|
المقدمة
هذه
ـ قارئي العزيز ـ ليست قصة ، فلست قصاصة ولا كاتبة للقصة ... بل أني لم
أحاول قبل الآن أن أكتب قصة. إلا أن هذا الذي أقدمه اليوم إليك ، راجية
أن ينال منك الرضا والقبول ، لا يعدو أن يكون صورة من صور المجتمع الذي
نعيشه وانموذجاً من واقع الحياة التي نحياها. حيث تتصارع قوى الخير
والشر وتلتحم العقيدة بجيشها الفكري والروحي في معركة مع حضارات
الاستعمار وأخلاق المستعمرين.
أنا
لا أقول أن الخيال لعب دوره في تجسيد صورة محدودة لهذا الصراع لكي
يبرزه بطريقة ترضيك وتدفعك إلى متابعته ولكن غايتي الواقعية ، هي إبراز
جوهر الصراع لا رتوشاته وهوامشه.. فإذا كنت قد نجحت في الجوهر والصورة
معاً فهذا غاية ما أتمناه وإلا فأني على ثقة من قدرة قصتك هذه على
إبراز المحتوى العقائدي للصراع الدائر بين دعوتي الفضيلة والرذيلة
وجوهر التناقض الذي تعاني منه حياة كل
( 12 )
مسلم ومسلمة في هذا العصر. على أن ما قمت به لا يعدو عن كونه محاولة
بنّاءة لفتح الطريق وتعبيده بغية السير في إحياء جهاز إعلامي صامت من
أجهزة الاعلام التي تواكب سيرنا ونحن في بداية المنعطف.
بنت الهدى
( 13 )
بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الأول
في
شرفة أحد المنازل جلست فتاتان تكبر أحداهما الأخرى ببضع سنين ، وإن
كانت كبراهما تبدو أكبر من واقعها ، نظراً لتراكم الأصباغ على وجهها ،
وتعقيد تسريحتها ومكياجها الصارخ ... لكن الثانية كانت على العكس منها
؛ فهي تبدو وكأنها في السادسة عشر ، مع أنها تناهز العشرين .. وكان
شعرها الذهبي مرسلاً على كتفيها ببساطة محببة ، وقد دل وضعها على أنها
هي صاحبة البيت ، وكانت تستمع إلى رفيقتها ... وقد لاحت على ملامحها
علامات الاستياء ، فلم يكن كلام صاحبتها بالكلام المهذب ، ولم تكن قد
اعتادت على الخوض في مثله أو الاستماع إلى هذا النمط من الحديث ،
فمحدثتها هذه هي بنت خالتها وقد رجعت وشيكاً من أوروبا بعد مدة قضتها
هناك بأمل أن يحصل زوجها على شهادة جامعية ، وبعد أن يأسا من ذلك عادا
دون أن يتمكن زوجها من نيل الشهادة . تلك هي سعاد ... وقد سمعت أخيراً
نبأ عقد قران بنت خالتها نقاء فبادرت إلى زيارتها بعد
( 14 )
سماعها للخبر مباشرة وهي مدفوعة إلى ذلك بدوافع عديدة ... وفعلاً فقد
كانت تمهد الطريق للدخول في الموضوع فهي مندفعة تحدث بنت خالتها عن
أوروبا وعن معالم الحضارة التي سحرتها ، وتحبب إليها السفر إلى هناك ،
وتحشو حديثها بكلمات ونكات مبتذلة كان لها تأثير عكسي على نقاء ! فقد
كانت تتجهم بدلاً عن الضحك ، وتضيق بالحديث بدلاً من الخوض فيه. فهي
فتاة مهذبة نشأت في أحضان أسرة مستقيمة محافظة حريصة على الآداب
الدينية. وقد عقد قرانها على شاب عريق الأصل رفيع المنبت حاصل على
شهادة ( الليسانس ) يدير محلاً تجارياً يستورد فيه البضائع من الخارج.
وعلى هذا فقد استقل بعمله التجاري الذي يدر كان أرباحاً طائلة وهو شاب
مسلم واقعي يؤمن بالاسلام كمبدأ وعقيدة ونظام . وقد عجل بالعقد الشرعي
ليملك حريته في الاتصال بعروسه. وقد قامت بينهما بعد ذلك علاقة حب
وإعجاب متبادل أخذت تتزايد على مر الأيام ، وكانت بعض ظروف الزوج
الخاصة تستوجب تأخير الزفاف. وقد ضاعت اتصال نقاء بعريسها من ثبات
روحياتها العالية ومن حرصها البالغ على مثل الاسلام وآدابه .. ولهذا
فقد كان من حق نقاء أن تستنكر على بنت خالتها أغلب ما كانت تقول ...
ولكنها لم تر من اللائق أن ترد عليها أو تعارضها بعنف ـ بما أن سعاد
ضيفتها ـ واكتفت بالاستماع. وبعد أن أتمت سعاد كل ما في جعبتها من كلام
سكتت برهة ثم أردفت قائلة :
( 15 )
ـ
إن أحسن منطقة تقضيان فيها شهر العسل هي إحدى دول أوروبا.
وهنا
رأت نقاء أن الواجب يدعوها لكي ترد ، فأجابت :
ـ
أوروبا ! لا ، نحن لن نذهب إلى أي بلد أوروبي ... ولكن قد نذهب إلى بعض
البلدان الاسلامية...
وضحكت
سعاد وهي ترد عليها في شيء من التهكم.
ـ
لعلكما تنويان أن تقضيا شهر عسلكما في مكة وفي موسم الحج ..
ـ
لا ، قد نذهب إلى الحج ولكن ليس خلال أيام شهر العسل.
ـ
ولماذا لا تقترحين على زوجك السفر إلى لندن أو باريس هل تعتقدين أنه
يتمكن على ذلك من الناحية المادية ؟
ـ
إن المادة ليست كل شيء يا سعاد ! ولكن إبراهيم لن يوافق على ذلك مطلقاً
وكذلك أنا أيضاً.
ـ
لعله يخشى السفر بالطائرة ، يمكنكما إذن أن تسافرا في السيارة أو على
ظهر الباخرة. وعلى فكرة هل يملك زوجك سيارة يا نقاء ؟
ـ
السيارة موجودة يا سعاد ، وهو لا يخاف من ركوب الطائرة أبداً ، ولكن
ابراهيم شاب مسلم محافظ لا يحلو له أن يقضي شهر العسل في أوروبا.
( 16 )
ـ
آه ... هل هو متأخر إلى هذا الحد ؟ إن هذا شيء مخيف ، له ما بعده يا
نقاء ...
ـ
لا يا سعاد أنه شاب مثقف متنور الأفكار.
ـ
إذن فما الذي يمنعه من السفر معك إلى أوروبا ؟
ـ
الدين ...
ـ
ماذا ! الدين ؟!
ـ
نعم ، الدين ... والدين فقط.
ـ
هل أتمكن أن أفهم من هذا أن زوجك رجل متدين ؟!
ـ
نعم ، والحمد لله.
ـ
أنتِ تقولين : والحمد لله ، لأنك تجهلين معنى أن تتزوج فتاة عصرية
مثقفة من رجل متدين وتجهلين ما يستوجب ذلك من قيود وحدود وأحكام صارمة.
ـ
لا ، أبداً أنا لست كما تظنين غافلة أو جاهلة ، ولكني فتاة مسلمة أعرف
أن للاسلام أحكامه وآدابه...
ـ
وهل قوانين الاسلام إلا قيود تشدك بأغلالها القاسية ! وهل آدابه سوى
أغوار سحيقة تحجبك عن المجتمع تحت سجوفها ؟
أنت
تقفين الآن على أبواب الحياة فلا تمكني الأفكار الرجعية أن تشوه
مستقبلك السعيد...
أنتِ
غلطانة يا سعاد ! إبراهيم قادر على أن يهبني السعادة الواقعية في
الحياة ، وأنا لا أهوى غير السعادة التي
( 17 )
يهيأها لي ، فقد أصبح بالنسبة لي كل شيء...
ـ
بالرغم من هذا ، فأنك لن تصبحي له كل شيء بل ولن تتمكني أن تكوني عنده
شيئاً بل ستكونين على هامش حياته وعلى الهامش دائماً !
ـ
سعاد !! إسحبي كلامك بسرعة ، فأن لي لدى إبراهيم المنزلة اللائقة
والمحل الرفيع ، الرفيع من الحب والحنان...
ـ
ما دمت في دور الخطوبة وما دامت لم يتمتع بك كما يريد ، ولكنه متى
اطمأن إلى استيلائه عليك سوف ترين الرجل المسلم كيف يكون !!
ـ
وأنت ألست مسملة يا سعاد ؟!
ـ
طبعاً أنا مسلمة ولكن ليس على غرار إسلام إبراهيم ، فمن رأيي أن للمرأة
الحرية الكاملة بالتمتع في الحياة وبما فيها من بهارج ولذائذ ، ولكن
إبراهيم يأبى إلا أن يجعل من المرأة العوبة طيعة وأداة محكومة لا أكثر
ولا أقل.
ـ
عجيب أمرك يا سعاد ! ما الذي يدفعك إلى هذه النقمة التي تنقمينها على
الاسلام وأنت مسلمة !؟ هل خدعتك أوربا ؟!.
ـ
أبداً ... لم تخدعني أوروبا ، ولكن حبي لك هو الذي دفعني إلى التصريح
بآرائي في هذا الصدد. لقد سررت كثيراً عندما سمعت نبأ خطوبتك يا نقاء
... ولكن الآن ؟!
( 18 )
ـ
ولكن الآن ماذا ؟!.
ـ
إذا أردت الواقع فأني قد أسفت بل حزنت ، فقد كنت أعدك لمستقبل أفضل...
ـ
ما يدريك يا سعاد ، فلعلني سعيدة جداً ، كما أنا في الواقع.
ـ
إذا كان زوجك من النفر الذين يتمشدقون بالاسلام ومفاهيمة فهو لن يتمكن
من اسعادك مطلقاً.
ـ
أنا لا أرتاح إلى تعبيرك هذا يا سعاد ، فمن تعنين بالنفر ؟ ليس الاسلام
وقفاً على نفر فحسب ، ألا ترين الملايين المؤمنة بالإسلام في كل مكان ؟
ـ
أنا أقصد بالنفر : هؤلاء الذين برزوا علينا بأقاويلهم الجوفاء التي لا
يبغون من ورائها سوى سيطرتهم على جنس المرأة ، والتحكم فيها ، بفرض
القيود والالتزامات.
ـ
ولكن الرجل المسلم ، له أيضاً أحكامه الخاصة والتزاماته المعينة ،
وليست الالتزامات وقفاً على النساء فقط.
ـ
لكنهم أحرار يفعلون ما يشاؤون بدون رقيب أو حسيب. أو لم يذهب إبراهيم
إلى أوروبا من قبل ، ألا يعتزم أن يذهب إليها بعد الآن ؟
ـ
أنه سوف يذهب إلى فرنسا بعد مدة وجيزة لأجل
( 19 )
التعاقد مع إحدى الشركات ، ولتقديم أطروحته للحصول على شهادة
الدكتوراه.
ـ
فهذا إذن حلال ، ولكن ذهابك حرام. أنه في حل من الاسلام مهما دار وسار
ولكن قيود الاسلام لا تطوق سوى عنقك يا نقاء.
ـ
أنا لست مقيدة يا سعاد ؟ فأنا سعيدة بإبراهيم ، وبكل مثله ومفاهيمه.
ـ
أنا آمل أن تكوني سعيدة ولكنك الآن في غفلة وأخشى أن لا تصحي منها إلا
بعد فوات الأوان.
ـ
ماذا تعنين يا سعاد ؟..
ـ
أعني أن الزواج لا يمكن أن يكون زواجاً ناجحاً إذا لم يكن قائماً على
أساس من مفاهيم الحضارة الحديثة ، والفتاة لن تحصل على السعادة إلا
بزواج ناجح ، ولهذا ترين أن الفتاة العصرية أخذت تتحرر من قيود أهلها
وتستقل باختيار الزوج الذي تريده.
ـ
أنا وابراهيم على اتفاق تام ولن تزيدنا الأيام إلا ثقة وتفان ووئاماً.
ـ
قد تبقين أنت قائمة على إخلاصك يا نقاء ، ولكن الرجال ليسوا كالمرأة
أنهم يخدعون زوجاتهم بأساليب وأساليب ، منها الدين ومنها العفة
والفضيلة ، فهم يحتجزونها
( 20 )
في الدار بحجة أنها مسلمة ، ويضنون عليها بكل غال ونفيس ببرهان أنها
عفيفة فاضلة.
ـ
وهل تعتبرين جلوس المرأة في دارها وعشها السعيد احتجازاً ؟!.
ـ
نعم ، فالمرأة لا تتمكن من الاحتفاظ بزوجها إلا إذا سايرته ورافقته في
رحلاته وسفراته وحفلاته ، ولكن المرأة التي تقبع في عقر دارها وتترك
لزوجها الحبل على الغارب لا يمكن لها أن تركن إلى دوام سعادتها في
الحياة الزوجية.
ـ
وهل تعرفين إبراهيم يا سعاد ؟ ليتك كنت عرفتيه ...
هنا
سكتت سعاد لحظة حاولت فيها أن يبدو صوتها طبيعياً وهي تقول :
ـ
لم يسبق لي أن رأيته يا عزيزتي.
ـ
لو عرفتيه لتبدلت نظرتك نحوه تبدلاً كلياً يا سعاد ! فهو رجل مثالي ،
حلم العذارى المؤمنات ...
وبدا
الارتباك على سعاد ، وتملمت في جلستها ، ثم قامت وهي تقول :
ـ
عليّ الآن أن أذهب فقد طال بي الجلوس ، ثم أني مدعوة إلى حفلة هذه
الليلة.
وعجبت
نقاء لفورية عزم سعاد على الخروج ، فقد كانت
( 21 )
مندفعة في كلامها وكأنها لا تنوي الانصراف ، وعندما ودعتها ورجعت كان
صوت أمها يتناهى إليها وهو يناديها من داخل الدار :
ـ
نقاء ... نقاء ... أين أنتِ يا عزيزتي ؟
ـ
ها أنا ذي يا اُماه.
ـ
منذ ساعة وأنتِ جالسة وحدك في الشرفة.
ـ
لا يا ماما ، لم أكن وحدي فقد كانت معي سعاد.
ـ
سعاد ! ألم تنصرف سعاد منذ ساعة أو أكثر.
ـ
نعم ولكنها اقترحت عليّ أن نجلس قليلاً في الشرفة.
ـ
لماذا ؟!.
ـ
لا أدري.
ـ
ولكن أمك أدرى يا نقاء .. لابد وأنا كانت تحدثك عن أوروبا وحضارتها
المزعومة.
ـ
تماماً كما قلت يا ماما.
ـ
الويل لها من غريرة ، ألم يكفها أنها لوثتها حضارة الغرب لتجيء وتسكب
على أذنيك كلماتها السامة ، أنها خشيت أن تخوض في هذا الموضوع أمامي ،
فآثرت أن تجتمع بك على حدة . يا لها من شيطانة.
ـ
أماه ! إنها بنت أختك فلا يصح لك ان تنعتيها بهذه الأوصاف !
ـ
أنا بريئة منها ومن سلوكها المنحرف ، أنها كانت السبب
( 22 )
في التعجيل بموت أختي ، فلم تكن أمها تطيق منها هذا السلوك ، والآن
تعالي حدثيني عما كانت تحدثك عنه سعاد ، لأرى أي نوع من الحديث هو ؟
ـ
دعي عنك ذلك يا ماما ، فهي لم تقصد من وراء كلامها أي سوء.
ـ
ليتها كانت هكذا ، وليتك تعرفينها على حقيقتها لكي لا تغرك بكلماتها
المعسولة.
ـ
هوني عليك يا ماما ، فأنا لا أتأثر بكلام سعاد وأفكارها ولكني لا أوافق
على نعتها بهذه النعوت ، أنها بنت خالتي على كل حال.
ثم
ذهبت نقاء إلى غرفتها واستلقت على سريرها ، وهي تحاول أن تصرف أفكارها
عن سعاد ، فهي لا تشك لحظة في اخلاص ابراهيم ، وأنه سوف لن يتوانى عن
تهيئة جميع أسباب السعادة لها في الحاضر والمستقبل ، ثم أنها بطبعها
أيضاً كانت تشعر بخطأ سعاد وانحرافها بأفكارها عن الصواب ... فكرت
بالمكسب الذي جنته سعاد من حياتها هذه وهي لم تحصل أخيراً إلا على زوج
عاطل ، لم يتمكن حتى من نيل شهادة جامعية أولية ، سواءاً في بلده أو في
الخارج.
وقد
استعاض عن ذلك بأمواله التي ورثها عن أبيه ينفق منها ما يشاء في
مغامراته ولهوه دون أن يتخذ نعمة الله
( 23 )
مصاريف خير وطمأنينة وهناء ، لكن سعاد لم يكن يهمها غير المال ، ولا
تعيش إلا لأجله. وصممت نقاء على أن تسأل إبراهيم عن واقع المرأة في
الاسلام ، وعن حقيقة نظرته نحوها ، فهي واثقة من أنه كفيل بإيضاح
الواقع وتفسير ناحية فرق المرأة عن الرجل في الاسلام.
الفصل الثاني
أما
سعاد فقد استقلت سيارتها ، وانطلقت بأقصى سرعة ، وكأنها كانت تحاول أن
تصب جام غضبها على هذه الآلات المتحركة ، وعندما وصلت الدار توجهت إلى
غرفتها دون أن تعرج على الصالون ، لترى زوجها هل رجع أم لا ؟ وألقت
بنفسها على الكرسي وهي في حالة انفعال عصيب. وتمتمت قائلة :
ـ
الويل له من عنيد ، ألم يكفه أنه ردني عن نفسه ذلك الرد القاسي حتى جاء
لينكث جراحي ، فخطب نقاء ، فهو يظن أن نقاء تنسجم مع مفاهيمه ومثله ،
وهي التي لا ميزة لها عليّ إلا لتوهمه أنها فتاة فاضلة ... أنا التي
سعيت إليه بنفسي قبل أربع سنوات ، لم يستجب لتوسلاتي بحجة أني طائشة
ومنحرفة عن آداب الاسلام ، الاسلام الذي يؤمن بمفاهيمه ، ولكنه سوف
يعلم أن نقاء هذه لن تكون غير غانية لعوب ، سوف أعرف كيف أنفث فيها
السم الذي تجرعته من قبل ، والذي أدى إلى ما أنا عليه من ضيعة وتفاهة
في الحياة ، سوف أسدد نحوها نفس السهم الذي أرداني وحرمني من إبراهيم ،
( 26 )
سهم الحضارة الحديثة ، سوف أجعلها واحدة من آلاف الفتيات المخدوعات
اللواتي سرن وراء النفير الأجنبي فتحطمت حياتهن من جراء ذلك ، أو لست
واحدة منهن ؟ ... ألم أضطر أخيراً إلى الزواج من هذا الرجل التافه على
أمل أن أشبع نهمي إلى المال وأتمتع بما تصبو إليه نفسي من متعه ولهو ؟
... ألم أخضع لسلطان ماله فتجرعت مجونه وتبذله لكي أبقي على الذهب بين
يدي ؟ .. سوف أحرم نقاء من إبراهيم كما حرمني نفسه من قبل. سوف لن
أمكنه من الحصول على غايته المنشودة ، فهو كان يسعى خلف زوجة مثالية
مسلمة مستقيمة ... وسوف أريه أن ذلك محال ، سوف يعرف أن نقاء لا تختلف
عن سعاد لو أتيحت لها الفرصة ، أنه يذهب للحصول على شهادة الدكتوراه في
الوقت الذي لم يحصل زوجي حتى على شهادة جامعية أولية. محال أن أدع نقاء
تنعم بزوج كإبراهيم ، أنا كنت أعرف أنه رجل عبقري صلب العقيدة ولكنه
عنيد رجعي مغرور.
وهنا
شعرت سعاد أن باب غرفتها يفتح ببطىء ، فتطلعت نحوها لترى زوجها محمود
وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة تخابث ثم قال :
لقد
ظننتك مريضة يا سعاد وأنت تتجهين إلى غرفتك دون أن تعرجي عليّ ، والان
هل لي أن أدخل ؟ ...
ـ
وحاولت سعاد أن تبدو طبيعية ، وهي ترد عليه قائلة :
( 27 )
ـ
كنت أشعر بصداع شديد منعني أن أعرج على الصالون.
ـ
ولكنك الآن في صحة جيدة ، ثم هل أن جلوسك على هذا الكرسي وأنت في كامل
ملابسك شيء مريح ؟ أم أن مجرد رؤيتي بالخصوص كانت تتعبك يا سعاد ؟
ـ
أرجوك يا محمود ... أراك لا تتوانى عن إثارتي في كل مناسبة ، أنا لم
أكن أعرف وجودك في البيت.
ـ
شكراً .. ألم تلاحظي وقوف السيارة في الباب ؟!..
ـ
أبداً ... فقد فاتني ذلك.
ـ
لابد أنك كنت في شغل شاغل عن ذلك.
ـ
قلت لك : أنني كنت أشعر بصداع شديد.
ـ
ولكنك الآن على ما يبدو في أحسن صحة والحمد لله ؟
ـ
محمود ... ما لي أراك تأبى إلا أن تغيظني بأية طريقة ؟
ـ
معاذ الله يا سعاد ، فما أنا سوى واحد من عشرات الراكعين على قدميك ،
قدميك ، و...
ـ
يكفي يا محمود ، أنا أعرف كلماتك وأقاويلك مقدماً
( 28 )
فلا داعي لتكرارها ، فأنا أصبحت أتمكن أن أخمن ما الذي سوف تتحفني به
من حكم وآيات.
ـ
وهل تروقك الحكم يا سعاد ؟ أو هل تتمكني أن تفهمي حكمة واحدة لو كنت
حكيماً ؟ إن من حسن طالعك أن ساقني الحظ إليك ، فأنت لا تكوني تصلحي
لزوج سواي.
ـ
وأنت ، هل أن هناك امرأة كانت تطيقك غيري وأنت على ما عليه من تفاهة في
الحياة ؟ أنت تتكلم عني وتنسى نفسك.
ـ
وكيف ؟ هل أنا سيء إلى هذه الدرجة ؟.
ـ
المهم أن تعرف أني لو لم أكن زوجة ممتازة لما تحملتك يوماً واحداً فليس
لديك ما يحببك إلى المرأة.
ـ
فلماذا إذن رضيت بي زوجاً ؟ ولماذا طلبت مني ذلك ودعوتني إليه ؟!.
ـ
يا لك من رجل وضيع ...
ـ
لا بأس يا سعاد ، أنا أعلم أن عندي ما يشدك إليّ ، أنت تعبدين المال
وعندي منه الشيء الكثير ، وعندك أيضاً ما يشدني إليك فأنا أعبد اللذة
والجمال وعندك
( 29 )
منهما الشيء الكثير ، ثم أني أريد أن أعيش حراً ، فلابد وأن تكون زوجتي
حرة أيضاً ، وعلى هذا فإن كلاً منّا مشدود لصاحبه.
ـ
هل انتهيت يا محمود ؟
ـ
لا ... فمنذ يومين لم أتمكن أن أراك لحظة واحدة ، لياليك في الحفلات
... وساعات نهارك في محلات التجميل ... وكأنك قد نسيت أن لك زوجاً
وبيتاً ... لا أدري ماذا كنا سنصنع لو كان لدينا طفل ؟
نطق
محمود بكلمته الأخيرة بمرارة وكأنه ينتزعها من فمه انتزاعاً ، ولكن
سعاد لم تهمله لكي يكمل هجومها عليها ، فقد وقفت وهي تقول : أرجوك أن
تتركني وحدي يا محمود أنا تعبانة ومريضة أيضاً ، ولابد لي أن أنام.
ـ
إذن فأنتِ لا تريدين أن تتناولي معي طعام العشاء.
ـ
لا ، مطلقاً ، إذهب عني يا محمود فإن حالي ليس على ما يرام.
ـ
أهكذا تطردينني يا سعاد ، ماذا لو ذهبت إلى غير رجعة ؟.
وكادت
سعاد أن ترد عليه قائلة : إذهب لا أرجعك الله ... ولكنها سرعان ما
تمالكت عواطفها ، فمحمود بالنسبة
( 30 )
لها رصيد ضخم من المال ، فهل يصح أن تتنازل عن هذا الرصيد ؟ أنها لا
تحب محمود ، بل أنها تحتقره وتنفر منه ، فهو لا يعدو عن كونه وجوداً
تافهاً في الحياة ، لا يملك غير المال ، وحتى أساليب لهوه ومجونه هي
التي علمته إياها ودلته عليها ، لكي يتسنى لها أن تعيش معه وهي حرة كما
تريد ، ولكن أمواله وبريق الذهب المكدس في صناديقه ، وداره الفخمة
الشاهقة ، وسيارته الفارهة ، لم يكن في مقدورها التنازل عن كل هذه
الأمور ، ولهذا فقد حاولت أن تطبع على وجهها ابتسامة كانت قد اعتادت أن
تأتي بأمثالها متى شاءت ولمن شاءت ، ثم قالت :
ـ
أنت تعلم يا محمود أنك إذا ذهبت عني فلن تطيب لي الحياة بدونك ، ولكن
الصداع ـ وفي نفسها تقول الصراع ـ هو الذي يدعوني إلى الانفراد بنفسي
والركون إلى الراحة.
ـ
ليتك لم تكوني جميلة ، أو ليتني لم اكن عبداً لملذاتي ، إذن لعرفت كيف
أتصرف معك ، وكيف أميت فيك هذا الغرور ، لابد أنك تودين لو تقولين لي :
ليتك لم تكن غنياً ، فدعيني أنا أقولها بدلاً عنك : ليتني لم أكن غنياً
، إذن لما وقعت في أحابيلك الشائكة.
ـ
يا عزيزي ! أنت تتجنى عليّ كثيراً فأنا لا أحب فيك إلا شخصك الكريم.
( 31 )
ـ
شكراً .. شكراً. وأخيراً أما زلت تصرين على إقصائي ؟
ـ
إن جل ما أرجوه أن تكون قريباً مني دائماً ولكن الآن أرجوك أن تنصرف
فأنا في حاجة إلى النوم.
ـ
هكذا أنت دائماً ، كلماتك معسولة ، وأفعالك جارحة ، وها أنا ذاهب
فإطمإني.
ثم
نهض محمود وغادر الغرفة دون أن يلقي عليها كلمة وداع ، وساء سعاد أن
يتركها محمود غاضباً ، وخشيت إلى لحظة أن تكون قد فرطت فيه. ولكنها
عادت إلى ثقتها بجمالها وباستحواذها عليه فرددت في نفسها قائلة :
ـ
إن هذا لا يهم فهو رهن إشارتي حين الطلب ، لا يكلفني إرضاؤه سوى بسمة
واحدة أو كلمة عذبة ، فلأدعه يغضب حتى أنهي فكري من ناحية إبراهيم ،
ذلك الرجل العنيد الذي احتقرني وازدراني بحجة المثل والمفاهيم ، والذي
استهان بجمالي وفتوتي ولكوني سافرة ، ولكوني على حد تعبيره منحرفة.
واستلقت
في سريرها ، وقد نسيت كل شيء عن محمود ، وخصامها معه ، فلم يكن هذا
بالنسبة لها الشيء الجديد ، وقد درجا عليه منذ اليوم الأول لزواجهما ،
ولكن أفكارها كانت متجهة إلى ناحية واحدة ، ومتركزة في اتجاه واحد ،
وهو
( 32 )
كيفية الانتقام من إبراهيم ، ومن معتقداته وآرائه التي حالت به دونها ،
فهي تسعى إلى أن تنتقم من إبراهيم في شخص نقاء ، وأن لا تدع نقاء تفوز
به دونها ، أنها لن تترك نقاء تسعد وزوجاً كإبراهيم ، في الوقت الذي
تعيش فيه هي مع زوج مثل محمود ، وسهرت سعاد ليلتها تفكر في أحسن طريقة
للانتقام.
الفصل الثالث
أصبح
الصباح ، ونقاء تتلهف لقدوم إبراهيم ، لكي تستوضحه عما تعرضت إليه سعاد
في حديثها عن حق المرأة في الاسلام ، وفي الوقت المعين جاء إبراهيم ،
وكان من عادته أن يعرج عليها كل يوم قبل ذهابه إلى المحل. واستقبلته
نقاء فرحة مستبشرة ، ولاحظ إبراهيم عندما استقر به الجلوس أن عند نقاء
ما تحاول أن تقوله ، وأنها في طريقها إلى أن تفتح معه حديثاً ، فتناول
يدها وهو يقول :
ـ
مالك اليوم يا نقاء !
وابتسمت
نقاء وهي تقول :
ـ
مالي !...
ـ
أكاد أرى كلمات حائرة على شفتيك يا عزيزتي ، وأكاد أقرأ أفكاراً مضطربة
في رأسك الجميل ، قولي ما عندك ، فكلي آذان صاغية ...
هل
تستمع إليّ حقاً يا إبراهيم ؟
( 34 )
ـ
أي وربي فإن لذة الاستماع إليك لا تفوقها لذة على وجه الأرض.
ـ
حتى ولو كان حديثي سؤالاً ...
ـ
أي شيء كان يا نقاء.
ـ
إبراهيم ! ما الفرق بين المرأة والرجل في دين الاسلام ؟
ـ
لا شيء فهما بشر متساويان ، للمرأة ما للرجل ، وعليها ما عليه ، وقد
خلق الله المرأة والرجل من طينة واحدة.
ـ
فلماذا إذن ؟!.
ـ
ماذا يا نقاء ؟!.
ـ
أقصد لماذا فرض الاسلام على المرأة المسلمة قيوداً لم يفرضها على الرجل
؟.
ـ
إنه لم يفرض عليها أي قيد ، سوى ما تفرضه عليها طبيعتها ويتطلبه
تكوينها ، وليست المرأة المسلمة واقعة تحت أي ضغط أو تشديد من قبل
الاسلام.
ـ
أو ليس الحجاب قيداً للمرأة المسلمة ، وحائلاً دون تمتعها بالحياة كما
تريد ؟ أو ليس الحجاب هو المانع الرئيسي عن سفري معك إلى أوروبا مثلاً
؟
( 35 )
ـ
أبداً ... ليس حجابك هو المانع في هذه المسألة بالذات ، وليس الحجاب
بما هو حجاب يحول دون المرأة وأي شيء ، فأنا أتمكن أن أسافر معك إلى
أوروبا وأنت على حجابك يا نقاء ، لو كانت أوروبا بلداً نقية ولو كانت
حضارتها حضارة صادقة أو كان مجتمعها مجتمعاً فاضلاً. أنا حينما أعارض
فكرة السفر إلى أوروبا أعارضها على حساب محيطها ومجتمعها المتحلل ،
وأنا حينما أنقم على الفتيات سفرهن إلى هناك ، خوفاً عليهن من أن
يتلوثن بجراثيمها السامة. ولو كنت أعرف أن في ذهابك إلى أوروبا منفعة
تجنينها من وراء ذلك ، لما ترددت لحظة أن أصحبك إليها مع ما أنت عليه
من حجاب.
ـ
أو ليس استطلاع معالم الحضارة والمدنية هناك مكسباً مهماً يا إبراهيم ؟
ـ
هذه النقطة بالذات هي مصدر جميع متاعب الفتيات ، فنحن المسلمون ، لا
يصح لنا أن نعتبر أوروبا صاحبة حضارة صالحة. فالحضارة الواقعية هي
حضارة الاسلام لا غير ، وليست أوروبا وحضارتها لو تعمقنا في درسها سوى
تعبير مجدد مبطن عن الجاهلية ، وعلى الخصوص فيما يتعلق بالمرأة
الاوروبية.
ـ
وكيف ؟ ألم تنافس المرأة الأوروبية الرجل في بلادها وتحصل على حقها
كاملاً في الحياة ؟
( 36 )
ـ
مطلقاً ... فالمرأة الأوروبية لم تحصل ضمن قوانين أوروبا على بعض ما
حصلت عليه المرأة المسلمة في ظل شريعة الاسلام ، بل أنها لم تتمكن حتى
من الاحتفاظ بأنوثتها ، فالمرأة الغربية ليست سوى أداة طيعة في أيدي
الرجال ، لا تملك شيئاً ، ولا تستقل في أمر من الأمور ، في الوقت الذي
تتمتع فيه المرأة المسلمة بكيان مستقل ، وشخصية ثابتة ، لها حقها
الكامل في التصرف بمالها وكيانها في الحياة.
المرأة
الغربية مغرر بها يا نقاء ، خدعوها ببهرج الحياة وزخرفها في الوقت الذي
لا تملك هي فيه حتى ذاك البهرج والزخرف ، أوهموها أنها حرة ، تغطية
لنفوذ الرجل عليها في جميع المجالات. ثقي يا عزيزتي أن لو كان في
أوروبا بيئة صالحة ومجتمع خير ، لصحبتك إليها راغباً غير مجبور.
ـ
أنا على ثقة في ذلك يا إبراهيم ، ولن يعتريني الشك لحظة في حبك لي
وحرصك على سعادتي ، ولكني أريد أن أحصل منك على دليل دامغ يرد على كل
من يشكك في سعادة حياتنا الزوجية ، ويخشى عليها من التزامات الإسلام .
أنا على يقين من صواب نهجنا في الحياة.
ـ
وهل هناك حياة سعيدة إذا لم تنهج نهج الإسلام ، ليتك تعلمين يا نقاء ،
سحب الشقاء التي تطبق على بيوت المنحرفين عن الإسلام ، والمشاكل الجسام
التي تثقل كواهلهم ، وتفكك
( 37 )
حياتهم ، وتشتت شملهم ، إن الحياة الزوجية التي تقوم على أسس صحيحة من
المثل والمثالية هي التي ستكون حياة زوجية مثالية ، فكوني واثقة يا
حبيبتي من أن حياتك الزوجية سوف تغدو حافلة بجميع أنواع المسرات مفعمة
بألوان السعادة والنجاح.
ـ
أنا واثقة من ذلك يا إبراهيم ، وقد اطمأننت إلى ذلك منذ اليوم الأول
لخطوبتنا وعرف أنك رجل مثالي ، وأنك أقدر ما تكون على إسعاد زوجك في
الحياة.
ـ
وأنا واثق أيضاً أن روحك الطاهرة بصفائها ونقائها تتسع لكل المثل
الخيرة والمفاهيم العليا.
ـ
شكراً لك يا إبراهيم ، أنت تمكنني أن أثق من نفسي ، وتهبني القوة في
الاعتماد على سلوكي وتصرفاتي في الحياة.
وهنا
ألقى إبراهيم نظرة على ساعته وكانت تقارب العاشرة ، ثم ابتسم وهو يقول
:
ـ
يتحتم عليّ أن أنصرف الآن ، فأنا على موعد مع صاحب لي في تمام العاشرة.
ـ
أرجو أن لا أكون قد أزعجتك يا ابراهيم.
ـ
بل العكس تماماً ، فأنا سعيد بسؤالك يا نقاء ، ولكن آسف لعدم تمكني من
المكث مدة أكثر لأستمع إلى كل ما
( 38 )
يدور في فكرك من أسئلة ، وسوف أعود عند العصر لأستمع إلى ما تقولين إن
شاء الله.
ـ
أنا لا اسأل لنفسي يا ابراهيم ، فأنا واثقة من ديني ومن عقيدتي ،
ولكنها أسئلة تتردد على ألسنة بعض الفتيات ، وكان لابد لي أن أجيب
عليها.
ـ
أحرصي على أن تكوني بشخصك وسلوكك نعم الجواب ، واجهدي أن تجعلي من نفسك
أنموذجاً للفتاة المسلمة السعيدة.
ـ
سوف أحاول أن أكون كذلك ، والآن حدثني هل أنت لا تزال تسعى لتقديم موعد
سفرك إلى فرنسا ؟
ـ
أنا في سبيل محاولة ذلك ، فمتى ما تقدم سفري وانتهت مهمتي هناك سوف
تنتهي أيام بعدنا عن بعضنا يا نقاء ، وسوف يضمنا عشنا الهانيء السعيد.
وسكتت
نقاء فلم ترد عليه واكتفت أن ابتسمت ابتسامة عذبة بريئة ... ثم نهض
إبراهيم فودعها وانصرف.
وعلى
طول الطريق كان يفكر وهو يقود سيارته ، في نقاء ، أتراها كانت تسأل
مندفعة بشعور شخصي أم مجرد سؤال ، وآلمه أن تكون أفكار الفتيات
الطائشات قد شوشت على نقاء ، فكرها الصافي النقي ، وصمم على أن يعود
فيتحدث معها في هذا الموضوع لكي يرفع عنها كل ريب أو شك ، فهو يريد
( 39 )
من فتاة أحلامه أن تكون منسجمة معه في الفكرة والرأي والعقيدة. وكان
مما حبب نقاء إليه ودفعه إلى طلب يدها هو اعتدال سلوكها وقوة شخصيتها ،
فهو حريص على أن لا يقرن حياته مع فتاة نزقة طائشة تلعب مع الريح يمنة
ويسرة. وقفزت إلى ذهنه فجأة ذكرى حادثة قديمة مرت به منذ أربع سنوات
يوم كانت إحدى الفتيات المخدوعات تحاول أن تستدرجه نحوها بأساليب من
الاغراء. ابتسم وهو يتذكر أن تلك الفتاة كانت تأمل أن تنحرف به عن
الطريق السوي كيما يمكنها الحصول عليه ، وكيف أنها كانت تحاول جره
نحوها بكل طريقة وبشتى الأساليب.
وكانت
ابتسامته مزيجاً من الرضا ، لصموده حين ذاك ، والرضاء لاختياره لنقاء
الآن ، وود لو علم إلى أين انتهى المطاف بتلك الفتاة ، وهل تمكنت
أخيراً من الحصول على صيد ثمين ؟. أو هل تمكنت من نصب أحابيلها حول رجل
مسكين تخدعه كما حاولت خداعه من قبل ؟.
ولكن
أنى له أن يفهم عنها شيئاً وهو لا يذكر حتى مجرد إسمها ؟ وود صادقاً أن
تكون قد سعدت بزوج فاضل يسير بها إلى جادة الصواب.
الفصل الرابع
مر
أسبوع نسيت نقاء خلاله حديث سعاد ، وكادت أن تنسى سعاد نفسها أيضاً ،
فقد كانت تعيش في نعيم مستمر وهي تتذوق كل يوم كأساً جديدة من كؤوس
السعادة والهناء ، ولم يكن لديها ما يكدر صفوها سوى ترقب قرب سفر
إبراهيم. وفي أحد الأيام ذهب إبراهيم في مهمة إلى اللاذقية ، واتفق أن
كانت في ذلك اليوم على موعد مع الخياطة لتذهب لعمل القياسات. ونظراً
لعدم وجود إبراهيم اضطرت إلى الوقوف في الشارع لانتظار سيارة تقلها إلى
حيث تريد. وفجأة أبصرت أمامها سعاد وهي تترجل من سيارتها قائلة :
ـ
يا لها من صدفة سعيدة ، تفضلي واركبي معي يا نقاء ! فأنا على استعداد
لايصالك إلى حيث تشائين.
ولم
تشأ نقاء أن تركب مع سعاد ، فاعتذرت عن ذلك ، ولكن سعاد ألحت عليها
بالطلب بصورة لم يسعها إلا أن تجيب ، وركبت السيارة إلى جوار سعاد ،
وكانت سعاد هي التي تسوق سيارتها دائماً وبعد أن سارت بهما السيارة مدة
وجيزة التفتت سعاد نحوها قائلة :
( 42 )
ـ
كأني قد سمعت منك أن لدى ... لدى ... أعذريني ، أقصد لدى زوجك ، فقد
نسيت اسمه .. لديه سيارة.
ـ
لقد سافر إبراهيم في ساعة مبكرة من الصباح في مهمة مستعجلة إلى
اللاذقية.
ـ
لابد لي أن أتعرف عليه يوماً ما يا نقاء.
ـ
طبعاً طبعاً.
ـ
ولكني أخشاه..
ـ
أنت غلطانة يا سعاد ! فهو دمث الاخلاق محبب إلى النفس.
ـ
ولكنه على ما سمعت منك يا عزيزتي رجل شديد ، صارم ، له سلوك خاص.
ـ
أنا لم أقل شيئاً من هذا يا سعاد ! فهو لين الجانب ، سهل العريكة ،
مسالم إلى أقصى حد.
ـ
بالنسبة لك طبعاً ، وبعد أن سخرك لآرائه وأفكاره ، أما بالنسبة لنا ـ
نحن النساء العصريات ـ فلا.
ـ
أنا لا يعجبني منك هذا التعبير يا سعاد ، أنه لم يسخرني أبداً فأنا
بطبعي أشاركه في آرائه وأفكاره.
ـ
ما شاء الله يا لكما من زوجين سعيدين.
( 43)
ـ
واقعاً...
ـ
على فكرة يا عزيزتي ! هل تفكرين أن تتعلمي السياقة يوماً ما ؟
ـ
لا ، لأنها ليست ضرورية للمرأة ، ولست في حاجة إليها.
ـ
ولماذا ... ؟.
ـ
الواقع إني لا أشعر بحاجة إلى ذلك ، فان ابراهيم على استعداد لايصالي
إلى حيث أريد ، ثم إني لن أركب السيارة وحدي بدونه ، فما الذي يدعوني
إلى أن أقودها بدلاً عنه !.
ـ
طبعاً أنه سوف لن يسمح لك بذلك ، وسوف يكون له من هذا أحسن حجة
لمتابعتك إلى حيث تذهبين ، ولكنك سوف لن تستطيعي أن تتابعيه حتى إلى
مكان واحد بحجة أنك مسلمة محافظة.
ـ
وما لي وله يا سعاد ! هل ترين لي من اللائق أن أذهب معه إلى المحل أو
أجلس بجواره في غرفة الحسابات ، أن هذه أمور من اختصاصه هو وحده.
ـ
وسهراته وحفلاته ورحلاته .. ووو... إلى آخر تحركاته وتنقلاته ؟.
ـ
لكل رجل رحلاته وحفلاته ، كما أن للمرأة أيضاً حفلاتها وزياراتها
الخاصة.
( 44 )
|