الجهة السابعة : في التأييد الإلهي لدولة المهدي (ع) .

وينبغي اولاً أن نقيم القرائن على صحة هذا التأييد عموماً ، بالشكل الذي سنوضحه ، ثم نتحدث ثانياً عن مظاهر هذا التأييد في الدولة العالمية .ومن هنا نتكلم في ناحيتين:

الناحية الأولى: في وجود التأييد الإلهي لجانب الحق والعدل عموماً ، أينما وجد ، في مختلف الأزمة والأمكنة.

ويمكن أن نلحظ ذلك في الأدلة الإسلامية على مختلف المستويات :

المستوى الأول : وهو الذي يعرب عنه مثل قوله تعالى:

يا أيها الناس إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.(1)

فإنه مادام الفرد والمجتمع معطياً نفسه لنصرة الله ماشياً قدماً في سبيل الله ، فالله تعالى يفيض عليه النصر وقوة الإرادة ويعطيه من النتائج ما لم يكن متوقعاً.

ومثل قوله تعالى:

 "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ، الذين إن مكناهم في الأرض ، أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقية الأمور" (2)

وإن من اوضح مصاديق هؤلاء المؤمنين الموصوفين في الآية هم المهدي وأصحابه ،وإن لم تكن الآية تشير إليهم بالذات.

 

صفحة (563)

ـــــــــــــــــ

(1) 47 / 7

(2) 22 / 40-41

 

ومثل قوله تعالى :

"والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم "(1)

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ان هناك مرتبة من الإخلاص والإيمان إذا وصلها الفرد في عمله في سبيل الله – اياً كان شكل العمل وأسلوبه – أصبح مستحقاً للتأييد الإلهي والعناية والرحمة من قبل رب العالمين .

وأثر التأييد الإلهي، هو زيادة النتائج على المقدمات ، بمعنى أن هذا العامل المعين لو لم يكن مؤيداً لأنتج نتائج معينة محدودة ، بحسب قوانين المجتمع العامة ، كأي عمل آخر.

لكن حين يصبح العمل مقروناً بالتأييد ، فإن نتائجه تكون أوسع مما يتوقع عادة من مثل هذا العمل .

ومن أمثلته المحسوسة في العصر الحاضر ، انتشار الدين الإسلامي في  العالم .فإنه بالرغم من قلة دعاته المبشرين إليه وقلة المدافعين عنه وضعفهم نجده محفوظاً متنامياً بارزاً بالعزة والفخر أمام الرأي العام العالمي ، يعتنقه في كل عام مئات الأفراد الجدد في إفريقيا خاصة وفي العالم عامة.

المستوى الثاني : وهو المفهوم من مثل قوله تعالى:

" بلى إن تصبروا وتتقوا  ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين .وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ، ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم . فينقلبوا خائبين"(2)

فمهما تزايد عنصر الصبر وعنصر التقوى في الأفراد العاملين ، كان استحقاق عملهم للتأييد الإلهي أكثر فأكثر. وليست هذه الآية وأمثالها خاصة بالنبي(ص) وأصحابه ،وإن نزلت لأول مرة فيهم .وبرهان عدم الإختصاص ينطلق من عدة وجوه نذكر منها اثنين مستفادين من الآية نفسها:

الوجه الأول : إن الآية أناطت الإمداد والتأييد بالصبر والتقوى ،ولم تنطه بكون القائد نبياً أو مرسلاً من الله عز وجل ، الأمر الذي يعطينا أن الصبر والتقوى يستتبعان التأييد أينما وجد.

 

صفحة (564)

ـــــــــــــــــ

(1) 47/ 17

(2) 3/ 125 _ 126

الوجه الثاني : إن الهدف من تأييد الجيش النبوي مذكوراً في الآية وهو قوله تعالى :

" ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين". فمهما وجد هذا الهدف بإخلاص وجد التأييد .وكيف إذاعرفنا أن الهدف المهدوي ليس محدوداً بل واسعاً بسعة الأرض كلها ،فإن التأييد يكون من هذه الناحية أولى بطبيعة الحال.

المستوى الثالث: تعاضد التكوين والتشريع في إنتاج العدل لنتائجه النهائية.

فإن المستفاد من عدد النصوص من الكتاب الكريم والسنة الشريفة ، أن تطبيق العدل الإلهي أينما وجد، والمجتمع المؤمن أينما تحقق ، فإن الطبيعة تكون مساعدة له بمشيئة خالقها الحكيم – لإنتاج النتائج الحسنة والوصول إلى الرفاه الإجتماعي. وهذا أمر صحيح برهانياً ، وسيأتي ما يلقي عليه الضوء الكافي في الكتاب الآتي، من هذه الموسوعة.

كقوله تعالى – نقلاً عن النبي (ع) -:

"ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ،  يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم"(1)

وقوله نقلاً عن نوح النبي (ع):

"فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمدكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً "(2)

فإن إرسال السماء مدراراً وشق الأنهار وزيادة البنين ونحوها ، أمور تكوينية ليس للإنسان فيها يد، وخاصة في عصر نوح(ع) ،ومع ذلك فقد قرنت مع الإستغفار والتوبة ،ومع إصلاح النفس والإخلاص بشكل عام .وهذا صادق بالنسبة إلى المجتمع المحدود ، فكيف إذا أصبح المجتمع كله صالحاً مؤمناً.

فهذه مستويات ثلاثة من التأييد الإلهي ، لا حاجة الآن إلى الزيادة عليها.

الناحية الثانية : في تطبق ذلك على الدولة المهدوية ،وما عرفناه من أشكال التأييد التي تعتبر كنتائج لإحدى هذه المستويات .

 

صفحة (565)

ـــــــــــــــــ

(1) 11/ 52

(2) 71/ 10 _ 12

 

ومن الواضح أن الصفات المعتبرة لإستحقاق التأييد في المستويات الثلاثة كلها موجودة في اصحاب الإمام المهدي (ع) خاصة وفي الدولة العالمية العادلة ، ككل، فمن الطبيعي أن يكونوا مشمولين لكل هذه الأشكال الثلاثة .

واما من حيث النتائج التي تعرضها علينا الأخبار السابقة ، فتتجلى في صور مختلفة:

الصورة الأولى : سهولة استخراج المعادن بشكل خارج عن الحسبان ، سواء فهمناها من زاوية إعجازية أو من زاوية طبيعية ، وقد تحدثنا عن ذلك.

الصورة الثانية : اتساع الزراعة والأراضي المزروعة بشكل عظيم لم يسبق له مثيل.

" لا تدخر الأرض من بذرها شيئاً إلا أخرجته ،ولا السماء من قطرها شيئاً إلا صبته".

الصورة الثالثة : ارتفاع الدخل الفردي بشكل لا مثيل له ، إلى حد  ينغلق الطمع بالمال الزائد تمام، كما صرحت به الروايات .

الصورة الرابعة: أنه (ع) : "تطوى له الأرض" وهو تعبير عن سرعة الوصول  إلى المكان البعيد، أما بشكل إعجازي أو بشكل طبيعي ،كما سنتحدث عنه غير بعيد.

الصورة الخامسة : شمول الأخوة لكل الناس وعموم الصفاء بينهم جميعاً ، الأمر الذي لم يحدث في أي نظام  آخر ، كما نصت عليه أخبار الفريقين.

الصورة السادسة: إن الأمن والصفاء لا يشمل البشر فقط ، بل يشمل الحيوانات أيضاً: البهائم والسباع "واصطلحت السباع والبهائم" فيما بينها .وهي لا تضر الإنسان أيضاً "لا يهيجها سبع ولا تخافه".

وهذا الصلح منصوص عليه في كتب العهدين أيضاً، ومقرون هناك بوجود المجتمع الصالح العادل .كما سوف يأتي في جزءآت من هذه الموسوعة ، قد أعطى هناك معنى يشمل الأفاعي وسائر الحشرات أيضاً.

وهذا الصلح أحد المظاهر الواضحة للتأييد الإلهي للمجتمع المهدوي .حتى إن الوحوش تصبح ملهمة بقدرة الله عز وجل ، على أن تتجنب كلما يضرب البشر من قتلهم أو قتل مواشيهم أو إفساد مزروعاتهم وغير ذلك .بل  لعلها تشاركهم فيما يشعرون من سعادة ورفاه وأخوة "يرضى عنه ساكن السماء" وهو الطير.

 

صفحة (566)

 

وهذا المطلب لا يمكن إثباته من ناحية العلم التجريبي الحديث ،ولا يكون قابلاً للتصديق من قبل أي فرد ممن وثق بهذا العلم واطمئن إليه ، ولكن حسبنا تجربة المستقبل ،وحدوث يوم الظهور نفسه ،فبيننا وبين المفكرين المحدثين ،وجود المجتمع العالمي العادل:

" فانتظروا إني معكم من المنتظرين "(1)

فإن تجربة وجود هذا الصلح لا يمكن تحققها بدون تحقق ذلك المجتمع ،فإنه الشرط الأساسي له .ولا يعقل أن يتحقق الشيء قبل توفر سببه .فإن حدث ذلك المجتمع ،ولم يحدث الصلح بين السباع والبهام كان كلام المنكرين صادقاً ، ولكنهم لا يمكنهم إثبات ذلك في العصر الحاضر، بأي حال من الأحوال.

فهذا هو مهم الكلام في هذا الفصل. بقي علينا الدخول في الخاتمتين اللتين تعرضان إلى أنواع أخرى من المنجزات لا تمت إلى الجانب المالي والإقتصادي بصلة.

الخاتمة الأولى:

في المنجزات القضائية والعبادية والفقهية ونحوها في دولة المهدي (ع) :

ونتكلم عن ذلك في عدة جهات:

الجهة الأولى : في سرد الأخبار الدالة على هذه المنجزات:

أخرج في البحار(2) عن أبي عبيدة عن أبي عبدالله (ع) ، قال:

إذا قام قائم آل محمد حكم بحكم داود وسليمان ، لا يسأل الناس بينة ، وأخرجه ، في  الوسائل(3) بلفظ مقارب .

وأخرج النعماني(4) عن إبان بن تغلب قال: كنت مع جعفر بن محمد (ع) في مسجد مكة وهو آخذ بيدي ، فقال:

يا أبان، سيأتي الله بثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً في مسجدكم هذا ...

 

صفحة (567)

ـــــــــــــــــ

(1) 7/71 وانظر: 10-20.  (2) ج13 ص 183 .

(3) ج3 ص435.            (4) ص 169.

إلى أن قال: ثم يأمر مناد فينادي: هذا المهدي يقضي بقضاء داود سليمان ، لا يسأل عن ذلك بينة، وأخرجه الصدوق في إكمال الدين أيضاً(1).

وأخرج  النعماني(2) عن إبان أيضاً عن أبي عبدالله (ع) في حديث ، أنه قال: ويبعث الله الريح من كل واد تقول هذا المهدي يحكم بحكم داود ولا يريد البينة.

وهناك أخبار أخرى حول هذا القضاء رويناها في الفصل الخاص بالتمحيص فراجع.

وأخرج في البحار(3) عن الكافي بإسناده عن أبي عبد الله (ع) ، قال: أول ما يظهر القائم من العدل أن ينادي مناديه أن يسلم صاحب النافلة لصاحب الفريضة الحجر الأسود والطواف.

وروى أيضاً عن الكافي بإسناده عن عمرو بن جميع قالت سألت أبا جعفر (ع) عن الصلاة في المساجد المصورة ، فقال : أكره ذلك ،ولكن لا يضركم اليوم ،ولو قام العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك .

وقال في البحار :روى في كتاب مزار لبعض أصحابنا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال : قال لي: يا أبا محمد ، كأني أرى نزول القائم في مسجد السهلة ، بأهله وعياله ، قلت يكون منزله ؟جعلت فداك! قال: نعم... قلت : جعلت فداك لا يزال القائم فيه أبداً . قال: نعم .قلت: فمن بعده؟ قال: هكذا من بعده إلى انقضاء الخلق. قلت: فما يكون من أهل الذمة عنده؟ قال :يسالمهم ،كما سالمهم رسول الله (ص) ، ويؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون ... الحديث.

صفحة (568)

ـــــــــــــــــ

(1) نسخة مخطوطة.  (2) نفس الصفحة السابقة.

(3) ص196ج13 .وكذلك الخبرين بعده.

 

وروي أيضاً(1) ،عن السيد علي بن عبد الحميد بإسناده إلى أحمد بن محمد الأيادي يرفعه إلى اسحق بن عمار، قال :سألته عن إنظار الله تعالى إبليس وقتاً معلوماً ذكره في كتابه ، فقال:

إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم(2). قال:الوقت المعلوم يوم قيام القائم ، فإذا بعثه الله كان في مسجد الكوفة ،وجاء إبليس حتى يجثو على ركبتيه ، فيقول يا ويلاه ،من هذا اليوم ، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه ، فذلك يوم الوقت المعلوم منتهى اجله.

وقد سبق أن روينا هذا الخبر ،وأجلنا الحديث فيه إلى هذا الفصل .ومن أجل هذا كررناه.

وروى في البحار أيضاً(3) عن بعض مؤلفات أصحابنا بإسناده عن المفضلبن عمر ، قال سألت سيدي الصادق (ع) : هل للمأمور المنتظر المهدي(ع) من وقت معلوم يعلمه الناس؟ - وهو حديث طويل يقول فيه- : قال المفضل : قلت : ياسيدي ، فأين يكون دار المهدي ويجتمع  المؤمنون ؟ قال:

دار ملكه الكوفة ومجلس حكمه جامعها وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة .وموضع خلواته : الذكوات البيض بين الغريين .قال المفضل: يامولاي ، كل المؤمنين يكونون في الكوفة، قال: أي والله ، لايبقى، مؤمن إلا كان بها أو حواليها ، وليبلغن مجالة فرس منها ألفي درهم ..وليصيرن الكوفة أربعة وخمسين ميلاً ،وليجاورن قصورها كربلا ،وليصيرن الله كربلا معقلا ومقاما ، تختلف فيه الملائكة والمؤمنون ،وليكونن لها شأن من الشأن ... الحديث.

وروى الحر في الوسائل(4) بإسناده عن الحسين الشيباني عن أبي عبد الله (ع) قال:

قلت له: رجل من مواليك يستحل مال بني أمية ودمائهم ،وأنه وقع عنده وديعة .فقال:

أدوا الأمانة إلى أهلها وإن كان مجوس، فإن ذلك لا يكون حتى قام قائمنا فيحل ويحرم.

 

صفحة (569)

ـــــــــــــــــ

(1) ص197 ، ج 13.  (2) 38 / 80 _ 81 .

(3) ج13 ص200.     (4) ص681.

 

واخرج الصدوق في إكمال الدين(1) بسنده عن إبان بن تغلب ، قال: قال أبو عبدالله (ع) :

دمان في الإسلام حلال من الله عز وجل : لا يقضي فيهما أحد بحكم الله عز وجل ، حتى يبعث الله القائم من اهل البيت ، فيحكم بحكم الله عزوجل فيهما ، لا يريد فيه بينة : الزاني المحصن يرجمه ،ومانع الزكاة يضرب رقبته(عنقه).

إلى غير ذلك من الأخبار التي لا حاجة إلى الإطالة بذكرها .

أقول: إن اكثرالأخبار ، بصفتها أخباراً مفردة ، غير قابلة للإثبات التاريخي ، وخاصة ما نقلناه عن البحار فإن فيه ما هو مجهول ومرسل ومرفوع . فالعمدة في تصحيحها مطابقتها للقواعد والقرائن .ولكننا سنتحدث الآن عنها كما لو كانت كافية للإثبات ،  لعدم قيام القرائن على بطلانها على أي حال.

الجهة الثانية: في الحديث عن قضاء المهدي (ع) ، وقد تحدثنا عن ذلك مفصلاً ،وإنما بقيت هناك نقطتان لم يكن المجال لإيضاحهما متوفراً ، فنتحدث عنها الآن.

النقطة الأولى: في معنى قضاء سليمان (ع) .فإننا لم نذكره من بين أساليب الأنبياء للقضاء فيما سبق. وقد ورد في هذه الروايات ذكره.

هو ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى :

" وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً".(2)

وهذه الآية لم تذكر الحكم الذي حكم فيه سليمان (ع) طبقاً لتفهيم الله عزوجل .ولكن ذكرته السنة الشريفة في عدة أخبار.

منها : ما روى(3) عن أبي بصير عبد الله (ع) قال : قلت له: .....

 

صفحة (570)

ـــــــــــــــــ

(1) نظر المصدر المحطوط.

(2) 21/77-78.

(3) تفسير البرهان ج 2 ص 693.

" وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث" قلت : حين حكما في الحرث كانت قضية واحدة ؟ فقال : أنه كان أوحى الله عزوجل إلى النبيين قبل داود ، إلى أن بعث الله داود ،أي غنم نفشت في الزرع ، فلصاحب الحرث رقاب. فلا يكون النفش إلا بالليل .فإن على صاحب الزرع أن يحفظه بالنهار، وعلى صاحب الغنم في الليل. فحكم داود (ع) بما حكمت به الأنبياء(ع) من قبله.

وأوحى الله عز وجل إلى سليمان (ع) : أي غنم نفشت في زرع فليس لصاحب الزرع إلا ما خرج من  بطونها. وكذلك جرت السنة بعد سليمان. وهو قول الله عز وجل :وكلاً آتينا حكماً وعلماً. فحكم كل واحد منهما بحكم الله عز وجل.

والمستفاد من هذا الخبر وغيره، أن اعتداء الغنم على الحقل ،إن كان بالنهار فلا ضمان على صاحب الغنم ، لأن صاحب العقل هو الذي يجب عليه حفظ حقله في النهار.

فإذا اعتدت غنم غيره عليه كان هو مقصراً ،ولا يضمن له صاحب الغنم شيئاً .وأما اعتداء الغنم في الليل فهو مضمون على صاحب الغنم ، لأنه يجب عليه حفظ غنمه من الإعتداء على الآخرين أثناء الليل ، فإذا لم يمنعها كان مقصراً وعليه الضمان. وكان الإعتداء في القضية التي عرضت على داود وسليمان(ع) ، إعتداء ليلياً ، فكان صاحب الغنم ضامناً لما اتلفه غنمه .ولكن ماذا يجب أن يدفع صاحب الغنم إلى صاحب الحقل ؟ إن في ذلك ثلاث احتمالات :

الإحتمال الأول : أنه تقدر قيمة التالف من الزرع ،ويأخذ صاحبه من النقود بقدر هذه القيمة .وهذا صحيح إلا أن النقود لم تكن موجودة في ذلك العهد ، بل كانت المبادلة كلها بين النس باعتبار العروض نفسه ، فكان هذا الإحتمال مما لا يمكن العمل به يومئذ.

الإحتمال الثاني: أنه تقدر قيمة التالف في الحقل ، ويأخذ صاحبه بقدر قيمته من العروض مما يملكه صاحب الغنم. وأقرب شيء يأخذه صاحب الحقل من هو ما انتجته الغنم المعتدية نفسها من حليب وولد وغيره .وهذا هو الذي حكم به النبي سليمان ، طبقاً لتفهيم الله عز وجل ... كما يقول الخبر.

 

صفحة (571)

 

الإحتمال الثالث : إن صاحب الغنم يدفع إلى صاحب الحقل الغنم المعتدية نفسها ، أما – كلها ـ  كما هو ظاهرالخبر ـ وأما بعضها بمقدار قيمة التالف .وهذا هو الذي حكم به داود (ع) ، طبقاً لأحكام الأنبياء السابقين ، كما يقول الخبر.

وكان الحكم العادل ، المطابق مع المستوى التربوي للبشرية يومئذ ، هو ما قاله النبي سليمان (ع) .

الجهة الثانية: في المبررات الكافيى لإتخاذ المهدي (ع) أساليب قضاء سليمان وداود(ع) .

والمستفاد من مجموع الأخبار، أن اتخاذ المهدي (ع) لقضاء سليمان ، أمر مؤقت .شأنه في ذلك قضاء التي سمعنا أن المهدي (ع) يسير على طبق كل واحد منها مرة أو أكثر من أجل تمحيص الأمة، ولكن اتخاذ المهدي لقضاء داود أمر مستمر ومعتاد بالنسبة إليه ، فهل هذا صحيح وكيف يكون ذلك ؟هذا ما سنعرفه بعد قليل.

وليس المراد بقضار داود (ع) حكمه في قضية الحقل التي حكم بها ولده سليمان (ع) .بل اسلوبه العام في أنه يقضي بدون أن يطلب من المدعي بينة على مدعاه.

وينبغي أن يقع الحديث في نقطتين.

النقطة الأولى : في المبررات الكافية لإتخاذ المهدي (ع) قضاء سليمان (ع) .

يمكن أن نذكر لذلك مبررين:

المبرر الأول : إن قضار سليمان (ع) مطابق للقواعد الإسلامية نفسها ،فإنه بعد أن يثبت اعتداء الغنم على حقل الغير ، يكون صاحب الغنم ضامناً لصاحب الحقل قيمة ما اتلفته الغنم من الزرع وهذا صحيح واضح القواعد الإسلامية ،وهو مما أخذه سليمان وداود (ع) مسلماً أيضاً، وإنما اختلفت الأحكام فيما يمثل هذا الضمان الذي يدفعه صاحب الغنم كما قلنا في الإحتمالات الثلاث السابقة.

فبينما يبدو للفرد المعاصر لعصرالنقود والعملات الورقية ، أن الضمان يجب ان يكون ممثلاً بها ، لم يكن هذا واضحاً ولا مفهوماً للمجتمع المعاصر لسليمان وداود (ع) ، لإنعدام العملة عندهم.

ومن الصحيح إسلامياً ان الضمان في العصر الحاضر، إنما يكون بالنقود والعملة بوجه عام ـ ولكن الصحيح إلى جانب ذلك أنه يمكن دفع العين أو العروض بدلها أحياناً ، كما لو اتفق الدائن والمدين على ذلك ، وكما لو أمر بذلك الحاكم الإسلامي الأعلى نفسه.

 

صفحة (572)

 

إذاً، فالفرق بين حكم سليمان وحكم الإسلام فيما يمثل الضمان . فإذا حكم المهدي (ع) بحكم سليمان (ع) ، فقد أمر ضمناً بصفته حاكماً إسلامياً أعلى – بتحويل الضمان من النقد إلى العروض، فيكون هذا جائزاً وملزماً للمدين.

واما التفريق بين الإعتداء في الليل والإعتداء في النهار ، فلا يكون في هذه المسألة منشأ للفرق بين حكم سليمان وحكم الإسلام فيها ، لأنه كان اعتداء ليلياً مضموناً في حكمه وهو مضمون في الإسلام أيضاً .نعم ، لو كان الإعتداء في النهار، لكان منشأ للفرق الحقيقي ، إلا أن المهدي (ع) سيحكم بالضمان كما حكم سليمان بالضمان.

المبرر الثاني: أننا لو تنزلنا – جدلاً- عن المبرر الأول ، وفرضنا أن حكم سليمان (ع) غير صحيح إسلامياً ، فعندئذ يكفي في صحته بالنسبة إلى الإمام المهدي(ع) ما كفى بالنسبة إلى اتخاذه أساليب قضاء الأنبياء الآخرين كآدم ونوح ووقد أعطينا لذلك المبررات الكافية في الفصل السابق فراجع .هذا والمهدي (ع) أولى بالناس من أنفسهم وأموالهم، وله أن يعمل ماهو الأصلح على كل حال ، شأنه في ذلك شأن نبي الإسلام (ص) نفسه ، كما هو ثابت بضرورة الدين.

النقطة الثانية : في المبررات الكافية لإتخاذ المهدي (ع) قضاء داود (ع).

يمكن أن نقدم لذلك ثلاثة مبررات بحسب فهمنا المعاصر:

المبررالأول : التمحيص والإمتحان ، الذي هو المبرر العام لإتخاذ المهدي أياً من أساليب قضاء الأنبياء السابقين ، على ماعرفنا ... إلى جانب مصالح أخرى عامة عرفناها.

وهذا المبرر يكتسب إثباته التاريخي ، بشكل رئيسي ،ومن الظن بأن الإمام المهدي (ع) حين يحكم في قضية بحكم النبي داود (ع) سوف لن يصرح بأن هذا من ذاك ،ولن يوضح أنه حكم بعلمه مطابقاً للواقع وإن خالف القواعد القضائية العامة .ومن هنا يكون مثاراً للإحتجاج ،وهو محك التمحيص.

غير أن هذا صحيح في العدد القليل من القضايا التي يتخذ فيها المهدي (ع) هذا الأسلوب القضائي ، إذ تكون صفته صفة اتخاذه لأساليب القضاء الأخرى ، مرة مرة ،وهي التمحيص .غير أن المستفاد من الروايات استمرار ديدن المهدي (ع) على ذلك في كثير من  القضايا ، ومعه ، يكون اتخاذ هذا الأسلوب لأول مرة محكاً للتمحيص ، وحين يتكرر الأمر ويتضح السرفيه ، سيتخذ الموقف مبرراً آخر أعمق من ذلك.

صفحة (573)

المبرر الثاني : تعويد المجتمع على الوصول إلى الواقع في المرافعات القضائية ،فحين يعلم الإمام المهدي (ع) أن  القواعد القضائية ستوصل القضية إلى الواقع لا يكون لديه مانع من استعمالها ،وحين يعلم مخالفتها للواقع فإنه سيهملها ويتجه في حكمه نحو الواقع مباشرة .وقد قلنا في الفصل السابق أن الحاكم العادل مخيربين الأسلوبين باستمرار.

ومن هنا كان هذا الأسلوب معتاداً له ، لا بمعنى أنه يتخذه في كل القضايا على الإطلاق، بل بمعنى أنه يكثر من اتخاذه ، وذلك في موارد مخالفة القواعد العامة للواقع، ومن هنا يمكن القول :بأن المهدي (ع) يجمع ما بين قضاء داود(ع) وقضاء محمد (ص) . وحيث نعرف أن قضاء محمد (ص) أعني بالقضاء بالبية واليمين غالبي المطابقة للواقع ، وقليل المخالفة له، نعرف أن المهدي (ع) سيتخذ قضاء محمد (ص) في الأغلب وقضاء داود في الأقل .ولكنه (ع) سيصل إلى الواقع على كل تقدير.

ولا حاجة إلى التوسع في هذا المبرر أكثر من ذلك.

المبرر الثالث : تعويد المجتمع على الوصول الى الواقع ، في كل مصالح العامة ، وليس في القضاء فقط . فان القضاء بالرغم من اهميته ليس هو اهم مرافق الدولة واعمق مستوياتها ، فاذا كان الجانب الاضعف محتاجا الى الوصول الى الواقع ، فكيف بالجانب او الجوانب المهمة والعليا في الدولة والمجتمع .

والمنطلق الاساسي لهذا المبرر ، وهو أن الحكم العادل المطلق ، الذي يحصل فيه الإنسجام المطلق بين البشر أجمعين ، لا يمكن أن يتحقق إلا بعد التشخيص الحقيقي لكل الوقائع والحوادث ، والرؤية الواضحة لكل الظواهر والتحركات ،وأي ضعف في التشخيص أو جهل في الرؤية ، يؤدي إلى تضعضع العدالة في الحكم الوارد في الواقعة. وإذا  كثر هذا الضعف كثر هذا التضعضع ، ومن ثم  قد يودي بعدالة النظام كله.

ولا نريد بالتشخيص الحقيقي والرؤية الواضحة، إلا ملاحظة كل واقعة وحادثة على واقعها من دون لبس وغموض .إذاً فتطبيق العدل الكامل المطلق ، متوقف على الوصول إلى الواقع دائماً ، أعني في المصالح العامة – وقد يصل بعد التربية البشرية المستمرة حتى إلى الوقائع الشخصية الخاصة.

 

صفحة (574)

 

وهذا هو أحد الفروق بين داود(ع) والمهدي (ع) حيث وقع هذا القضاء من داود (ع) مرجوحاً كما عرفنا مستحقاً للإستغفار والإنابة ، بينما سوف يكون راجحاً من المهدي (ع) ومطابقاً للمصالح العامة في دولته. لأن المجتمع في عصر داود لم يكن في مستوى الوصول إلى الواقع ، بل كانت القواعد القضائية العامة تربوية  بالنسبة إليه إلى الحد الكافي ...على حين سيصبح المجتمع في عصر الإمام المهدي (ع) محتاجاً إلى الوصول إلى الواقع في كل المصالح العامة.

ولا حاجة إلى التوسع في هذا المبرر الثالث أكثر من هذا ايضاً.

الجهة الثالثة : في مقتل إبليس .

وهو ما دل عليه بعض الروايات ، منها ما نقلناه فيما سبق.

الأطروحة الأولى : الأطروحة الصريحة (غير الرمزية) لهذا الحادث الطريف.

وتبدأ هذه الأطروحة من زاوية ظهور القرآن الكريم بأن ابليس مخلوق معين ذو شخصية محددة، وهو الذي  أصبح منذ عصيانه الأمر الإلهي بالسجود لآدم (ع) مصدر الشر والخطايا لآدم وذريته .وقد دعا إبليس ربه في ذلك الحين أن يرزقه العمر الطويل ليقوم بمهمته خير قيام ...وقد أجابه إلى ذلك .ومن هنا كان أي كفر أو إنحراف أو عصيان في البشرية منسوباً إلى إبليس أو الشيطان.

غير أن إبليس دعا ربه أن يهبه العمر إلى نهاية البشرية (إلى يوم يبعثون) فاستجاب له قسماً من هذا الدعاء ورفض الآخر ، بأن أعطاه قسماً من العمر المطلوب....

" قال إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم "(1)

وهو يوم الظهور وتأسيس الدولة العالمية حيث يقوم الإمام المهدي بقتله ، وتبقى البشرية بدون شيطان، فتكون تربيتها أسهل وتكاملها أسرع ، وربما  تكون هذه السرعة أضعاف ما هي عليه في حياة إبليس.

فبينما كان إبليس ، أعني طاعته والإنحراف باتجاهه ، محكاً للتمحيص منذ أول البشرية إلى عهد الظهور، لما عرفناه من وجود اختلافات أساسية في الأسلوب والنتائج بين التخطيط  السابق والتخطيط اللاحق على الظهور.

 

صفحة (575)

ـــــــــــــــــ

(1) 38/ 80-81

 

وهذه الأطروحة وكذلك الثانية ، تصدق بغض النظر عن بعض المناقشات الجانبية في مضمون الخبر ، الذي سمعناه بهذ الخصوص ،والذي يطول بنا المقام في سردها.

غير أن أهم مناقشة تواجهها هذه الأطروحة ، بعد التسليم بأن ذاك الخبر وحده غير كاف في الإثبات التاريخي ... هي جهلنا بمقصود القرآن الكريم من (الوقت المعلوم).

فإن القرآن ظاهر فعلاً بأن الوقت المعلوم أقصر مدة وأقرب زماناً من (يوم يبعثون).

إلا أنه لم يحدد هذا الوقت المعلوم ...فلعل المراد به يوم موت إبليس نفسه ، فكأنه قال كإنك من المنظرين إلى حين موتك .ولعل المراد به يوم ظهور المهدي كما هو مبين في هذا الخبر. ولعل المراد به يوم وجود المجتمع المعصوم .كما سنسمع في الأطروحة التالية ، كما لعل المراد الإشارة إلى وجود حادث كوني معين يودي بحياة الشيطان ، أو يجعل حياة الشياطين متعذرة.

وحيث لا معين لأحد هذه الإحتمالات من ظاهر القرآن الكريم ،وهذا الخبر وحده غير كاف للإثبات .إذن فلا يمكن التأكد من صحة الطروحة الأولى.

الأطروحة الثانية : الأطروحة الزمنية وهي ان نفهم من مقتل إبليس مقتله في نفوس البشر ، بحيث أنه مهما كان في ذاته – لايبقى له أي اثر أو وجود عملي على سلوك البشر إطلاقاً ،وذلك حين تجتث الدولة الإسلامية  العالمية العادلة، عناصر السوء والفساد من الأرض وتبدلها إلى جو الخير والصلاح ، في نفوس وعقول الأفراد أجمعين فحينئذ لا يبقى لوجود إبليس أية قيمة من الناحية العملية ،وأما بقاؤه حياً في عالمه أوموته هناك، فهذا غير مهم بالنسبة إلينا.

وحيث كان وجود الخير والصلاح في البشرية كلها ناتجاً من جهود الإمام  المهدي (ع) وتعايمه وقوانينه ، كان نسبة مقتل إبليس إليه أمراً صحيحاً ،وإنما كان مقتله في مسجد الكوفة على ما نطق به الخبر- لأن هذا المسجد بصفته أحد المراكز المهمة في العاصمة العالمية الكوفة ، سيكون هو منطلق تعاليم المهدي (ع) ونشر هدايته على العالم ، ومن الواضح عندئذ كيف يتأسف الشيطان لذلك ويجزع .كما سمعنا من الخبر – ويكون مقتولا ًفي النفوس بسيف المهدي(ع) وسلاحه المعنوي.

 

صفحة (576)

إن هذه الأطروحة تنطلق من آيات القرآن الكريم أيضاً، فإن مجموعة منها صريحة في إن إبليس ليس متسلطاً على كل البشر ولا نافذ الأمر فيهم جميعاً . بل هناك جماعة مؤمنة خارجة عن نطاقه، وإن الإنسان إذا وصل في إيمانه درجة معينة، فإنه يكون في منجاة كاملة من أضاليل إبليس وشبهاته.

قال الله تعالى:

" قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين"(1)   

وقال تعالى : " قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين"(2)

وهذا النص ملحق بقوله:

" قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ، قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم "(3)

وقال عز وجل :

"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين "(4)

وقال عز وجل :

" إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم  يتوكلون ، إنما سلطانه على الذين يتولونه، والذين هم به مشركون"(5)

إلى غير ذلك من الآيات وهي واضحة في أن مستوى معين من الإيمان يكون دافعاً لسلطان إبليس وإغوائه، باعتراف إبليس نفسه ، كما دلت عليه الآيتان الأوليان ،ويقول الله عز وجل في الآيتين الأخيرتين.

 

صفحة (577)

ـــــــــــــــــ

(1) 15 / 39 _ 40.  (2) 38 / 82 _ 83.

(3) 15 / 42.         (4) 16/99-100.

 

وهذا المستوى من الإيمان يوجده المهدي (ع) في البشرية خلال حياته ،ومن ثم يكون هو القاتل لإبليس مباشرة بسيفه المعنوي .ولا أقل من انه يضع المنهج العام لتربية البشرية على الخط الطويل لكي تصل إلى عصر(المجتمع المعصوم) وعنئذ يكون مقتل إبليس في نفوس البشر أكيداً وواضحاً ،لوجود التنافي الأساسي  والأكيد بين العصمة والمعصية.

وسيكون هذا المجتمع آخر نهاية محتملة له ، نعلم من خلاله بموت إبليس أو انفصاله عن البشرية نهائياً . لأنه إما أن يموت يومئذ ، أو يموت في حياة المهدي (ع) فيكون عند حصول المجتمع معصوماً ميت، أو يموت – كما قلنا – بحادث كوني يجعل حياته متعذرة ،وليس ذلك إلى صفة العصمة التي يتحلى بها المجتمع يومئذ ، فإنها تقتله أو تجعله منفصلاً عن البشرية بشكل نهائي ، طبقاً للأطروحة الثانية.

بقيت آية واحدة قد يخطر على البال منافاتها لما قلناه ،وهي قوله تعالى:

" قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي ، لئن أخرتن إلى يوم القيامة ’لأحتنكن ذريته إلا قليلاً "(1)

فقد يبدو أنها دالة على بقاء الشيطان إلى يوم القيامة ،كما أنها دالة على أن اتباع الشيطان هم أغلب البشرية على طول الخط ،وإلى نهايتها ،وهذا ينافي مع وجود المجتمع المعصوم الباقي إلى نهاية البشرية.

والصحيح إنها لا تدل على كلا الأمرين ،وإنما تدل على أمور أخرى نذكر منها:

الأمر الأول: توقع الشيطان البقاء إلى يوم القيامة ،وهو توقع لم يكن يلق قبولاً من قبل الله عز وجل، كماعرفنا في قوله تعالى " إلى يوم الوقت المعلوم " .

الأمر الثاني : أن الشيطان لو بقي إلى نهاية البشرية فإن أتباعه سيكونون هم الأغلب من البشر. وهذا صحيح، إلا أن بقاءه سوف لن يحدث ،وهذه الآية غير دالة عليه ،لأنه يقول : لئن أخرتني إلى يوم القيامة ، لا أنك ستؤخرني فعلاً.

الأمرالثالث: إن الشيطان مادام موجوداً ،فإن أغلب البشر من اتباعه ،وهذا صحيح ، وسيبقى موجوداً إلى" يوم الوقت المعلوم" ،وعندئذ تنتهي حياته فيسود الصلاح والعدل الكامل ربوع البشرية.

 

صفحة (578)

ـــــــــــــــــ

(1) 17 / 62

 

وهذا يصلح برهاناً على نقطتين ، نضمهما إلى استنتاجاتنا السابقة :

النقطة الأولى : إن الشيطان مادام موجوداً في الواقع، فإنه متسلط على البشرية ،ولا يعقل انفكاكه عن ذلك إلا بموته .وهذا يبرهن على عدم صحة الأطروحة الرمزية .بل يمكن أنما الخلاص منه بقتله الحقيقي فقط .

النقطة الثانية : أن تطبيق العدل الكامل متوقف على قتل الشيطان ، لأنه يتوقف على شيوع الإيمان بين البشر، وهذا لا يكون في حياة إبليس، إذاً فلا بد من قتله من أجل ذلك، فيكون قتله خطوة أولى لصلاح البشرية وتطبيق العدل الكامل فيها، ومن هنا يمكننا أن نفهم من الوقت المعلوم الذي هو نهاية عمر إبليس يوم قتل المهدي (ع) إياه ،فإنه لا بد له أن يقتله من أجل فسح المجال لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة ،وإنجاح تخطيط التكامل في عصر ما بعد الظهور.

ولا ينبغي أن نتحدث عن إبليس أكثر من ذلك.

الجهة الرابعة : الحج في عصر المهدي(ع).

أنه بعد العلم أنه (ع) سوف يعيده إلى احكامه الواقعية التي كان عليها في عصر نبي الإسلام (ص) ،كما يفعل في كل مناحي الحياة ،وقد يضيف إليه أحكاماً أخرى ، في جملة ما يضيف من أحكام ...بعد هذا لا يبقى ما يمكن ذكره غير نقطتين.

النقطة الأولى: أنه (ع) – كما سمعنا في ما سبق-  سيقوم بتقليص حجم المسجد الحرام وإرجاعه إلى أسسه التي كان عليها في صدر الإسلام ،وهي الأسس التي بناها إبراهيم النبي(ع) .وبذلك لاتبقى ربع المسافة التي عليها ، المسجد في عصرنا الحاضر.

وخاصة بعد التوسعات الضخمة التي أدخلت عليه أخيراً.

النقطة الثانية : إن ضيق المسجد لا يعني قلة الحجاج ، بل إن الحجاج سيتكاثرون بشكل هائل من كل العالم البشري ، حين يعم الإيمانوجه الكرة الأرضية .وسيكون حجهم مخلصاً إطاعة للوجوب أو الإستحباب الشرعيين لا للتجارة ولا للنزهة ، كما كان عليه الناس قبل الظهور.

ومن هنا توجد مشكلة مهمة ، هي ضيق المسجد بالطائفين ضيقاً شديداً ،وسيواجه المهدي (ع) هذه المشكلة  بعدة أحكام تقوم بتذليلها ...أشارت الأخبار إلى اثنين منها:

الأول : جواز الطواف خلف مقام إبراهيم ، الأمر الذي كان مختلفاً فيه بين علماء المسلمين قبل الظهور، فإننا سمعنا في خبر سابق أنه يعيد مقام إبراهيم إلى موضعه الطبيعي ملتصقاً بالبيت أعني الكعبة المشرفة ، وقد دلت القرائن على صحة هذا الخبر، على ما قلنا ، ومعه يتعين أن يكون الطواف خلف المقام ،ولاتحديد له بعد ذلك إلاجدار المسجد  نفسه.

 

صفحة (579)

الثاني : منع الطواف المستحب مع وجود كثرة الطائفين طوافاً واجباً .وهذا ما دل عليه الخبر الذي رويناه في الجهة الأولى من هذه الخاتمة "أن يسلم صاحب النافلة" يعني الطواف المستحب (لصاحب الفريضة) يعني الطواف الواجب (الحجرالأسود) يعني استلام الحجر وهو عمل مستحب (والطواف) فتعطى القدمة لصاحب الفريضة ، وبذلك يقل عدد الطائفين بالبيت إلى حد كبير.

الجهة الخامسة : ذكرت الأخبار بعض الإنجازات الأخرى للمهدي في دولته ، نذكر أهمها باختصار :

الأمر الأول : أنه يمنع المساجد المصورة ، أو بتعبير آخر : أنه يمنع تصوير المساجد وزخرفتها ، كما- يمنع – كما سمعنا أيضاً- ارتفاع بنيانها .ويهدم منها ما كان مرتفعاً ،ويهدم كل مسجد  أسس على غير تقوى.

الأمر الثاني :أنه يرجم الزاني المحصن ويقتل مانع الزكاة ،وهذه احكام إسلامية نافذة المفعول منذ صدور الإسلام ، إلا أنها لن تكون مطبقة قبل عصر الظهور، فهو أول من يقوم بهما بعد عصر رسول الله (ص).

وهذه المعاصي قد تحدث في أول عصر الدولة العالمية ، قبل رسوخ الإيمان في نفوس البشر أجمعين.

الأمر الثالث: أنه يجب في العصر الحاضر أداء الأمانة إلى البر والفاجر ،من مختلف المذاهب والأديان ،ويجب ألا يحدو بالفرد إذا رأى من الآخر إنحرافاً أو كفراً أن يأكل عليه أمانته.

وأما إذا ظهرالإمام واستتبت دولته ، فإنه قد يتصرف في هذا الحكم المطلق (فيحل ويحرم) كما نطق الخبر فيمنع عن أداء الأمانة لغير المؤمن .فإنه بينما كان اداء الأمانة دالاً على عدالة الأمين واستقامته ،قبل الظهور .فإن عدم أدائها بعد الظهور ،سيكون من اهم الخطوات لمحاربة الكفر والإنحراف واجتثاثه .وليس على الأمين من ضير بعد ان أمره التشريع المهدوي بحبس الأمانة.

الأمر الرابع: أن الأخبار العديدة تصف إتساع  الكوفة وعمرانها بشكل منقطع النظير، وسيصبح المتر من أراضيها غالي الثمن ومهماً جداً ،ولا غرو بعد أن تصبح هي العاصمة العالمية للدولة المهدوية.

 

صفحة (580)

 

وسيتخذ المهدي – كما يظهر من الأخبار – من مساجدها منطلقات للحكم والإرادة. فجامع الكوفة مجلس حكمه.وهو ما يقابل قصر الرئاسة أو البلاط ، بلغة العصر الحاضر ، ومسجد السهلة بيت المال ،وهو ما يقابل وزارة المالية في الدولة المعاصرة ،وأما موضع عبادته وخلواته مع الله عز وجل فهو الذكوات البيض (بين الغريين) وهو النجف الأشرف موضع قبر جده أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) ،ولم يكن عصر صدور هذه الأخبار مناسباً للدول في االتفاصيل الإدارية أكثرمن ذلك.

وليس اتخاذ المهدي المساجد مركزاً للإدارة أمراً غريباً ، فإن فكرة المساجد في الإسلام أسست على ذلك ، فإن المساجد ليست ببنيانها وجمال شكلها ،فإن هذه مما عليه سيشطب عليه المهدي (ع) ...وإنما هي بما تؤديه للإسلام والمجتمع العادل من خدمات ومنافع ، وهل هناك أعظم منفعة من إدارة الدولة العالمية العادلة ، إنها دولة أرادها الله ، فينبغي أن تدار من بيوت الله.

هذا ، وقد تعرضت هذه الأخبار إلى وضع المهدي (ع) الجزية على أهل الكتاب ، وهذا ما سنسمعه تفصيلاً في الفصل الآتي بتوفيق الله عز وجل.

الخاتمة الثانية :

في المنجزات العلمية – بالمصطلح الحديث – لدولة المهدي (ع) .

وهذا مما لا يمكن فهمه بالصراحة من الأخبار ، باعتبار ضرورة موافقة ظواهر الكلام مع المجتمع الذي يصدر فيه ،وحيث لم يكن في ذلك المجتمع الأول أثر للصناعات والآلآت الحديثة ، لم يكن من الممكن أن يرد في الأخبار ذكر واضح لها ،أو أن تتوقع منها التصريح باسمها وصفتها.

وإنما كل ما يمكن تصيده من الأخبار ، بعض العبارات الرمزية المتفرقة التي ترمز إلى وجود الأجهزة الحديثة في دولة المهدي (ع) . بل هناك من الأخبار ما يدل على وجودها قبل الظهور أيضاً في عصر الظلم والإنحراف. وهذا هو الذي نعرفه الآن بالوجدان من الوضع الصناعي لعصورنا الحاضرة.

ولأجل استيعاب ما دلت عليه الأخبار في هذا الصدد ، نود ان نتحدث عن كلا العصرين : عصر ما قبل الظهور وعصر ما بعده ، ولذلك نتكلم في جهتين.

 

صفحة (581)

 

الجهة الأولى : مادلت عليه الأخبار من وجود الصناعات والأجهزة الحديثة في عصر ما قبل الظهور:

أخرج مسلم في صحيحه(1) بإسناده عن يزيد بن جابرعن رسول الله (ص) حديثاً طويلاً يذكر خلاله يأجوج ومأجوج ، فيقول :

" ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر ،وهو جبل بيت المقدس فيقولون : لقد قتلنا أهل الأرض ، هلم فلنقتل من في السماء ، فيرمون بنشابهم إلى السماء ، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دماً.

وأخرج أبن ماجة(2) حديثاً طويلاً يتحدث خلاله عن يأجوج ومأجوج ويذكر أنهم يقولون:

هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم ،ولننازلن أهل السماء ، حتى إن أحدهم ليهز حربته إلى السماء ، فترجع مخضبة بالدم .فيقولون :قد قتلنا أهل السماء ،أو يقولون ـ بلفظ الحاكم(3) ـ قهرنا أهل الأرض وغلبنا من السماء قوة وعلواً .

وأخرج الصدوق في إكمال الدين(4) بإسناده عن النزال بن سبرة قال: خطبنا على بن ابي طالب (ع) فحمد الله عز وجل وأثنى عليه ،وصلى على محمد وآله ، ثم قال :

سلوني أيها الناس قبل ان تفقدوني ثلاثاً ، فقام إليه صعصعة بن صوحان ، فقال :

يا أمير المؤمنين متى يخرج الدجال أنه(يخوض البحار وتسير معه الشمس ، بين يديه جبل من دخان ، وخلفه جبل أبيض يرى الناس انه طعام ، يخرج في قحط شديد تحته جمار أقمر خطو حماره ميل ، تطوى له الأرض منهلاً منهلاً ... ينادي بأعلى صوته يسمع ما بين الخافقين ... يقول : إلي أوليائي ..أنا الذي خلق فسوى وقدر فهدى أنا ربكم الأعلى ... ثم يذكر دابة الأرض ، ويقول عنها : ثم ترفع الدابة رأسها فيراها ما بين الخافقين ...

الحديث .

 

صفحة (582)

ـــــــــــــــــ

(1) ج8 ص199.  (2) السنن ص1364.

(3) المستدرك ج4 ص488.

(4) انظرإكمال الدين (نسخة مخطوطة) .

ولا ينبغي للقارىء أن ينسى فهمنا ليأجوج وماجوج والدجال ،فإنهما بوجودهما المعاصر، وجهان للحضارة المادية الحديثة ، وإما إعطاء الفهم المتكامل لدابة الأرض ، فهو ما سيأتي في الباب الأخير من هذا التاريخ.

وقد أوضحنا بجلاء خلال حديثنا عن ياجوج وماجوج ، أن المراد من السهام التي يرمونها إلى السماء الصواريخ الكونية ، وإنما كررنا الرواية لتلتحق هنا بنظائرها من هذه الناحية.

وأما الصفات المعطاة للدجال ، فهي بعد البرهنة على استحالة صدور المعجزة من المبطلين ، يتعين حملهاعلى المعاني الطبيعية المناسبة .

فهو يخوض البحار وهذا ما حدث فعلاً ، فقد خاضت المدنية الحديثة في أعماق البحار ، وسيرت البواخر على سطحه بكثرة مسرفة.

"وتسير معه الشمس" في الأغلب أن هذا تعبير عن السلاح الذي يرهب الدجال به العالم ،وهو القنبلة الذرية أو الهيدروجينية ومن حيث ان حرارتها عالية جداً  كالشمس.

و"بين يديه جبل من دخان" وما أكثرالدخان في المدنية الحديثة ، في الحرب والسلم معاً ، كما هو واضح، وكله يبدو في مصلحة هذه المدنية .

 و"خلفه جبل ابيض يرى الناس أنه طعام" أنه بهارج هذه المدنية وملذاتها ، يرى الناس أنها جميلة وعظيمة، وليس ورائها في الواقع إلا الإنحلال والدمار.

و" تحته حمار أقمر خطو حماره ميل" وهذا تعبير جميل عن الشعارات والمفاهيم التي استطاعت المدنية والحضارة الحديثتان ،أن تسير بهما في العالم وهي شعارات واسعة الإنتشار سريعة السير.

والدجال "تطوى له منهلاً منهلاً" وذلك عن طريق وسائل النقل الحديثة الأرضية والجوية على حد سواء، فإن طي الأرض يتضمن معنى سرعة السير، وبعد نفي احتمال المعجزة  تتعين صحة هذا الفهم.

" ينادي بأعلى صوته يسمع ما بين الخافقين" ليس لأن صوته مرتفع إلى هذا الحد !!

بل لأنه يستعمل أجهزة الإعلام الحديثة بما فيها النجوم الإذاعية "التلستار".

وأما دابة الأرض . فهي " ترفع رأسها فيراها ما بين الخافقين"  عن  طريق البث التلفزيوني بطبيعة الحال .

 

صفحة (583)

 

ولا ينبغي هنا أن نغفل ما قلناه سابقاً من وجود التنبؤ في الأخبار بالنقل الجوي في عصر ما قبل الظهور ، حيث سمعنا عن كيفية تجمع أصحاب الإمام المهدي(ع) عند ظهوره ،وكان منهم من "يسير في السحاب نهاراً "، وهو تعبيرعن الطائرات ، كما سبق أن برهنا.

فهذا هو ما يحدث في عصر ما قبل الظهور ،وهو بطبيعة الحال ، سوف يبقى مستمراً إلى ما بعد الظهور ، حتى لو حدثت حرب عالمية ، كما سبق أن اوضحنا ، فإنها إنما تقضي على المراكز العسكرية والعواصم المهمة في العالم ،وأما الصناعات الحديثة وعدد من خبرائها فلا موجب لإستئصالها.

وسيكون ذلك نواة صالحة للتشجيع من قبل الدولة المهدوية، على البلوغ بالصناعات الحديثة إلى مراتب أعلى، اسمى وأدق . وجعل هذه الصناعات مواكبة مع الأهداف العليا المتبناة من قبل الدولة وقائدها.

الجهة الثانية : فيما دلت عليه الأخبار من وجود الأجهزة والصناعات الحديثة في عصر ما بعد الظهور.

روى االصافي في منتخب الأثر(1) عن أبي الربيع الشامي ، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:

إن قائمنا إذا قام مد الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى لا يرون (لا يكون) بينهم وبين القائم بريد يكلمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه.

وروى الصافي أيضاً(2) والمجلسي في البحار عن ابن مسكان، قال: سمعت أبا عبدالله يقول:

إن المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق.

 

صفحة (584)

ـــــــــــــــــ

(1) ص483.   (2) نفس الصفحة.

(3) ج13 ص200

 

وأخرج النعماني في الغيبة(1) عن إبان عن ابي عبد الله (ع) في حديث أنه قال:

ويبعث الله الريح من كل واد تقول: هذا المهدي يحكم بحكم داود ... الحديث. وقد سبق أن رويناه .

وأخرج في البحار(2) عن جابر بن أبي جعفر (ع) في حديث عن المهدي (ع) أنه قال:

إنما سمي المهدي لأنه يهدي إلى أمر خفي حتى أنه يبعث إلى رجل لا يعلم الناس له ذنب فيقتله ، حتى ان احدهم يتكلم في بيته ، فيخاف ان يشهد عليه الجدار.

وأخرج أيضاً(3) عن أبي عبد الله(ع) أنه قال:

كأنني بالقائم على ظهر النجف ...إلى أن قال : ثم يركب فرساً له أبلق بين عينيه شمراخ ينتفض به ، لا يبقى اهل بلد إلا أتاهم نور ذلك الشمراخ حتى يكون آية له... الحديث.

وأخرج النعماني في الغيبة(4) عن أبان بن تغلب عن أبي عبدالله (ع) في حديث عن القائم يقول فيه :

ويركب فرساً له أدهم أبلق بين عينيه شمراخ ، فينتفض فيه انتفاضة ،لا يبقى أهل بلد إلا وهم يرون أنه معهم في بلدهم... الحديث

وأما أخبار طي الأرض للمهدي فهي عديدة نذكر منها:

أخرج الصدوق في إكمال الدين(5) عن محمد بن مسلم الثقفي ، قال : سمعت أبا جعفر بن محمد بن علي الباقر (ع) يقول: القائم منا منصور بالرعب مؤيد بالنصر ، تطوى له الأرض .. الحديث

 

صفحة (585)

ـــــــــــــــــ

(1) ص169.   (2) ج13 ص200.

(3) المجلد والصفحة.  (4) ص166.

(5) انظر المخطوط.

وأخرج أيضاً(1) بإسناده عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى (ع) :

إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ، فقال : يا أبا القاسم ،ما منا إلا وهو قائم بأمر الله عز وجل وهاد إلى دين الله .ولكن القائم الذي يطهر الله عز وجلبه الأرض من أهل الكفر والجحود ، ويملؤها عدلاً وقسطاً ،هو الذي تخفى على الناس ولادته ..وهو الذي تطوى له الأرض ... الخبر.

وأخرج الطبرسي(2) بسنده إلى علي بن الحسين بن خالد ، قال: قال الرضا (ع) – في  حديث طويل عن المهدي (ع) -: وهو الذي تطوى له الأرض .

إلى غير ذلك من الأخبار .

وهذه الأخبار واضحة الدلالة وبشكل متكرر، على استعمال البث التلفزيوني في الدولة المهدوية ، فالإمام المهدي نفسه يستعمله وربما يكثر من استعماله، حتى "لا يبقى أهل بلد إلا وهم يرون أنه معهم في بلدهم" وحتى " لا يكون بينهم وبين القائم بريد ".

وهي مسافة معينة من الأرض بالمسح القديم ،ومن المعلوم أو الصورة التلفزيونية أقرب إلى الناظر من هذه المسافة بكثير .غير أن عصر صدور هذه الأخبار لم يكن ليسمح بالبيان اكثر من ذلك .والحديث قد نفى أن يكون بينهم وبينه مقدار بريد ، فقد لا تتجاوز المسافة الناظر والصورة اكثر من مترين.

وعن هذا الطريق " يكلمهم فيسمعونه ، وينظرون إليه وهو في مكانه"

انظر لصراحة الخبر الصادر قبل أكثرمن ألف عام في ذلك ،إنه في الواقع لا زال في مكانه، ولكن البث التلفزيزني(الحي) يجعلهم يسمعون كلامه وينظرون إليه ،وليس في الخبر لأنهم  يكلمونه لتعذر ذلك تلفزيونياً.

 

صفحة (586)

ـــــــــــــــــ

(1) المصدر المخطوط.

(2) أعلام الورى ص408.

 

وليس استعمال هذا البث مقتصر على الإمام المهدي ، بل يشمل سائر الأخوة في الإيمان حيث نجد "أن المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق". فإن الصورة التلفزيونية تقوم بذلك ،من دون أن يحصل تبادل في الرؤية ،بل المراد أن البث تارة يحصل في الطرف المشرق وتارة يحصل من طرف المغرب ، وقد تقوم الدولة المهدوية بإيجاد أجهزة أخرى تجعل تبادل الرؤيا والكلام معاً ممكناً بالنسبة إلى الأفراد .بل والجماعات ايضاً .ولدينا في العصر الحاضر نموذج مصغر لذلك هو التلفون التلفزيوني ، الذي تم اكتشافه ولم يتم توزيعه في العالم على نطاق واسع إلى حد الآن.

ونجد في هذه الأخبار الإشارة إلى البث الإذاعي الصوتي أيضاً في قوله: "ويبعث الله الريح  في كل واد تقول" يحتوي هذا الخبر على فلسفة البث الإذاعي أيضاً ،فإن الريح او الأثير الذي يحمل الموجات الصوتية الكهربائية ، إلى جهاز الإستقبال الراديو.

ومن الأجهزة الدقيقة التي تستعمل في دولة المهدي (ع) ، أجهزة الإستخبارات التي قد تستعمل ضد المجرمين والمنحرفين "حتى أن أحدهم يتكلم في بيته فيخاف ان يشهد عليه الجدار" وهذا الخوف لا يكون منطقياً إلا مع وجود مثل هذه الأجهزة .

والمهدي (ع) سوف "يركب فرساً أدهم أبلق ، بين عينيه شمراخ". وينبغي أن نفهم من الفرس واسطة النقل أياً كانت ، وإنماعبر عنها بالفرس ، باعتبار مستوى العصر يوم صدور الخبر.

والأدهم : الأسود ..ومن الخيل والإبل: الشديد لورقة حتى يذهب البياض(1) والورقة بالضم فالسكون :سواد في غبرة(2) ،ويفهم منه قلة السواد أو أنه من الألوان الغامقة القريبة من السواد.

والأبلق : الذي فيه سواد وبياض(3): يقال : بلق بالكسر إذا كان فيه سواد وبياض ،وبلق الفرس ، ارتفع تحجيله إلى فخذيه(4) يقال :حجل وتحجل الفرس إذا كان في قوائمه تحجيل أي بياض ، فهو محجل ومحجول(5).

 

صفحة (587)

ـــــــــــــــــ 

(1) اقرب الموارد مادة (دهم).    (2) المنجد ،مادة (ورق).

(3) اقرب الموارد ،مادة (بلق ).  (4) المصدر نفسه.

(5) المنجد مادة (حجل).

 

والشمراخ ، له عدة معان في اللغة، منها راس الجبل منها غرة الفرس ، دقت وسالت وجللت الخيشوم ولم تبلغ الجحفلة(1) . والجحفلة لذي الحافركالشفة للإنسان(2).

فإذا عرفنا ذلك ، أمكننا أن نذكر لفهم هذا الخبر اطروحتين:

الأطروحة ألاولى : وهي منطلقة من أن معنى الشمراخ : راس الجبل ، فيكون معنى الخبر :أن واسطة النقل التي يركبها المهدي ذات ارتفاع أمامي دقيق وطويل يشبه قمة الجبل ،وهذا الوصف ينطبق على الدبابة التي يكون أمامها المدفع ،وينطبق على الطائرات الحديثة التي يكون مقدمها مخروطي الشكل مدبباً .ولكن  بعد العلم أن الطائرات لا تكون إلا بيضاء ، فلا ينطبق عليها اللون المذكور في الخبر،كما ان التعبير بالفرس ،  يراد به واسطة النقل الأرضية لا الجوية .إذاً نعرف انطباقه على الدبابة ،وهي إحدى وسائط النقل الحربية التي تستعمل في القتال الأرضي .

ويؤيد هذه الطروحة ، قضية اللون الموصوف في الخبر ،فإن عدداً من الدول تجعل الدبابات ،وهي إحدى وسائط النقل الحربية التي تستعمل في القتال الأرضي.

ويؤيد هذه الأطروحة قضية اللون الموصوف في الخبر ، فإن عدداً من لدول تجعل الدبابات ذات لونين فاتح وغامق وعلى شكل بقع كبيرة لكل لون ، كالفرس الأبلق تماماً.

الأطروحة الثانية : وهي منطلقة من أن معنى الشمراخ غرة الفرس أي جبهته ،إذا كانت طويلة وجميلة ،فيكون معنى الخبر: إن ف يمقدمة واسطة النقل التي يركبه االمهدي شيء يمكن أن يصدق عليه مجازاً هذا الوصف، ويبدو الآن ان الزجاجة الواسعة التي تكون في مقدمة السيارة عادة هي المقصود من الخبر.فيكون المراد : أن المهدي (ع) يركب سيارة اعتيادية ذات لونين.

وحيث كان الحديث في الخبرعن الفرس ، إذاً يكون فهم الشمراخ طبقاً للأطروحة الثانية هو الأفضل.

هذا ، ولكن الخبر الآخر الذي وصف الشمراخ، ذكر ان له نوراً حتى "لا يبقى أهل بلد إلا نور ذلك الشمراخ حتى يكون آية له " أي للإمام المهدي (ع).

ولفهم هذا النور عدة اطروحات نذكر منها ثلاثاً :

الأطروحة الأولى: ان يكون النور إعجازياً ، " حتى يكون آية له" من اجل تمييز سيارة الإمام المهدي (ع) عن غيرها ،أو لأسباب أخرى.

 

صفحة (588)

ـــــــــــــــــ 

(1) اقرب الموارد ، المادة (شمرخ).

(2) المصدر :مادة جحفل.

 

الأطروحة الثانية :ان يكون هذا النور معنوياً ، يعبرعن الهدى والعدل الذي يصدر عن راكب هذه السيارة ،أعني الإمام مهدي نفسه .

الأطروحة الثالثة : أن يكون هذا النور مادياً صادراً من واسطة النقل بطبيعة تكوينها ، غير أن سيارة من هذا القبيل لم تكتشف إلى حد الآن ، فلعلها تصمم في المستقبل قبل الظهور أو بعده.

وللقارىء تفضيل إحدى الأطروحات على بعض.

وأما طيّ الأرض للإمام المهدي ، فقد فهمنا منه الإنتقال الطبيعي ، بوسائط السفر السريعة التي لم تكن متوفرة في عصر صدور هذه الأخبار.

وتبقى عندئذ بعض الأسئلة التي تحتاج إلى الجواب ، نذكر أهمها :

السؤال الأول: لماذا لم نفهم من طي الأرض للإمام المهدي الأسلوب الإعجازي في الإنتقال ، كما يفهم ذلك التفكير التقليدي لدى المسلمين ،فإن هذا بالنسبة للدجال لم يكن ممكناً لعدم إمكان صدور المعجزة منه ، كما قلنا ،ولكن ممكن بالنسبة إلى المهدي (ع) فينبغي الحمل عليه.

وجواب ذلك من عدة وجوه :

الوجه الأول: أننا قلنا في التاريخ السابق(1) وفي هذا الكتاب ، أنه كلما أمكن فهم الأسلوب الطبيعي من الخبر ،كان هذا متعيناً ، ما لم تقم قرائن واضحة في تعيين الأسلوب الإعجازي وهذه الأخبار لا تحتوي على مثل هذه القرائن ، فحملها على الأسلوب الطبيعي هو الصحيح.

الوجه الثاني : قانون المعجزات الذي يقول :أنه كلما أمكن البديل الطبيعي للمعجزة لم يكن للمعجزة مجال.ومن الواضح ان السفر بوسائط النقل الحديثة ، يوصل الفرد إلى أي نقطة من العالم بأقصى سرعة ،ولا سيما في الطائرات التي تفوق سرعتها سرعة الصوت أكثر من مرتين ، فلا يبقى للمعجزة مجال.

الوجه الثالث : أننا سمعنا أن الدجال تطوى له الأرض أيضاً ،والمهدي تطوى له الأرض أيضاً. فقد استعمل هذا المفهوم على نمط واحد بالنسبة إلى كلا الشخصين.فبعد البرهان على إرادة المعنى الطبيعي للسفر السريع، بالنسبة إلى الدجال ، يتعين نفس الفهم بالنسبة إلى المهدي لأن الخبر استعمل فيه نفس المفهوم بدون رتوش.

 

صفحة (589)

ـــــــــــــــــ  

(1)انظر ص218 وغيرها.

 

السؤال الثاني: إن طيّ الأرض ذكر في الأخبار بصفته إحدى الصفات المهمة التي يتصف بها المهدي دون سائر البشر .فلو حملناه على معنى السفر الطبيعي السريع. لم تكن مزية للمهدي (ع) كما هو واضح .

وجواب ذلك يكون من وجوه نذكر منها وجهين:

الوجه الأول : إن استفادة هذه المزية من الأخبار لا تخلو من مناقشة ، إذ بعد اتصاف الدجال بهذه الصفة أيضاً لا تكون الصفة من خصائص الإمام المهدي (ع) كما هو واضح .وقد نسبت في بعض الأخبار إلى أصحاب الإمام المهدي (ع) عند اتجاههم إلى لقائه لأول مرة .كماسبق ، فكيف تكون من خصائصه.

الوجه الثاني : إن هذه الأخبار لا تدل على اختصاص هذه الصفة بالمهدي (ع) حتى مع التنزل – جدلاً- عن الوجه الأول .فإنها إنما دلت على ان مجموع  ما ذكرت له من صفات ، لا يمكن أن يتصف بها أحد غيره .وهذا صحيح وأما كل واحدة من هذه الصفات لو لوحظت بحيالها فقد يتصف بها آخرون أيضا ، كطي الأرض نفسه إلا أن بعض الصفات التي قام البرهان على اختصاصه بها كتأسيسه للدولة العالمية العادلة ،وأنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً .

السؤال الثالث: إن طي الأرض ذكر في الأخبار في سياق امور إعجازية فنفهم باعتبار وحدة السياق أنه يحدث بطريق إعجازي.

وجوابه :أننا استطعنا من خلال هذا التاريخ وهذه الموسوعة أن نفهم الأعم الأغلب من صفات الإمام المهدي وما ذكرت عنه الأخبار .بشكل طبيعي اجتماعي مرتب ، لا إعجاز فيه ولا تنافر في مدلوله، ومن هنا يمكن القول بأن طي الأرض لم يقع في الأخبار ضمن الصفات الإعجازية ، بل ضمن الصفات الطبيعية ، ومن هنا تقتضي قرينة وحدة السياق أن نفهم من طي الأرض الأسلوب الطبيعي لا الإعجازي على عكس ما توخاه السائل.

وإلى هنا يتم الحديث في الخاتمة الثانية من الفصل السابع من هذا الباب ، وبها ينتهي الفصل نفسه.

 

صفحة (590)

الفصل الثامن

 

موقف الإمام المهدي (ع)  من أهل الكتاب

ونزول المسيح (ع) في دولته

 

وينبغي أن نتكلم خلاله ضمن عدة جهات :

الجهة الأولى : في سرد الأخبار المتعلقة بالمسيح وأهل الكتاب .

وهي عدد ضخم  في مصادر العامة ، يصعب أن نحمل فكرة تفصيلية عنها ، ومعه فسنقتصر في نقل الأخبار على أمرين :

احدهما نقتصر من مصادر العامة على خصوص ما نقلته الصحاح الستة من الأخبار دون غيرها ،وخاصة الصحيحان الرئيسان فيها .ونفتصر على المصادر القديمة المعتمدة من كتب الخاصة.

وثانيهما: أن نختصر الإشارة إلى قضايا الدجال وياجوج وماجوج من زاوية علاقتهما بالمسيح ،وقد ذكرتها الأخبار مفصلاً...بعد أن تكلمنا عن ذلك فيما سبق ،وإنما نقتصرعلى الأمور الأخرى المتعلقة به مما وردنا في الأخبار بيانه.

وبعد هذه التصفية ، سوف يبقى مقدار كاف من الأخبار ،ويكون المهم منها كما يلي :

أخرج البخاري(1) عن أبي هريرة : قال : قال رسول الله(ص) :

كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.

وأخرجه مسلم(2) أيضاً .وفي حديث آخر مشابه يقول :

إذا نزل ابن مريم فيكم وأمّكم .

 

صفحة (591)

ـــــــــــــــــ 

(1) صحيح البخاري : ج4 ص 205 . وانظرأيضاً الترمذي ج3 ص 344وابن ماجة ج2 ص1363

(2) صحيح مسلم :ج1 ص94 وكذا ما بعده.

 

وفي حديث ثالث : فأمكم منكم .

وأخرج البخاري(1) عن أبي هريرة أيضاً ، قال: قال رسول الله (ص) :

والذي نفسي بيده ، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدل، فيكسر الصليب ،ويقتل الخنزير ويضع الجزية الحرب ،ويفيض المال حتى لا يقبله أحد .حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها.

ثم يقول أبو هريرة :اقرأوا: :"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"(2)

ورواه مسلم أيضاً(3) عن ابي هريرة نحوه،إلى أن قال :

وليضعن الجزية ، ولتتركن القلاص فلا يسعى إليها ،ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد ،وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد.

وأخرج أيضاً(4) عن جابر بن عبد الله ، قال: سمعت النبي (ص) يقول:

لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة.

قال: فينزل عيسى بن مريم (ع) ، فيقول أميرهم :تعال صلّ بنا! ‍فيقول : لا ، إن بعضكم على بعض أمراء ، تكرمة الله هذه الأمة .

وأخرج أيضاً(5) في حديث طويل ذكر فيه الدجال وعدداً من تفاصيله .ثم قال : ...

 

صفحة (592)

ـــــــــــــــــ 

(1) صحيح البخاري :ج4 ص205.  (2) النساء :159.

(3) صحيح مسلم : ج1 ص93-94. (4) المصدر ص94.

(5) المصدر ص95.  (6) المصدر ج8 ص197.

 

فبينما هو كذلك ، إذ بعث الله المسيح بن مريم،فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفيه على أجنحة ملكين .إذا طأطأ رأسه قطر ،وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ ،فلا يحل لكافر يجد منه ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه ،فيطلبه – يعني طلب الدجال – حتى يدركه بباب لدّ فيقتله.

ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه ، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة ، فبينما هو كذلك ، إذ أوحى الله إلى عيسى :إني قد أخرجت عباداً لا يدان لأحد بقتالهم ... الحديث ،

حيث يذكر خروج يأجوج وماجوج.

وأخرج أبو داود(1) عن أبي هريرة : ان النبي (ع) قال:

ليس بيني وبينه – يعني عيسى (ع) – نبي ،وأمه نازل .فإذا رأيتموه فاعرفوه .رجل مربوع إلى الحمرة والبياض  بين ممصرتين ، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل . فيقاتل الناس على الإسلام .فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ،ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ،ويهلك المسيح الدجال ، فيمكث في الأرض أربعين سنة .ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون.

ونحوه بألفاظ مقاربة في صحيح الترمذي(2) ونحوه في سنن ابن ماجة(3).

وهناك حديثان آخران تركتهما الصحاح ، يحسن إدراجهما لنصل إلى الرأي الصحيح فيهما :

أخرج السيوطي في الحاوي(4) عن ابي نعيم عن ابن عباس ، قال: قال رسول الله (ص) :

لن تهلك أمة أنا أولها وعيسى في آخرها والمهدي في وسطها.

 

صفحة (593)

ـــــــــــــــــ 

(1) السنن ج2 ص432. (2) ج3 ص348.

(3) ج2 ص1357.      (4) ج2 ص134.

وأخرج ابن حجر في الصواعق(1) عن ابن ماجة والحاكم أنه (ص) قال:

لا يزداد الأمر إلا شدة ولا الدنيا إلا إدباراً ولا الناس إلا شحاً ،ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ،ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم .

فهذه بعض أخبار المصادر العامة.

وأما اهم أخبار المصادر الخاصة. فقد أخرج النعماني(2) بسنده عن جابر قال:

دخل رجل على أبي جعفر الباقر(ع) فقال له: عافاك الله اقبض مني على هذه الخمسمائة درهم .فقال له أبو جعفر(ع) :

خذها انت فضعها في جيرانك من أهل الإسلام  والمساكين من إخوانك من السملمين .

ثم قال: إذا قام قائم أهل البيت قسم بالسوية... إلى أن قال: ويستخرج التوراة وسائر كتب الله عز وجل من غار بانطاكية. ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور ،وبين أهل القرآن بالقرآن .... الحديث.

وفي حديث آخر(3) قال ابن سنان ، سمعت أباعبد الله (ع) يقول:

عصى موسى قضيب آس من غرس الجنة أتاه بها جبرائيل (ع) لما توجه تلقاء مدين ،وهي وتابوت آدم في بحيرة طبرية ، ولن يتغيرا حتى يخرجهما القائم (ع) إذا قام.

وأخرج الأربلي في كشف الغمة(4) عن أربعين الأصفهاني والقندوزي(5) عن كتاب الفتن لنعيم بمن حماد عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه.

 

صفحة (594)

ـــــــــــــــــ 

(1) ص98.  (2) الغيبة ص124.

(3) غيبة النعماني ص125. (4) ص264ج3.

(5) ص539.

 

وأخرج الصدوق في إكمال الدين(1) بسنده إلى محمد بن مسلم الثقفي ،قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: القائم منا منصور بالرعب ....إلى ان قال :وينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه.

واخرج في البحار(2):عن أبي بكير، قال : سالت أبا الحسن (ع) عن قوله تعالى:

"وله اسلم من في السموات والارض طوعاً وكرهاً.قال :انزلت في القائم (ع) ،إذا خرج باليهود والنصارى والصابئين والزنادقة وأهل الردة والكفار في شرق الأرض وغربها فعرض (ع) ، فمن أسلم طوعاً أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم ويجب لله عليه ، ومن لم يسلم ضرب عنقه ، حتى لا يبقى في المشارق والمغارب أحد إلا وحده الله .. الحديث .

وأخرج أيضاً(3) في حديث سبق أن رويناه عن أبي بصيرعن أبي عبد الله (ع) يقول فيه قلت:

فما يكون من أهل الذمة عنده؟ قال: يسالمهم ،كما سالمهم رسول الله (ص) ويؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون ... الحديث.

الجهة الثانية : في وحدة المهدي والمسيح .

وهو احتمال نعرضه ونناقشه قبل الدخول في تفاصيل هذه الأخبار لكي نتوفر على التفاصيل، في نتيجة هذه المناقشة:

وينطلق هذا الإحتمال من أطروحة معينة وهي : أنه بعد العلم أن المنقذ العالمي لكل البشرية واحد لايتعدد ، - تكون له الزيادة الأولى إلى الإصلاح العام بشكل لا تعود بعده البشرية إلى الظلم والضياع مرة أخرى.

إن هذا المنقذ العالمي الواحد ،هو الذي سماه الإسلام بالمهدي وسماه السابقون :

اليهود والنصارى بالمسيح ،وسماه آخرون بأسماء أخرى .ومعه يتعين أن يكون المسيح والمهدي لفظين أو صفتين لشخص واحد ،هو المنقذ العالمي الواحد الموعود.

 

صفحة (595)

ـــــــــــــــــ  

(1) نسخة مخطوطة. (2) ج13 ص188.

(3) المصدر ص196.

 

وحيث كان مقابل هذه الأطروحة احتمالان رئيسيان :هما أن يكون المنقذ العالمي هو المسيح عيسى ابن مريم، او أن يكون هو المهدي الإسلامي مهما كان اسمه ، فينطلق من هذين الإحتمالين احتمالان:

الإحتمال الأول : أن يكون المنقذ العالمي هو المسيح عيسى بن مريم ،ونعبر عنه بأن المهدي هو المسيح عيسى بن مريم .

الإحتمال الثاني : ان يكون المنقذ العالمي هو المهدي الإسلامي ،ونعبر عنه أن المسيح هو المهدي الإسلامي نفسه.

ولكل من هذين الإحتمالين مثبتاته التي سنذكرها ،وأما احتمال أن يكون كلا هذين القائدين يمارسان مهمة الإنقاذ العالمي ، فهو مما تنفيه هذه الأطروحة لأنه ينافي الفكرة المؤكدة في وحدة المنقذ العالمي.

 

مثبتتات الإحتمال الأول:

وهو أن يكون المهدي هو المسيح عيسى بن مريم ، بمعنى أن يكون هذا النبي (ع) هو الذي يمارس الإنقاذ العالمي الموعود ،ويطبق العدل الكامل ،وقد سمي في الإسلام  بالمهدي بالمعنى المتضمن لذلك المفهوم.

ولهذا الإحتمال عدة مثبتات :

المثبت الأول : أن عيسى بن مريم أو يسوع الناصري (ع) هو المسيح بقول مطلق باعتراف الإنجيل والقرآن وفي التبادر الذهني العام لكل سامع...فإذا قلنا المسيح لم نفهم غيره.

والمسيح ليس اسماً شخصياً له وإنما لقب به باعتباره المنقذ العالمي فإن لفظ المسيح مهما كان معناه اللغوي ،لا يراد به في الإصطلاح الديني إلا ذلك. ومن هنا كان يلقب به داود(1) وشاؤل أيضاً(2) تفاؤلا بان يكونوا متخذين لتلك الصفة.