|
المرأة مع النبي
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
(
يا أيها الناس اتقوا
ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً
ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيباً
) النساء | 21
إن
الاسلام هو الدين الوحيد الذي أعطى المرأة حقوقاً ومزايا لم يعطها من
قبله ولا من بعده تشريع أو نظام أيا كان هذا التشريع أو النظام . فمهما
بلغت معرفة المخلوق فهي ناقصة أمام علم الخالق الذي جعل الرجل والمرأة
من نفس واحدة وميزهما بخصائص ـ لا تعد نقصاً في جانب دون جانب ـ يترتب
عليها واجبات والتزامات ليست من باب المفاضلة ولكنها من قبيل الشيء
يتمم
( 240 )
بعضه ويحتاج إليه ، وفي ذلك حكمة من الله سبحانه وتعالى لإعمار هذا
الكون ، وإذا كان هناك مجال للتفضيل فقد بينه الإسلام في القرآن الكريم
في كثير من آياته منها قوله تعالى : (
يا أيها الناس إنا خلقناكم من
ذكر وإنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم
إن الله عليم خبير
) الحجرات | 13 .
والسنة
النبوية الشريفة خير دليل وأوضح برهان في معاملة الرجل للمرأة ،
والرسول الكريم الذي يتجسّد فيه الإسلام هو القدوة الصالحة لنا جميعاً
حيث مارس الحياة مع المرأة زوجاً وأباً وهو الذي يقول : « ما أكرم
النساء إلا كريم ، وما أهانهن إلا لئيم » .
ولا
أريد أن أطيل في الكلام بل أترك للقارئ الكريم فرصة للأطلاع على ما
كتبته الكاتبة الإسلامية الشهيدة السعيدة والسيدة الفاضلة آمنة الصدر «
بنت الهدى » عن المرأة في حياة النبي وشريعته ليحكم بنفسه بأن الإسلام
هو الذي أنصف المرأة ورفع مكانتها ويكشف زيف المتشدقين من أصحاب
النوايا السيئة الذين يتباكون على حقوق المرأة متهمين الإسلام بشأنها
ليغرروا بها
( 241 )
ويجعلوها متعة وأداة عمل وآلة انتاج تحت شعارات العلم والتقدم
ويجرّدوها من كل القيم والمثل التي ميزها بها الإسلام الحنيف .
فالله
نسأل أن يسدد خطانا ، ويوفقنا للسير عل نهج النبي والأئمة عليهم السلام
في كل مجالات حياتنا هو مولانا عليه توكلنا وإليه المصير .
( 242 )
( 243 )
بسم الله الرحمن الرحيم
نساء في حياة النبي ( صلى الله عليه
وآله وسلم )
كان
عصر الظلام ، وإن كان لها عصر النور ، وكان عصر الجهل ، وإن كانت فيه
أعرف ما تكون . كان عصر الوحشية البغضية ولكنها كانت مثالاً للإنسانية
الكاملة . فهي عقيلة خيرة شباب عصره عبدالله بن عبد المطلب ، ومن الذي
ينكر عبدالله أو ينكر من فضله شيئاً ، وهو حلم عذارى قريش ومرمى آمال
الفتيات ، وقد تخيرها هي دون سواها لتكون له زوجاً ولنسله اُماً ، فمن
أجدر من آمنة بنت وهب وهي المتحدرة من أعرق الأسر ، والمتقلبة في أعز
أحضان ، أن تحتل هذه المكانة الفذة .
نعم
كانت صاحبتنا هذه هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة
بن كعب ، وقد جلست إلى ظل شجرة وارفة الظلال لتستعيد ذكرى أيام عذاب
وسويعات هناء وصفاء ، وتنصت إلى صدى الزمن
( 244 )
الفائت ، وهو يتردد في أعماقها كأروع ما يكون الصدى ، وتستمد من ذكرى
حبيبها الغائب رصيداً من الشجاعة يساعدها على مر الفراق ، فأنى لها
الآن بذلك الزوج البار الذي فارقته مرغمة وفارقها مرغماً أيضاً ، وما
أحوجها إليه في أيامها هذه التي توشك أن تستقبل فيها قادماً جديداً
ووليداً عزيزاً . . . ما أحوجها إلى ذلك الحبيب الغائب ليهدهدها بحنانه
ويشاركها آمالها وأمانيها وينتظر معها ابنهما البكر ، فها هي تكاد
تستمع إلى دقات قلب جنينها الغالي وهي سعيدة لذلك لولا سحابة من ألم
ظللت سعادتها لبعد الأب الحبيب ولكنها تعود لتقول عسى أن يكون اللقاء
قريباً ، وهي تأمل أن يصلها خبر قدوم الغائب المنتظر في غضون هذه
الأيام .
فعبدالله
كما لا تشك آمنة لحظة سوف لا يألو جهداً في الإسراع بالرجوع ، وسوف
يبذل كل محاولة ممكنة لإنجاز مهمته في أسرع وقت ، وقد خلف وراءه في مكة
زوجة عروساً تحمل له في أحشائها جنيناً وتضم له في قلبها حباً وحنيناً
، ولهذا فلا تشك آمنة في رغبة زوجها بالأبوة السريعة وفي أنه لن يماطل
في سفره ولن يتقاعد عن اللحوق بأهله سريعاً مهما طاب له المقام في
الخارج ،
( 245 )
فهي لا تنسى أبداً ساعة إذ أقبل إليها مودعاً ، وقد أوشكت القافلة على
المسير .
وهي
لا تنسى أبداً أيضاً تلك الخطوط العريضة الواضحة من الحب والعطف ، وهي
مرسومة على وجهه المشرق المضيء ، ولا تنسى أبداً كيف أنه مكث معها ،
وكأنه لا يريد أن ينصرف ، أو كأنه لا يتمكن من الإنصراف حتى انتزعه
إخوته من أمامها انتزاعاً ، وهم يهونون عليه مدة البعد ، ويمزحون معه
ويتضاحكون وهي لا تنسى أيضاً كيف أنه كان يلتفت نحوها ، وهو سائر إلى
حيث تنتظره العير .
وفي
كل لفتة من لفتاته كانت تقرأ معنى من معاني الحب حين يلتهب ، ويشد
إنساناً إلى إنسان . كان زوجها المسافر يحس بأنه مخلف وراءه شيئاً لم
يسبق لغيره من المسافرين أن خلف مثله . . .
وكان
يشعر أن آمنة وهي تحمل له جنينه الغالي ، قد بدت لعينيه في تلك اللمحات
داخل إطار من نور مقدس ، ووسط هالة من الإشعاع السماوي ، ولكنه كان
مضطراً إلى السفر فسافر وهو على أمل لقاء قريب .
( 246 )
وهكذا
تستمر آمنة بنت وهب سارحة مع أفكارها وأحلامها ، وتستمر أفكارها
وأحلامها معها أيضاً ، عنيفة بها مرة ، ورفيقة بها اخرى حتى تنتزعها من
انطلاقتها الحلمية .
تلك
أصوات غريبة وصلت إلى سمعها من صحن الدار ، وحركة غير طبيعية أخذت تدب
في أرجاء البيت فتهتز لهذه الظاهرة الجديدة لحظة ، ويخامرها قليل من
أمل وتساورها لمحة من رجاء .
ماذا
لو كان الحبيب الغائب قد عاد هو ومن صحبه من الإخوان ، وماذا لو كان ما
تسمع رجع صدى قدومهم على غير ميعاد .
ماذا
لو كان عبدالله قد اختصر المدة ورجع إلى أهله وإليها ، وإلى جنينها
الحبيب ، ثم تنهض متعجلة وهي بين اليأس والرجاء وتذهب متلهفة الخطى
وقلبها يكاد يسبقها في المسير ، وتذهب لتسأل عن الخبر اليقين ، وتلقى
سؤالها بصوت كأنه حشرجة روح . . .
ماذا
هل قدم عبدالله ! ؟ . .
( 247 )
فهي
تشعر أن هناك واردين جدداً ، وهي تحس أن الدار ليست على هدوئها
الاعتيادي ، ولكنها لا ترى عبدالله . وكانت تتوقع أن تبصر به قبل
السؤال ، ولكنها حينما لم تر عبدالله ، وحينما وثقت من قدوم المسافرين
الذين صحبوا زوجها في السفر انبعثت آهاتها كلمات سألت فيها عن عبدالله
، وتسمع الجواب وهي لا تكاد تفهم منه إلا القليل فقد أذهلتها الصدمة ،
وشلت حواسها المحنة التي شعرت بها قبل أن تسمعها وعرفتها بدون أن تخبر
بواقعها وكان الجواب . . لا لم يجئ عبدالله ولكنهم الآخرون ، فتعود
تسأل وهي لا تعلم أنها تسأل وتستفهم وهي في غنى عن الاستفهام . إذن
فأين عبدالله وما الذي قعد به عن متابعتهم في السير . . . فيقال لها :
أنه مريض وقد أفاء إلى قوم في منتصف الطريق يستضيفونه حتى يقوى على
السفر وهي تسمع الجواب وتفهم منه غير الذي قيل فتنطلق روحها من فمها
إلى كلمات مرة وتقول :
آه
من لي بعبدالله ومن لوليدي بأبيه . وهكذا تتلاشى أحلام آمنة وينهار صرح
أمانيها فنراها وقد تسربلت بأبراد العزاء بعد أن انطفأت شعلة السعادة
المتوهجة في صباها الريان فهي رابضة بعيداً عن اللذات والرفيقات . .
( 248 )
منصرفة عن الدنيا وما فيها من مباهج . . عاكفة على آلامها الممضة ،
منطوية تحت سماء الحزن القاتم وفي إطار من الآلم المرير . . فهي لا
تحيى إلا للذكرى ولا تعيش إلا على حطام السعادة المفقودة بعد أن افترقت
عن رفيق دربها السعيد ، وأصبحت وهي الزهرة الناظرة رهينة الثكل الممض
والحزن القاتل . فآمنة كادت بعد فجيعتها بعدالله أن تزهد في الحياة فما
عادت تشعر للحياة معنى وهي خلو من عبدالله ، وعبدالله كان لها الحياة
الروحية بكل معاني الحياة ، ولكن بارقة من أمل وشعور لا إرادي أخذ
يشدها للحياة التي أنكرتها ، وأخذ يشعرها بوجودها حية مع الأحياء ،
ويذكرها أنها لم تمت يوم مات عبدالله ، فقد أخذت تشعر أن عليها تجاه
عبدالله واجباً يجب عليها أن تؤديه ، وأن في أحشائها وديعة لفقيدها
الغالي ، لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تنساها ، أو تتناساها .
وأحست أن رسالتها بالنسبة لعبدالله لم تنته بعد ، فما دام طفله معها
فهي مسؤولة أن تعيش ، ولهذا فقد أقامت على لوعة مريعة وألم ليس فوقه
ألم ، وما أكثر ما كانت تسترجع ذكرى أيامها مع الزوج الغالي وأيامها
قبل أن يدخل حياتها وتدخل حياته ، وكيف أنه اختارها هي دون سواها مع
كثرة
( 249 )
الإغراء الذي أحيط به من فتيات قريش ، ولهذا فما أكثر ما حسدت عليه وما
أكثر ما اعتزت به وفرحت فلم يكن عبدالله بن عبد المطلب بالعريس الهين ،
فهو غصن بني هاشم ، ومنار فتيان قريش فماذا لو لم يفرق الموت بينهما ،
وماذا لو تركهما يتذوقان الهناء ، ولو إلى مدة قصيرة ، وماذا لو أمهله
الموت حتى يرى وليده العزيز ، وماذا لو رحم الموت هذا الجنين الذي سوف
يستقبل الدنيا أو تستقبله الدنيا ، وهو يتيم وحيد ، وهي لا تزال تذكر
ساعة الوداع ولا تنسى وصايا عبدالله لها أن تحافظ على جنينها ما وسعها
الحفاظ ، ولكن أين هو الآن وقد آن للعزيز المنتظر أن تبصر عينه نور
الحياة ، وفعلا فقد استقبلت الدنيا محمد بن عبدالله وهوم يتيم يكفله
جده وتحضنه اُمه الثاكلة آمنة بنت وهب ، وهي المرأة الأولى في حياة
النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ثم
تمضي الأيام تتبعها الأسابيع والشهور وآمنة عاكفة على وليدها الغالي
تفديه بالنفس والنفيس حتى بلغ السن الذي يتحتم به عليها أن تدفع به إلى
المراضع ؛ فقد كان المفهوم السائد في ذلك العصر أن الطفل الذي ينمو في
البادية ويترعرع في جوها الطلق يكون أشد عوداً ، وأقوى
( 250 )
عزيمة من الطفل الحضري ، وعلى هذه القاعدة المتبعة دفعت به اُمه إلى
حليمة السعدية ، وهكذا أصبحت حليمة المرأة الثانية في حياة رسول الله
صلى الله عليه وآله وقد رجعت حليمة وزوجها إلى أحياء بني سعد ، وهي
تحمل معها طفلاً يتيماً لم تتمكن أن تحصل على غيره في الوقت الذي حصلت
فيه باقي المرضعات على أطفال أغنياء استلمتهم من أيدي أبويهم محملين
بالزاد والمال الوفير . . .
ومنذ
أن ضمت ساعداها هذا اليتيم أحست أنه أصبح لها كل شيء وأحست أنها تود
جادة أن تصبح له كل شيء أيضاً ، وما أن سافرت به حتى بدأت تتعشقه وتفنى
فيه ولم يستقر بها المقام إلا وهي تشعر بأنها تحمل معها كنزاً ثميناً
دونه الكنوز ، وعرفت بدافع من أعماقها بأنها هي الرابحة الحقيقية دون
سواها من المرضعات ؛ وقد بدأت تلوح لها بوادر تؤيد عندها هذا الشعور
فقد عمت البركة جميع الحي وتزايد الخير بالزاد والمال ، وقد أفضت بما
تراه لزوجها ونبهته إلى بوادر الخير التي أخذت تلوح لهم .
فقال
لها : عسى أن يكون لهذا الغلام شأن وأوصاها
( 251 )
بالعناية به والحرص عليه ؛ ولكن حليمة لم تكن تحتاج إلى أي توصية فقد
ازدحمت في قلبها جميع عواطف الأمومة تجاه هذا الطفل الصغير ، وتفجر في
فؤادها ينبوع من الحنان لا يمكن له أن ينفد أبداً . وقد كانت تقدمه على
أولادها ، وتحله في أعلى منزلة من قلبها ورعايتها وبرها وكرمها . وقد
اختلقت كثيراً من المعاذير والحجج لتتمكن من استبقائه عندها أكبر مدة
ممكنة فما كانت تتمكن أن تنفصل عنه أو أن يفارق أحضانها ويبعد عن
ساعديها ، فقد كان بالنسبة لها ينبوعاً للخير والبركة السعادة والهناء
.
وكذلك
كان محمد بن عبدالله أيضاً فهو يحبها ويركن إليها ويحترمها صغيراً
وكبيراً ، ويحفظ لها جميلها بكل احترام ، وقد عاشرها سعيداً وفارقها
غير قالٍ ، ولا عاتب ، وقد بقي يذكرها بالخير والاعزاز حتى بعد النبوة
، فقد كان صلوات الله عليه يناديها بيا اُمي ، وإذا أقبلت إليه أفسح
لها مجلساً إلى جواره ، وقد يتفق أن يهوي على صدرها فيقبله وهو أكثر ما
يكون براً بها وحدباً عليها . .
ثم
يرجع محمد بن عبدالله إلى كنف اُمه وجده لكي يحظى برعاية الاُم في
أوائل صباه ولكي ينشأ في ظل جده
( 252 )
وتوجيهاته . ولكن القدر سرعان ما يقف معه مرة اخرى لينتزع منه اُمه ،
وهو لا يزال طفلاً طري العود . . يصحبها في سفرةٍ تقصد بها أخواله
ومعهم وصيفتها الأمينة أم أيمن ؛ وفي وسط الطريق ، وبين أميال مترامية
وصحراء لا متناهية يمد القدر يده لينتزع منه آخر ركيزة له في الحياة
فتلحق العلة باُمه وينتزعها الموت من بين يديه .
ويعود
محمد الصغير يتيماً مرة اخرى أو بعبارة اخرى يتيماً مرتين ولا تمهله يد
الزمن حتى تفقده جده البار الذي كان يعوضه بحنانه عن حناه الأبوة
وبعطفه عن عطف الأمومة . وعند هذا يكفله عمه أبو طالب ويفتح له بيته
وقلبه ويفسح له في مكانه وحنانه .
وتكفله
فاطمة بنت أسد زوجة عمه الكريمة كأحسن ما تكون الكفالة . تحله في المحل
الرفيع من قلبها ورعايتها وتمد له يد العون والحدب بكل ما تستطيع .
وفاطمة
هي المرأة الثالثة في حياة الرسول العظيم فلم تكن تحس أن محمداً يختلف
بقليل أو كثير عن أولادها الباقين ، بل إنها كانت تحس بأن لمحمد شأناً
يخوله أن يحتل الصدارة في قلبها ، وعواطفها ، وكانت
( 253 )
تتابعه بعينها وهو ينمو إلى الشباب الزاهر ، ثم يكتمل شبابه ويغدو
رجلاً ملء السمع والبصر .
كانت
ترى فيه حصناً ورصيداً روحياً لها في مستقبل أيامها وكانت تستمد من
وجوده العزيمة والمضاء . ولشد ما كانت تعتز بأن تراه وهو يحتضن وليدها
الغالي علي فهي فخورة بهذا الاحتضان الروحي ومتفائلة به خيراً .
فمحمد
هو أول شخص ابتسم له ابنها علي بعد إذ خرجت به من الكعبة ، وهي تحمله
بين ساعديها الحنونين ، فهي لا تنسى أبداً أن علياً ولد في الكعبة وفي
أشرف بقعة فيها ، وها هو عليُّها العزيز ، وقد أخذ ينمو ويترعرع تحت
رعاية وتوجيهات ابن عمه الصادق الأمين محمد بن عبدالله ومحمد رسول الله
أيضاً بعد إذ غدا شاباً .
وفي
أوج شبابه لم يكن لينسى لفاطمة بنت أسد حبها ولم يكن ليتنكر لحنانها
مطلقاً ، فهو لها كولدها في كل أدوار حياته وفي كل أحواله ، وقد استخلص
لنفسه ولدها علي بعد إذ عمت المجاعة في مكة .
وكان
عمه أبو طالب كثير العيال مرهقاً بتكاليف
( 254 )
العيش ، وكان رسول الله قد استقل في ذلك الحين ببيته ومع زوجه خديجة
ومنذ أن فتح لابن عمه بيته وقلبه لم يفترق عنه يوماً واحداً في كل
الظروف والملابسات .
وكانت
فاطمة بنت أسد ترى هذا الامتزاج العاطفي بين ابنها وابن عمه فتسر له ،
وتفرح فيه فهي تكبر محمداً وتعجب فيه وتعتمد عليه ، وتركن إليه ، وكان
الاثنان يحلانها محل الأم لا فرق بين ابنها وابن عمه .
فقد
جاء في الروايات أن الإمام علي بن أبي طالب لما أخبر رسول الله بوفاة
اُمه قال : إن اُمي قد توفيت يا رسول الله ، فيرد عليه رسول الله بل
اُمي أيضاً يا علي . . وناهيك عما تحمل هذه الكلمة من تسلية للابن
الفاقد اُمه ، وما تعطي للاُمة من دروس في الوفاء والإخلاص ، وحفظ
الجميل ، وقد أعطاها ثوبه المبارك لتلف به مع كفنها كي يكون لها ستراً
ومعاذاً ، وجلس على قبرها بعد أن انفض الجمع ، وأخذ يدعو لها ويسأل
الله أن يجزيها عنه خيراً ويستعيد في فكره أيامها معه ، إذ هو طفل صغير
، وحنانها عليه حينما كان يتيماً وحيداً ، ورعايتها له وهو شاب فتي .
وأخيراً قام عن قبرها وهو حزين كئيب .
( 255 )
فقد
كانت هي المرأة الثالثة التي دخلت في حياته صلوات الله عليه والتي نشأ
في ظلال عواطفها إلى حين استقر به المطاف عند قرينته خديجة بنت خويلد .
خديجة
بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن
غالب وقد كانت سيدة نساء عصرها كمالاً وجمالاً ومكانة ، وكرامة ، فهي
سليلة دوحة ثابتة الفروع ، وفرع شجرة عميقة الجذور ، وقد عرفت بين
قومها بسمو الروح وعلو الهمة وقوة الشخصية ، وثبات الفكرة وصواب الرأي
، وقد كانت مع كل هذه الثروات المعنوية والأدبية ثرية في مالها أيضاً ،
وقد كانت تفتش عمن تستودعه المال ليتاجر لها به على أن يكون أميناً
صادقاً مخلصاً . فهي جادة في طلب ضالتها من بين شباب قريش وشيوخها ،
وبما أنها امرأة لا تتاح لها المراقبة الدقيقة كانت تحتاج إلى صاحب ثقة
تتمكن أن تودعه مطمئنة مرتاحة .
ومحمد
بن عبدالله كان يفتش بدوره أيضاً عمن يدفع له مالاً يتاجر له به . فهو
وإن كان فتى قريش الأول ومحط أنظارهم جميعاً ، ولكنه لم يكن ليستغني
عما
فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر ، لو كانت لي منعة
لطرحته عن ظهره ، والنبي ساجد لا يرفع رأسه حتى انطلق إنسان فأخبر
فاطمة فجاءت وطرحته عنه ثم أقبلت عليهم تؤنبهم على ذلك .
هذه
إحدى الروايات التي تدل على منزلة الصديقة في قلب أبيها ومحلها من
دعوته ورسالته وكأنها قد شعرت مع حداثة سنها بأنها مسؤولة عن أن تكون
المرأة الخامسة في حياة الله رسول صلى الله عليه وآله وسلم فقد واكبت
سيره بكل شجاعة وإقدام .
ونحن
الآن لا نكاد نتصور مدى ما كانت تتطلبه من شجاعة ، هي وجميع المسلمات
في ذلك العصر .
فنحن
الآن ، وبعد أن عمت كلمة الإسلام جميع الأقطار الإسلامية والحمد لله ،
لا تكاد تجرؤ إحدانا أن تجهر بالكلمة الإسلامية صريحة واضحة . وكانت
الزهراء صلوات الله عليها قد انصهرت بأفكار الإسلام روحياً وفكرياً فقد
كانت وهي بنت أعظم رجل عرفه التاريخ وريحانته الغالية والتي كان النبي
يدعوها بأم أبيها ويقول : فاطمة بضعة مني من أرضاها فقد أرضاني ومن
أغضبها فقد أغضبني . وكان يقول حينما يقبلها إني أشم منها رائحة
( 274 )
الجنة ، وهي الحوراء الإنسية ، وكانت عنده بمنزلة ما فوقها منزلة .
فكانت آخر من يراه عند سفره وأول من يلقاه عند رجوعه من السفر . وكانت
هي من انحصر فيها نسله صلوات الله عليه ولم يكن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم يجهل ذلك .
نعم
كانت هي هكذا وكانت أكثر من هذا ولكنها ومع كل هذه المميزات الروحية
والمعنوية كانت بسيطة في إسلوب حياتها لا تكاد تختلف عن أي امرأة فقيرة
، فبيتها متواضع للغاية لا يحوي إلا النزر القليل من الأثاث الضروري
الذي لا يمكن الاستغناء عنه .
فهي
مثال المرأة المسلمة المترفعة عن المواد الدنيوية والصاعدة بروحها
وروحياتها إلى أفق الكمال وسماء العصمة والفضيلة . فإن النفس البشرية
إذا استنارت بنور الإسلام وإذا نفذت إلى مكنوناتها تعاليمه وحكمه
استغنت بمعنوياتها عن كل ما تحتاج إليه النفوس الضعيفة من مقومات
لشخصيتها .
نعم
هكذا كانت فاطمة الزهراء وهي ريحانة النبوة وزهرة الهاشميين فتاة
ترعرعت في أحضان الأبوة الرحيمة ، وهكذا كانت وهي عروس تزف إلى أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب
( 275 )
عليه السلام . فقد خطبت إلى أبيها من قبل كثيرين كان منهم أكابر
الصحابة والرسول يردهم بشتى الحجج والمعاذير ويقول لهم أنه ينتظر فيها
أمر السماء فقد كان صلوات الله عليه يعلم أن نسله قد انحصر في فاطمة ،
وأن فاطمة وبعلها وأبناءها هم الذين سوف يكونون الامتداد لرسالته
ولدعوته السماوية . ولهذا فقد كان ينتظر الرجل الجدير بتحمل هذه
المسؤولية فلم يكن يتوخى في زواجها مالاً ولا ثراءً ولكنه كان ينتظر
لها الكفء .
وفي
يوم مبارك ، وبعد أن كان النبي صلى الله عليه وآله قد رد كل من تقدم
لخطبة الزهراء وبما فيهم أبو بكر وعمر ، أقبل علي أمير المؤمنين عليه
السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما كان يقبل ، فيحييه
ويجلس إليه كما كان يجلس ، ولكن الرسول يحس أن ابن عمه قادم لأمر هام
وقد عرف ذلك بفراسته الشخصية وبالإيحاء النبوي . فيقبل عليه وهو يسأله
متلطفاً مشجعاً وكله حب وحدب على الشاب العزيز الجالس أمامه . هذا
الشخص الغالي الذي آخاه واصطفاه والذي فتح له قلبه رضيعاً ومهد له بيته
صبياً .
وها
هو الآن يوشك أن يسلمه أغلى شيء عنده وأعز
( 276 )
مخلوقة عليه ، ثم يقول : ما حاجة ابن أبي طالب وما الذي يشغل فكرك يا
ابن العم ؟ وكانت هذه الكلمات الرحيمة هي التي شجعت ابن عم الرسول على
أن يقول بصوت خفيضٍ وهو يغض بصره أمام رسول الله صلى الله عليه وآله .
قال
: ذكرت فاطمة بنت رسول الله ، ثم يسكت ولا يقوى على الإفاضة أكثر مما
قال ، فيجيبه الرسول وهو على ما عليه من بشر ورقة لا متناهية مرحباً
وأهلاً . ويسكت لحظة ليعود فيسأله حدباً مشفقاً وهل عندك شيء ؟ فيجيبه
علي وهو لا يزال مغضٍ ببصره إلى الأرض ، لا يا رسول الله . فيمسك
الرسول لحظة ثم يتذكر أن علياً أصاب درعاً من مغانم بدر فيعود ليسأله
أين درعك الذي أعطيتك إياه يوم كذا ؟ فيجيب علي وقد غلبه التأثر لما
يلقى من برّ النبي ورعايته وما يلمس من روح ابن عمه وصفائها وهو يعلم
أنه جاء يخطب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة التي هي أعز
مخلوقة عند رسول الله ، فيجيب : هي عندي يا رسول الله . فيقوم النبي
صلوات الله عليه ثم يدخل على ابنته الغالية ليرى رأيها فيما يطلبه ابن
عمه وأخوه ويقول لها متلطفاً رفيقاً باراً : يا عزيزة أبيها الغالية
لقد ذكرك ابن
( 277 )
عمك علي فما رأيك في هذا يا بنتاه . والزهراء كانت تعرف ابن عمها علياً
، وتعرفه كما لا يعرفه غيرها من الناس .
فهو
سيف أبيها ودرعه والفادي له بنفسه ، والبائت على فراشه ، وحامل لوائه .
هذا عدا أنها كانت تسمع دائماً مدحه والإعجاب فيه من رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم . وكانت تشعر دائماً وأبداً أن ابن عمها علياً هو
أقرب المسلمين للرسول وأحبهم إليه وهي الآن على ثقة من أن رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم راغب في هذا محبذ له ، وإلا فما كان ليسألها
عن رأيها فيه ، فما أكثر ما خطبت إلى أبيها قبل اليوم وكان يردهم دون
أن يسألها عن رأيها في الخطاب . وعلى هذا ولكونه جاء ليرى رأيها في علي
بن أبي طالب ، عرفت الزهراء صلوات الله عليها رأي أبيها في علي وفي هذه
الخطبة ؛ ولكنها مع هذا تسكت ولا تتمكن أن تجيب ، فما عساها أن ترد على
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحياؤها العذري يمنعها من التصريح
بما تريد ، ورضاؤها بهذا الخاطب وقبولها لهذه الخطبة يمنعانها من الرفض
فتطرق إلى الأرض ولا تجيب والرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كل هذا
يتطلع إليها ويقرأ ما ينطبع على ملامحها من أحاسيس وانفعالات
( 278 )
ويشعر أنها راضية ، ويحس أنها مرتاحة مسرورة فيقوم وهو متهلل الوجه ،
باسم الثغر ويقول : سكوت الباكر علامة رضاها ، فلا ترد عليه ولا تعترض
. فيبتسم ويخرج إلى ابن عمه ليخبره برضاء الزهراء ويقول له : أين الدرع
يا علي ؟ فيذهب علي مسرعاً ويأتي بالدرع فيأمره النبي أن يبيعها ليجهز
العروس بثمنها . وقد اشتراها عثمان بأربع مائة وسبعين درهماً حملها علي
صلوات الله عليه ووضعها أمام الرسول ، فتناولها بيده الكريمة ثم دفعها
إلى بلال ليشتري ببعضها طيباً وعطراً ويدفع الباقي إلى أم سلمة لتشتري
جهاز العروس . ثم يجمع النبي صحابته وآله ويشهدهم أنه زوج ابنته فاطمة
من ابن عمه علي بن أبي طالب على أربع مائة مثقال من الفضة على السنة
القائمة والفريضة الواجبة ثم قدم للضيوف حلوى العرس الهاشمي النبوي وهو
وعاء تمر .
على
هذا النمط البسيط وعلى هذا النحو القدسي تمت خطبة الزهراء بنت رسول
الله إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وتأخر الزفاف إلى الوقت الذي
يتم فيه جهاز العروس ويهيأ بيت العريس .
( 279 )
نعم
هكذا بكل بساطة تمت خطبة أعظم خطيبين .
فالزهراء عندما خطبت لابن عمها لم تكن تفكر في شيء مما يشغل أفكار
غيرها من العرائس . لم تكن تهتم بما يملك عريسها من مال وما يهيئ لها
من أثاث ورياش . لم تكن تحفل بالسفاسف من الأمور كأن تكون خطبتها رسمية
عامة شاملة تعمر بالترف والبذخ . لم تكن تحفل بكل هذه الأمور الدنيوية
فهي ابنة رسول الله وابنة خديجة الكبرى .
أوليست
أمها هي التي بذلت المال رخيصاً في سبيل العقيدة ؟ أوليست أمها هي التي
استبدلت القصر الشامخ بالبيت المتواضع والترف الزاهي بشظف العيش ومره ؟
وها
هي ابنتها فاطمة تخطب إلى علي أمير المؤمنين بهذه الروعة اللامتناهية
التي كونتها هذه البساطة في الخطبة فالإمام علي كان يخطب شخص الزهراء
بنت رسول الله ، والزهراء صلوات الله عليها قبلت بالزواج حباً بعلي
وبشخصه لا غير . فلولا أن خاطبها كان غير علي بن أبي طالب لما رضيت أن
تفارق أباها وبيته إلى أي زوج كان ، ولكنها كانت تعلم أنها بزواجها من
علي بن أبي طالب تتقرب إلى أبيها وإلى رسالته أكثر منها قبل الزواج ،
( 280 )
وأنها إذا قرنت حياتها بحياة علي تمكنت أن تسند علياً بجهادها الإسلامي
وأن تركز جهاد ابن عمها بمؤازرتها له . ولذلك فقد تلقت عرض الزواج بكل
ارتياح .
وإني
لأعجب لما كتبته الدكتورة بنت الشاطيء في كتاب بنات النبي ، وما عللت
فيه رضاء الزهراء بعلي بن أبي طالب وما بينته في أسلوب هو أقرب إلى
الخيال القصصي منه إلى الواقع . فقد عزت الدكتورة بنت الشاطىء زواج
فاطمة ، والدافع الذي دفعها لذلك دخول عائشة في بيت النبي وفي حياته
بعد أن كانت الزهراء معرضة عن الزواج في إصرار ، وهذه الفكرة القصصية
الخيالية كان من الممكن فرضها على عائلة غير عائلة رسول الله وعلى أسرة
غير أسرته صلوات الله عليه ، كأن تأتي الدكتورة لتحدثنا حديث أسرةٍ
عادية مكونة من أب وأربعة بنات وأم ، ثم تتزوج البنات الثلاث وتعرض
الرابعة عن الزواج إيثاراً لصحبة أبيها عن غيره ، وتموت الزوجة الأولى
فتدخل في حياة الأب زوجة جديدة لا تؤثر تأثيراً بالغاً على مكانة البنت
الرابعة التي كانت في البيت ، ولكن الزوجة الثانية التي تدخل في حياة
الأب بعد الأم الراحلة امرأة ثانية تستهويه وتمتلكه وعند ذلك تفهم
البنت
( 281 )
الرابعة التي آثرت صحبة أبيها عن الزواج أنها لم تعد كما كانت في بيت
أبيها وفي قلبه بعد أن شغلت المرأة الجديدة حياة أبيها واستمالت قلبه
نحوها ولم تترك للبنت الباقية في بيت أبيها مجالاً لدلال أو رغد من
العيش .
وهنا
يجب أن نفترض أولاً أن رب الأسرة رجل ضعيف الشخصية ضئيل العاطفة مندفع
وراء ملذاته الحسية لكي نتمكن من الإنسجام مع هذه الأقصوصة ونصدقها كما
هي .
فإن
أي زوج وأي أب إذا كان قوي الشخصية ولو قليلاً وإذا كان يحمل عاطفة
أبوية ولو عاطفة جزئية ، لا يمكن لنا أن نصدق أنه يخضع لسلطان امرأة
مهما كانت تلك المرأة ومهما تمتعت به من سحر وفتنة ، ولا يمكن للمرأة
تلك أن تجعل بيته يضيق بابنته التي كانت حسب بداية الاقصوصة تمتنع عن
الزواج حباً في أبيها وإيثاراً لصحبته .
ومن
المؤكد أن بيت الأب لا يضيق بابنته إلا إذا ضاق الأب بابنته ولا يضيق
الأب بابنته إلا إذا كان معدوم العاطفة مسلوب الشخصية .
( 282 )
عند
هذا وبعد كل هذه الفروض يمكن لنا أن نصدق هذه القصة كما جاءت بها
الدكتورة ( كصورة من حياتهن ) .
ولكن
هذه الأقصوصة إذا طالعتنا بها الدكتورة وهي تنسبها إلى أهل بيت النبوة
، وإلى أسرة يكون الأب فيها رسول الرحمة وتكون البنت فيها فاطمة
الزهراء سيدة نساء العالمين ، لا يمكن لنا أن نصدقها بأي حال من
الأحوال .
ولا يصح لنا أن نصدقها أيضاً لما تستلزمه من فروض لا تنطبق على أهل
البيت .
فنحن
إذا سلمنا أن الزهراء كانت رابع بنات أربعة فيجب علينا أولاً أن نتعرف
على أزواج أخواتها والسبب في عزوفها عن الزواج بعد زواج أخواتها
الأخريات ، ونرى أن أختين من أخواتها قد لاقيا من المحن والاضطهاد
الشيء الكثير حتى أن أزواجهما أرجعاهما إلى بيت رسول الله عداءً لهما
ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فنحن
إذا سلمنا بوجود أخوات للزهراء وجب علينا أن نسلم بزواجهن وبأزواجهن ،
وفي هذا دليل كاف نفهم منه عزوف الزهراء عن الزواج إذا صح أنها كانت
عازفة كما
( 283 )
تزوجت أخواتها بعد أن رأت بعينها المصائب التي أصابت أخواتها من هذا
الزواج . وشتان بين أزواج أخواتها وبين من رضيت به زوجاً لها وقريناً .
فزواج أخواتها ونوعيته أكبر مثبط لها عن قبول هذه التجربة . وخطبة
الإمام علي لها وخصوصياته أكبر دافع لها لقبول العرض بالرضاء التام .
كان
ذاك هو المانع وكان هذا هو الدافع لا أكثر ولا أقل . طبعاً هذا إذا
سلمنا مع الدكتورة بوجود أخوات للزهراء صلوات الله عليها ثم أنها كانت
تعلم أن حاجة أبيها لها وهو في مكة أكثر منها وهو في المدينة . فقد كان
الاضطهاد والشرك والظلم قد خف وتلاشى في المدينة . ولما علت كلمة
الإسلام اطمأنت الزهراء على أبيها وعلى راحته النفسية ثم أنها حينما
كانت ترفض الزواج كانت ترفضه لكي لا تخرج من حياة أبيها ولكي لا تبعد
عن رحابه وعرينه . وزواجها بعلي كما كانت تعلم واثقة أنه سوف يقربها
لأبيها ويدنيها إليه أكثر وأكثر ، وأنها لن تترك بيت أبيها بل ستكوّن
لأبيها بيتاً جديداً هو بيتها الذي يضمها وابن عمها علي بن أبي طالب .
وفعلاً فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ هذه الآية
الكريمة كلما مر
( 284 )
على باب فاطمة وعلي : (
. . . إنما يريد الله ليذهب
عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً
) الأحزاب | 33 . صدق الله العلي العظيم .
وقد
عرفت الزهراء كل هذا ولأجل هذا رضيت بابن عمها وآثرت بيته على البقاء
في بيت أبيها . ولا دخل لأي امرأة من نساء النبي في زواجها ودواعيه ،
وإنما أعرضت عن الزواج لعدم وجود الكفء ، وأقدمت عليه بعد أن وثقت من
كفاءة الزوج .
ولا
أدري كيف سمحت الدكتورة بنت الشاطيء لنفسها أن تفسر قبول فاطمة للزواج
بدخول عائشة في حياة النبي ، وتقلص مكانة البنت في قلب أبيها . هذه
البنت التي كانت كل شيء لأبيها في قلبه وحياته . وقد جاء في الاستيعاب
عن السيدة عائشة نفسها أنها سئلت أي الناس كان أحب إلى رسول الله ؟
قالت : فاطمة فسئلت : فمن الرجل ؟ قالت : زوجها . وجاءت هذه الرواية
أيضاً عن الترمذي : وفي الاستيعاب بسنده عن ابن بريدة عن أبيه ، وفي
المستدرك بسنده عن جميع بن عمير وصعصعة ، وقد رواه الترمذي بسنده عن
بريدة مثله . وروى الحاكم في
( 285 )
المستدرك وصححه بسنده عن جميع بن عمير قال : دخلت مع أمي على عائشة
فسمعتها من وراء الحجاب وهي تسالها عن على فقالت تسألينني عن رجل والله
ما أعلم رجلاً كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من علي ،
ولا في الأرض امرأة كانت أحب إلى رسول الله من امرأته فاطمة ؟ وقد كان
رسول الله يكرر دائماً أن فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما
آذاها وأن فاطمة شجنة مني ، يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها إلى
غير ذلك من الروايات الكثيرة الواضحة .
ونشطت
أم سلمة لكي تجهز العروس الغالية فاشترت لها قميصاً بسبعة دراهم
وخماراً بأربعة دراهم وقطيفة سوداء خيبرية وسريراً مزملاً بشريط
وفراشين من خيش حَشوُ أحدهما ليف ، وحشو الآخر من صوف الغنم ، وأربع
مرافق من أدم الطائف حشوها إذخر ، وستراً رقيقاً من صوف ، وحصيراً
هجرياً ورحى لليد ومخضباً من نحاس ، وهو إناء تغسل فيه الثياب ،
وسقاءاً من أدم وقبساً للبن وشناً للماء ومطهرة مزفتة ، وجرة خضراء
وكوزاً من خزف ونطعاً من أدم وعباءة قطوانية وقربة ماء . ولما أتمت أم
سلمة هذا الجهاز البسيط الرائع روعة قدسية لا
( 286 )
متناهية ، جاءت به إلى رسول الله صلوات الله عليه فجعل يقلبه بيده
الكريمة وهو يقول : بارك الله لأهل البيت . ثم إنه رفع رأسه إلى السماء
وقال : اللهم بارك لقوم جل آنيتهم الخزف . وفي بعض الروايات أنه استعبر
وبكى وهو يقلب جهاز حبيبته المتواضع . وكان العريس مشغولاً بدوره أيضاً
يجهز بيته ويهيئه لاستقبال ابنة رسول الله . وكان جهاز الإمام علي
صلوات الله عليه أن نشر رملاً ليناً في صحن الدار ونصب خشبة من حائط
إلى حائط للثياب وبسط إهاب كبش ومخدة ليف . وفي رواية ابن سعد عن بعض
من حضرن عرس فاطمة قلن : دخلنا البيت مع العروس فإذا إهاب من شاة على
مصطبة ووسادة فيها ليف وقربة ومنخل ومنشفة وقدح ، هذا ما روي عن أثاث
أمير المؤمنين وهو في طريقه لمصاهرة رسول الله . وعندما أتم الإمام
تجهيز بيته وتهيئته . وعلم أصحابه أنه قد أكمل ذلك قال له جعفر وعقيل :
ألا تسأل رسول الله يدخل عليك أهلك ؟ فقال لهم : الحياء يمنعني من ذلك
. فقاما عنه ولقيا أم أيمن مولاة رسول الله فذكرا لها ذلك فدخلت إلى أم
سلمة فأعلمتها وأعلمت نساء النبي أن علياً قد أتم تجهيز بيته ، وهو
يرغب أن ينقل إليه أهله . فاجتمعن عند
( 287 )
رسول الله وقلن : فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله إنا قد اجتمعنا
لأمر لو كانت خديجة في الأحياء لقرّت عينها به .
وروي عن أم سلمة أنها قالت لما ذكرنا له خديجة بكى رسول الله وقال :
خديجة وأين مثل خديجة ، صدقتني حين كذبني الناس ووازرتني على دين الله
وأعانتني عليه بمالها ، إن الله عز وجل أمرني أن أبشر خديجة ببيت في
الجنة من قصب الزمرد لا صخب فيه ولا نصب . وقالت أم سلمة فديناك
بآبائنا وأمهاتنا إنك لم تذكر من خديجة أمراً إلا وقد كانت كذلك غير
أنها قد مضت إلى ربها فهنأها الله بذلك وجمع بيننا وبينها في الجنة .
يا رسول الله هذا أخوك وابن عمك علي بن أبي طالب يحب أن ندخل عليه
زوجته . فقال النبي : حباً وكرامة . ثم إنه دعا بعلي فدخل وهو مطرق
حياءاً وقامت أزواج النبي ودخلن البيت فسأله النبي أتحب أن أدخل عليك
أهلك فأجاب علي وهو مطرق : أجل فداك أبي وأمي . فقال : اُدخلها عليك إن
شاء الله . ثم قال إلى نسائه وأمرهن أن يزين فاطمة ويطيبنها ويصلحن من
شأنها في حجرة أم سلمة وأن يفرشن لها بيتها الذي هيأه ابن عمها .
فدبت
الحركة في بيت النبوة وعمت الفرحة على
وجوه أهل البيت وشاعت ابتسامة
محببة على وجه الرسول وهو يرى نفس الابتسامة قد غمرت وجه ابن عمه وأخيه
وغمرت قلب الرسول موجة من رضاء لما آنسه على ابن عمه من لهفة وشوق ولما
أحس به من نشاط حيوي شاع على علي في حركاته وتصرفاته . وفُرِش بيت
العروس الجديد وزُيّنت العروس وطُيّبت ونُحرت الذبائح واُطعم الطعام ،
وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ينادي على رأس داره : أجيبوا
رسول الله ، فبسط النطوع في المسجد وصدر الناس وهم أكثر من أربعة آلاف
رجل وامرأة رفعوا ما أرادوا ولم ينقص من الطعام شيء . ثم دعا رسول الله
بالصحائف فملئت ، ووجهها إلى منازل أزواجه ثم أخذ صحفة فقال هذه لفاطمة
وبعلها وبعد أن أكل الناس وشبع كل جائع أتى رسول الله ببغلته الشهباء ،
وثنى عليها قطيفة وجاء إلى فاطمة الزهراء وهي بين نساء المسلمين وقد
هيأنها للزفاف ، وأخذ بيدها وقال لها اركبي ثم ساعدها على الركوب وأمر
سلمان أن يقود البغلة وسار صلوات الله عليه خلفها ومعه حمزة وجعفر
وعقيل وبنو هاشم كلهم مشهرين سيوفهم وهم يكبرون ويهللون . ومشت نساء
النبي وراء العروس وهن يرجزن ويكبرن ،
( 289 )
ونساء المسلين من حولهن يتلون الأشعار في مدح العروسين حتى دخلن الدار
المباركة ، وأنفذ رسول الله إلى علي فدعاه وأخذ بيد فاطمة فوضعها في
يده وقال بارك الله لك في ابنة رسول الله ثم جمعهما إلى صدره وقبل بين
أعينهما ، وقال لعلي : يا علي نعم الزوجة زوجتك . ولفاطمة : يا فاطمة
نعم البعل بعلك . ثم دعا بماء فأخذ منه جرعة فتمضمض بها ثم مجها في
القصب وصب منه على رأسها ونضح على صدرها وفعل بعلي مثل ذلك وقال :
اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما ثم أنه قام لينصرف
فلم تملك فاطمة الزهراء دمعها ولحظ ذلك أبوها فتمهل برهة ثم قبلها في
حنو .
وقال
أنه تركها وديعة عند أقوى الناس إيماناً وأكثرهم علماً وأفضلهم أخلاقاً
وأعلاهم نفساً . ثم انصرف وهو يدعو للعروسين وكانت أطياف خديجة في تلك
الساعة تعاوده ملحاحة ، فقد شعر في تلك الليلة بفراغ لخديجة عجز حتى هو
أن يسده بالنسبة لابنتهما الغالية . وما أكثر ما كان يشعر بهذا الفراغ
في شتى المناسبات والظروف . وبهذا بدأت الزهراء حياتها الجديدة في بيت
الزوجية السعيد ، البيت الذي شهد
( 290 )
أسعد مناسبات أهل بيت النبوة ، وأصبح مصدراً لإشعاعات الرسالة ومنبعاً
زاخراً بالخير والبركة وقد تلاشت القيم المادية في أرجائه حتى استحالت
إلى لا شيء وتعالت المثل الروحانية فيه فأصبحت كل شيء .
وأما
أخوات الزهراء الثلاث فهناك شك في الناحية التاريخية في بنوتهن للرسول
صلى الله عليه وآله وسلم حتى ذهب بعض المؤرخين إلى التأكيد على أنهن
ربيباته وبنات السيدة خديجة من زوجها الأسبق ، ولهذا الشك مبرراته
التاريخية فنحن إذا جمعنا بين طائفة من المسلمات التاريخية انتهينا
حتماً إلى الشك في بنوتهن على أقل تقدير . فالتاريخ يقرر :
أولاً
ـ أن المدة التي قضاها النبي في حياته الزوجية مع خديجة قبل البعثة لا
تزيد على خمسة عشر عاماً لأنه تزوج في الخامسة والعشرين من عمره
المبارك وبعث في الأربعين .
ثانياً
ـ إن زينب هي كبرى الأخوات الثلاث وتصغرها رقية بثلاث سنوات وأم كلثوم
أصغر منهما معاً وإن لم يحدد
( 291 )
التاريخ التفاوت بينهما وبين أختيها بالضبط .
وثالثاً
ـ إن الأخوات الثلاث للزهراء كن قد تزوجن جميعاً قبل البعثة وسعدن في
حياتهن الزوجية وأنجبت بعضهن أولاداً ثم أرجعن بعد البعثة إلى بيت
النبي بدافع من التنكيل به وإحراجه .
هذه
مسلمات تاريخية ثلاثة إذا جمعنا بينها كان من الطبيعي أن تلقي ظلالاً
من الشك أو مبررات لإنكار بنوة الأخوات الثلاث للرسول الأعظم لأنهن لو
كن بناته لما كان من الممكن أن يزيد عمر كبراهن وهي زينب عن أربعة عشر
عاماً في وقت البعثة ولا عمر رقية عن أحد عشر سنة ولا عمر أم كثلوم عن
عشر سنوات على أكثر تقدير ، لأن الفاصل الزمني بين بدء الحياة الزوجية
للنبي وخديجة وبين البعثة خمسة عشر سنة كما تقرره المسلمة التاريخية
الأولى ؛ وبعد أخذ الفوارق التي تقررها المسلمة التاريخية الثانية بين
أعمار الأخوات الثلاث ينتج ما قررناه من عدم اجتياز أم كلثوم للعقد
الأول من عمرها في وقت البعثة ، وهذا لا ينسجم طبيعياً مع ما يحدثنا
التاريخ في المسلمة التأريخية الثالثة من زواج البنات الثلاث قبل
البعثة ، لأن من غير المألوف أن تتزوج أم كلثوم قبل إكمال عقدها
( 291 )
الأول وتعيش مع زوجها مدة ثم ترجع إلى بيت أبيها وهي لم تكمل العاشرة
بعد .
وهكذا
يتضح أن افتراض بنوة زينب ورقية وأم كلثوم للنبي يكلفنا على ضوء
المسلّمات التاريخية الثلاث السابقة افتراضاً آخر يقضي بزواج أم كلثوم
في التاسعة أو العاشرة وهذا الافتراض وإن كان ممكناً من الناحية
العقلية ولكنه غير مألوف إلى درجة قد تسمح للباحث بعدم قبوله .
وأما إذا انطلقنا في توفيقنا بين المسلمات التاريخية الثلاث . الآنفة
الذكر من القول أن البنات الثلاث ربيبات الرسول فسوف يتاح لنا أن نتقدم
بتاريخ ولادتهن إلى ما قبل زواج النبي بخديجة وأن نتصور أم كلثوم قبل
البعثة فتاة مكتملة لها كل مؤهلات الزواج . أضف إلى هذا أن خديجة إذا
كانت زوجة معطاء بدرجة أنها تعطي زوجها وهي في العقد الخامس أربعة من
الأولاد كما يفترض القائلون ببنوة أخوات الزهراء الثلاث للنبي ، أفليس
من حقنا أن نتساءل عن عطائها لزوجها السابق قبل النبي حين كانت في أوج
شبابها ونشاطها ؟ إلى كثير من هذه الأسئلة التي لا نجد لها جواباً أفضل
من القول بأن الأخوات الثلاث ربيبات النبي وبنات خديجة من زوجها السابق
.
( 293 )
وعلى
أي حال من الأحوال فهن نساء عشن في حياة النبي سواءاً كن بناته أو
ربيباته فإن قلب النبي يتسع للبعيد البعيد فضلاً عن الربيب القريب .
فأما
زينب كبرى الأخوات فقد تزوجت من ابن خالتها أبو العاص بن الربيع بن عبد
العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ، وقد سعدت معه وعاشا معاً حياة
زوجية هانئة حتى انبثقت رسالة الإسلام وانطلقت كلمة الحق ودخل الناس في
دين الله أفواجاً ، ولكن أبا العاص يأبى أن يترك دين آبائه ، وتمنعه
العصبية الجاهلية أن يسلم كما أسلم غيره ، فيقال عنه أنه ترك دين
الآباء والأجداد ودخل في دين حميه . وزينب وقد أسلمت مع أول من أسلم
تشقى لعزوف زوجها عن الإسلام وتتألم لهذا أشد الألم فهي تُعز زوجها
وتحبه لكونه قرينها ومصدر سعادتها في الحياة ولكونه أبو أمامة ، ابنتها
الوحيدة الغالية . ولكن الإسلام أحب إليها ورسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم أعز عليها وتبقى تنتظر اليوم الذي يشرح الله فيه قلب زوجها
للإسلام وهي تأمل أن يكون ذلك اليوم قريباً . وتظل ترقب كلمة الإسلام
وهي تغزو بنورها القلوب والأرواح وتدعو الله مخلصة أن يكون زوجها فيمن
اهتدى بنور الإسلام وما أكثر ما دعته إلى
( 294 )
الإسلام وحبذت له ذلك وعددت له أسماء أكابر الرجال الذين دخلوا في دين
الله طائعين ، ولكنه كان يرد عليها دائماً أنه لا يرضى أن يقال أن أبا
العاص أطاع زوجته وعصى عشيرته ، ولهذا فقد ظللت حياة زينب سحابة قاتمة
من الهموم والأحزان .
ويهاجر
النبي إلى المدينة ويخلف زينب في مكة وهي تتابع عن بعد انتصارات رسالة
الإسلام وتفتخر لهذه الانتصارات وتزداد أملاً في إسلام أبي العاص ،
ولكنها تصحو في يوم لترى قريش وقد شاع فيها خبر هام ، فقد عاد ضمضم بن
عمر الغفاري وكان مسافراً في تجارة إلى الشام مع أبي سفيان فما بلغ مكة
حتى وقف على بعيره وحول رحله وشق قميصه وصاح : يا معشر قريش اللطيمة
اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه لا أرى لكم أن
تدركوها الغوث الغوث . ولهذا فقد تهيأت قريش للحرب ونهضت لمواجهة
الإسلام وفي مقدمتهم طبعاً أبو العاص زوج زينب ، وعرفت زينب أنها الحرب
فإما انتصار المسلمين الذي توده وتأمل فيه وإما انتصار قريش . وإذا
انتصر الإسلام فسيندحر زوجها أبو العاص وإذا انتصر أبو العاص فالويل
لها بكسيرة الإسلام
( 295 )
ورسول الله . فظلّت زينب وليس في مكة من هي أتعس منها وأشقى حتى أتتها
عاتكة بنت عبد المطلب لتخبرها بانتصار رسول الله واندحار المشركين من
قريش ويهز النبأ السعيد زينب وتفرح له لحظة ، ولكنها سرعان ما تذكر أن
زوجها في جيوش المشركين ولابد أن يكون قتيلاً أو جريحاً ولكنها تأبى أن
تظهر شيئاً من هذا لكي لا تشوه فرحه الانتصار السعيد وتسكت على جزع
وفرح مزدوجين وقد كانت عينا عاتكة تلاحظها بتفحص دقيق فلاحظت عليها ما
أرادت أن تخفيه فأسرعت قائلة : أن أبا العاص أسير عند رسول الله هو
وكثير من رجال قريش وهنا تكتمل الفرحة عند زينب وتشعر بلذة الانتصار
الحقيقي . وتنشط نساء قريش بتهيئة الفدية ، وتبعث كل امرأة منهن أكبر
فدية ممكنة ، فهن يغالين فيها ويفاخرن بكثرتها ، ولكن زينب تبعث لرسول
الله فدية معنوية رمزية وهي قلادة أمها خديجة التي أهدتها لها ليلة
الزفاف ، وتؤثر هذه الفدية المتواضعة على الرسول فهي قلادة خديجة
حبيبته المصطفاة . ويطرق إلى الأرض لحظة ثم يرفع رأسه ليقول لأصحابه :
إذا رأيتم إطلاق أسيرها فأطلقوه . فلا يتردد المسلمون لحظة في إطلاق
سراح أبي العاص . ويستدعيه رسول الله ويسر
( 296 )
إليه أمراً ويلحق أبو العاص بأهله فتستقبله زينب فرحانة فخورة وهي تأمل
أن يكون قد أسلم واهتدى إلى الحق ، ولكنها تراه ليس كما تعهد فقد بدا
وهو مثقل بالهموم والأحزان ويقول لها والعبرات تكاد تسبق كلماته : لقد
أتيت مودعاً يا زينب فقد أمرني رسول الله أن أبعث بك إليه فلا تبهت
زينب لهذا الخبر ولا تستغربه مطلقاً فهي كانت تعلم أن رسول الله لن
يبقيها مع أبي العاص إذا يئس من إسلامه . ثم إنها مشوقة إلى رسول الله
وإلى أخواتها الحبيبات . ولكنها ستشقى بفراق أبي العاص ، وسوف تألم
للبعد عنه ، وسوف يشق عليها أيضاً أن ترى ابنتها أمامة وهي كاليتيمة
بين لداتها . وعلى كل فقد أخذت تتهيأ للسفر إلى حيث الإسلام والأحباء .
وسافرت بعد حصار شديد فرضته عليها قريش انتقاماً وتنكيلاً ، وخلفت
وراءها أبا العاص وهي أشفق ما تكون عليه ، ولم تشغلها فرحة لقاء الأحبة
عن أبي أمامة فقد كانت تدعو الله دائماً وأبداً أن يهديه للإسلام .
ويخرج أبو العاص في تجارة وتتعرض له قوات المسلمين في الطريق فيفر
هارباً ويلتجيء إلى زينب فتحميه وترد عنه غضب المسلمين ، وتعود فتدعوه
إلى الإسلام لكنه يسكت فلا يجيب ، ويطلب إليها أن ترد
( 297 )
إليه تجارته لأنه يأبى أن يرجع إلى قومه وقد خان الأمانة فتتوسط زينب
في ذلك عند المسلمين فيردوا له تجارته وأمواله كاملة ويرجع بها إلى مكة
ويسلم الأموال إلى أصحابها حتى يتأكد من أنه قد أبرأ ذمته من كل وديعة
وأمانة .
ثم
يرجع إلى المدينة ويدخل على رسول الله فيسلم بين يديه ، ويقبل الرسول
إسلامه قبولاً حسناً ويرد إليه زينب وتعود السعادة لترفرف فوقهما مرة
أخرى ويخلدان إلى راحة نفسية عميقة وإلى حياة زوجية سعيدة .
وأما
رقية وأم كلثوم فقد خطبا إلى عتبة وعتيبة ابني أبي لهب قبل الإسلام
وزوِّجا قبل الإسلام ولاقيا أصناف العذاب من أم جميل حمالة الحطب قبل
الإسلام أيضاً .
وما
انبثقت كلمة الإسلام إلا وأرجعت حمالة الحطب رقية وأم كلثوم إلى بيت
رسول الله ظناً منها أن ذلك يؤذي الرسول ويثقل عليه . ولكن الأمر
بالعكس تماماً فإن رسول الله قد سر لذلك وأنس لخلاص الأختين من
الأساليب الوحشية التي كانت تتفنن بها أم جميل .
ويقدم عثمان بن عفان ليتزوج رقية ويهاجر بها الهجرتين
( 298 )
ولكنها نظراً لما لاقته من أهوال وما تحملته من مصاعب داخلية وخارجية
نزلت بها العلة وتخطفتها أيدي الموت وهي في ريعان الشباب . ويعود عثمان
بن عثمان ليخطب إليه أم كلثوم وتتم الخطبة ويتم الزواج وتعيش أم كلثوم
حتى تتوفى قبل رسول الله بمدة قليلة على بعض الروايات .
ظل
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدة بعد خديجة وهو لا يفكر في
الزواج حتى جاءته خولة بنت حكيم وأخذت تحبب إليه الزواج واستئناف
الحياة الزوجية ، وقالت فيما قالت : إن شئت البكر وإن شئت الثيب
فأجابها صلوات الله عليه : فمن البكر ؟ فتقول : عائشة بنت أبي بكر .
ويقول : من الثيب ؟ فتقول : سودة بنت زمعة ، وقد آمنت بك واتبعتك .
فاختار سودة . وسودة هي بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن لؤي ، وأمها
الشموس بنت قيس النجاري من الأنصار ، وكان زوجها الأول ابن عمها
السكران ، وقد أسلما معاً وهاجرا إلى الحبشة مع من هاجر في الهجرة
الثانية ثم رجعا إلى مكة ، وتوفي عنها زوجها بعد رجوعهما من الهجرة
وكانت رضوان الله عليها من أسبق النساء إلى الإسلام
( 299 )
فأمنت وهاجرت وهجرت أهلها . وقد نجا بها زوجها إلى الحبشة فراراً من
إعنات المشركين لهما . فلما مات لم يكن لها ملجأ سوى أن تعود إلى أهلها
فتصبأ وتؤذى ، فهم يحقدون عليها لإسلامها وهجرتها وفرارها مع زوجها إلى
الحبشة . فهم إذا نالوها سوف لا يتوانون عن النيل منها بأي ثمن ولذلك
فقد اختارها رسول الله ليضمها إلى حمايته وليعوضها عما لاقت في سبيل
إسلامها . وهكذا قدم رسول الله المصلحة العامة على مصلحته الشخصية
والمعنى الروحي عن لذات الحسن والمال والمتاع والثيب عن البكر .
وكانت
نعم الزوجة المخلصة المتحسسة لمسؤوليتها كأم للمؤمنين . وقد عرفت أنها
الزوجة الثانية للرسول وأنها وافدة على دار تضم بين جدرانها فاطمة
الزهراء ريحانة النبوة والرسالة . وقد تزوج بعدها بعائشة بنت أبي بكر
وكانت بنت التسع سنين على بعض الروايات . وكانت من القلائل اللاتي لا
يقف طموحهن عند حد ولا تكاد تستقر أو ترتاح دون أن تبلغ القمة من المجد
بأي ثمن . وكانت عصبية المزاج حادة الطبع عنيفة في سلوكها . وكانت
أيضاً حادة الذكاء شديدة الغيرة تغار
( 300 )
على قلب زوجها فلا ترضى أن يشاركها فيه أحد . وقد روي عنها أنها قالت :
استأذنت هالة بنت خويلد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعرف في
استئذانها استئذان خديجة فارتاع لذلك وقال : اللهم هالة . قالت فغِرت .
وقلت ما تذكر من عجوز من عجايز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر وقد
أبدلك الله خيراً منها ؟ فتغير وجهه تغيراً ما كنت أراه إلا عند نزول
الوحي أو عند المخيلة ينزل أرحمة هو أم عذاب ؟ وقال : ما أبدلني الله
خيراً منها قد آمنت بي إذ كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني
بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله عز وجل منها الولد إذ حرمني من
أولاد النساء . وكانت حريصة أيضاً على أن لا تدخل في حياة النبي امرأة
تفوقها جمالاً أو تزيد عنها في إحدى الخصال . فالتاريخ يروي أن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد أن يخطب إليه أسماء بنت النعمان
، وكانت من أجمل أهل زمانها ، قالت السيدة عائشة : أن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم قد وضع يده في الغرائب ويوشكن أن يصرفن وجهه عنا .
وذهبت إليها وقالت : إن أردت أن تحظي عند رسول الله فتعوذي بالله منه
فلما دخل عليها رسول الله قالت أعوذ بالله منك فقال : عذت معاذاً ثم
خرج وألحقها بأهلها . وكانت تقول
( 301 )
بعد ذلك : ادعوني بالشقية . وقد ماتت كمداً ، ولم يكن ليقعد بها حبها
للرسول وإيثارها له عن أن تنقاد لطموحها وقد أخرج ابن سعد في طبقاته عن
عائشة أنها قالت : ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية ، ومارية
هذه بعث بها المقوقس صاحب الإسكندرية إلى رسول الله في سنة سبع من
الهجرة ومعها أختها وألف مثقال ذهباً وعشرين ثوباً ليناً وبغلته الدلدل
وحماره غفير ومعهم خصي يقال له مابور وهو شيخ كبير . وقد بعث بهم
جميعاً مع الحاطب بن أبي بلتعة . وقد عرض الحاطب بن أبي بلتعة على
مارية الإسلام ورغبها فيه فأسلمت هي وأختها ثم تزوجها رسول الله فولدت
له إبراهيم ، وكان معجباً بها وقد كانت بيضاء جعدة جميلة وقد وهب رسول
الله لمن بشره بولادة إبراهيم عبداً . وقد حدّثت السيدة عائشة قالت :
لما ولد إبراهيم جاء به رسول الله إلي فقال : أنظري إلى شبهه بي . قلت
: ما أرى من شبه . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا ترين
إلى بياضه ولحمه ؟ فقلت : كل من سقي إلبان الضأن ابيض وسمن . هذا كان
شعور السيدة عائشة تجاه مارية حينما أحست أنها أخذت تحتل مكانة في قلب
النبي صلوات الله عليه . وهكذا كان شعورها تجاه ابن رسول
( 302 )
الله وقد حمله بيديه فرحاناً به طروباً لقدومه . ولكنها لسبب من طموحها
وغيرتها أجابته بهذا الجواب ، وكانت هذه الانفعالات تدفع بها إلى مواقف
وتصرفات خاصة كأن تكسر صحاف بعض زوجات النبي إذا جئن للنبي بطعام مع
طعامها ، وكان رسول الله يغرمها الصحفة فيدفع بصحفتها للتي كسرت صحفتها
، فإنها ، في سبيل تملك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لم تكن
تتوانى عن أي شيء حتى عن الطعن في بنوة ابن رسول الله ، وحتى عن النيل
من مقام السيدة خديجة . وقد ظلت بعد النبي وتوفيت ليلة الثلاثاء لسبع
عشر خلون من شهر رمضان من السنة السابعة أو الثامنة والخمسين للهجرة .
ومن
النساء اللاتي دخلن في حياة النبي صفية بنت أحي بن أخطب من سبط هارون
بن عمران من بني إسرائيل ، وأمها برة بنت السموأل من بني قريظة ، وكان
قد تزوجها سلام بن شكيم القرظي ثم فارقها فتزوجها كنانة بن الربيع من
يهود بني النضير وقتل يوم خيبر . واصطفاها النبي من بين الأسرى وخيّرها
بين الإسلام واللحوق بأهلها فاختارت الإسلام وأسلمت فتزوجها رسول الله
. وقد ذهبت إليها عائشة متنقبة فسألها النبي : كيف
( 303 )
وجدتيها ؟ فقالت : وجدتها يهودية . فقال : لا تقولي هذا فإنها أسلمت .
كما
أن من النساء المسلمات اللاتي اشتركن في حياة النبي الزوجية أم سلمة
واسمها هند بنت أبي أمية سهيل زاد الركب ابن المغيرة المخزومية وامها
عاتكة بنت عامر ، وكانت قد تزوجت أبا سلمة عبدالله بن عبد الأسد
المخزومي ، وهاجر بها إلى الحبشة الهجرتين فولدت له هناك زينب وسلمة
وعمر ووردة . وقد حضر أبو سلمة اُحد فقتل إثر جرح . وقد تزوجها الرسول
بعد ذلك وكانت سيدة صالحة كاملة وتوفيت في عهد يزيد بن معاوية بعد قتل
الحسين عليه السلام .
ومن
زوجاته أيضاً حفصة بنت عمر بن الخطاب ، وقد ولدت قبل البعثة بخمسة سنين
وتزوجها عنبس بن حذامة وهاجرت معه إلى المدينة فمات عنها بعد رجوع
النبي من غزوة بدر . ثم تزوجها النبي وتوفيت في شعبان سنة خمس وأربعين
في خلافة معاوية وقد صلى عليها مروان ودفت في البقيع .
ومن
زوجاته أيضاً بنت عمته زينب وكان قد زوجها بزيد بن حارثة ولكنها لم
تستطع أن تنسجم معه ، ولم
( 304 )
يستطع هو أن ينسجم معاً أيضاً ، نظراً لاختلاف أجوائهما وتباين
منزلتهما . ولكن رسول الله أراد أن يعطي في هذا درساً إسلامياً لكل من
يتعالى أو يتسامى بشيء غير الإسلام ، وأراد أن يفهم المسلمين أن الرجل
بإسلامه ودينه وأن المسلم كفء المسلمة . ولكنه عندما رأى استحالة
التوافق بينهما أشار عليهما بالطلاق (1) ، وتزوجها النبي
حرصاً على أن يعوضها عما صدمت فيه في زواجها الأول ، وبهذا فقد أعطى
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم درسه ، ولم يغبن حق زينب بل جعلها
أم المؤمنين وزوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأخيراً فأولاء
نساء عشن في حياة النبي كل منهن حسب مكانتها وكفاءتها في الحياة .
____________
(1) تم زواج الرسول
صلى الله عليه وآله وسلم من زينب بأمر من الله سبحانه وتشريعاً للأمة
لأن العرب في الجاهلية كانت تنكر على من يتزوج من امرأة من يتبنّاه من
غير صلبه فيصبح عندهم بحكم الولد فإراد الله أن يقضي على هذه العقيدة
الوهمية التي لا ترتكز على أساس من الصحة ، كما جاء في كتابه العزيز :
( فلما قضى زيد
منها وطراً زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم
إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولا * ما كان على النبي من حرج
فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً
مقدوراً * )
الأحزاب | 37 ـ 38 .
|