|
الباحثة عن الحقيقة
( 7 )
بسم الله الرحمن الرحيم
لقيتها
فأحسست أنني لم أعرف معنى الحياة قبل أن ألقاها ، كان كل ما فيها يشدني
اليها بعنف ، وقوة ، وعذوبة ، ورقة ، عيناها الكحلاوين كانتا كقبس من
نور لم اعد اعرف كيف ابصر طريقي بدونهما ، خصلات شعرها الشقراء
المنسابة كانت بالنسبة لي خيوطا من ذهب تعلقت باطرافها نفسي وتابعت
تموجاتها خفقات القلب عندي ، واستمعت اليها تتحدث فوددت لو بقيت تتحدث
وبقيت استمع اليها العمر كله ، وكنت اشاهد المعجبين من حولها يتزاحمون
على القرب منها ويتنافسون على سماع كلمة من كلامها فهم يحومون حولها
كما يحوم الفراش على ضوء المصباح ، أما أنا فقد شغلت بها عن كل شيء حتى
عن الدنو منها والتحدث اليها ، كنت كالعابد السابح في ملكوت عبادته
الغارق في مشاعر صوفيته قائماً في محرابه لا يريم ، وهكذا كنت انا في
جلستي تلك مستغرقاً في الانجذاب اليها مشغولا بذلك عن كل شيء حتى عن
الحركة نحوها لا اريد
( 8 )
أن اغير من وضعي شيئا لكي لا اخسر لحظة من لحظات هذا الفناء في ذاتها ،
وكانت هي ـ كما كنت انا ـ طالبة في الصف الثالث من الجامعة ولكنها
جديدة بالنسبة لهذه الجامعة بالذات اذ وفدت اليها اخيرا مع غيرها من
الطلاب الذين اندمجت جامعتهم مع جامعتنا في مطلع هذا العام ، ولهذا فقد
كنت اراها للمرة الأولى ويبدو ان غيري من المعجبين كان قد رأها من قبل
، ولم اكن لأبرح مكاني ذلك لولا انها قد انصرفت مع شلة من الطلبة
والطالبات وقد القت عليّ نظرة فضول قبل انصرافها وكأنها تنكر عليّ
عزوفي عن الدنو منها ، وقد نبهني انصرافها الى ان الدوام قد انتهى وان
عليّ ان انصرف ايضا فجمعت كتبي وسرت نحو البيت وأنا لا أكاد ابصر أو
أحس شيئاً سواها .
( 9 )
ومرت
الأيام وانا اراها من بعيد فلا اجرأ على الدنو منها مع كثرة من يدنو ،
وكنت اجدها توزع على من حولها ضحكات بريئة وتتقبل منهم المداعبات
الصغيرة ثم تنفر منهم عند أي تجاوز للأدب أو تهاون بالكرامة وكان ذلك
مما يحببها اليّ اكثر ، ويحببني عن الدنو منها بشكل اكبر ، وكنت
الاحظها احياناً وهي تتطلع نحوي بشيء من الاهتمام وبنظرة تختلف عن
نظراتها للاخرين ، وخمنت انها تعجب من هذا الإنسان الذي لم يضعف امام
اغراءات جمالها ولم ينقاد نحو نداء انوثتها ، وعجبت ان تعتب عليّ لهذا
الترفع الموهوم جاهلة ان هذا الإنسان الذي تعتب عليه قد ضعف فافتقد كل
شيء حتى الجرأة على الدنو منها ، وان هذا الذي تتصوره اقوى من الأخرين
ما هو إلا اضعفهم واكثرهم انقيادا ، وكانت نظراتها تلك تسلمني الى مزيد
من العذاب ، فكنت أعود الى غرفتي كئيباً حزينا اراجع المعاني المستترة
وراء نظراتها اكثر مما اراجع دروسي ، وافكر في موقفي منها اكثر مما
افكر
( 10 )
بمستقبلي ، لقد كانت تحسب انني غافل عنها وانا لم اكن اعيش الا بها ومن
اجلها ، لكم كنت اتمنى ان ابدو على حقيقتي ولو الى دقائق فاطلق عن نفسي
هذه القيود التي تشل حركتها واروح ارفل في سعادة التحليق مع اماني
العذاب ، فتغدو كل دقة من قلبي حكاية حب وتستحيل كل خلجة من خلجاته الى
صورة من صور الفناء ، أتراني أتمكن أن اصف بعض مشاعري نحوها ؟ أو اعبر
عما كنت أحسه ؟ أبدا فقد كان الحب يعصف بقلبي ويطغي على وجودي كله فيا
لطول ساعاتي تلك ويا لثقل مرور الزمن عليّ حين ذاك كنت اتمنى لو يقف
مرور الزمن حينما اكون أمامها واستبطأ لحظات مروره حينما أكون بعيدا
عنها ، طالما تمنيت أن أموت في جلسة من جلساتي امامها وهل كنت اجد
للحياة معنى بدونها ؟ كنت احب الحياة من اجلها واتمنى الموت خشية عدم
الحصول عليها ، ليتها كانت تسمع نبضات قلبي وتفهم حديثها أو ان تصغي
الى حديث فؤادي وتتابع نشيده الذي لا ينفك عنه لحظة من زمان ( احبك )
صحيح انها خفقات قلب ولكنها كانت حكاية حب ، نعم حكاية حب هي بالنسبة
لي حكاية عمر فقد بدأت اوقت عمري واحدده منذ أبصرت بها عيناي وفي صباح
يوم من الأيام وكنت قد بكرت بالجلوس في ركني المنعزل من الحديقة انتظر
قدومها كعادتي في كل يوم مكتفياً بالنظر اليها من بعيد وبالنجوى
الصامتة التي يرددها لها قلبي ، وهل كان للقلب حديث سواها بعد ان اصبحت
( 11 )
اراها في كل شيء ، في خضرة الرياض الزاهية ، وزرقة السماء الصافية ،
واشراقة القمر المنيرة ، واحسها مع كل شيء مع نسمة الهواء العذبة ،
ونهلة الماء الرائقة ، واريج الزهر الفواح ... وفي ذلك الصباح لم يطل
انتظاري لها فقد رأيتها تدخل ثم تلتفت حولها وكأنها تبحث عن احد ، ثم
رأيتها بعد ذلك تتوجه نحوي فلم اصدق ما ارى ولكنها الحقيقة بعينها ولم
تمض لحظات حتى كانت تقف أمامي بقوامها الممشوق وابتسامتها الخلابة ، آه
نعم لقد رأيتها امامي ، وسمعت صوتها بأذني وهي تقول .. مرحبا فؤاد ..
اتسمح لي ان اجلس معك قليلاً فإن لدي سؤال ؟ فارتبكت واحترت كيف اتصرف
، انها تسألني هل اسمح ؟ عجبا ! أوليست هي معي منذ رأيتها حتى الآن ؟
أنها لم تبرحني ولم ابرحها لحظة فما معنى أن تسألني هذا السؤال ؟
اتراها تهزأ بي وهي تسألني هل اسمح ؟ وهل تراني اتمنى غير ذلك ؟ ثم
اسعفني لساني بالكلام فقلت متلعثما :
نعم
نعم تفضلي واجلسي .. وجلست الى جواري ولم نفترق لا بعد أن عرفت عني كل
شيء وعرفت أنها تبادلني نفس الشعور وشعرت انني ملكت الدنيا بأسرها
حينما ملكت قلبي هذه المعبودة الصغيرة .
( 12 )
( 13 )
وانصرفت
سندس الي وحدي ، وبدأت ترفض الحائمين حولها بعنف ، أما أنا ، فقد
انصرفت اليها بجميع وجودي مع انني عرفت انها من دين غير ديني ، ولكن لم
يكن الدين ليؤثر على الحب الذي كنا نعيشه ، فما عرفنا من الدين غير
رموز ونعوت امليت علينا املاء من قبل اهلنا ونحن لا نفهم منه سوى اسمه
، فإني لهذا الدين المغلف بالضباب في أذهاننا ان يؤثر على هذا الحب
الواضح المعطاء ؟ ولهذا فقد شربنا من كؤوس السعادة احلاها وغدونا لا
نفترق الا في الساعات القليلة من الليل ولم يكن يكدر صفاء هذا الحب سوى
مضايقات زميل لها في الدراسة كان قد انتقل معها من تلك الجامعة وكان
يبدو مغرماً بها الى حد بعيد زاعماً بان له الحق الأول في القرب منها
لأنه يماثلها في الدين وينتمي الى نفس البلد الذي تنتمي اليه وكان
دائباً على ملاحقتنا بالأذى وتهديدنا بالوعيد ، ولكن جببنا كان لا يسمح
لنا بمزيد من الاهتمام حتى حدث ان اصطدمنا بواقع كنا في غفلة عنه ،
( 14 )
ماذا لو انتهت فترة الدراسة وكان علينا ان يذهب كل الى بلده واهله ؟
ماذا سوف نصنع حين ذاك وقد أصبحنا بشكل يتعذر علينا الفراق .. لا شيء
سوى المبادرة بالزواج ، ولكن الزواج كان حتى ذلك الوقت اخر ما نفكر فيه
، ومع هذا رضينا بهذا الحل ابقاء على حبنا وعلاقتنا . عند ذلك واجهتنا
عقبة واحدة هي الاختلاف في الدين ، لان الزواج لا يتم لا اذا اتحدنا في
الانتساب الى دين واحد ، وأبدت هي استعدادها لأن تنتسب لديني فشكرتها
على مبادرتها هذه وصرت أسأل عن اقصر طريق لانجاز الموضوع فقيل لي ان
عليّ ان اخذها الى عالم ديني يعلمها الشهادتين وبذلك تصبح مسلمة مثلي ،
ثم حاولت أن أعرف كيف يمكنني الوصول الى مثل ذلك العالم الديني ؟
وبعد
ايام أرشدني أحدهم الى بيته ... فتوجهنا اليه في مساء يوم من الأيام ،
وكنت اتصوره شيخاً قد انحنى ظهره وابيضت حاجباه وملأت التجاعيد وجهه
الضامر القميء ، وكنا قد قدرنا معاً قبل ان نصل باننا سوف لن نتمكن ان
نفهم كلامه حينما يحرك به شفتيه بعبارات لا شك انها عتيقة تتخللها
كلمات من الذكر والتسبيح ، قالت سندس : ان عليك أنت أن تفهم ما يقول
قلت :
ولماذا
عليّ أنا بالذات ؟ فتضاحكت وقالت :
لأنه
يماثلك في الدين فهو مسلم وانت مسلم ، ولهذا
( 15 )
عليك أنت بالخصوص أن تفهم تمتمته العتيقة ، ولا أنسى أنني أجبتها ببرود
قائلا : آه ، نعم اني مسلم ، وعندما وقفنا أما الباب التصقت بي سندس
قائلة :
فؤاد
هل تعلم بأنني خائفة ؟ ولا انكر انني كنت خائفاً مثلها فهي أول مرة كان
عليّ أن ادخل فيها الى بيت عالم ديني ، نعم عالم ديني يعتبرني ولا شك
من المارقين العصاة ، كنت اخشى ان ينهرني ويقسو عليّ بكلماته ، كنت
اخشى ان يمتنع عن استقبالي لأنني منحرف ( على حد زعمه ) فلطالما حذّرني
اصدقائي من الاحتكاك بمثل هؤلاء ، فهم حاقدون على كل شيء ، الشباب ،
والجمال ، والثقافة ، والمال ، لأنهم لا يقدرون على امتلاك شيء من هذه
الأشياء ولعل عجزهم هذا هو الذي جرهم الى سلوك هذا الطريق فالفشل قد
يدفع صاحبه أحياناَ الى الانتحار وهؤلاء أعقل من المنتحرين فهم يبنون
لأنفسهم قواعد تدر عليهم المال والجاه دون أن يكلفهم ذلك أي عمل ...
ولكن ، ومع أن أفكاري كانت غير مريحة بالمرة فقد تظاهرت بالجرأة وقلت
لها :
ولماذا
تخافين يا حبيبتي ؟ أنه أمر روتيني سوف ينجز خلال دقائق تصبحين بعدها
مسلمة مثلي ! قالت :
وأنت
كيف اصبحت مسلماً ؟ فتحيرت بماذا أجيب ثم قلت :
( 16 )
آه
. نعم . أنا كيف أصبحت مسلماً ؟ في الحقيقة لست أعلم ولكنها الوراثة ،
قالت :
وهل
ان الدين ينتقل عن طريق الوراثة ؟ فضحكت قائلا :
أقصد
أنني ابن اسرة مسلمة ولهذا اصبحت مسلماً والظاهر انها لم تقتنع فقد ردت
عليّ قائلة :
لقد
قلت لا أدري وهو الصحيح يا حبيبي ، فضغطت علي يدها قائلاً :
نعم
انه هو الصحيح يا حبيبتي ... ثم طرقنا الباب ففتحه لنا طفل صغير اسمر
اللون نافذ النظرات تبدو عليه خمائل الذكاء مع شيء من الخجل ، ثم قادنا
الى غرفة جانبية منعزلة وجدنا فيها العالم الديني ، وكانت مفاجأة لست
أنساها ابداً وأنى لي ان انسى تلك اللحظات ؟ فقد وجدتني أمام شاب لا
يتجاوز الأربعين من عمره مشرق الوجه ، جميل الطلعة ، حسن الزي نظيف
المسكن والملبس ، وقد استقبلنا بكلمات ترحيب حديثة مهذبة وبصوت هادئ
رصين ، وحينما أعطاني يده للمصافحة وجدتها يداً نظيفة مترفة تبعد كل
البعد عن تلك اليد السوداء المعروقة ذات الأظافر السمراء التي كنت
أتصورها للعالم الديني ، واحسست بالراحة والركون الى هذا الإنسان
والتفت نحو سندس استطلع رأيها فيه فوجدت نظراتها تحكي عن الاعجاب
والاستغراب .
( 17 )
وعندما استقر بنا الجلوس همست لها قائلاً : ألا تزالين خائفة ؟ قالت :
كلا بل انني احس بالراحة ، ثم بدأت في الحديث فوراً فحدثته عن الحب
الذي جمع بين قلبينا منذ سنين وكيف اننا الآن في حاجة لان يشهد هو
بإسلامها ، ولهذا فأنا ارجوه أن يكرر الشهادتين لتعيدها هي امامه ،
فابتسم بلطف وقال بنغمة هادئة ولكن هذا لا يكفي يا ولدي ، فاستغربت ان
يناديني بيا ولدي وهو لا يكبرني إلا سنوات ، ثم قلت بشيء من العجب :
وكيف ! قال :
ان
الاسلام ليس مجرد ترديد كلمات وشعارات جوفاء انه يا ولدي عقيدة وفكرة ،
قال هذا وسكت كأنه لا يريد ان يسترسل بحديث غير مطلوب منه ، والحقيقة
ان هذا السكوت قد اعجبني منه لأنني كنت امقت اولئك الذين يغتنمون أصغر
فرصة للتمشدق بما لديهم من كلمات ولا براز ما يعرفون من معلومات ولكنني
كنت اريد ان اعرف اكثر فأنا صاحب حاجة اريد ان انجزها عليّ أي شكل ،
ولهذا فقد استزدته من الكلام قائلاً :
اذن ؟ فابتسم من جديد وقال بنفس الأسلوب الهادئ :
بودي
لو ساعدتك يا ولدي ولكنني في الحقيقة مسؤول عن هذا الدين الذي انتسب
اليه ، فإنني وبصفتي عالم ديني لا أتمكن أن أعطي الإسلام على شكل قشور
جوفاء ، وهنا لا أدري كيف سمحت لنفسي أن أصبح ملحاحا في ذلك اليوم
لأنني عدت الح عليه قائلاً :
( 18 )
أنه
مجرد تسهيل أمر لنا ولا اعتقد انه يضرك بشيء ، بهدوء أيضاً قائلاً :
والعجيب
أنه لم يغضب ولم يعرض عني بل رد عليّ .
لو
كان الأمر خاصا بي لحاولت أن أسهل أمركما ما وسعني ذلك ولكنني مسؤول
عنه يا ولدي .. ومن جديد عدت لكي ألح عليه بقولي :
أنها
جلسة خاصة وسوف لن نحدث بها أحدا ولن نعرضك لأي مسؤولية والمهم ان تنجز
لنا الأمر بسرعة . وهنا تململ العالم الديني في جلسته وكأنه يريد أن
يتغلب على ما بعثه الحاحي الرخيص في نفسه من امتعاض وفعلا فقد تغلب على
ذلك وبقي متمسكاً باسلوبه اللين وقال :
انا
لا افكر بالمسؤولية أمام الناس يا ولدي فلا مسؤولية عليّ من هذا الباب
وسكت على عادته ينتظر مني حثه على الكلام ، فقلت :
إذن
فأية مسؤولية هي يا ترى ؟ قال :
انها
مسؤوليتي أمام الله عزّ وجلّ وأمام هذا الدين الذي جعلت من نفسي هادياً
اليه ، لعلك تتصور ان العالم الديني يتمكن أن يتصرف كما يحلو له في
الدين والدنيا ولكن الحقيقة ان العالم الديني هو اكثر الناس مسؤولية
وأحرجهم موقفاً دينياً ودنيوياً ، فليس من السهولة بمكان حمل هذه
الامانة
( 19 )
الضخمة ، أمانة العطاء الديني وتحويله الى الناس بالشكل الصحيح ، وكانت
كلمات العالم الديني تنفذ الى فكري وتداعب عواطفي ، سيما وقد احسست
بانني ألححت عليه اكثر مما يجب ولكنني ( واكررها من جديد ) كنت صاحب
حاجة لا ارى إلا قضاء حاجتي ولهذا عدت لأقول :
إذن
ماذا تطلب منا ؟ قال بشيء من البرود : أنا لا أطلب شيئاً ولكنك أنت
الذي تطلب مني أن أشهد لك بإسلام خطيبتك وتريد أن يكون اسلامها مجرد
ترديد كلمات قصار لا أكثر ولا أقل وانا لا اشهد بإسلامها لا بعد أن
تعرف عن الإسلام ما يجعلها تثق فيه ، وهنا فهمت ما يعنيه وتأثرت لموقفه
وأكبرت حلمه عليّ ولكنني مع الأسف كنت ملحاحاً عليه في جلستي تلك فأردت
أن أتكلم وان اعود لأطلب منه تسهيل الأمور فلم أكن أتصور ان في أمكان
سندس ان تفهم الإسلام او تفهم شيئاً عن الإسلام ، أو فهمت أنا شخصياً
عنه شيئاً يا ترى مع انني ابن اسرة مسلمة فكيف سوف تفهمه سندس ؟ ولكن
سندس وقد عرفت انني لا أريد أن أنزل عن موقفي اللجوج فبادرتني قائلة :
انه
على حق يا فؤاد ، أرجوك أن لا تلحف عليه اكثر انني اكبر فيه واقعيته
وحرصه على أداء الامانة بالشكل الصحيح ، والحقيقة بأنني أقررتها في
نفسي على ما قالت ولكنني سألتها في قلق :
( 20 )
إذن
ماذا تصنع ؟ قالت :
قل
له ان يؤدي أمانته بالشكل الصحيح ويتصرف كما يرضي ضميره ، قلت :
وانت
هل سوف تفهمين شيئاَ عن الإسلام ؟ قالت :
ولماذا
لا أفهم ؟ ألم أفهم دروس الفلسفة في الجامعة ؟ وكان العالم الديني
يستمع الى حديثنا وهو يلاعب مسبحة سوداء بين أصابعه ، وكانت مسحة من
الرضا أو الراحة تبدو على قسماته بعد أن عرف أن سندس قد فهمت ما يعنيه
، فقلت له بشيء من الخجل :
إذن
فنحن نطلب منك اجراء ما ينبغي ونحن على استعداد لدفع ما يستحق .. عند
هذا فقط ظهرت على العالم الديني علامات الاستياء وقال بشيء من الجفاء :
نحن
هنا لا نتاجر بالدين ولا نطلب على ما نؤديه جزاءا إلا من الله ، ان رجل
الدين كله عطاء ولا يفكر يوماً بالأخذ ... واحسست بالندم ونظرت الى
سندس فوجدتها تنظر إلي باستنكار وتأنيب ثم همست قائلة :
لقد
أسأت اليه ، لقد أخطأت التصرف ... فعدت لكي أقول بتوسل :
الحقيقة
انني أعتذر ان كنت قد أسأت اليك ولكنها أقاويل عديدة جعلتني أفكر على
هذا الشكل ، فعاد يبتسم
( 21 )
مشجعاً وهو يقول ولكن الإنسان لا ينبغي له ان يصدق كل ما يسمع حتى
يتأكد بنفسه من صحة ما يقال ، قلت في لهجة صادقة :
نعم
فإنني كنت غلطان ، والآن أرجوك أن تتفضل بما تراه ، قال :
الحقيقة
يا ولدي أن حاجة الإنسان للدين حاجة ضرورية وحتمية لا غنى له عنها ولا
يمكن لأي شيء عدى الدين أن يسد له تلك الحاجة ، قلت معترضاً أو
متسائلاً :
ولماذا
؟ قال :
لأن
الإنسان بطبيعته البشرية وبتكوينه الفطري تواق الى الراحة ، والراحة لا
تتكامل بدون سعادة إذن فهو تواق للسعادة أيضاً والسعادة لا تتحقق إلا
إذا شملت جميع جوانب الإحساس لديه ، الفكر ، والعاطفة ، والدين هو
المنهج الوحيد الذي يتكفل بتجسيد مفهوم السعادة الفكرية والعاطفية ،
وذلك لما فيه من مثل خلاقة وعطاءات بنائة ، وأنظمة وقوانين تربوية
صالحة ... وهنا عدت لأقول :
ولكنك
ذكرت أن ليس هناك ما يعوض عن الدين ، أو ليس في العلم وتقدمه وأثاره ما
يعوض عنه بعد كل ما قدم من وسائل تكفلت بتحقيق الراحة والنعيم للإنسان
؟ قال :
كلا
يا ولدي فهو حتى لو أراد أن يستعيض بالعلم عن
( 22 )
الدين ويلتمس ضالته من السعادة في رحابه ، سوف لن يتمكن أن يجد فيه ما
يريد لأن العلم عاجز عن تحقيق السعادة بمفهومها الصحيح ، فهو وان وفر
له عن طريق التكنلوجيا جميع اسباب الراحة الجسمية فجعله يقطع العالم عن
طريق الطيران بساعات ، ويستمع الى الصوت البعيد عن طريق الأثير ،
ويشاهد سطح القمر وهو جالس في بيته بواسطة التلفاز ، لكنه لن يتمكن ان
يحقق له السعادة الكاملة لأنه لن يتمكن أن يقضي على الظلم الذي لا
تتقبله طبيعة الإنسان أو أن يمحو ما تكرهه الفطرة الإنسانية من نفاق
ورياء ، وحقد واعتداء ، واستغلال القوي للضعيف ، والتزاحم على المال
والمقام ، لأن جميع ما يقدمه العلم خاضع لعاملين يتحكمان به هما عامل
الخير وعامل الشر ، والإنسان هو الذي يوجه منجزات العلم ومخترعاته
بالوجهة التي يريد ، فالطائرة مثلاً قد تكون قاذفة قنابل مدمرة وقد
تكون وسيلة نقل مريحة ، والتلفاز قد يصبح أداة اعلامية صالحة وقد
يستحيل الى جهاز خلاعي مقيت ، والبارود نجده يستعمل مرة في شق الطرق
ويستعمل مرة أخرى في ازهاق أرواح بريئة ، وهكذا والى آخر ما في العلم
من منجزات ، إذن فسوف يبقي الإنسان يصطدم مع ما لا يريده ولا يرغب فيه
وذلك يعني عدم تحقيق السعادة الكاملة والراحة الحقيقة ... قلت :
ولماذا
لا تكون المثالية الاخلاقية هي العوض عن الدين ؟
( 23 )
أعني لو تحقق شمول هذه المثالية واستيعابها لمناطق الحس لدى الإنسان
لعمت مشاعرالإنسانية وطبقت قواعد العدالة بين المجتمع ؟ قال :
ولكن
هذه المثالية الخلقية لن تستطيع هي أيضاً أن تحقق له السعادة أو تشيع
في نفسه الرضا ، لأن المثالية الاخلاقية وليدة حالات طارئة وليست قاعدة
ثابتة راسخة ، فالرحمة مثلا ، وهي احدى مظاهر هذه المثالية وهي ايضاً
مما تتوق اليه طبيعة الإنسان هذه الرحمة لا تتواجد في قلب الإنسان الا
بعد وجود مقدمة ، والمقدمة هي أن يبصر هذا الإنسان ما يستدعي الرحمة
وما يثير لديه دوافعها ، ومثل ذلك لو تصورنا غنيا يعمر قلبه بالرحمة
والرأفة وهو مجبول على مساعدة الفقراء والمساكين ، هذا الغني لا يتمكن
أن يساعد اكثر من الفقراء الذين يراهم فقط وفقط لأن هذا الفقير هو
الوحيد الذي يثير في نفسه عوامل الرحمة ، أما لو لم يبصر بفقير فهو لن
يستفيد من رحمته شيئاً ولن يستفيد منها المجتمع ايضاً ، والرحمة هنا
مثال عن الأخلاق والتعاطف الاجتماعي . ولهذا ، ولكون هذا التعاطف ليس
نتيجة لقواعد ثابتة فهو لن يؤدي دوره الكامل في سبيل تحقيق الراحة
والسعادة للإنسان البشري لمحدودية مجالاته وضيقها ... وكنت استمع اليه
مقتنعاً ولكن خطر لي أن أسأل من جديد قائلا :
ولكن
ما رأيك بشعور المصلحة المتبادلة ؟ اليس فيه ما يغني عن الدين ويحقق
الراحة للإنسان ؟ ... قال :
( 24 )
كلا
، فإن هذه المصلحة المتبادلة لا يمكن لها أن تحقق السعادة والراحة
أيضاً ، قلت لماذا ؟ قال :
لأن
فيها ثغرات لا تمكنها من تحقيق السعادة والراحة وهي تعارض المصالح
وتباينها بين الأفراد ، فما أكثر ما تكون مصلحة زيد قائمة على أساس من
نقيضها عند عمر ، وما أكثر من شيدت صروح على أنقاض صروح ، وعمرت بلدان
نتيجة خراب بلدان ، وسعد أفراد لما شقوا به الآخرون ، اذن فإن الشقاء
سوف لن ينمحي بتحقيق قانون التبادل المصلحي والسعادة سوف لن تتواجد
نتيجة سيادة المصلحة في المجتمع ، وسوف يبقى الإنسان يواجه مالا يريد ،
ويجد مالا يريح ، ولهذا فهو يبقى يفتش عن الراحة التي تتوق اليها
طبيعته في كل حال من الأحوال ... قلت :
ولكن
الا تتمكن التربية الصحيحة والتنوير الفكري ، والتهذيب النفسي من تحقيق
ذلك للإنسان ؟ قال :
ولكن
هذه التربية الصحيحة التي تتصورها تحتاج هي بدورها الى مربين ،
والمربين في حاجة الى مربين أيضاً وهكذا الى مالا نهاية ، فالتربية لا
تبدأ من الصفر ، والصفر لا يخلق أرقام ، ولهذا يبقى الإنسان حاملا معه
الشعور الملح بالحاجة الى الدين ، الدين الذي يحقق له جميع صور السعادة
والراحة منطلقة من قواعد ثابتة لا تتغير ولا تتلون ولا تخضع للتبديل
والتحريف ، عند هذا سكت العالم الديني وبقينا نحن ساكتين
( 25 )
منجذبين لما كنا نسمع ، وبعد لحظات من السكوت قلت :
لماذا
سكت يا أستاذ أترانا قد أتعبناك أو أخذنا من وقتك أكثر مما ينبغي ؟
قال
: كلا ولكنني أردت أن أعطيكما مجالا للراحة ولا بداء الرأي فيما سمعتما
، فالتفت نحو سندس فوجدتها تقول :
أطلب
منه أن يستمر فأنا منسجمة معه تمام الأنسجام وليس لدي أية مناقشة قلت :
اذن تفضل وأكمل الحديث يا استاذ ، قال :
والآن
وبعد ان عرفنا حاجة الإنسان الضرورية للدين سوف نعرف بالضمن ضرورة وجود
النبوات والرسالات ولكن بقي علينا ان نعرف ما هي اوصاف الدين او ماهي
أوصاف الرسالة التي تحقق الراحة للإنسان ، قلت :
نعم
فما هي أوصاف هذا الدين ؟ قال :
أولاً
: أن يكون منسجما مع الفطرة وان لا يكون
متنافراً مع ما جبلت عليه الطبيعة الإنسانية .
ثانياً
: أن يكون ملائماً للعقل ولا يحتوي على
أشياء يعجز العقل عن استيعابها .
ثالثاً
: ان يكون متكفلا بتقديم القيم الصالحة
التي تبني الإنسان الصالح .
رابعاً
: أن يكون متمكناً من تقديم قدوة ، أي
من
( 26 )
تقديم وسائل ايضاح تمكن من التعرف على جوهره وغاياته وتمكن من السير
على منهاجه . والإسلام هو الدين الذي يتكفل بتقديم كل هذه الصور
والاوصاف ، الى هنا وسكت العالم ، فحاولت ان أصبر نفسي عن السؤال الى
دقائق ثم سألت في لهفة وفي شيء من التحدي قائلا :
وكيف
يمكن لنا أن نعرف أن الإسلام هو الدين الذي يتكفل بتقديم كل هذه الشروط
والخصائص ؟ فتنحنح العالم وقال :
وهذا
هو ما أريد أن أشرحه لها يا استاذ ولكنه سوف يستوعب مقدارا طويلا من
الوقت فهل لديكما المدة الكافية ؟ عند ذلك نظرت الى ساعتي وكنت قد غفلت
عن متابعتها ( على خلاف عادتي ) طيلة مدة الحديث فوجدتها تقارب العاشرة
مساءا واكان علينا أن نعود قبل ذلك بساعة لكي تصل سندس الى بيت
الطالبات قبل أن تغلق الأبواب ولهذا فقد اضطررنا أن نؤجل الحديث الى
جلسة قادمة ، فحصلنا منه على موعد في اليوم القادم ، ثم قمنا لننصرف
وكانت اجواء الوداع تختلف كل الاختلاف عن أجواء اللقاء ، فقد خرجنا
ونحن نتشوق الرجوع بينما كنا قد دخلنا ونحن نستعجل الخروج ، وفي منعطف
الشارع احسسنا أن هناك من يتتبع خطواتنا ، ولم نتمكن أن نميزه من بعد
وشعرت سندس ببعض الأرتباك خشية أن يكون هو باسم
( 27 )
زميلها في الدراسة ومحبها المفتون ، ولكنني حاولت أن أطمأنها وابعد عن
ذهنها الشكوك ، وكان السرى في تلك الساعة من الليل مع اطلالة القمر
وهدوء الطريق كفيلا لأن ينسينا كل شيء حتى فضول هذا المتتبع الرخيص
فتماسكت يدانا وثقلت خطواتنا وبدأ الصمت يحكي باستمراره أعذب حديث
وينطق لطوله بأروع الكلمات ، حتى وصلنا أخيراً الى دار الطالبات ،
وكانت الساعة قد تعدت الحادية عشر مساءاً ، وبالطبع فقد وجدنا الأبواب
مغلقة والبيت غارق في السكون والظلام ، وما كان يسعنا أن نطرق الباب
فهو أمر غير مسموح فيه ولهذا فقد وقفنا وراء الباب حائرين ، وكان
موقفنا ذاك مما لا نحسد عليه أبداً ، وبعد فترة من الحيرة قلت :
ان
علينا ان نقرر أمرنا يا سندس ، فالليل يتقدم ومن غير المعقول ان نقف
هنا حتى الصباح ، ليتنا كنا قد خرجنا من هناك قبل ساعة ، فردت علي
بهدوء غير متوقع قائلة :
ولكننا
لم نكن نلهو هناك فؤاد أتراك نسيت بأننا كنا أصحاب حاجة وكان تحقيق
حاجتنا يتطلب البقاء ؟ ثم انني أشعر بأن الفائدة التي حصلنا عليها
تعوضنا عن صعوبة هذا الموقف ولولا خشيتي أن يكون باسم قد تتبع خطواتنا
وانه سوف يسعى الى وضع العراقيل في طريقنا لما اهمني من امر هذا الموقف
المحرج شيئاً يا فؤاد ، فأعجبني كلامها
( 28 )
واحسست بأنني أشعر نفس شعورها لولا احساسي بالمسؤولية تجاهها ولهذا فقد
وافقتها على ما قالت وحاولت ان ابعد عنها المخاوف ثم عرضت عليها أن
تذهب معي الى بيتي الصغير ، وصعب عليها ذلك ولكن لم يكن يسعها الرفض
فتوجهنا معاً الى هناك ، وعندما كنت افتح الباب لا حظت ان هناك من كان
يتتبع خطواتنا ولكن سندس لم تلاحظ شيئاً من ذلك اذ لم يبدو عليها أثر
للقلق ، ودخلنا البيت ، ولأول مرة ظهر الارتباك على سندس ثم قالت بشيء
من الخجل :
أين
سوف أنام يا فؤاد ؟ قلت :
كما
تشائين يا حبيبتي ، قالت :
سوف
أنام في غرفة الأستقبال لتنام أنت هنا في مكانك ، فسكت لحظة ثم قلت لها
:
بل
تنامين انت هنا وأنا الذي أنام في غرفة الإستقبال .
وفي
الصباح اليوم الثاني وبينما كنت أبحث عن سندس بين مجموع الطالبات تقدم
مني احد الطلاب الجدد وسلمني رسالة ثم اختفى بين المجموع ، فانتحيت
جانباً وقد ارتابت نفسي مما فيها وفتحتها فوجدت فيها ما يلي ...
(
أترا كما تحسبان انني لن اتمكن من تحطيم صروح بنيتماها على أنقاض آمالي
؟ ان لدي ما يمكنني من القيام بأي عمل فأما أن تنسحب عن حياتها وتتركها
لي من حديد ، وأما ان أقدم على أي شيء ، نعم على أي شيء ، واول عمل
أقوم به هو اخبار اهلها بما اتفقتما عليه ، نعم اخبارهم بأنها بدأت
تقضي لياليها بين بيوت المستعوذين من المسلمين وبيتك الخالي وارتج عليّ
ولم أعرف كيف اتصرف ، فتركت محاولة البحث عن سندس وجلست في زاوية
منعزلة أفكر فيما يجب عليّ أن افعل ، ولكن ماذا كان عساي أن افعل ؟ وهل
كان من الممكن لن أن انسحب عن سندس وهي حياتي التي لا غنى لي عنها ولكن
وجودي في حياتها سوف يعرضها للبلاء وهذا مالا
( 30 )
اريده لها بأي وجه من الوجوه ، فعلي أن ادبر الأمر بشكل يجنبها من كل
سوء ولا يدع ثغرة ينفذ منها الى أغراضه وذلك لا يتم لا اذا عقدنا
زواجنا في أقرب وقت ولهذا فقد صممت ان لا ادع سندس تعرف بأمر هذه
الرسالة وان اتعجل العالم الديني في انجاز مهمته ليتم عقد زواجنا قبل
ان يتخذ باسم اي اجراء ، ثم وبعد ذلك لي يستطيع أهلها القيام بأي
مبادرة ما دمنا قد اجتمعنا بشكل رسمي معترف به ، وفعلا فقد أخفيت أمر
الرسالة وكان وقت المحاضرة التالية قد بدأ منذ دقائق فالتحقت بها وأنا
أحاول أن أبعد عن فكري أمر الرسالة وصاحبها ، ثم التقيت مع سندس بعد
الدرس وشعرت أنها غير مرتاحة نفسياً لما صادفته من متاعب عند الصباح من
المسؤولة عن دار الطالبات لتغيبها في الليل فطيبت خاطرها وقلت لها :
اننا سوف نذهب عصر اليوم الى العالم وفي غد يعقد زواجنا بشكل رسمي
وتنتهي بذلك متاعبنا ، فهزت رأسها بشيء من الريب وقالت :
لا
احسب أن الموضوع ينتهي اليوم يا فؤاد قلت :
أرجو
أن ينتهي وسوف استعجله قدر جهدي فقالت لي شبه مؤنبة :
كلا
، ارجوك ان لا تفعل وان لا تنسى ان حاجتك مهما كانت مستعجلة لا تخوله
الحق بالتهاون في مسؤوليته يا فؤاد .
( 31 )
نعم
انك على حق ، وعلى كل حال سوف نرى ، قالت
نعم
سوف نرى ، قلت :
انني
سوف أمر عليك قبل الساعة الخامسة لنكون هناك في تمام الساعة الخامسة
فكوني على استعداد .
( 32 )
( 33 )
وذهبت
اليها عصرا فوجدتها تقف امام الباب وقد ارتسم على وجهها شيء من الشحوب
، وعندما اخذت يدها وجدتها باردة كالثلج فرابني منها ذلك وقلت : ماذا
بك يا حبيبتي ؟ فابتسمت وقالت :
لا
شيء قلت :
ارجوك
ان تخبرني بما لديك ، فانت لست على ما يرام ، فعادت لتقول بشيء من
الأصرار : لا شيء ، نعم لا شيء ، فنظرت الى عينيها الصافيتين المشعتين
بالنقاء والسناء ، فوجدت مسحة من ألم لونت لالائها الاخاذ فألمني ذلك
وقلت :
انك
تغالطين يا سندس فلماذا ؟ الست انا وانت وحدة لا تتجزأ فلماذا تنفردي
دوني بتحمل ألم أو سقم ، قالت :
نعم
انك انت روحي المنفصلة عني ولكنني لا أشكو شيئاً ، قلت :
( 34 )
ولكن
عينيك وشحوب وجهك يخالفان ما يقوله لسانك ، قالت :
ارجوك
ان لا تعرضنا للتأخير هيا بنا لنذهب قبل ان يسبقنا الوقت ، فلم يسعني
سوى ان اسير معها والفكار تتقاذفني يمنة ويسرة وكان اخشى ما اخشاه ان
تكون سندس قد استلمت رسالة تهديد على غرار رسالتي ، وكنت احاول خلال
الطريق ان اتحدث اليها بكل ما من حقه ان يريحها ، وفعلا فقد اندمجت معي
الى حد ما وتظاهرت بالمرح والانطلاق ، ولكنني عندما نظرت الى عينيها
وجدت ان مسحة الألم ما زالت منطبعة على صفحة تلك العين الخضراء وطرقنا
الباب ففتحت لنا على الفور وذهبنا الى الغرفة حيث كان يجلس العالم
الديني وكنا في هذه المرة نستشعر في تحركاتنا بشيء من الحرية افتقدناها
في المرة السابقة ، واستقبلنا العالم الديني بالترحاب المصحوب بشيء من
التحفظ ، وبعد ان استقر بنا الجلوس طلبت منه أن يبدأ بالحديث وقلت بشيء
من الخجل بأننا نود لو اسرعنا بالعودة لان تأخرنا البارحة قد سبب لنا
بعض المتاعب ، فاظهر الاستاذ شيئاً من الاهتمام ثم قال :
اني
اسف اذا كان حديثي امس سبباً في تأخيركما فاجبته بلهجة صادقة قائلاً :
كلا
، كلا ، لقد كنا مرتاحين لحديثك ولهذا فقد غفلنا
( 35 )
عن الوقت وعلى كل حال فإن ما حدث ليس بهمم ، فابتسم وقال :
لولا
التعب ما عرف الإنسان معنى الراحة يا ولدي ، ولولا الشدة لما ميزنا
نعمة الرخاء اليس كذلك ؟ قلت :
نعم
لعله كذلك ، قال انت تقول لعله وكأنك غير واثق مما تقول ولكن الم يصدف
لك ان شربت كأساً من الماء بعد ساعات تعب وعطش طويلة ، ثم وفي مرة اخرى
تشرب نفس الماء ومن نفس الكأس ولكن بعد دقائق قصار من شرب كأس روية فهل
وجدت الفرق بين الكأسين لذة وطعماً ، وثمناً وقيمة ، ثم الم تسير في
الشمس مسافة طويلة وانت تبحث لك عن ظل تستظل فيه من وهجها المحرق ثم
وأخيراً تجد ذلك الظل المنشود فتلوذ به وتركن اليه ، فهل ان هذا الظل
يعني لديك نفس ما يعنيه الظل المستمر الذي تعيشه في بيتك ، وكذلك عندما
يمرض الإنسان فيعقده المرض عن الحركة ويحرمه من ملاذ الحياة ثم يقدر له
ان يشفى ، فهو ومما لا ريب فيه سوف يكون سعيدا بصحته اكثر مما كان
سعيداً بها قبل مرضه ، انه وبعد ان يشفى سوف يعرف ان الصحة كنز لا مثيل
له فيبدأ بالحفاظ على ذلك الكنز وبالفرحة لتملكه ، وكنت استمع اليه
واتصور كل دور من الأدوار التي كان يتحدث عنها فاجدها مطابقة لواقع
احاسيسنا فقلت له مقتنعا :
( 36 )
تماماً
كما تقول ، قال :
ولهذا
نجد ان بعض المتاعب بل بعض المحن تكن من صالحنا نحن البشر وان من نعم
الله علينا ان خلق في نفوسنا الاحساس بالألم والتعب والسقم والحمد لله
، وهنا لم يسعني الا ان اردد معه قائلاً باخلاص :
الحمد
لله ، قال :
والآن
فلنعد لكي نبدأ من حيث انتهينا بالأمس ، قلت :
نعم
فكلنا اذان صاغية ، قال :
لقد
سبق ان عرفنا حاجة الإنسان الى الدين ، وعرفنا اوصاف الدين الذي هو
صالح للأنسان في كل مجال من مجالات الحياة وكيف انه ينبغي ان يكون
منسجما مع الفطرة ، وملائماً للعقل ، ومحتوياً على القيم التي تنشئ
الإنسان الصالح وتمكنه من تقديم المثل الاعلى اي وسيلة الإيضاح ، ثم
قلنا ايضاً ان الإسلام هو الدين الذي يتكفل بكل هذا وان اطروحته التي
املاها الله تبارك وتعالى عن طريق النبوة تحتوي في مضمونها على كل
متطلبات النفس الإنسانية مع انسجام كامل لمطاليبها ، فالإيمان بالغيب
مثلا ، وهو مما يدعو اليه الدين ( الذين
يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ، والذين يؤمنون بما
انزل اليك
( 37 )
وما انزل من قبلك وبالأخرة هم يوقنون
) هذا الإيمان بالغيب نجده منسجما تمام الانسجام مع الفطرة
الإنسانية ، فالإنسان وأي انسان على اختلاف ميوله وافكاره ومعتقداته
يشعر دائماً وابداً بأن هناك قوة خارج حدود ما يسمع ويرى ، وهو وبدون
أن يقصد يركن الى هذا الشعور ويطمئن اليه ويلوذ به عند الشدائد والمحن
، ومثله . ذلك المسافر الذي يركب طائرة تحلق به على ارتفاع عال جداً ثم
وفجأة يعلن الطيار عن عطب قد اصاب الطائرة وانه عجز عن اصلاحها ولهذا
فهي مهددة بالسقوط بين لحظة ولحظة ، وعلى الركاب ان يستعدوا لشد احزمة
النجاة ، محاولة الهبوط من باب الطوارئ ، عند ذلك يتوجه كل الى ما
يتمكن عليه من محاولة اساليب النجاة ، اما الراكب الذي يعجز عن ذلك ولا
يتمكن من القيام بأية محاولة فماذا عسى ان يصنع وهو يجد الموت منه قاب
قوسين أو أدنى ؟ اتراه سوف يستسلم وييأس ! كلا ، انه سوف يبقى يأمل
بالنجاة وينتظرها ولكن من أين ؟ وعن أي طريق وجميع الطرق مغلقة امامه ؟
أنه سوف يشعر بالحاجة الى الإيمان بالغيب وبضرورة وجود قوة عليا هي فوق
قوى العلم والتكنلوجيا ، ولذا فهو سوف يبقى ينتظر حدوث معجزة عن طريق
الغيب حتى اللحظة الأخيرة ، ومثل اخر عن حاجة الإنسان للإيمان بالغيب
هو تلك الأم التي تحمل بيدها طفلها المريض بعد ان عجز الطب عن علاجه
ولكنها لا تبرح تتابع انفاسه وتنتظر له طريقاً
( 38 )
للشفاء ، نعم طريقاً لا تتمكن أن تعرف مصدره لأن الطرق التي تعرفها قد
سدت امامها ولكنها ما زالت تتلفت وتنتظر ان يوجد ما يفتح امامها طريقاً
جديداً تحت تأثير قوة تفوق هذه القوى العاجزة ، هذا هو مصداق الحاجة
الكاملة للإيمان بالغيب ، وانسجام الإيمان بالغيب مع الفطرة الإنسانية
، ثم ربان السفينة الذي يضل طريقه بين امواج البحر المتلاطم ويفتقد كل
مؤشر للطريق ، هذا الربان التائه ما الذي سوف يستشعره في ذلك الموقف
العصيب ؟ لا شيء سوى الحاجة الى هداية من جهة عليا هي فوق امكانياته
الخاصة وخارج حدود المعالم والمؤشرات ، أو ليس في هذا دليل على حاجة
الإنسان للإيمان بالغيب وانسجام هذا الإيمان مع طبيعة فطرته الإنسانية
؟ كما جاء في معجم ( لا روس ) للقرن العشرين = ان الغريزة الدينية
مشتركة بين كل الإجناس البشرية حتى اشدها همجية واقربها الى الحياة
الحيوانية وان الاهتمام بالمعنى الالهي وبما فوق الطبيعة هو احدى
النزعات العالمية الخالدة للإنسانية = ولهذا فنحن نجد ان هذه النزعة ،
نزعة الرغبة الى الإيمان بالغيب موجودة حتى عند الأطفال ، فهذا الطفل
الذي يبقى يتسائل عن الاسباب وعن اسباب هذه الأسباب ، انه في تساؤله
هذا يبحث عن مصدر اعلى يستشعره بفطرته البدائية دون أن يتمكن من
التعبير عن ذلك الشعور ، وما ذلك المصدر الأعلى الذي يسعى للتوصل اليه
سوى الغيب ، وبهذا نجد ان فكرة الإيمان بالغيب التي
( 39 )
ضرورة من ضرورات الدين تنسجم تمام الانسجام مع فطرة الإنسان وهذا
الايمان بالغيب الذي هو غريزة فطرية لدى الإنسان ليس الا صورة عن
الإيمان بالله ، وضرورة هذا يقتضي ضرورة ذاك مع اختلاف وضوح الصورة
وشحوبها ، ثم ومن امثلة انسجام نظريات هذا الدين مع الفطرة هو وحدة هذا
الكون واتحاده وارتباطه ، وهنا نظرت الى ساعتي خشية أن يسبقنا الوقت
وحينما وجدت ان لدينا قليلاً منه سألته قائلاً :
ما
الذي تعنيه يا استاذ في فكرة الاتحاد والارتباط في الكون ، قال :
أن
الحديث عن ذلك قد يطول يا ولدي ويبدو انك تتعجل العودة ولهذا فمن
الممكن تأجيله الى جلسة قادمة ، فنظرت الى سندس اسألها رأيها في
التأجيل ، فقالت :
نعم
ان ذلك هو الأصلح لكي لا نقع بما وقعنا فيه امس سيما بعد ان . وسكتت ،
فقلت لها :
بعد
ان ماذا ؟ قالت :
لا
شيء وليس هذا وقت الحديث ولكن حاول ان تأخذ منه موعداً على ان لا يكون
قبل يوم الأربعاء القادم لانني سوف اكون خلال هذه الأيام مشغولة
بالامتحان ، قلت لها :
( 40 )
ان
اليوم هو الاحد وهذا يعني ان يكون الموعد بعد ثلاثة ايام ، قالت :
نعم
وهو كذلك ، فاستدرت نحو الاستاذ وطلبت منه ذلك فقال :
يؤسفني
ان لا اتمكن من اعطاء موعد لكما في يوم الأربعاء لأن لدي مواعيد مسبقة
وساعات فراغي فيه محجوزة ! ، قلت :
اذن
في يوم الخميس ، فابتسم بلطف وقال :
وكذلك
الخميس والجمعة يا ولدي فإنه عطلة آخر الأسبوع بالنسبة لنا وعلينا ان
نتفرغ فيه لقضاء حوائج المؤمنين ورد اسئلتهم وحل مشاكلهم ولهذا فإن
موعدنا سوف يكون عصر يوم السبت الساعة الرابعة من بعد الظهر ، فتصورت
كل هذه الأيام وهي تمر دون ان نحصل على النتيجة المطلوبة فشق علي ذلك
ولهذا قلت له مستعطفاً :
ولكن
الا يمكنك ان تتفرغ لنا ولو ساعة او ساعتين ؟ قال بودي لو كنت اتمكن من
ذلك ولكن ما دامت أوقاتي مشغولة بين دروس وعمل خلال هذه الأيام فكيف
يسعني أن أحدد لكما موعداً فيها ؟ قلت :
ألا
يمكن تأجيل بعض الدروس ؟ فابتسم من جديد وقال :
( 41 )
أراك
قد اقتنعت قبل قليل أن وجود الامتحان سببا كافياً للتأجيل لاهميته
بالنسبة لها ، فلماذا لا تقتنع ان الدروس التي لدي مهمة عندي بشكل يوجب
التفرغ لها ؟
فافحمني
جوابه واخجلني في الوقت نفسه فسكت برهة وأنا لا أعرف كيف أجيب ثم قلت
متعلثماً :
الحقيقة
انني لم اكن اخمن أنك ما زلت مشغول في الدراسة ، قال :
ولكن
كلمة الدروس هي أعم من الدراسة والتدريس ثم ان العلم بحر لا يمكن
النفاذ الى اعماقه الا بعد جهد متواصل وطويل ، وقد يواكب ذلك الجهد عمر
الإنسان كله ، لأنه كلما انفتح له باب من العلم تطلع الى أبواب وأبواب
، قلت :
آه
وهل انت أيضاً كذلك ؟ فضحك ضحكة قصيرة ثم قال :
وهل
نحن فئة خاصة تختلف عن الآخرين يا ولدي ؟ ان أحدنا كأي باحث من
الباحثين يبحث في علوم الدين وما يدور حول تلك العلوم وما يمت اليها
بصلة او يؤثر عليها من قريب أو بعيد ، ثم يبقى دائباً في بحثه وتنقيبه
يفتش عن الفكرة البناءة والرأي العملاق مهما طال به العمر ، قلت :
( 42 )
اذن
فانكم لا تكتفون بدراسة الحلال والحرام فقط ؟ قال :
ان
معرفة الحلال والحرام هي الجوهر الرئيسي في دراستنا ولكن هذه المعرفة
بمفهومها الصحيح وبأبعادها الحقيقية تتطلب معرفة العديد من العلوم
الأخرى قلت :
ارجو
ان اعرف ماذا تعني من مفهوم الحلال والحرام الحقيقي وأبعاده الصحيحة ؟
قال :
ان
معرفة الحلال والحرام تتطلب أولا معرفة العديد من العلوم التي تؤدي الى
صحة تلك المعرفة مثل علم المنطق ، وعلم الاصول ، وعلم الكلام ، وعلم
الحديث هذا بالاضافة الى التمكن من معرفة أسباب التحريم والتحليل
ومصادرهما وغاياتهما لأن المعرفة المجردة لا تكفي للعطاء الموجه ولهذا
فإن على كل من يجعل نفسه في مصاف الهادين أن يعرف مسبقاً أسباب الهداية
وحقيقة الهدى والهداة ومن ثم يعرف الله عز وجل الذي هو مصدر الهداية في
الوجود ومعرفة كل هذا ليس بالشيء السهل اليسير فهو يتطلب الكثير من
الجهد والعناء ويتطلب الطويل من البحث والاستقصاء ، قلت :
ولكنني
لم أكن اتصور هذا يا استاذ فقد كنت أحسب ان العالم الديني هو اخف الناس
مؤنة وأنعمهم عيشاً وأقلهم مسؤولية ، فابتسم الاستاذ ابتسامة جريحة
وقال :
( 43 )
وهذا
مما يؤسف له يا ولدي لأن هذا التصور كفيل بايجاد هوة بين العالم الديني
والشاب المثقف ، بينما نجد أن كلا منهما محتاج للثاني في سبيل اكمال
رسالته في الحياة ، ولعل المستقبل يكشف لك ما تجهله من هذا الباب ؟ قلت
:
نعم
أرجو ذلك من صميم قلبي ، قال الاستاذ :
ومن
أجل أن لا نخسر الاستفادة من هذه الأيام اليكما هذا الكتاب لتقرآ فيه .
ثم قدم لنا كتاب ـ الدين ـ لمحمد عبد الله دراز وكتاب ـ نشأة الدين ـ
لعلي النشار .
( 44 )
( 45 )
مرت
الأيام بطيئة وثقيلة ونحن بين اللهفة لأن نسمع عن الأستاذ من جديد ،
وبين الخوف أن يسبقنا الوقت قبل تكامل خطتنا بالشكل المطلوب وحاولنا
خلال تلك الأيام ان نقرأ الكتاب الذي أعطاه الاستاذ لنا وفي اليوم الذي
يسبق موعدنا مع الاستاذ استلمت رسالة تهديد جديدة من باسم وكانت
عبارتها أقسى من الرسالة الأولى ، ولا انكر بأنها ارقتني في ليلتي تلك
وخشيت أن تكون لها عواقب وخيمة حقيقية ، وفي الصباح وعندما لقيت سندس
في الجامعة جبنت عن اخبارها بأمر الرسالة خشية ان يقلقها ذلك كما
أقلقتني سيما وقد وجدتها متلهفة الى موعدنا عصر ذلك اليوم ، وقد عادت
الى وضعها الطبيعي من الناحية النفسية فخمنت أن كآبتها السابقة كانت
وليدة حالة طارئة وليس لها أي ارتباط مع تهديد باسم ، إذن فلماذا أثير
أمامها ما يكدرها ولماذا ألون أفكارها بهذه الظلال القاتمة ، وحان
العصر فذهبنا الى بيت الأستاذ ، ولكن فوجئنا اذا وجدناه منحرف الصحة
طريح
( 46 )
الفراش ، فجلسنا دقائق ثم رأينا أن علينا أن ننصرف لكي لا نثقل عليه
ولكنه أبي علينا ذلك وقال : انه على استعداد للحديث ، فقلت له باننا لا
نرضى أن تكون فائدتنا على حساب صحته ، فابتسم قائلاً :
ان
صحتي هي من أجل فائدتكم يا ولدي ، قال هذا ثم اعتدل في جلسته وبدأ
بالحديث قائلاً :
لقد
انتهى بنا الحديث في جلستنا السابقة الى ذكر ترابط الموجودات ووحدتها
وشعور الإنسان تجاه احساسه بهذا الترابط وبهذه الوحدة ، فاعلما يا ولدي
أن الإنسان عندما يحس انه جزء لا يتجزأ من هذا الوجود الرحب ، نعم جزء
قد شد الى الأجزاء الباقية كما شدت الاجزاء الباقية اليه ، هذا الشعور
، شعوره بالانسجام الكامل مع ما حوله يجعله يستشعر السعادة نتيجة
احساسه بأنه مسنود من قوة هائلة هيأت له كل هذه الاسباب وشدته الى جميع
هذه الموجودات كما شدت جميع هذه الموجودات اليه ، ولهذا فهو لن يشعر
بالغربة ولن يحس الضيعة والوحدة ما دام قد عرف حقيقة وأسباب الاتحاد في
المخلوقات التي حوله ، وعلى العكس منه ذلك الذي لا يعلم لماذا جاء ؟
ولماذا هو موجود ؟ وما هي أبعاد علاقته مع هذا الوجود الواسع الذي لا
يكاد يساوي هو ذرة من ذراته ، انه عندما يعلم مثلا ان هذه الشمس
الهائلة
( 47 )
بكل
ما فيها من عظمة وشموخ انما هي مسخرة للحفاظ على مصلحته ، وهو عندما
يعرف أن هذا الثبات الدائم في مستوى حرارتها البالغ ( اثني عشر الف
درجة فهرنهايت ) انما كان من أجل الحفاظ على الحياة التي يحياها هو وسط
هذا الكوكب الحي ، وهو عندما يجد ان هذا البعد الذي يفصل أرضه عن الشمس
والذي يقدر بما يقرب من ( 000 ، 000 ، 39 ) ميلا ، لم ولن يدخل عليه أي
زيادة أو نقصان حرصاً على سلامة حياة كرته الأرضية التي يعيش عليها
لأنه لو نقص هذا البعد بمقدار النصف لاحترق جميع ما على هذه الأرض من
شجر أو مدر ، ولو تصاعد هذا الفاصل الذي بين الشمس والأرض فصار ضعف ما
عليه الان لكانت البرودة التي تنتج عن ذلك كفيلة بالقضاء على الحياة في
الأرض ، أنه حينما يعرف هذا يشعر بالسعادة لتحسس أهمية وجوده في الحياة
، وكذلك حينما يجد أن هذه الأرض التي تدور حول محورها مرة في كل أربع
وعشرين ساعة ، ان دورتها العظيمة هذه انما صممت خصيصاً بشكل يمكنه من
الحياة ، لأنه لو فرض أن هذه السرعة كانت قد انخفضت الى مائتي ميل في
الساعة لكان معنى ذلك هو أن يطول الليل ويطول النهار عشر مرات بالنسبة
لما هو عليه الآن ، فما الذي كان ينتج عن ذلك ؟
( 48 )
الناتج
هو ان تحرق حرارة الشمس كل شيء فوق سطح الأرض ، حتى ولو تبقى شيء لم
يحترق فإن برودة الليل الطويلة كفيلة بالقضاء عليه اذن فإن توقيت حركة
الأرض وتحديد زمان دورتها ما نظم بهذا الشكل الا من اجل الإنسان ، فما
هو شعور الإنسان تجاه معرفته لجميع مقدمات الحياة الجبارة التي وضعت من
أجله ؟
ثم
، البحار ، هذه البحار التي تملأ ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ، لو حدث
وكانت أعمق مما هي عليه الان ولو بضعة أقدام فماذا كان سيحدث ؟
لا
نجذب ثاني أوكسيد الكاربون والأوكسجين نتيجة امتصاص الماء لهما ، وماذا
يعني انجذاب ثاني أوكسيد الكاربون والاوكسجين ؟
أنه
يعني الاختناق للأنسان والحيوان ، اذن فان هذه البحار الجبارة حدد
عمقها من أجله هو ومن أجل سلامة وجوده في الحياة ، ثم هذه الأرض التي
يعيش عليها الانسان ولا يكاد يحس بها سوى أنها أرض حجرية أو ترابية
صلبة ولكنه عندما يدرس أبعادها ويتابع خطوطها الجغرافية يأخذه العجب
لسعتها وقوة تحملها لما يرسو عليها من جبال شامخات وهضاب راكنات
ولصمودها أمام جميع ما أمتلأت به رقعتها من ماء البحار والانهار ، ثم
ماذا ؟ لا شيء سوى ان ينصرف عن هذا التفكير الى سواه وقد امتلأت نفسه
بالهيبة والاعظام ، فكيف به اذا علم
( 49 )
ان هذه الارض التي بهرته بعظمتها وصمود قشرتها قد صممت قشرتها خصيصا
بشكل يلائم مصلحته هو ، فهو محتاج الى نسبة معينة من الاوكسجين الموجود
في الهواء فلو كانت قشرة الأرض أكثر سمكا بمقدار عشرة أقدام مثلا
لانعدم الاوكسجين من الهواء إذ ان القشرة الارضية كانت ستمصه كله ،
ومثلا آخر ، عندما يرفع الأنسان رأسه إلى أعلى ماذا سوف يرى ؟
لا
شيء سوى الغلاف الهوائي الذي يحيط بالارض فتسحره الزرقة الهادئة التي
يعكسها هذا الغلاف في النهار وتبهره الروعة المنيرة التي تبرز من خلال
الكواكب في الليل فكيف به لو علم أن كثافة هذا الغلاف الهوائي حددت
طبقاً لمصلحته هو كأنسان يراد له أن يعيش فلو كان الغلاف الهوائي للأرض
ألطف مما هو عليه الآن لا حرقت النيازك كل يوم غلاف الارض الخارجي ،
ولسقطت على مختلف بقاع الارض واحرقتها لان هذه النيازك تواصل رحلتها
بسرعة اربعين ميلا في الثانية ولهذا ومن نتائج هذه السرعة الهائلة سوف
يحترق كل شيء يمكن احتراقة على الارض حتى تصبح الارض هشيما في وقت ليس
ببعيد ... والهواء ونسب أجزاء الهواء المحددة التي لا تختلف بأي حال من
الأحول لو علم الانسان ان هذه الاجزاء انما وزعت بهذه النسب الثابتة من
اجله هو ومن اجل البقاء عليه وكذلك لو نظر الى هذا القمر المنير في
عليائه وعرف ان بعده وقربه انما جاء لمصلحة الانسان ، لمصلحته هو فان
بعد القمر عن الارض يبلغ حوالي (240 ) ألف ميل وهذا هو الحد المناسب
للأبقاء على الحياة الطبيعية فوق الكرة الارضية وذلك لما يعرف من
تأثيره على حركة المد في الماء ولكن لو فرضنا أن هذا
( 50 )
البعد كان بمقدار (50) ألف ميل مثلا لتصاعدت نسبة المد ، تصاعدا هائلا
بشكل يغمر فيه الماء الدنيا كلها ، والهواء ، وما تحمله النسب التي فيه
من أوكسجين ، ونيتروجين ، وثاني أوكسيد الكاربون ، ما تحمله هذه النسب
الدقيقة من مصلحة لاستمرار حياة الانسان بشكل لو زادت فيه أو قلت
لتعذرت الحياة ، وشيء اخر يقدمه الهواء للانسان ألا وهو هذا النور
المنتشر في الكون نور الشمس المشرق الذي يغمرنا منذ الصباح حتى المساء
وهذه الزرقة الساحرة التي نلاحظها في أعالىي الجو فلولا الهواء أو لولا
جزئيات الهواء لرأينا الشمس كالقرص الأبيض في صحيفة سوداء لا أكثر ولا
أقل ، ولكن اشعاع الشمس حينما يصطدم مع جزئيات الهواء تبعثره هذه
الجزئيات وتشتته في الكون فينتشر على هذا الشكل الذي نراه . ثم كان من
حكمة الخالق ان يكون للشمس موجات مختلفة الالوان وان يكون اللون الازرق
منها أقصر موجة من الالوان الاخرى ، اذن فهو أكثر تشتتا بالهواء من
الالوان الأخرى ، ومن أجل هذا ظهرت السماء لنا نهارا وفي الصحو زرقاء
تبعث في النفس الراحة والاطمئنان ، .. لو علم الانسان هذا وعلم غير هذا
مما أعد خصيصا لاستقباله وصيانة وجوده لعرف أنه جزء لا يتجزأ من هذا
الكون الرحيب ... عند هذا سكت الاستاذ وكأنه يريد ان يرتاح قليلا بعد
أن ظهر عليه التعب ، وعز علينا سكوته لاننا كنا نتابع ما يقول من حقائق
طالما عرفناها من قل معرفة باهتة وقد أبرزها لنا داخل اطار جديد جذاب
ولم تمض دقائق حتى عاد يتحدث من جديد قائلا :
والآن
، ألا ترون مدى انسجام هذا الواقع من فطرة
( 51 )
الإنسان الاجتماعية التي تأبى له الانعزال ثم ، ان ايجاد هذه الغرائز
في نفس الإنسان ، ( غريزة الإيمان بالغيب وغريزة النظرة الوحدوية ) هذه
الغرائز لم توجد بدون هدف فهما بوجودهما يشكلان السبب الرئيس الذي يقود
الإنسان الى تتبع الحقائق واستقصاء الواقع ، فهذه الغريزة التي تدعو
الى الإيمان بالغيب تفرض على الإنسان التطلع الى أسرار الغيب ومعرفة ما
وراء الغيب ، وهذه الغريزة التي تفرض على الإنسان الرغبة في الشعور
الوحدوي وتدعوه الى نبذ مشاعر العزلة هذه الغريزة تجره لأن يعرف
ارتباطه مع الكون بكل أبعاد ذلك الارتباط ، وبما أن جميع ما في الكون
قد وضع لأجله أليس من حقه أن يعرف الواضع والسبب في ذلك لكي يذكر فيشكر
؟ ثم أنها تدفعه بالضمن الى تتبع أبعاد هذا الاتحاد والتضامن ، ودراسة
النظم التي قامت عليه تلك الأبعاد ، ثم أنه ايضا عندما يتعرف على دقة
تلك النظم وانسجامها ، وترابطها يقف ليتساءل :
إذن
فما دام ان لكل شيء نظام ، وما دام هذا الوجود الرحب بما فيه من ذرة
صغيرة إلى نجمة كبيرة يخضع لنظام دقيق لا يتحول ولا يتبدل وما دام
الإنسان هو افضل المخلوقات واجدرها بالوصول الى رحلة الكمال ، فهل من
المعقول ان يترك الإنسان هو وحده دون جميع هذه المخلوقات بدون نظام ؟
هل يمكن أن تنظم حياة النملة والنحلة ولا
( 51 )
تنظيم حياة الإنسان ؟ وعندما يصل في افكاره الى هنا يعود ليتساءل
قائلاً :
ولكن
ما هو النظام الكامل الصالح لهذا الإنسان ؟
والأن
هل لي ان اسألكما هل طالعتما الكتاب الذي اعطيتكما اياه ؟ فاجبناه بصوت
واحد قائلين نعم لقد استقصيناه كله ، قال :
إذن
هاكما هذا الكتاب فهو يعطيكما شرحا واسعا عما ذكرته لكما الأن ، ثم
اعطانا كتابا جديداً وسكت لحظات قال بعدها :
لقد
اعطيتكما يا ولدي صورة مختصرة عن هذا الجانب ، اما ما سبق ان ذكرته
لكما من ضرورة ان يكون الدين الذي يؤخذ به ملائماً للفكر وغير منافر
للعقل مهما تقدم به العلم والرقي فإن الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا
توجد فيه ثغرة واحدة يمكن أن ينفذ منها ما يمكن ادعاء منافرته للعقل ،
ويمكننا ان نستدل على ذلك بعدة نقاط ، وكان صوت الاستاذ قد اخذ يتهدج
وقد ضايقه نوبة من السعال لاحظت انه يحاول التغلب عليها للاسترسال
بالحديث ، فشعرت بعطف بالغ نحوه ونسيت كل ما يدعوني للتعجل في انهاء
الموضوع ، فبادرته قائلاً :
ارجوك
ان ترتاح يا استاذ ، ان التعب يبدو واضحاً
( 52 )
عليك ، نحن على استعداد لأن ننتظر بضعة أيام حتى تشفى فابتسم بلطف وقال
:
ولكنك
كنت تتعجل الأمر قبل ايام ؟ قلت :
نعم
أنني أرغب في التعجيل ولكن ليس على حساب صحتك يا استاذ ، قال :
ولكن
دور الانفلونزا كما تعلم غير محدد الابعاد فكيف يمكنني ان احدد لكما
موعداً قادماً يا ترى ؟ قلت :
أنني
سوف امر عليك للاطمئنان على صحتك بعد يومين او ثلاثة ، قال :
|