ، وان تجاري كل أحد سوى جهل الجاهلات باحكام الاسلام ولكنها مع هذا لا تكاد تعرف أنها هي تلك الغيورة الصارمة في تعاليم دينها ، فان لها طريقتها الخاصة باتباع هذه التعاليم لا يتأثر منها مظهرها تصوري هكذا إذا شئت .
وتصوريني : إذ أكتب اليك أفترش الارض والحصير


( 134 )


واجعل من رجلي منضدة أريح فوقها أوراقي المبعثرة لأملي عليها أفكاري ! نعم تصوريني هكذا واذا شئت فتصوريني شابة تشعر بشعورك وتمر بالمرحلة التي تمرين بها وتنظر إلى كل ما تنظرين إليه ولكن من وراء منظار الواقع والحقيقة ، لا تغشها المظاهر الخلابة ولا تغريها كل أساليب الاغراء تصوريني هكذا إذا شئت بل تصوري أية صورة من هذه الصور حيث تجديها اقرب الى فكرك فاختاري منها إحداها ، أو اختاري غيرها ، وكوني مثلي فأنا لا أنظر الى الانسان تحت إطار اسمه او مظهره أو ملبسه ، وإنما أنظر إلى روحه وقلبه وأفكاره ، وتذكري دائماً وقبل كل شيء أني أخت لك متواضعة وقريبة منك كثيراً واكثر مما تتصورين ، لأن القرب قرب للروح والفكر والرأي :

قد يجمع الرأي أشخاصا وإن بعدوا * وقد يفرق خلف الرأي إخواناً


وأخيراً فرجائي اليك ان تنسي تلك الحروف القليلة ، واذكريني أنا بشخصي الروحي لأكون فخورة بذلك وثقي أن ليس لاسمي اي دخل فيما اكتب وفيما تقرئين ، ودومي للمخلصة لك إلى الأبد .

النجف الإشرف

بنت الهدى

 


( 135 )


 

مقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله فاتحة كل خير ، وتمام كل نعمة ، والسلام على مصدر الهدى والحكمة ، « سيدنا ونبينا محمد نبي الرحمة » .
وعلى آله ومن والاه من الأصحاب والأمة ... ربي اغفر لي ولأخواتي اللاتي سبقنني بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ، وثبتنا عى دينك .
رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي .
أختاه ...
ها أنا ذي ألتقي بك في هذه المذكرات لأحدثك حديث الأخت المحبة ولأناجيك مناجاة الصديقة الناصحة ، ولأناديك نداء الصاحبة المشفقة فاجهدي بالله عليك يا أخية ان يداعب أذنيك الرقيقتين صدى كلماتي ، وأن يصل إلى قلبك الفتي المتفتح للحياة الحرة الشريفة لحن انغامي .
وكلي أمل وكلي رجاء ان تهبيني شيئاً من ذات نفسك


( 136 )


وفكرك فتقبلي على مطالعة هذه الصفحات شاعرة باحساسك المرهف بأن هذه الكلمات ليست إلا هتافاً أخوياً من أُخت مؤمنة ناصحة مشاركة لك في مشاعرك ملتقية معك في عواطفك ، فهي تحس ما تحسين به ، وتدرك ما تدركينه وتفكر في كل ما تفكرين لأجله من شعب الحياة وألوانها ، وقد جاءت لتلتقي معك بروحها وبأفكارها على صفحة قرطاس ، وكلها حب لك واخلاص ولا تحمل لذاتك إلا تقديراً واحتراماً .
فاسمعيني إذاً يا أختاه ... وأنا أناجيك بلسان الاسلام ديننا المفدى الجيب ، ومبدئنا العادل الخالد .. انصتي لي يا أخية ، وانا اناجيك بلسان القرآن العظيم الذي ارتفع بالمسلمين عامة وبنا نحن النساء خاصة إلى درجة عالية وعالية جداً .
فاسمعيني ما اقول : وغلفي سمعك العزيز عن الكلمات الفارغة الجوفاء ، التي ربما تسمعينها من قوم مغرضين متهمين هم اقسى من يكون عليك وأبعد الناس عن رعاية حقوقك وعقباك ، أو جهلاء بعداء عن مفاهيم الاسلام وآدابه « فان العلم يدعو للايمان » ـ وهو فريضة على كل مسلم ومسلمة .
فهيا معي إلى درس هذه المفاهيم السماوية الخالدة ، وهلمي بنا للتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها لنرتفع إلى حيث شاء الله تعالى لنا من العزة والكرامة والحشمة .


( 137 )


 

حقوق المرأة في الاسلام

 


أختاه ...
مرحبا بك وانت تلتقين معي على هذه الصفحة لنراجع السير ونتابع السور ، ولنرجع بذاكرتنا معاً إلى أزهر عهود البشرية : عهد الاسلام في فجره المشرق السعيد ، لنستقرئ دور المرأة المسلمة في ذلك العصر الذهبي ولنتطلع إلى موقعها في الاسلام ونظامه والاجتماعي .
هذا الاسلام الذي ركز للمرأة كيانها في ذلك العصر الرهيب الذي كانت الفتاة به موؤودة ! تسود وجوههم إذا بشروا بها .
نعم في تلك الفترة المتبقية ، وبين معترك تلك الأفكار الهوجاء وافانا الله تعالى بدين الاسلام ، فأشاد بالمرأة في القرآن ، وجعلها في صف واحد مع الرجل ، لها ما له وعليه ما عليها ، كما جاء في الآية الكريمة : 595 آل عمران ـ ( أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وانثى بعضكم من بعض ) .


( 138 )


وهكذا خلق الاسلام من المرأة المسلمة خلقاً اجتماعياً جديداً ، وركز لها مكانتها في الأوساط الاسلامية ، وارتفع بمعنوياتها حتى شهدت الحروب ونزلت الى سوح الجهاد ، وكتبت لها انصع صفحة في تاريخ الأمة الاسلامية منذ عهد خديجة أم المؤمنين أول حاضنة للرسالة المحمدية ، واستمر التاريخ يحدثنا عن امهاتنا اللاتي استنرن بنور الاسلام السماوي فقدمن الضحايا والشهداء من إخوانهن وأفلاذ أكبادهن ، ولم يكن المصاب ليزيدهن إلا غيرة وحماساً وتفانياً في سبيل تركيز راية إسلامهن الخالد !
فما أجدرنا اليوم إذ تمتحن رسالتنا الحبيبة بشتى المحن أن ترفع مشعل الدعوة الاسلامية ، ونستثمر علومنا وتعلمنا في سبيل الدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأن نذكر دائماً وأبداً أن نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم كان قد اوصانا بطلب العلم وجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة لكي يكون للمرأة المسلمة نصيبها من الدعوة إلى مبدئها ونظامها الخالد ، ولكي تكون قادرة على صد هجمات المغرضين ، ورد دعايات المرجفين . لا لتتلاعب مع الريح مصفرة او محمرة شرقية كانت أو غربية ولكن لكي تسير على الطريق المهيع السوي وتتمسك بالاسلام ديناً ومبدأ ونظاماً ولكي تتفهمه لترى فيه كل ما تطمح إليه من تقدم ورقي وازدهار فلا تعود تتطفل على المبادئ الدخيلة والأفكار المستوردة الضحلة .


( 139 )


ومن ثم أردها أن تتعلم لتعرف جوهر الاسلام على حقيقة الرائعة لا لتتعرف على انحلال الغربيات وتحجر الشرقيات . أرادها ان تكون شعلة من نور سماوي ويحاول المجتمع الفاسد ان يحيلها الى لفحة من نار أرادها أن تكون ريحانة عطرة ويريدها المفهوم الحيواني ان تغدو كورقة صفراء ذابلة تتلاعب بها الريح خلقها لتكون ربان سفينة فجعلتها الحضارة الكاذبة لعبة ساعة من الزمان خلقها لتصبح مدرسة أجيال ! ولكن قوى الشر تجهد لتحويلها إلى آلة صماء ...
فإلى الأسلام يا فتيات الاسلام وإلى الدعوة إليه يا حفيدات خديجة والزهراء وبنات سكينة والحوراء فان فيه الأمن والأمان وهو أعذب معين ننهل منه واصفى غدير نرد فيه ولن ينخذل أو يرتد ( فاشلاً ) من يدعو إليه ـ وإليه فقط ـ أبداً فقد مرت على اسلامنا الحبيب أهوال وأهوال على مر العصور ، ومنذ أشرق نوره في مكة ( أم القرى ) ولكنه خرج منها جميعاً أوسع دعوة وأقوى حجة وأصلب عوداً !
فالله قد وعدنا النصر ، والله لا يخلف الميعاد .
والسلام على من اتبع الهدى .


( 140 )


 

تقصير المسلمات

 


جمعتني الظروف مرة مع بعض فتيات من بنات الاسلام وهن لا يحملن من الاسلام إلا اسمه ، ولا يعرفن منه شيئاً اللهم إلا اسم نبيهن صلى الله عليه وآله لا أكثر ولا أقل ! ولذلك فلم يسترعين انتباهي من قريب او بعيد فما علي منهن ، وكيف لمثلي أن تتسلل إلى حيث قد تسلل قبلها الشيطان ولكن بعض كلماتهن استرعت انتباهي بصورة خاصة جعلتني أحس بمرارة ما فوقها مرارة فقد كن يذكرن في حديثهن الراهبات المسيحيات ، ويشدن بتمسكهن بتقاليد الدينية عندهن ، ويذكرن لباسهن ومسوحهي بكل إكبار واجلال واعجاب في الوقت الذي ينظرن فيه إلى المتمسكات بالاسلام على انهن شبح رجعي مخيف ! فلماذا ؟ وهل هذا يرجع لشيء سوى لتقصيرنا نحن المسلمات ولتقاعسنا عن التبشير لانطوائنا على أنفسنا كل يعمل على شاكلته ؟ ناسين ان من ورائنا نشء يجب ان نغذيه بمعتقداتنا ، ونفهمه معالم ديننا الواضح المستقيم ، ولكن الراهبات المسيحيات لا يفتأن يبشرن


( 141 )


ويدعون ومن ورائهن قوى تبشيرية هائلة تجند لدعوتها القوة ، والمال ، والجاه وكل شيء ! والراهبة لها نظام خاص ولها مسؤولية معينة تعرف منها مواهبها ، وتدل على واقع شخصيتها ! على العكس تماماً مما نحن فيه ! فنحن اما خائفات جبانات ، وإما جاهلات عاجزات ، واما مسالمات خجولات ، وأما مقيدات محكومات هذا عدى من خالفت الطريق وانحرفت عن ركب الدعوة . فنحن لو لم نكن على هذا الحال من الفرقة ، والتشتت والغفلة ، والجهالة واختلاف الآراء والأهواء ، وتضارب الأفكار والميول ، لو لم نكن هكذا لاستطعنا أن نحفظ مكاننا وكياننا كمثل أعلى للمرأة المسلمة المتمسكة بالاسلام ، ولتمكنا من فرض شخصيتنا على بنات جنسنا جميعهن ولما تركنا بنات الأسلام ينجذبن إلى قوة شخصية الراهبات ويعجبن بصمودهن وثباتهن فنحن فينا من تستطيع ان تقهر العالم بصمودها ! وفينا من تتمكن ان تقف امام كل تيار رافعة الرأس راسخة القدمين ، واثقة من الفوز الاخير ، ولكن من اين لأمثال أولاء الفتيات ان يتعرفن على هذه وأشباهها ؟ وهن كثيرات والحمد لله ! نعم من أين لهن ان يعرفن ونحن على ما عليه من فرقة وعدم تنظيم ولهذا فلن نتمكن ان نصل من دعوتنا المستوى الذي نريده لها وتستحقه وكيف لنا ان نرفع صوتنا عالياً على كل صوت إسلامي وغير اسلامي ما دمن بنات الاسلام جاهلات بنا غافلات عنا ؟! فإلى متى نظل على ما نحن عليه من غفلة وسبات ، أما آن لنا ان نفيق ؟!


( 142 )


 

ضحية المجتمع

 


أختاه ..
دعيني احدثك اليوم عن واحدة من أخواتنا المسلمات ، وهي صديقة حميمة لي كانت تجمعني وإياها صلة وثيقة تتعدى القرابة والصداقة ! ولهذا فقد عرفتها عن قرب وعن قرب جداً فرأيتها مثال الفتاة الطيبة الطاهرة فضميرها ناق كالبلور ، وفؤادها خال من كل عوامل الحقد والخداع ، وفكرها صاف كصفاء صفحة السماء ، وروحها عذبة رقراقة كالزهرة المتفتحة في الأكمام ! لم تكن تظن بأحد السوء ولم تكن تضمر سوء تجاه احد . وأكاد اتمكن ان اقول أنها لم تكن تعرف الحقد والبغضاء بمعناها الصحيح ! كانت تخدعها البسمة وتسحرها الكلمة العذبة . وتتملكها عبارة واحدة محببة كانت تثق بكل رفيقاتها ثقتها من نفسها تماماً ! هي وفية مخلصة تبذل يد المعونة لكل محتاجة من اخواتها المسلمات . كانت تنتهز الفرصة للمشاركة بأعمال الخير في نطاقها الخاص وعلى القدر الذي تستطيعه . كانت متواضعة في سلوكها


( 143 )


وتصرفاتها وان تكن في الواقع جديرة بكل تكبر واستعلاء إذا كان التكبر والاستعلاء دليلا على سمو المكانة . أو أصالة المنبت . فإن لها من أصالة المنبت ما تتمكن أن تباهي به النجم في السماء ! كانت تعطي من نفسها اكثر مما تأخذ بكثير ، فهي وبدافع من غريزتها الطاهرة كانت تشعر أن الحب شيء مقدس لا يساوم عليه ولا يقابل بمثيل . كانت تحسن حباً بالاحسان واشباعاً لرغبتها في مساعدة الغير وثقة منها أنها بهذا ستكون الرابحة في الدارين ... وعلى كل حال فقد كانت فتاة مثالية قل ان رأيت لها مثيلاً في بنات حواء ! . ثم حدث أن ابتعدت عنها مدة من الزمان لم أتمكن ابانها من مطالعتها ومراجعتها . ثم عدت ولقيتها مرة ثانية وكانت قد بلغت في شبابها قمة القدوة وريعانها شباب ناضج وعقل مكتمل ورأي مستقيم نعم رأيتها غير التي عرفت من قبل ! وقد طالعني منها أول ما طالعني منظارها القاتم الذي أصبحت لا ترى الدنيا إلا من ورائه . ثم عرفت منها أنها وفي هذه المرحلة الدقيقة الحساسة من العمر قد اكتشفت في مجتمعها نواح كانت تجهلها منه . وأطلعت على مفاهيم خاطئة لم تكن تخطر لها على بال . وقد تعرفت إلى كل هذا عن طريق غير مباشر فهي ما سمحت لنفسها يوماً ان تنزل عن أفقها العالي ولكن وعلى أي حال عرفت كيف يقابل الوفاء بالخيانة والحب بالحقد والنصح بالخديعة واكتشفت كيف أن المفاهيم الخيرة تنعكس في نظر المجتمع إلى مفاهيم عدائية ! وكيف


( 144 )


تنعكس المثل وتقابل بالنقيض ! فهي لم تستشعر في يوم من الأيام أن هناك فيمن حولها من يفرق بين المحسن والمسيء في كل ظرف وحين خلافاً لما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام ( لا تجعل المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء فان في ذلك تزهدا لأهل الاحسان بالاحسان وتحريضاً لأهل الاساءة على الأساءة ) وهكذا ولهذه النواحي وأشباهها اخذت تتبرم بالحياة وتسعى إلى العزلة والانفراد وترأب بعواطفها وألطافها على أن تضع الأشياء في غير موضعها اللائق بها . وقد تبدل لهذا سلوكها وتغيرت طباعها وفقدت تلك الراحة النفسية التي كانت تتمتع بها من قبل ! وعلى هذا الوضع رأيتها كما قدمت فما رأيك بالله عليك يا أختاه ؟ أليست هذه المسكينة ضحية من ضحايانا نحن بنات حواء ؟ نحن اللواتي لا نفتأ نشيع في المجتمع روح النفرة والبغضاء . والحسد والصدأ لا يطيب لنا السمر إلا بأكل لحوم أخواتنا بالغيبة . ولا نسمع كلمة عن أحداهن إلا وحسبنا لها سبعين حساباً كل واحد أسوأ من الثاني ! فإلى متى وحتى متى نبقى سائرات في هذا الطريق الشائك المعوج ؟ أما آن لنا أن نستفيق من سباتنا فنعقم نفوسنا ونطهر سريرتنا ؟ أما آن لنا ان نثبت بأن المرأة المسلمة يمكن ان تكون قدوة لغيرها من النساء وانها متبوعة لا تابعة . أما آن لنا ان نميز الخبيث من الطيب والعمل الصالح من العمل الفاسد حتى لا نخسر أرواح فتياتنا الطاهرة ونحافظ على سريرتهن النقية . وأخيراً فلا يخفى أني أنا أيضاً واحدة


( 145 )


من بنات حواء مثلي كمثلهن وعلى هذا فلا مؤاخذة من اخواتي ولا عتاب . ثم سألت صاحبتي هذه قائلة : هل ندمت يا عزيزتي على ما قدمت يداك من احسان وما وهبه قلبك من حب ؟ وهنا شعرت أن صراعاً عنيفاً قام بين عقلها وعاطفتها وكنت آمل ان يتغلب العقل فترد عليّ ( لا ) . ولكنها وكأني بها لم تتمكن من مقاومة أي من الدافعين فسكتت ولم ترد عليّ فأجبت أنا بدلاً عنها فقلت : قولي لا يا عزيزتي فان عمل الخير في نفسه شيء جميل ، وصفاء النفس بذاته شعور مريح ، فلا تأسفي على شيء منهما ويكفيك سعادة أنك تطالعين صفحات ماضيك فترينها بيضاء ناصعة خالصة من كل شوب فقولي : أني لست نادمة يحفظ الله لك أجر ما فعلت فتربحي بذلك الربح الكثير ، لا تندمي يا صاحبتي ولا تيأسي فما زالت الدنيا في خير ، ولا يزال هناك من يحفظ الجميل ويقدر الفضل ، ولهذا فأني أرجوك بل ألح عليك أن لا تدفعك الخيبة من المجتمع إلى الحقد عليه. يجرنك الفشل في عمل الخير إلى الزهد فيه ، بل اسمتري على السير في طريقك الواضح ، وحاولي ان ترفعي عن عنينك هذه الغشاوة القاتمة لتعودي كعهدي بك فتاة طيبة رقيقة مرهفة ، حلقي في سماء الكمال ولا تهبطي إلى حضيض النقص ، فان اهم ما ينقص من المرأة ويحط من مكانتها هو الحقد والظن السوء ، فلا تحقدي وتظني بأحد السوء احملي اختك على سبعين محمل خير ، وسوف ترين راحتك النفسية ، وقد عادت إليك كأروع


( 146 )


ما تكون !! وهكذا رأيت أن أحدثها أشباه هذه الأحاديث ولم أفارقها إلا وأنا على ثقة أنها سوف تكون في مستقبلها كماضيها ، ولكن ما يدريني ولعل لبنات حواء الاخريات تأثيراً معاكساً يعود بها القهقرى مرة أخرى عصمها الله وحرسها منهن . ولا بد ان أراجعها مرة ثالثة إن آجلاً او عاجلاً إن شاء الله .


( 147 )


 

يا فتاة القرآن

 


اختاه ،
ما أسعدني وأجدرني بالفخر وانا أراك معي في حقلنا هذا بروحك الفياضة وقلبك الفتي يا بنت الاسلام العظيم . ويا فتاة القرآن الخالد ويا نبعة المجد ، وزهرة العز الشامخ ، وسليلة الجهابذة من الآباء والأجداد ، نعم معي في هذا الحقل لنمضي في سيرنا نحو الامام ، لا يعيقنا كسل ولا وهن ، ولا يقعدن بنا ملل أو سأم فنحن مع الله ، ونور الله لا يطفأ ونحن في سبيل الحق ، حتى نصل المرفأ الأمين وليس الدرب ببعيد بل أنه سهل يسير لا يتطلب إلا صموداً كصمود الأولين ، ودعوة حسنة إلى ديننا الحبيب ، فاسلامنا ـ والحمد لله ـ بخير ، وفيه من الطاقات ما يصمد بها أبد الدهر .
ولكننا نحن ، نحن الذين جرفتنا الحضارات المختلفة ، واندفعنا في تقليدنا الأعمى لكل ما هو أجنبي غريب ، فنسينا ان لنا من مبدئنا السامي ما يرتفع بنا عن وهدة التطفل ، وأن فيه من الامكانيات الاصلاحية ما يصوننا عن التذبذب بين


( 148 )


الأفكار المستوردة والاصلاحات المعكوسة التي يوحيها الينا الاستعمار بشتى أنواعه وأشكاله والتي لا يراد منها إلا تفسيخ مجتمعنا الاسلامي ، ليسهل النفوذ اليه من ثغراته المفتوحة ، ومن جوانبه المفككة .
فالمجتمع ـ اي مجتمع كان ـ لا يمكن ان يتركز إلا على روحيات افراده ومعنوياتهم ، فإذا سمت الروحيات سما المجتمع ، وإذا ارتفعت المعنويات ارتفع واعتصم من الادارن ، وهذا ما يرده الاسلام للمجتمع الاسلامي ، حياة حرة نظيفة كلها صدق واخلاص وتعاون ووفاق لا تشوبها البغضاء ، ولا يعكر صفاءها الحقد والخداع ، حياة طيبة طاهرة يكون المسلمون فيها إخواناً والمسلمات أخوات تسودهم المحبة وتظلهم راية القرآن قلوبهم واحدة ، وأيديهم واحدة ، واتجاههم واحد .
نعم هذا الذي يريده الاسلام للمسلمين ، وهذا ما لا يريده إعداؤه والحاقدون ، بل وهذا ما يرغب الاستعمار والطامعون لأنهم يريدون أن يسيطروا علينا تحت ستار من التضليل والخداع ملون بألوان حضاراتهم البراقة ـ لننجرف وراءهم بدافع التجديد والتبديل ! .
وفعلاً فقد انجرفنا بقصد أو بدون قصد ، مع كل الأسف . فالواحدة منا نحن المسلمات تدخل معاهد العلم لتتعلم وهذا ما يرحب به الاسلام بل ويدعو إليه ... ولكن


( 149 )


في نطاق من الحشمة والفضيلة طبعاً ، فلا بد للمرأة ان تتعلم لكي تسمو بالنشء الذي تعده للغد . ولكي تكون جديرة بتحمل أخطر مسؤولية في المجتمع ، لكونها المدرسة الأولى في الحياة إذن فلتتعلم المرأة المسلمة ولتجتهد في طلب العلم أيضاً ، فقد جاء عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله : ( أطلب العلم ولو في الصين ) فالعلم أينما كان هو العلم لا يتحول ولا يتبدل ولا تتغير نتائجه ومعانيه ، ولذلك فنحن نرى ان كثيراً من علماء العالم قد توصلوا إلى غايات واحدة في اكتشافاتهم العلمية ، ولكل منهم فكرته في الحياة ، إذن فقد يجمع العلم اشتاتاً متباينة وقد تتفق عليه أفكار متضاربة ... ولكن الثقافة ، هذه الثقافة الأجنبية التي غزت بلادنا ظلماً وجوراً ، والتي لا يمكن لمتبعيها إلا الابتعاد عن روح الاسلام ومعانيه ! هي نقطة الداء في حياتنا الاجتماعية والفكرية ، فالعلم شيء والثقافة شيء آخر ، وفي عدد قادم سوف أوافيك يا أختاه ، بشرح واسع للفرق بين المفهومين وموقف الاسلام من كل منهما إن شاء الله وإلى اللقاء .


 

منزلة المرأة الصالحة
عند الامام الصادق عليه السلام

 

اختاه ...
دفعتني رواية مقدسة وردت على لسان الامام أبي عبدالله جعفر الصادق عليه السلام أن أعود فألتقي بك ثانية بعد أن كنا افترقنا فترة كنت فيها تلك الفضولية الملحاحة المستطلعة عليك أنت وحدك لا غير وكنت أتفاءل أيضاً بأنك سوف تشبعين فضولي بما سوف تطالعين به من إنتاج أدبي اسلامي ، تتبين فيه كفاءتك في هذا الميدان ، ولكنني ومع الأسف لم أزدد إلا فضولاً ، ولم أكتسب إلا حسرة وألماً ؛ فكلما قلبت صفحات وطالعت وريقات افتقدت صوتك بين الأصوات ! ولم أكد أنحس مكانك في مفترق التيارات ، ولست ادري وايم الحق وما الذي حدا بلبوات الاسلام الى هذا السكوت المشين وألعي أعيذهن منه !؟ او لتجاهل بعمق رسالتهن في الحياة ؟ أو الجهل لخصوصيات اسلامهن لا قدر الله ؟ أو لدواع أخر يمليها عليهن مجتمع فاسد في إفراطه أو تفريطه ؟ هذا المجتمع الذي ندعو إلى اصلاحه اصلاحاً جذرياً كي لا يكمم أفواه


( 151 )


النساء بأكمام التحلل الإجنبي أو التعنت الجاهلي والله ولي التوفيق ... والآن وبعد أن استميحك العذر إذ كنت قد أسأت إلى مشاعرك العزيزة فما أنا إلا أختك الناصحة التي تأبى أن تكون دائما على هامش الحياة مدعوة وليست بداعية . أعود الآن إلى الرواية التي جاءت على لسان الامام العظيم أبي عبد الله جعفر الصدق عليه السلام إذ يحدد فيها مفهومه عن المرأة الصالحة فيقول : ( المرأة الصالحة خير من ألف رجل غير صالح ) وهو يقصد بها أن يقرر بأن الانسانية في نظر الاسلام لها قيمة واحدة ، وميزان واحد للكرامة ـ بقطع النظر عن كل الصفات الطبيعية التي يتميز بها الأفراد ـ وهذا الميزان الوحيد في نظر الاسلام هو الصلاح والتقوى ، فمهما كانا متوافرين كانت الانسانية أفضل وأكمل ، ومهما ابتعد الانسان عنهما خسر بذلك كرامته في مفهوم الاسلام كائناً من كان ، فلا الرجل بما هو رجل يفضل المرأة ، ولا المرأة بما هي مرأة تفضل الرجل في حساب الانسانية العامة ، بل قد تكون المرأة الواحدة خيراً من ألف رجل إذا كانت صالحة ! ولا يتعارض هذا مع الوظائف التي وزعت على الرجل والمرأة في الأسرة الاسلامية ، ولا مع القيمومة التي أعطيت للرجل على المرأة فيها ، فإن هذه القيمومة التي اضطلع الرجل بموجبها بإدارة معاش البيت والحفاظ على وحدته لا تعبر إلا عن توزيع طبيعي للوظائف في مجتمع صغير وهو الأسرة المتكونة من أب يعيل ويحافظ ، وأم تلد وتربي ، فيه ليست قيمومة أفضلية


( 152 )


وإلا لكان كل رجل قيما على المرأة التي يعايشها وإن كانت أمه وأخته وليس الأمر كذلك . هذا بعض ما عناه الامام عليه السلام في قوله : ( المرأة الصالحة خير من ألف رجل غير صالح ) والصلاح هنا معنى عام يمتد إلى كثير من النواحي والمجالات فصلاح المرأة لنفسها هو تطبيقها لأحكام الاسلام على سلوكها الخاص . فصلاح المرأة لبيتها أن تشيع روح الاستقرار والسعادة ، وتكفل أولادها إذا كان لها أولاد كفالة تتيح لهم اكتساب الشخصية الاسلامية الحقيقة وتبث في نفوسهم بذور الورع والتقوى والأدب ، وصلاحها للانسانية أن تساهم في الحقول النافعة التي لا تتعارض مع وظائفها الأولية . وأهم تلك الحقول هو تبني الدعوة إلى أشرف مبدأ عرفته الانسانية ألا وهو الاسلام .
فإلى هذا الصلاح يا أخواتي المسلمات ، إلى الصلاح والاصلاح في مختلف الميادين والمجالات لتكون الواحدة منكن خيراً من ألف رجل غير صالح ، وألف امرأة غير صالحة والسلام عليكن وعلى من اتبع الهدى .


( 153 )

 

لماذ ابتعدنا عن الاسلام

 


أختاه ...
أراني حريصة في لقائنا اليوم على أن أوجه ندائي الأخوي هذا الى كافة المسلمين بدافع من الغيرة الاسلامية والأخوة الايمانية ، فأقول : يا أيها الاخ المسلم الكريم لقد أصبح الاسلام وديعة عندك وأمانة لديك وقد حرصت الرسالة الاسلامية على أن تكون داعية لها وممثلا لنواميسها ومثلها ، ومرآة لاشعاعها الخالد وكمالها المعجز وقد شملك النداء السماوي ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) والرعاية تختلف باختلاف الظروف والحيثيات ، فاجهد أن تكون نعم الراعي الذي يمثل جوهر الدعوة الاسلامية الخالصة ولا تنحرف بها عن طريقها المعبد ، ولا تفقدها روحها المعنوية التي عجزت القرون ، واتعبت الأيام ، واحرص على أن لا تضيف اليها هوامش من فكرك الخاص ، او عواطفك المحدودة فأنها هي الرسالة السمحاء التي جاءت لاسعاد البشرية جمعاء ، واتت لترفع الثقل المقيت عن كواهل الانسانية عامة وعن المرأة خاصة ! .


( 154 )


فقد انبثقت رسالة محمد ( ص ) لتمحق الحيف وتزيل الضيم وتفك القيد الأثيم عن مخذول ومظلوم ، وقد شملت اصلاحاتها المرأة المسلمة التي كانت رهينة لعادات همجية ، وقوانين جائرة ، وتحت سجن من القيود الظالمة الجاحفة . فتعالى صوت المصلح الأول ( ص ) مدوياً في الآفاق : ( أن الله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى بعضكم أولياء بعض ) وتردد صوته صلوات الله عليه وآله ( النساء شقائق الرجال ) فعند ذلك فقط نظر المجتمع إلى المرأة نظرته الى مخلوق بشري له مكانته اللائقة في الحياة ! وله قدسيته في المجتمع الانساني ! وبوسعه أن يفيد ويستفيد . نعم لم يحملها الاسلام أعباء الجاهلية ولم يفرض عليها قيوداً قاسية ، ولكنه صانها باكرام من الحجاب يقيها شر الذئاب وجعلها درة مصونة في الأصداف . والأكرام لا تمنع انتشار عبق الزهور ، والصدف لا يحجب تلألؤ الدرة البيضاء . وكذلك الاسلام الحبيب ، فلم يفرض على المرأة المسلمة قيوداً تسحق شخصيتها كما تفعله القوانين الجائرة التي ترجع بكيانها القهقرى إلى عهد الظلام والجهل ، وقد قال حامل رسالته المقدسة ( ص ) وما ذلك إلا طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ليعدها كما أعد الرجال للدفاع عن رسالتهم المباركة وليمكنها من تبيان ما خفي على الجهلاء من كمال الشريعة الإسلامية فما الذي يدعوكم يا أنصار المرأة المتحررة إلى مثل هذا الضجيج ؟ وإلى المتزمتين أوجه خطابي : لماذا


( 155 )


فرضوا على المرأة قيوداً وحدوداً لم ينزل الله بها من قرأن ، فالضغط يولد الانفجار ، والتزمت يدعو إلى النقمة على جميع الأمور حتى الشرعية الضرورية ، وقد ينأى بالمرأة عن تعاليم الاسلام الحقيقية لاسيما إذا كانت ناشئة فتية ، وفي هذا ما فيه من أخطار تواجه فتياتنا المسلمات ؟ فان العقيدة أي عقيدة كانت لا تقوم إلا على اساس من الفهم والحب والمرونة لكي تكون راسخة ثابته لا تطيح بها زوبعة . ولا تزعزعها كلمة سامة مغرية . فالله الله يا اخواني المسلمين لا تدخلوا في روع فتياتكم انهن أسيرات من جراء كونهن مسلمات متمسكات بتعاليم محمد الرسول العظيم ( ص ) فينظرن إلى المنحرفات المتحللات نظرة الأسير إلى الطلق فان الاكثار في الشيء صنو الاقلال منه . والأفراط توأم التفريط . فاسمعني يا أخي المسلم ولا تتحكم مع ميولك . ولا تندفع وراء أهوائك تحت ستار من الدعوة إلى تطبيق الاسلام فالاسلام سمح سهل لا يريد للمرأة إلا العزة والكرامة والمكانة اللائقة . فالاسلام مثلا يفرض على المرأة إطاعة زوجها وأبيها في بعض الأمور التي لا تتلاءم مع مصلحتها العامة . ولكنه لم يجعل منها ألعوبة في يد الرجل يفرض عليها سيطرته فرضاً بدافع من قرابة أو سمو مكانة فيتحكم بتصرفاتها وحركاتها وسكناتها ، وبهذا تزهد المرأة حتى في الطاعة المفروضة للأزواج والأباء . فرجائي منك يا أخي المسلم أن تبذل قصارى جهدك لبث روح الاسلام الحقيقية في نفوس فتياتنا الحبيبات .


( 156 )

 

رأي المرأة في الزواج

 

 


أختاه ..
ضمني وبعض بنات الاسلام مجلس جرنا الحديث فيه إلى حقوق المرأة في البيت والمجتمع ومدى تركيز كيانها في الأوساط المسلمة فإذا بأحداهن تنبري لتقول بحرارة وألم أن المرأة في الاسلام مهضومة الحق ، مهيضة الجناج ، لا تعدو أن تكون سلعة في أيدي الرجال تتقاذفها أهواء الآباء والأزواج فهي : أما أن تباع للزوج بيع الاماء أو تقدم له هدية متواضعة كعلبة من الشوكولاته !
وكنت استمع إليها وهي مندفعة بثورتها الظالمة التي قامت على مفهوم خاطئ وتولدت نتيجة إهمال المسلمين العارفين بحقيقة الاسلام لاظهار صفحته المتبلورة البضاء وبعد أن اتمت ترجيع كلماتها التي اخذتها عن ألسن السوء بدون وعي أو قصد قلت لها وكلي اشفاق على هذه الزهرات اليانعات التي أطاحت بها الريح السامة الى حيث الوحل قلت : على مهلك يا صاحبتي انك المسكينة دعيني


( 157 )


احدثك حديث الاخت الناصحة التي لا تريد لك وأمثالك الا الخير والصلاح والعزة والكرامة فما أنا لا انثى مثلكن أشعر بما تشعرن به واحسن ما تحسنه ، وطالما ثرت لكرامتنا المضاعة على أيدي رجال ظلموا الاسلام حقه ، فانتسبوا اليه وهو منهم براء ! وما أكثر ما نقمت على الأوضاع الهمجية التي سيطرت على بعض اخواتنا الضعيفات ! هذه الاوضاع التي لم ينزل الله بها من سلطان ، والتي خلقها بعدنا عن روح الاسلام وتعاليمه الحكيمة . نعم ثرت كما تثورين ، واندفعت وراء غضبي كما تندفعين ، ولكن لا على الاسلام الحبيب ولا على رسالته القدسية . بل على المجتمع الفاسد وعلى ابناء وبنات الاسلام العاقين له ، المارقين عن مثله وتعاليمه ، والذين كان سلوكهم المعوج مبعثا لهذه الصيحات الباطلة ، لا ستبدادهم بمصير الفتيات وفرض سلطتهم القاسية في تقرير مستقبلهن على ميولهم ورغباتهم الخاصة ! وحسب مصالحهم الذاتية دون استشارتهن ؟ .
ولكن الاسلام يا اختاه مبدأ زاخر بجيمع ما تصبو اليه النفس البشرية ، حامل في تعاليمه شتى أنواع السعادة والهناء ، وقد انبثقت رسالته لتمحق الظلم لا لتظلم ، وجاءت لعقاب الظالم لا لخلق جيل ظلوم وقد حمل ـ في اكثر ما حمل ـ الخير للمرأة المسلمة التي كانت من قبل ضائعة بين أنياب الجاهلية ! والعادات القبلية في الشرق ! والقوانين الزمانية في الغرب ؟ حتى قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قولته


( 158 )


الخالدة : ( النساء شقائق الرجال ) . وقد أعطاها الامكانيات التي تخولها حفظ جميع حقوقها الاجتماعية في جميع الميادين التي تتفق وكيانها الخاص ! ولنضرب لذلك مثالا بالامر الذي ذكر ، في مطلع حديثك وهو حريتها في اختيارها الزوح :
فقد ورد عن أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه وقد ذكر حديث تزويج فاطمة ( ع ) ، وانه طلبها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا علي انه قد ذكرها قبلك رجال فذكرت ذلك لها فرأيت الكراهية في وجهها ، ولكن على رسلك حتى اخرج اليك ، فدخل عليها فأخبرها وقال : ( ص ) ان عليا ذكر من أمرك شيئا فما ترين ؟ فسكتت ، ولم تول وجهها ، ولم ير منها رسول الله ( ص ) كراهة فقام وهو يقول : ( سكوتها اقرارها ) وقد جاء في الحديث عنه : صلى الله عليه وآله وسلم ( تستأمر البكر ولا تزوج الا بأمرها ) ، وقد جاءت فتاة اليه ( ص ) فقالت : ( ان أبي زوجني من ابن اخ له ليرفع خسيسته وانا له كارهة ) فقال ( ص ) لها : أجيزي ما صنع أبوك : لا رغبة لي فيما صنع أبي قال صلى الله عليه وآله وسلم : فاذهبي فتزوجي من شئت فقالت : ( لا رغبة لي عما صنع ابي الخ ) .
وقد استشار رجل الامام موسى بن جعفر عليه السلام في تزويج ابنته من ابن اخيه فقال : « افعل ، ويكون ذلك برضاها ، فان لها من نفس حظا » . نعم هذا هو الاسلام


( 159 )


بمعناه الصحيح . وهذه هي احكامه العادلة التي ارتفعت بالمرأة الى افق الحرية والكرامة في عصر ما كان يقيم للمراة أي حساب ، ولكن الذنب ذنبنا نحن المسلمين ! بعد اذ انحرفنا عن جادة الاسلام ، وتجاهلنا ان لنا في اسلامنا حقوقا قلما ظفرت بها حضارة من الحضارات وحتى الآن والجرم جرم الذين عرفوا الحق ولم يظهروه ، وسكتوا عنه وتركوكن لا بواق الدعايات المغرضة ، وللتعاليم العدائية التي تصل اليكن تحت مسوح التمدن والتحضر ولكن لي وطيد الأمل انكن سوف ترجعن الى احضان الاسلام الرحب ان عاجلا او آجلا ان شاء الله .
بعد ان تفشل جميع الانظمة عند التطبيق ، وسوف تجدن في نظام الاسلام نظاما مثاليا خالدا يحقق للمرأة سعادتها وكرامتها ، وقد وعدنا الله نصره والله لا يخلف الميعاد .


( 160 )

 

في عيادة الطبيب

 

 


اختاه ...
ها انا ذي التقي معك وقد هزتني حادثة مررت بها اذ زارتني احدى اخواتي المسلمات ، وهي شاكية من ظلم بنات الاسلام المتطرفات مستعبرة من ضلالهن ، فقد جمعها مع بعضهن مجلس ( في عيادة طبيب ) في بغداد أجبرت على المكوث فيه مدة طويلة للانتظار مكنت لجاراتها المخدوعات ان يكشفن لها عما آلت اليه روحياتهن ، وعما انحططن له من درك مظلم مخيف ، فهن يستهين بالمثل ، ويكفرن بالقيم ، ويرين فيما كانت فقد التزمته الاخت المؤمنة من أحكام الاسلام اساليب رجعية جاهلية ، وقد تكشفن لها على حقيقتهن المرة فاذا هن جاهلات يدعين المعرفة بلا معرفة تائهات ويتظاهرن بالهدى والرشاد وصاحبتنا المسلمة في كل ذاك تدافع وتجادل ما وسعها الدفاع ولكن أنى لصوتها أن يصل الى مسامع غفلت عن الحق وصمتت عن الحقيقة ، وأنى لكلمات ان تخترق الحجب السود التي حجبتهن عن الصواب والتي حالت بينهن وبين الهدى ، وكيف لصوت ان يعلو على ابواق جهنمية ترجع ألحانها على أوتار القلوب الفتية وتسكبها


( 161 )


في الآذان الغافلة التواقة ؟ وكيف لكلمة واحدة أن تقف امام التيار الخاطئ الذي جرف الكثيرات من بناتنا البريئات ؟ وهل يمكن لصرخة مؤمنة ان تكشف الغبار الأسود الذي غلف المجتمع ولونه بلونه القاتم المغبر ؟ فلمسنا أو ضحية من ضحايا المجتمع العليل الذي تجرد عن قيمه ونأى عن قوانينه واحكامه ولن يصلح المجتمع هذا ، ولن يتركز كيانه في الوجود الا اذا رجع الى صوت الاسلام في ندائه الملائكي وتمسك بدستوره السماوي وتباعد عن التبعية المبغضة لكل ما هو اجنبي غريب . فهل يمكن لامة أيا كانت ان تتقدم وتتحضر بحضارات اجنبية لا تمت لها بصلة لتكون بذلك متقدمة ، فانها لم تتقدم خطوة ، ولم تزدهر لحظة ، وانما الافكار الخارجية والدعايات الاجنبية هي التي تقدمت وازدهرت على حسابنا نحن اعداءها الحقيقيين . فيا حرقة قلبي على زهرات يانعات نالت منهن الافاعي فشوهت أريجهن العذب الفواج ، ويا أسفي على لبوات خدرهن الافيون الاستعماري بشتى أشكاله فأطفأ فيهن شعلة الاسلام ، وأفقدهن نور الرشاد ، وتصرف فيهن تصرف اللاعب بالدمى لا حول لهن تجاهه . ولا طول فيه الوقت الذي قد غنين فيه بما لهن من مبدأ زاخر بالحضارة السامية ، وعامر بالاصلاحات الجذرية حاملا لهن السعادة والعزة والكرامة ، واستطردت صاحبتنا المسلمة كلامها فقالت : انهن قلن لي : انك رجعية قديمة متوحشة فأجبتها : لا عليك يا اخية فهذه أنغام سمعناها وسنسمعها أيضا ما دام


( 162 )


المكروب الاجنبي يسري في عروق مجتمعنا المسكين ، وما دمنا متمسكين بمبدئنا الحق داعين الى نهجه القويم . ونصيحتي لك يا أخية ولجميع أخواتنا المسلمات : ان لا تقعد يكن هذه التخرصات ولا تثنيكن امثال هذه النغمات المشؤومة بل تزيدكن عزما وقوة ، وشدة ومضاء ، لتثبتن لهن صواب تهجكن وخطاً سيرهن المتعرج ذات اليمين واليسار ، وأوضحن لهن أنهن هن اللواتي رجعن بسلوكهن الى أبعد عصور الجاهلية حيث لا أحكام ، ولا قوانين ، ولا مثل ، ولا مفاهيم ، المرأة والرجل والحيوان في عرفهم سواء ، غايتهم الماء ولقمة العيش !
واما نحن فسنصل الى حيث ما وعدنا الله من نصره ( أن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) .

بنت الهدى


( 163 )

 

ذكر الله في الليل والنهار

 


سألتني واحدة من الاخوات المسلمات عن معنى ما جاء في دعاء كميل بن زياد ( رض ) وهو من خاصة أمير المؤمنين عليه السلام كقول : ( يارب أسألك بحقك وقدسك وأعظم صفاتك واسمائك ان تجعل اوقاتي في الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك موصولة ) .
وقالت : هل أن هذا منسوب وغير صحيح ؟ او ان البشر جميعا قد خرجوا عن هذه القاعدة ؟ فليس فينا من يتمكن ان يقتصر في حياته على ذكر الله تعالى والتسبيح والتهليل . فنحن اذ نعيش ( وبحكم لزوم التعاون من الأخرين مهما امكن ) لا بد لنا ان نباشر شتى الاعمال في الحياة ولا يمكننا بأي حال من الاحوال التنصل وان نترك كل شيء ونلتزم بالتعليل والتكبير فحسب فقلت لها : على مهلك يا أخية فليس هذا الدعاء بمنسوب او غير صحيح بل هو صحيح ومعروف ولكن المعنى ليس كما تظنين فقط اذ لسنا بمكلفين بالتسبيح والتهليل


( 164 )


والتكبير « كقول : سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر في كل أوقاتنا وليس ذكر الله وخدمته هو ما ذكرتيه ونحوه كما تفهيمين منه ويتبادر النظر السطحي اليه فهو أي كل من التسبيح أو التهليل والتكبير وان كان من الذكر المأثور ومن الباقيات الصالحات لكن ليس هو الذكر كله أو كل الذكر وليس هو اي الذكر وقفا على ادراة حبات المسابح او تقليب وتصفح كتب الادعية لا ليس هذا وحده كما قلت ذكر الله تعالى وليس ذكر الله هذا لا غير .
فكم يوجد من يذكر الله بلسانه وينساه بقلبه وافعاله !! فنحن نستطيع وبسهولة ـ أن نجعل اوقاتنا من الليل والنهار بذكر الله معمورة دون ان نعطل شيئا من أعمالنا للحياة أو نقعد عن المباشرة لمهامنا المعتادة فانت مثلا اذا كنت زوجة صالحة وربة بيت خيرة تكونين بذلك دائما وابدا ذاكرة لله مطيعة لأوامره فقد جاء في الاخبار ان امرأة سألت الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم عما عندنا نحن النساء في قبال الجهاد وثوابه عند الرجال ؟ فقال صلوات الله عليه : الزوجية الصالحة وادارة البيت الناصحة الطاهرة !
ثم أن المرأة وكيفما تكون سيدة أو آنسة تتمكن ان تكون دائما وابدا ذاكرة لله تعالى خاضعة لأوامره متبعة لتعاليمه فكل يد معونة تسديها المرأة ولو لاقربائها الاقربين اذا كانت خالصة لله تكون ذاكرا لله تبارك وتعالى وكل لفتة طيبة تبديها تجاه


( 165 )


الغير بدون أي غاية دنيوية تكون ذكرا لله وكل سحابة ضيق تتحملها بصبر لا مجبرة ولا مغصوبة على ذلك تكون ذكرا لله ، وكل فكرة صالحة تفكر فيها لأجل الخير دون أي شيء أخر تكون ذكرا لله وأي نعمة تحدثت بها لا مباهية ولامتعالية تكون ذاكرا لله ، وحتى البسمة والضحكة اذا جدت بها خالصة من كل شائبة رياء أو ملق تكون ذاكرا الخ .. !
وكم يحدث لاحدانا ان تسمع كلمة عن اخرى قد تحمل على خير وقد تحمل على شر فاذا اخذناها بمأخذ الخير وحملناها عليه نكون بذلك ذاكرين لله ، ولكن يتفق لنا ان تحين لنا فرصة نتمكن فيها من افشاء سر أو جهر بسوء يكون لنا من ورائه نفع ، او لنا به مصلحة شخصية ثم لا نأتي بشيء من ذلك بوازع ديني لا غير فنكون ذاكرين لله تعالى مطيعين لأوامره ! وعلى العكس من هذا ( لو سرنا في حياتنا لا سمح الله ) نكون ناسين لله غافلين عنه ولو تتبعنا جميع اساليب القدس المبطن ! فإن ذكر الله ليس كما تظنين يا اختاه . ولعمري ان حقيقة ذكر الله تبارك وتعالى ( لو تفكرنا وتأملنا ) تعقيم النفوس من الاردان ، وتطهير الغايات والدوافع أي غاية كانت واي دافع كان ولهذا جاء في المأثور عن الأئمة الاطهار عليهم السلام : ( ان الاعمال بالنيات ) ـ فنوعية العمل من نية صاحبه ـ ( وان نية المرء خير من عمله ) فقد فضلت النية الصالحة وحدها ـ وان لم يتفق تحققها في الخارج ـ


( 166 )


على العمل الصالح ظاهرا ولكن بلا نية صالحة ولا غاية مرضية طاهرة !
فجدير بنا أن نبتهل الى الله العلي القدير ان يجعل أوقاتنا في الليل والنهار بذكره معمورة ، وبخدمته موصولة والله ولي التوفيق .


( 167 )

 

المرأة بين الإسلام والجاهلية

 


أختاه ...
تحية اسلامية عطرة ...
ما أحلى ان نعود فنلتقي مرة ثانية لنتابع ما وقفنا عنده ، ولنمضي في سيرنا المستقيم الى مطلع النور واشراقة السعادة الهائلة المتبلورة في صفحات سجل اسلامنا المتلألئ الذي بعث به محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيا للعالمين ، وجاء ليكون المربي الاول للمجتمع العليل آنذاك الذي كان يرزح تحت وطأة العادات القبلية والحزازات والمشاحنات العصبية وحتى في البلدان المتحضرة آنذاك كالروم والفرس ، فقد كانت القوانين الجائرة قائمة هناك على قدم وساق .
والأجدر بنا في لقائنا هذا ان نتطرق الى احدى نواحي انحلال ذلك المجتمع فنراجع حال المرأة في تلك الفترة المغبرة لنرى ما كانت عليه من انعدام معنوي ، وتفاهة روحية . ففي الروم والفرس ـ مثلا ـ كانت المراة لا تعدو كونها آلة انتاج كأنها خلقت لتفيد المجتمع لا لتستفيد منه ومن ثم كانت


( 168 )


وسيلة لعقد الصداقات وحل المخاصمات تقدم هي فيها كهدية متواضعة لا حول له على المنع ولا طول .
وأما في جزيرة العرب فقد كانت تسود وجوههم اذا بشروا بها ويتوارون من الخجل كأنها قد ارتكبت بقدومها عليهم ابشع جريمة في الوقت الذي جاءت لتلد رجالا ، وتنشىء أجيالاً . وفجأة وفي غضون ذلك العصر المغبر ، وبدون سابق مقدمات انبثقت رسالة محمد الامين صلى الله عليه وآله ، لتكون رحمة للعالمين ( للملايين ) ، ولتكون رسالة عالمية تصلح العوج بالهداية ، وتقيم الحق بدستورها السماوي ، وهناك جاء دور المرأة المسلمة لتكون عضوا فعالا في المجتمع ، ولتشعر بمكانتها المعنوية التي سلبت منها فيما مضى ، وكيف لا نكتسب روح الثقة بانسانيتها وكرامتها ؟ والآية الكريمة تنص على وجودها الادبي والمعنوي والكلمات النبوية الخالدة التي نأخذ بيدها لنرفعها الى أوج العزة والكرامة فهي مخلوقة كالرجل سواء بسواء ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) ( خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ) ( وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه او كثر ) ثم يقول نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم قولته الماثورة : ( النساء شقائق الرجال ) .
وهكذا أخذت المرأة تحتل مكانها الطبيعي على أساس آيات القرآن وكلمات الرسول ( ص ) ، واخذ المجتمع الانساني


( 169 )


يؤمن بقدسيتها وجدارتها بالحياة ويقر لها بممارسة كل الحقوق التي تنسجم مع طبيعتها كأنثى ، ومن جانبها أيضاً أخذت تبني شخصيتها على أساس المفاهيم الاسلامية الكاملة من الفضيلة ، والعفة ، والاخلاق ، ادركت مهانة الرذيلة فارتفعت بروحها ومشاعرها عنها ، واحتفظت بنفسيتها نقية صافية متألقة وفهمت بشاعة الكذب فعملت على ألا تكذب ؛ وتعرفت على مواطن الضعف في الخداع فحرصت على ألا تخدع ، وملكت ان تخلق لنفسها كيانا خاصا فجهدت على ابداع ذلك الكيان ، وضربت المثل العليا على الامومة الحنانية والزوجية السعيدة المخلصة .
ثم انها عرفت ايضا ان تفي الاسلام حقه فمشت مهدية بهداه تحمل راية التبشير والدعوة اليه ، وقد زخرت نفسها بالعقيدة الاسلامية الفياضة ، واندفعت في عروقها دماء التضحية والمفاداة ، وكانت كلما ادلهمت الخطوب ازدادت حماسا واندفاعا وايمانا بقضيتها ، فهذه ( الزرقاء بنت عدي ) تقف بين صفوف المجاهدين تبث روحها ووعيها وتقوم بأداء رسالتها قائلة : ( يا ايها الناس انكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن قصد المحجة فيا لها من فتنة عمياء صماء ) . الى ان تقول : ( ان خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء ) . وهذه ( ام الخير بنت الحريش تخطب في الصف الاسلامي المجاهد من ابنائها واخوانها لتأجج فيهم نار البطولة وتفجر نور الايمان فتقول ( ايها الناس لولا ان تبطل


( 170 )


الحقوق ، وتعطل الحدود ، ويظهر الظالمون ، وتقوى كلمة الشيطان لما اخترنا المنايا على خفض العيش وطيبه ) .
لك الله يا أم الخير ما اروع كلماتك وأسماها ، انت في هذه الكلمات تلقنين النساء من بناتك المسلمات دروسا في التضحية للمبدا والعقيدة فلم يكن اندفاعك الثوري لأجل مكسب رخيص ولا موجة عاطفية مبتذلة وانما كان غضبة للحق ، وانتصارا للمثل الاسلامية العليا ، وتحديا للظالمين المنحرفين عن جادة الاسلام السوي ، الذين عطلوا الحدود وابطلوا الحقوق .
هكذا كانت المرأة تحتل مركزها اللائق في المجتمع الاسلامي وتشارك في مسؤليات الدعوة والتوجيه وتعتبر نفسها عضوا فعالا مسؤولا عن تركيز دعائم الحق ، واعلاء كلمة العدل ، وتباشر مسؤولياتها بالاساليب التي تتفق مع طبيعتها .
ولكن على مر الزمن وتعاقب السنين أخذت المرأة المسلمة تفقد شخصيتها مرة اخرى ، وتبعد عن دورها الذي أتاحه لها الاسلام ، وذلك بنتيجة سوء فهمها الاسلام والبعد عن روحه ومفاهيمه من ناحية وبنتيجة تغذية الثقافة الاستعمارية المسمومة المناقضة للاسلام ، والتي لا تنطوي في الحقيقة الا على الا على القضاء على اصالة المرأة وانوثتها وكرامتها كأنثى .


( 171 )


هكذا ضاعت المرأة بين الفهم الخاطئ للاسلام والمفاهيم الوافدة من الغرب ! واصبحت المرأة المسلمة بين أمرين فاما أمرأة لا حظ لها من الوجود الاجتماعي ولا نصيب لها من المساهمة في كل الحقوق الاجتماعية والكفرية ، واما أمرأة متفرنجة قد تجردت من انوثتها واعتبرتها شينا وعارا ، وراحت تزاحم الرجال بمناكبها وتسترجل لتكتسب حقوقها في الحياة العامة ..
والاسلام لا يقر هذا ولا ذاك فلا هو يفرض على المرأة ان تكون كمية مهملة تماما في الوجود الاجتماعي كله لا لذنب جنته إلا انوثتها ، ولا هو يفرض عليها التجرد عن انوثتها ويعتبر انوثتها عارا يجب ان تتخلص منه لتلتحق بقافلة الرجال ، بل هو النظام الوحيد الذي اقر للمرأة بخصائصها الطبيعية ، واعترف بها كأنثى ثم لم يجعل هذه الانوثة عيباً أو معيقا عن حصول المرأة على حقوقها وكرامتها الانسانية ، او عن مساهمتها في الحياة الفكرية والاجتماعية في حدود العفة والفضيلة .
فالاسلام يحفظ للمرأة حقوقها وكرامتها لا انه يجردها من انوثتها ليهبها تلك الكرامة كما تصنع الحضارة الغربية .


 

المرأة بين مفهومي العلم والثقافة

 


اختاه ...
كنت قد تحدثت في احدى الاعداد السابقة عن الثفافة والعلم واختلاف مفهوميهما وموقف الاسلام من كل منهما ، وقد افترقنا آنذاك على ان نعود فنلتقي ثانية لنتابع ما وقفنا عنده من بيان خطورة غزو الثقافة الاجنبية لبلادنا الاسلامية ، واستيلائها على مفاهيمنا ومثلنا العريقة وتخديرها لافكارنا بأفيونها الاستعماري البغيض ، وتشويهها لصفحة نتاجنا الاسلامي الذي هو مرآة حضارتنا العميقة .
ولنأخذ ـ على ذلك مثلا ـ الرسم فهو في حد ذاته شيء حسن وحسن جدا ، وقد خلد وخلد كثيرا ممن نبغوا فيه وأصبح عنوانا لحضارات مختلفة توسعت في الرسم بشتى أنواعه وأشكاله من نحت ، وتمثيل وتصوير ، ولكنه في الوقت ذاته يطبع متتبعيه وهواته بطابعه الخاص لأنه مرتبط بوجهة النظر العامة عن الحياة والكون والمفاهيم المأثورة عنها ، فإذا أخذت خطوطه وقواعده عن فنان يؤمن بوجهة النظر المادية عن الحياة والكون ومدلولاتها الاخلاقية والاجتماعية أصبحت الصورة مادية متحللة من القيم الروحية .


( 173 )


وأما اذا بني الفن على وجهة النظر الصحيحة للحياة والكون أصبح ناطقا معبرا عن الانسانية السامية ، ومشيرا الى المفاهيم الحكيمة العالية وكذلك الادب بشعره ونثره وهو الشيء الذي لا غنى لنا عنه لتنوير أفكارنا ، وتهذيبها ، وابراز مشاعرنا وتنسيقها ، قد اصبح عند بعض الادباء المتطرفين سلعة رخيصة تأخذ عن الادب الغربي مباذله ، وتكشفه ومن الادب الشرقي ماديته وانحرافه وكفره بالقيم والاخلاق الفاضلة الخيرة !
وقد استحال بعض ادبائنا مع كل الاسف ، الى مترجمين وناشرين لا أكثر ولا اقل !! ، أفكارهم غريبة عنهم بعيدة عن واقعهم ومجتمعهم تستهويهم الصيحة ، وتطربهم نغمة ، وتسكرهم رشفة ، فيغنون بأمجاد الاعداء وهم في غفلة ساهون ، ويهللون للافكار السامة وهم لا يكادون يفقهون منها شيئا ، وقد تشبعوا بالثقافة الاجنبية التي أدخلها الاستعمار الى بلداننا منذ عهد بعيد وهي التي انحرفت بجيلنا الناشيء ذات اليمين وذات اليسار ، وحرصت على تشويه انتاجاتنا الادبية بكل أشكال ونواحيها ، ومن جراء هذا الفهم الخاطئ للثقافة وهذه الثقافة الدخلية انتشر في ربوعنا مفهوم استعماري عدائي موجه نحونا نحن بنات الاسلام بالذات ! فشوهوا علينا دعوتنا لطلب العلم واستجاباتنا لدعوة الرسول اذ جعلوا من التعلم والسفور توأمان لا يفترقان !!


( 174 )


فكأنما التعليم ليس بممكن لا اذا برزت بغير غطاء ! في الوقت الذي يكون ذلك سهلا ويسيرا اذا طبق النظام الاسلامي ، وتطهرت معاهدنا من النفوذ الاجنبي ، وارتفع شبابنا عن وهدة الجنس وتسامى عن حضيض الرذيلة ، واذا عمت النظرة الأخيرة وشاعت الفكر الانسانية الفاضلة بين المجتمع الاسلامي ، واذا اكتسبن فتياتنا شيئاً من صمود امهاتهن المسلمات وراجعن عهودهن الزاهرات ، أيام كن يعقدن النوادي الادبية ويفحمن اعاظم الرجال ! من وراء حجاب ، ايام كن يشهدن الحروب الدامية ! وهن كالزهرة في الاكمام لم يعقهن الخمار عن خوض الميادين ولم يقعد بهن الحذر عن الانطباع بطابع الثقافة الاسلامية الصادقة وما أحلى ابيات وردت عن لسان شاعرة نابغة اذ تقول :

بيد العفاف اصون عز حجابي * وبعصمتي أسمو على أترابـي
وبفكــرة وقادة وقريحــة * نقادة قــد كملــت آدابـي
ما عاقني خجلي عن العليا ولا * سدل الخمار بلمتـي ونقابـي

بنت الهدى


( 175 )

 

دور المرأة المسلمة في الطف

 

 


أختاه ....
وبعد ، فما أروعه من لقاء يجمعنا على صفحة قرطاس في غضون هذه الأيام أيام محرم الحرام ، وبعد ان عشنا الأسبوعين المنصرمين مع أعظم كارثة اسلامية نستعيد ذكراها المستقرة في أعماق نفوسنا نحن المسلمين ، ونمجد خلودها الصاعد على مر العصور ، ونتابع حوادثها البطولية الرائعة ، لنستمد منها أسمى معاني الكفاح المتبلور بالاشعاعات السماوية ، والزاخر بالمثل الروحانية ، المليء بكل المعاني الخيرة التي تمثلت في يوم الطف ـ من عاشوراء ـ ، ذلك اليوم الذي لم يزل ولن يزال عبرة في صدور المسلمين ، وغرة في تاريخ الاسلام . ومشعلاً وهاجاً ينشر معالم العزة القعساء والايمان الصحيح . وطريقاً مهيعاً للخلود الروحي ، والبقاء الأدبي المعنوي ! .