الفصل الثالث
ضمانات التطبيق السريع العميق
للعدل الكامل في العالم
تمهيد :
تحدثنا في فصل سابق عن ضمانات
انتصار المهدي (ع) ، في سيطرته على العالم ، ضد قوى الشر
والظلم الموجودة قبل ظهوره.
والآن نتحدث عن الضمانات التي
يملكها الإمام المهدي في التطبيق السريع والأكيد والعميق
للأطروحة العادلة الكاملة ، في عالم كان يضج بالظلم والآلام
والمشاكل.
وهي ضمانات موجودة في شخصه
وأصحابه والظروف العالمية ، لا يمكن أن تتوفر لأي شخص آخر.
وهي ضمانات تشترك في بعض
تفاصيلها مع الضمانات السابقة ،أعني أن شيئاً واحداً كما يكون
ضماناً للإنتصار ، فإنه ضمان للتطبيق أيضاً ،وإن اختص التطبيق
بضمانات خاصة به على أي حال.
وأغلب هذه الضمانات تنتج
مستويين للتطبيق :
المستوى الأول: الشروع في
التطبيق لأول مرة، في العالم الذي كان يعج بالآلام ويضج من
المظالم والمشاكل.
المستوى الثاني : الإستمرار
بالتطبيق والسير به نحو التعمق والتكامل ، في الخط التربوي
المستمر للبشرية جمعاء . وسيكون لهذا المستوى ضمانات خاصة به.
ونحن حين نتحدث عن هذه
الضمانات ، إنما نتحدث – كما فعلنا دائماً – ضمن الإمكانيات
المتوفرة ،والمستوى الفكري في عصر ما قبل الظهور .
صفحة (469)
وسنفتح الحديث عن هذه الضمانات
على كلا المستويين كل على حدة .
المستوى الأول : ضمانات
التطبيق العادل لأول مرة في التاريخ البشري بعد انتهاء الفتح
الإسلامي .
وهي بنفسها الضمانات لو أريد
البدء بالتطبيق على نطاق محدود قبل انتهاء الفتح العالمي .فإن
كل منطقة يتم فتحها يبدأ المهدي (ع) بتطبيق العدل فيها ، حتى
ما إذا استوعب الفتح العالم كله ، كان التطبيق عالمياً كاملاً.
وعلى أي حال فالضمانات هي الضمانات.
وهذه الضمانات على ثلاثة
أقسام:
القسم الأول: الضمانات
الموضوعية للدولة المهدوية ... أعني المتوفرة له في الواقع على
صعيد المجتمع والحياة.
الضمان الأول: وجود الأطروحة
العادلة الكاملة المعدة للتطبيق في العالم ،ضمن التخطيط العام
السابق على الظهور ، متمثلة بالإسلام ، كما سبق أن برهنا.
ومن المعلوم أن القانون إذا لم
يكن معداً سلفاً أو كان غيرعادل كامل كان ذلك أكبرعقبة في طريق
التطبيق، وبالتالي في جني الثمار الإجتماعية الخيرة المطلوبة
.ومن هنا كان وجود هذا القانون ضماناً أكيداً في النجاح.
والدولة المهدوية تملك هذا القانون ،حسب ما يعرفه المهدي نفسه.
إنه الأطروحة العادلة الكاملة
،متمثلة بالإسلام ، بكل (فقراته) التي عرفناها:
الفقرة الأولى : الأحكام
الحقيقية التي كانت معلنة قبل الظهور.
الفقرة الثانية : الأفكار
والمفاهيم الناتجة عن تطور الفكر الإسلامي.
الفقرة الثالثة : الأحكام
والمفاهيم التي كانت تالفة يومئذ ،والآن يتم تجديدها وإعلانها.
الفقرة الرابعة: الأحكام
والمفاهيم المؤجلة التي لم تعلن قبل ذلك، وكان إعلانها منوطاً
بتحقق الدولة العالمية، فيكون الوقت عند تحققها قد آن
لإعلانها.
الفقرة الخامسة: الأنظمة
التفصياية التي يسنها القائد المهدي (ع) نفسه في حدود الأحكام
الثابتة في الشريعة وعلى ضوئها ، من أجل ضبط الوقائع المختلفة
،وهي لا تقصر في وجوب إطاعتها عن تلك الأحكام.
صفحة (470)
الفقرة السادسة : القواعد
العامةالتي يضعها المهدي (ع) للحكام الذين يوزعهم على الأرض
.تلك القواعد التي تمكنهم من ممارسة الحكم والقضاء العادلين في
مناطق العالم .
الفقرة السابعة : القواعد
العامة التي يضعها المهدي (ع) لخاصته من أجل استمرار تربية
البشرية وتكاملها في المدى البعيد.
وبهذه الفقرات تستطيع الأطروحة
العادلة الكاملة أن تأخذ طريقها إلى التطبيق ، وتربية البشرية
بالتدريج.
الضمان الثاني: نقصان البشرية
نقصاناً كبيراً .كما سبق أن سمعنا من الأخبار ،وفهمنا أنه إنما
يكون مع وجوب حرب عالمية مدمرة قبل الظهور.
وقد كان هذا أحد الضمانات
المهمة لإنتصار الإمام المهدي (ع) وسيطرته على العالم .وسيكون
هو ـ على تقدير وجوده – ضماناً أكيداً لسهولة التطبيق وشموله
.إذ من المعلوم أن التطبيق العام على البشر حال كونهم قليلين
أسهل بكثير منه حال كونهم كثيرين.
وخاصة إذا كان النقصان بالنسب
الكبيرة التي سمعنا.
وهذا الضمان هنا ، كما كان
هناك ، نافع على تقدير وجوده ،وغير مضرعلى تقديرعدمه .بمعنى أن
البشر لو بقوا على كثرتهم ،ولم تحدث حرب عالمية أو أي سبب
لنقصان ...فكل ما يحصل هو ترتب نتائج هذا الضمان بشكلها
المباشر، ولا يعني بأي حال انخرام الهدف المهدوي أو تعذر
الإنتصار أو التطبيق ...بعد أن كان للضمانات الأخرى دورها
الكامل في إنجاز ذلك.
الضمان الثالث : زوال الناس
المنحرفين الفاشلين في التمحيص ،وغير القابيلن للتربية في
التخطيط العام الجديد.
ذلك النقصان الذي يباشره
المهدي وأصحابه بسيوفهم وأسلحتهم طبقاً للأسلوب الذي عرفناه
وتوخياً للنتيجة التي ذكرناها.
الضمان الرابع: الهيبة والرهبة
التي يكتسبها الحكم المهدوي في قلوب الناس، الأمر الذي يجعل
عصيان قانونه والخروج على تعاليمه – ولو في الخفاء ـ أمراً
متعذراً.
يحدث ذلك نتيجة لعدة عوامل
مهمة ، نذكرعدداً منها :
العامل الأول: الأساس العقائدي
والأخلاقي الذي ترسخه الدولة المهدوية في نفوس الناس ...من
الإخلاص للقانون واحترام العدل والإيمان بصدق أهدافه .مع وضوح
أن الإخلال بقوانين تلك الدولة إخلال بالعدل وأهدافه.
صفحة (471)
العامل الثاني : الإشراف
المترتب المضبوط على أفعال الناس ،نتيجة لممارسة كل المخلصين –
وهو في تزايد مستمر – هذا الواجب المقدس ،وتصحيح ما قد يقع
فيه الأفراد من أخطاء وهفوات.
العامل الثالث : ما يقوم به
المهدي (ع ) شخصياً بعض خاصته – بتعليمه – من أفعال وأقوال
وطريقة في قيادة الدولة وتدبير امور المجتمع ،مما يعجزعن مثله
الآخرون ،وقد عجزت الدول السابقة كلها. نتيجة للخصائص العليا
التي اتصف بها المهدي (ع) وخاصته، مما عرفناه ، وسنشير إليه
غير بعيد.
العامل الرابع : كثرة القتل
الذي يقوم به المهدي (ع)، وأصحابه للمنحرفين لمدة ثمانية أشهر
، يقتل مرجاً ولا يستتيب أحداً .الأمر الذي يحدث الأثر النفسي
الكبير. ولمدة طويلة كافية للتربية ، في التهيب والخشوع
والتصاعر تجاه الحكم المهدوي.
الأمر الذي يجعل عصيان قانون
الدولة متعذراً ، ويفسح مجالاً عريضاً للدولة لإجراء قانونها
وأنظمتها في كل المجالات.
العامل الخامس: أن هناك بعض
التصرفات صعبة التفسير ومجهولة السبب يقوم بها المهدي (ع) لأجل
مصالح واقعية يعرفها ، ويمكن أن نجد منها بعض النماذج :
فمن ذلك : ما أخرجه
النعماني(1) عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) أنه قال :
بينما الرجل على رأس القائم يأمر وينهى ،إذ أمر بضرب عنقه ،
فلا يبقى بين الخافقين إلا خافه.
وما أخرجه المجلسي في
البحار(2) عن السيد علي بن عبد الحميد في كتاب (الغيبة)
بإسناده رفعه إلى جابر عن أبي جعفر (ع) – في خبر عن القائم
يقول فيه -:
إنما سمي المهدي لأنه يهدي
لأمر خفي . حتى أنه يبعث إلى رجل لا يعلم الناس له ذنب فيقتله
... الحديث .
وأمثال هذه التصرفات ، وهي
واقعية الصحة ، مجهولة لدى الناس ، تجعل الفرد ،كل فرد . يعيد
النظر لجدية بالغة في قيامه بأي انحراف أو عصيان .
صفحة (472)
ـــــــــــــــــ
(1) ص126. (2) ص200 ج13.
فبهذه العوامل ونحوها ،تكتسب
الدولة المهدوية هيبتها في صدور الناس على كل المستويات ،
الأمر الذي يجعل عصيان قانونها صعباً جداً ،ومن ثم يكون أخذها
بزمام المبادرة للتربية والتطبيق العادل سهلاً ميسراً.
الضمان الخامس: ما عرفناه
مفصلاً من إنتاج التخطيط الإلهي السابق على الظهور نتيجة مهمة
، وهي يأس الرأي العام العالمي من المبادىء والأطروحات المعلنة
التي ادعت حل مشاكل البشرية قبل الظهور .والشوق إلى حل عادل
شامل يخرج البشرية من وهدتها العميقة .
وهذا الجو الفكري والنفسي ،
يهيء للدعوة المهدوية والدولة المهدوية أفضل الفرص للتطبيق
العادل الشامل. كما سبق أن علافنا مفصلاً ،فلا حاجة إلى
التكرار.
القسم الثاني : الضمانات
المنبثقة من شخص الإمام المهدي (ع) ، باعتبار ما يملك من خصائص
وصفات.
الخصيصة الأولى : العصمة التي
تمثل درجة عالية جد، وضرورية التأثير ... من الإخلاص والإيمان
وتقديم مصالح الهدف الأعلى الإلهي على كل مصلحة .وبالتالي فهي
تقتضي فعل كل ما هو مشروع ومطلوب في الشرع الإلهي ، وترك كل ما
هو غير مشروع منه .ونعني بما هو مشروع وغير مشروع معناه الدقيق
الشامل لمسؤوليات القيادة ، وليس لمسؤوليات الفرد الإعتيادي
فقط.
وقد عرفنا أن هذه الصفة مما
قامت عليه الضرورة في المذهب الإمامي ،ووافق عليه جملة من
الباحثين العامة كإبن عربي في الفتوحات ، ومن تابعه بعض من
تأخر عنه.
الخصيصة الثانية :أنه متى ما
أراد أن يعلم شيئاً أعلمه الله تعالى إياه، كما نطقت بذلك
الروايات ،وقد سبق أن بحثناه في تاريخ الغيبة الكبرى(1).
وقلنا أن هذه الخصيصة تعتبر من
أعظم شرائط القيادة العالمية التي تكون بدونها متعذرة تماماً
،فإن الله تعالى حيث أوكل إلى المهدي (ع) هذه القيادة العامة
،وعلمنا أنه يجب في اللطف الإلهي ان يعطي الله عز وجل كل فرد
منصوب لمهمة القدرة على تنفيذ تلك المهمة، أو أن يختار الفرد
القادر لو أمكن .وبالتالي لابد من التساوق بين قابليات الفرد
ومهامه ، لايختلف في ذلك الأنبياء عن الأولياء.
صفحة (473)
ـــــــــــــــــ
(1) ص515 وما بعدها .
وحيث تتوقف القيادة العالمية
على خبرة واسعة جداً يتعذر الحصول عليها بأي تنظيم بشري أو أي
جهاز الكتروني، وخاصة إذا كان المطلوب هو تطبيق العدل المطلق
وضمان استمراره .إذن فيتعين صدق تلك الروايات وصحة مضمونها
،ووجود هذه الصفة للمهدي (ع) ،وهي أنه متى ما أراد أن يعلم
أعلمه الله تعالى .
ومما يدعم ذلك بالنسبة إلى شخص
المهدي (ع) ما أخرجه في البحار(1) عن السيد علي بن عبد الحميد
في كتابه(الغيبة) بإسناده رفعه إلى أبي الجارو قال : قلت لأبي
جعفر:
جعلت فداك، أخبرني عن صاحب هذا
الأمر، قال: يمسي أخوف الناس ويصبح من آمن الناس .يوحي إليه
جعفر. قال: يا أبا الجارود أنه ليس وحي نبوة .ولكنه يوحي إليه
كوحيه إلى مريم بنت عمران ،وإلى أم موسى وإلى النحل . يا
ابا الجارود ، إن قائم آل محمد لأكرم عند الله من مريم بنت
عمران وأم موسى و النحل.
ويتم فهم هذه الرواية ضمن عدة
نقاط:
النقطة الأولى : إن الوحي غير
خاص بالأنبياء بل قد يشمل غيرهم أيضاً .وقد نص القرآن على عدة
موارد من ذلك:
المورد الأول : إن مريم بنت
عمران (ع) تلقت الوحي عن طريق الملائكة ،قال الله تعالى :
"وإذ قالت الملائكة يا مريم
إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ...إلى أن
يقول :إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه
المسيح عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن
المقربين"(2)
بل ظاهر إحدى الآيات أنها تلقت
الوحي من الله تعالى مباشرة .
"قالت : رب أنى يكون لي ولد
ولم يمسسني بشر.: كذلك الله يخلق ما يشاء "(3)
صفحة (474)
ـــــــــــــــــ
(1) ص200 ج13.
(2) آل عمران : 3/ 42و45.
(3) آلعمران : 3/ 47.
فإنها خاطبت الله مباشرة فورد
الجواب مباشراً أيضاً ، بحسب ظاهر العبارة .
المورد الثاني : إن أم موسى
تلقت الوحي أيضاً .قال الله تعالى : "إذ أوحينا إلى أمك ما
يوحى "(1).
وقال عز وجل : " أوحينا إلى
أم موسى أن أرضعيه ..."(2)
المورد الثالث : الحواريون :
وهو خاصة أصحاب النبي عيسى (ع) .
قال الله تعالى : "وإذ أوحيت
إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي .قالوا آمنا ،واشهد بأنا
مسلمون "(3)
ولم يكن الحواريون أنبياء أو
رسلاً في حياة المسيح (ع) ، باعتراف المسيحيين أنفسهم .
المورد الرابع: النحل: فإنها
تلقت الوحي بالتعليم بما يخص مصالحها وما يقيم لها حياتها .قال
الله تعالى :
"وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي
من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات
، فاسلكي سبل ربك ذللاً"(4).
وقد نصت الرواية على ثلاثة
موارد من هذه الأربعة :
النقطة الثانية : إن نوع الوحي
يختلف في هذه الموارد الأربعة .فهو في النحل ليس أكثر من
الأسلوب الفطري لحياة النحلة نفسها ...كل ما في الأمر أنه
بالنسبة إلى خالق الكون ، ليس اسلوباً (أعمى) بل هو مدبر
بحكمة واتقان.
وأما أم موسى ، فلا نستطيع أن
نقول أكثر من أنها قد (خطر) في بالها وقد فكرت بأن تضع ابنها
في صندوق وتلقيه في النيل .فهي لم تشعر أنها فكرة ذاتية لها
ليست (مستوردة) من أعلى . غير أن القرآن الكريم يخبرنا أنها
إنما فكرت بذلك نتيجة للتسديد الإلهي.
صفحة (475)
ـــــــــــــــــ
(1) طه : 20/ 38. (2) القصص :
28/7.
(3) 5/ 111. (4) 16/69.
وأما بالنسبة إلى مريم
والحواريين ، فظاهر القرآن الكريم ، ثبوت الوحي (لفظاً ومعنى)
بالنسبة إليهم .مع احتمال أن يراد به (الإلهام) أيضاً ، وهو
إلقاء المعنى في الذهن من دون لفظ ..فإنه من معاني الوحي لغة
أيضاً.
وعلى أي حال ، فتشبيه الإمام
المهدي (ع) بهؤلاء ، في الرواية لا يستدعي أكثر من ثبوت أقل
المراتب له (ع) ،بمعنى أنه لا تثبت الزيادة إلا بدليل آخر.
النقطة الثالثة : لا شك أن
المهدي (ع) من أعاظم الأولياء ، يكفينا أنه اختاره الله لتنفيذ
غرضه الكبير من خلق البشر، وإنجاز العدل الكامل على وجه الأرض
أفضل بكثير من مريم والحواريين وأم موسى فضلاً عن النحل .
النقطة الرابعة: إن كل صفة
(كمالية) ثبت وجودها في الأقل شأناً، فهي ثابتة لا محالة في
نظائره (باعتبارالمساواة) وفي الأفضل (باعتبارالأولوية) خذ
مثلاً أن (الكاسب) إذا استطاع أن يشتري داراً ، فأحر (بالتاجر)
أن يشتري مثلها أو أفضل منها ،أو إذا استطاع المتخرج من إحدى
الكليات تأليف كتاب نافع ، فالحامل لشهادة الدكتوراه أولى
بالقدرة على ذلك .
النقطة الخامسة : أنه يثبت من
ذلك : أن أي مرتبة ثبتت في إحدى هذه الموارد ففي الإمكان
ثبوتها للمهدي (ع) بالأولوية .نعم ،(وقوع) ذلك لا يدل عليه
التشبيه – كما قلنا – إلا بأقل مراتبه ...ولكنه ليس هو المرتبة
الضئيلة الثابتة للنحل على أي حال.
النقطة السادسة : إننا جعلنا
هذه الرواية مؤيدة لقاعدة الإلهام بالنسبة إلى المهدي ، ولكنها
لا تصلح وحدها دليلاً.
أولاً: إنها لا تدل إلا على
وقوع أقل مراتب (الوحي) للمهدي (ع) .وهو – على كل حال – أقل من
قاعدة الإلهام: إذا أراد الإمام أن يعلم أعلمه الله تعالى ذلك
.
ثانياً : إنها مرفوعة ، بمعنى
أنها مجهولة الراوي ، فلا تصلح للإثبات التاريخي .
ولكنها على أي حال تحتوي على
نقطة قوة هي باختصاصها المهدي ، بخلاف الروايات الأخرى فإنها
عامة لكل إمام معصوم . فتثبت الخصيصة الثانية للمهدي بالعموم ،
لابالتنصيص .وإن كان العموم كافياً على كل حال.
صفحة (476)
الخصيصة الثالثة : تكامل
القيادة في شخصه (ع) بدرجات أعلى من (مجرد) العصمة ....وإطلاعه
على قوانين المجتمع والتاريخ البشري، بشكل لا يمكن لأحد غيره
الإطلاع عليها .
كما سبق أن ثبتنا ذلك في
التاريخ السابق(1)،وفي هذا التاريخ .
والقائد المعصوم عموماً ، قابل
للقيادة العالمية ، إلا أن المهدي ببقائه الطويل ومعاصرته
لمئات الأجيال البشرية ، طبقاً للفهم الإمامي ، تتكامل فيه
صفة القيادة ،ويكون في إمكانه الوصول إلى الأهداف المنوطة به
والموكولة إليه ، بشكل أسرع وأسها وأعمق .
القسم الثالث: الضمانات
المنبثقة من صفات أصحابه عليه وعليهم السلام .
ونشير هنا إلى ما سبق أن
عرفناه مفصلاً من شجاعتهم ولإخلاصهم للعقيدة والهدف ولإمامهم
القائد (ع)، فإن كل ذلك يشكل نقطة قوة وضمانات لإنتصار المهدي
(ع) ...
ونود هنا أن نشير إلى أمر آخر
، سبق أن أشرنا إليه ،وهو علمهم وفقاهتهم وحسن تدبيرهم لأمور
المجتمع... وقد سمعنا وصفهم في الروايات بأنهم ، النجباء
والفقهاء ، وهم الحكام وهم القضاة (2).
وسيأتي في الفصل الآتي التعرض
إلى طريقة حصولهم على مثل هذا العلم الواسع المدبر للعالم،
وأما هنا، فأود أن أبين وجه الحاجة إلى مثل هذا العدد الكبير
من الفقهاء والحكام ، بحيث لو كانوا يمثلون بعض هذا العدد أو
بعض هذه الثقافة ، لما أمكن نجاح الدولة المهدوية العالمية ،
ومن هنا كان اتصافهم بهذه الصفات وهذا العدد من أهم ضمانات
نجاح التطبيق العالمي.
ومن هنا – أيضاً ـ اقتضى
التخطيط السابق على الظهور إيجادهم لإنجاح هذه التجربة ،
لمشاركتهم – أولاً – بصفتهم قادة عسكريين في الفتح العالمي
ومشاركتهم – ثانياً- بصفتهم رؤساء وحكاماً لمناطق العالم
وأقاليمه في الدولة العالمية .
صفحة (477)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر ص514 وما بعدها
،وانظر ص517 أيضاً.
(2) انظر الملاحم والفتن ص171.
ويحتاج بيان هذا المقصود إلى
تقديم عدة مقدمات :
المقدمة الأولى : أنه ثبت في
الفقه الإسلامي ، أن رئيس الدولة لا بد أن يكون جامعاً لشرائط
خاصة وحاصلاً على مؤهلات معينة ، لكي يكون أهلاً لتولي هذا
المنصب الكبير،وكذلك لابد أن يكون القاضي جامعاً لشرائط معينة
لكي يكون نافذ الحكم في نظر الإسلام ، وقابلاً لحل مشاكل
المرافعات بين الناس.
وأهم هذه الشرائط المشتركة بين
الحاكم والقاضي معاً : العدالة والفقاهة .ويراد بالعدالة درجة
كبيرة من الإخلاص والإستعداد للتضحية ، تكف صاحبها عن العصيان
وعن التمرد عن تعاليم الله ،ويراد بالفقاهة الإطلاع عل احكام
الشرع الإسلامي إطلاعاً واسعاً ،يسمى بالإجتهاد في لغة الفقه
لما قبل الظهور.
المقدمة الثانية : إن القدرة
الفردية ،مهما كانت كبيرة وعميقة ،فهي قاصرة عن أن تباشر الحكم
في العالم كله بمفردها بحيث يكون لها مباشرة البت في كل
الوقائع الجزئية من شؤون الأفراد والمجتمع .لأنها تعد
بالملايين في الساعة الواحدة ،فضلاً عن اليوم الواحد، فالأكثر
منه :وقد سبق أن قربنا ذلك .
نعم، يمكن للمعجزة أن تذلل ذلك
، فتعطي للفرد طاقة غير محدودة ،إلا أن مثل هذه المعجزة لا
يمكن افتراضها في حق الإمام المهدي لكونها مخالفة لقانون
المعجزات ،وذلك :لأجل وجود البديل الواضح لها ،وهو مباشرة
الحكم العالمي عن طرق الأفراد الكثيرين المتمثلين بأصحابه
الممحصين ،وإذا كان للمعجزة بديل طبيعي لم يكن لها مجال للتحقق
والوقوع.
المقدمة الثالثة : إن المناطق
التي يحتوي عليها العالم المسكون كثيرة يكفينا من ذلك أن الدول
الأعضاء في الأمم المتحدة الآن يزيد عددهم على المئة بأكثر من
عشرة .وهناك مناطق او دول غير مشاركة في هذه الهيئة العالمية ،
ككل المستعمرات وأغلب جزر المحيطات والمناطق القطبية.
هذا مضافاً إلى أن بعض الدول
شاسعة المساحة جداً ، كالصين والإتحاد السوفيتي والولايات
المتحدة وكندا واستراليا وغيرها .فلو حصلت المصلحة في تقسيم
هذه الدول إلى عدة أقاليم في الدولة العالمية ، حصلنا على عدد
متزايد من الدول مع ضمها إلى ما سبق . بحيث يمكن أن تصل أقاليم
الدولة العالمية إلى مئتين.
المقدمة الرابعة : أنه ليست
الحاجة مقتصرة في كل منطقة على خصوص شخص الرئيس الذي يحكمها ،
بل تحتاج المنطقة أو الأقليم إلى جهاز إداري وقضائي كامل يكون
كل الأشخاص الرئيسيين فيه متصفين بالأهلية التي عرفناها ...بما
فيهم الرئيس والوزراء والمدراء العامين والقضاة ،وكل من كان
بمنزلتهم وأهميتهم في الدولة.
صفحة (478)
يتضح من هذه المقدمات وجه
الحاجة إلى هذا العدد : الثلاثمائة والثلاثة عشر من القادة
والفقهاء والحكام والقضاة .إن لم نقل أنه رقم يقل عن الحاجة
بقليل أو بكثير فإننا لو سرنا على حسابنا السابق ، فاعتبرنا
لكل إقليم من الأقاليم المائتين عشرة أشخاص مؤهلين بالدرجة
العالية ،كانت الحاجة مقتضية لوجود ألفي شخص من هذا القبيل.
غير أننا ينبغي أن نلفت إلى ان
الصفات العليا لا ينبغي أن نتوخاها في كل إقليم إلا لشخصين هما
الرئيس الأعلى والقاضي الأعلى ،وأما الباقون فيمكن اتصفاهم
بنفس الصفات بدرجة أقل ،فإذا لم تبلغ أقليم الدولة العالمية
إلى مئتين بل اقتصرت على مئة وخمسين مثلاً .فتكون الحاجة
مقتضية لوجود ثلاثمائة من ذوي المؤهلات العالية ، لا أكثر.
ويبقى من هؤلاء الخاصة ثلاثة
عشر، ربما يتولون مهام الحكم المركزي في العالم إلى جنب الإمام
المهدي نفسه .وقد نصت الروايات التي سنسمعها في الفصل لقادم
على وجود اثني عشر نقيباً من هؤلاء مع الإمام نفسه .والعدد
الذي استنتجناه تقريبي على كل حال.
هذا ، وستتم تغطية الحاجة في
أشخاص الوزراء والمدراء وباقي القضاة وغيرهم، من الأفراد
المتصفين الدرجة الثانية من درجات الإخلاص التي عرفناها .فإنها
مساوقة مع وجود العدالة والفقاهة ببعض مراتبها أبضاً ،
بالمقدار الذي يؤهل المتصفين بها إلى تولي هذه المناصب.
وعلى أي حال، فإذا استطعنا أن
نعتبر كل صفة من صفات الإمام المهدي ضماناً مستقلاً للتطبيق
العادل الذي نتحدث عنه ...لوضوح أنه لو تخلف أي واحد منها كان
موجباً لفشل التجربة العالمية أو تضررها على أقل قدير ،
فاعتبرنا عددهم ضماناً مستقلاً ،وعدالتهم المتمثلة بإخلاصهم
للعقيدة والقائد ضماناً ثانياً ،وفقاهتهم ضماناً ثالثاً
.وأضفناها إلى الضمانات السابقة زادت الضمانات المتوفرة للمهدي
للبدء بالتطبيق العادل على عشرة.
ولسنا بحاجة – بعد هذا – إلى
القول : بأن مجموع هذه الضمانات لا يمكن أن يتوفر لغير الإمام
المهدي ،مهما كانت حركته قوية أو دولته واسعة ، أو قانونه
عميقاً ،وسواء كان أساسه مصلحياً أو عقائدياً على مر التاريخ.
صفحة (479)
المستوى الثاني : في ضمانات
دوام التطبيق واستراره ، بعد إنجازه واستتبابه لأول مرة
....سواء في حياة الإمام المهدي او بعده .
وهي – أيضاً ـ عدة ضمانات ،
ندركها الآن بوضوح:
الضمان الأول: إتضاح صحة
التجربة المهدوية العالمية أمام الناس أجمعين، أو أمام الرأي
العام العالمي بالتعبير المعاصر... ومدى السعادة والرفاه الذي
يعيشه المجتمع نتيجة لهذه التجربة وهذا التطبيق.
وهذا الوضوح يجعل الناس
تلقائياً مؤيدين لبقاء واستمرار نظام المهدي أطول مدة ممكنة
،ومدافعين عن ذلك بما يملكون من رأي وسلاح.
وينبغي هنا أن نلفت إلى أنه
عند اتضاح صحة التجربة المهدوية ، تخرج (الأطروحة العادلة
الكاملة) التي يطبقها عن كونها مجرد أطروحة .فإن الأطروحة ما
تكون محتملة الصحة ...وسيكون ذاك التطبيق العالمي الكامل لها
مثبتاً لجدارتها وصحتها وحسن نتائجها بالحس والعيان .
الضمان الثاني: اتضاح مدى
الإنسجام الذي حصل بين أفراد المجتمع ، والأخوة التي سادتهم
،والطمأنينة والسلام المسيطرة على ربوعهم ... ربوع البشرية
كلها.
وهذا الوضوح له نفس الأثر
النفسي السابق بطبيعة الحال .وسنعرف تفاصيلها في فصل آت من هذا
الباب يتعلق بإنجازات المهدي في دولته على الصعيدين الإقتصادي
والإجتماعي .
الضمان الثالث : تربية أجيال
الأمة ... والأمة يومئذ تمثل البشرية كلها ....تربية صالحة
،وتكميل إيمانها وإخلاصها ، عن طريق التربية المركزة المستمرة
، تكميلاً يجعلها لا ترضى عن إطاعة حكم الله وتنفيذ عدله
الكامل ، بديلا.
ومعناه – على وجه التعيين –
أنه ستتمسك بحرارة نظامها المهدوي الجديد بصفته ممثلاً لعدل
الله وشريعته .
الضمان الرابع : تربية جماعة
من خاصة الناس وعظمائهم إيماناً وإخلاصاً وثقافة ، تربيتهم عن
طريق التثقيف العميق والمستمر والنجاح في التمحيصات القوية
المختلفة ، التي سوف نشير إلى بعضها ...تربيتهم لكي يكونوا
أولياء صالحين لتولي مهام الرئاسة العالمية بعد المهدي
......أو تولي رئاسة المناطق المختلفة بعد رؤسائها المختلفين ،
فيما إذا ماتوا أو انعزلوا أو نقلوا.
صفحة (480)
وواضح أن إيجاد هذا الضمان
ضروري لإستمرار نظام الحكم المهدوي ، وإلا فسيكون نظامه
منوطاً بشخصه، ولا يكون قابلاً للبقاء بعده ... إذا لم يكن
هناك من يباشر السير فيه إلى نتائجه المطلوبة .
والفرق – بطبيعة الحال – موجود
بين نتائج حكم المهدي ونتائج حكم خلفائه، للفرق الشاسع بينه
وبينهم ،من حيث درجة تكامل القيادة لديه ولديهم .وهذا ما
سنتعرض له في الباب الأخير من هذا التاريخ إلا أن أصل النظام
يبقى موجوداً ومستمراً بإعتبار الدفع الثوري الفكري والإجتماعي
والتشريعي الذي يوجده المهدي بين البشر، ذلك الدفع الذي تقوم
الدولة بعد المهدي بانتهاجه ، وتربية البشر تربية مركزة على
أساسه.
فهذه هي الضمانات المهمة التي
ندركها لإستمرار التطبيق العالمي ...مع أخذ بعض الضمانات التي
ذكرناها لإبتداء التطبيق بنظر الإعتبار هنا أيضاً فإنها تكون
مؤثرة في كلا الحقلين ، كما لايخفى على القارىء اللبيب .
صفحة (481)
الفصل الرابع
قيادات أصحابه ومقدار
قابلياتها
تمهيد :
سبق أن عرفنا بكل تفصيل عدد
اصحاب الإمام المهدي من المخلصين الممحصين ،ودرجة إيمانهم
وإخلاصهم لعقيدتهم وقائدهم... ومقدار شجاعتهم وإقدامهم على
التضحيات الجلى في سبيل الله تعالى... ومقدار مشاركتهم
وتأثيرهم في الفتح العالمي العادل.
وعرفنا أيضاً، أن عدد اصحابه
غير منحصر بهؤلاء الثلاثمائة والثلاثة عشر، بعد أن دلت الرويات
أن نواة جيشه الأولى التي تجتمع في مكة في اول الظهور ، لا تقل
عن عشرة آلاف إنسان ، فضلاً عمن يصل إليه بعد ذلك.
ودلت القواعد العامة على ان
التخطيط الإلهي لعصر ما قبل الظهور ينتج ثلاثة مستويات من
الإخلاص ،كلهم سيكونون من أصحابه – بشكل وآخر – ويكون المخلصون
من القسمين الأولين قابلين لتولي أهم الأعمال في دولة الإمام
المهدي.
هذا، وينبغي أن ننظر إليهم
الآن، بصفتهم أناساً يباشرون الأعمال الهامة والحكم تحت إشراف
الإمام، وتنظيمه لهم في العالم.
وينفتح الحديث حول ذلك في عدة
جهات:
الجهة الأولى : في إيراد ما
دار حول ذلك من الأخبار:
أخرج القندوزي في الينابيع(1)
عن أبي بصير ، قال ، جعفر الصادق رضي الله عنه:
ما كان قول لوط (ع) لقومه :
"لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " إلا تمنياً لقوة
القائم المهدي وشدة أصحابه .وهم الركن الشديد . فإن الرجل منهم
يعطى قوة أربعين رجلاً ، وإن قلب الرجل منهم أشد من زبر الحديد
.لو مروا على الجبال لتدكدكت .لا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله
عزوجل.
صفحة (483)
ـــــــــــــــــ
(1) ص509 ط النجف
واخرج في البحار(1) الحديث
الذي سبق أن رويناه ، بالإسناد إلى الفضيل بن يسار عن أبي
عبدالله (ع) ،وفيه يقول:
يتمسحون بسرج الإمام (ع)
يطلبون بذلك البركة. ويحفون به يقونه بأنفسهم في الحروب
ويكفونه ما يريد ، فيهم رجال لا ينامون الليل لهم دوي في
صلاتهم كدوي النحل .يبيتون على اطرافهم ويصبحون على خيولهم ،
رهبان بالليل ليوث بالنهار . هم أطوع له من الأمة لسيدها. وهم
من خشية الله مشفقون .
وأخرج أيضاً (2) عن جابر عن
أبي جعفر (ع) قال:
كاني بأصحاب القائم وقد أحاطوا
ما بين الخافقين .ليس من شيء إلا وهو مطيع لهم.
وأخرج أيضاً (3) عن عبد الأعلى
الحلبي عن أبي جعفر (ع) في حديث طويل يقول فيه :
فيبعث "يعني المهدي"
الثلاثمائة والبضعة رجلاً إلى الآفاق كلها . فيمسح بين اكتافهم
وعلى صدورهم فلا يتعايون في قضاء ولا تبقى أرض إلا نودي فيها
شهادة أن لا إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً رسول الله.
وهو قوله تعالى " وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً
وإليه ترجعون "(4) ... الحديث
صفحة (484)
ـــــــــــــــــ
(1) ج13 ص180. (2) المصدر
ص185.
(3) المصدر ص188- 189. (4) آل
عمران : 3/83.
وأخرج النعماني(1) بإسناه عن
هارون العجلي ، قال: قال أبو عبد الله (ع) :
أن صاحب هذا الأمر محفوظ له
أصحابه لو ذهب الناس جميعاً أتى الله بأصحابه .وهم الذين قال
الله عزوجل : فإن يكفر بها هؤلاء ، فقد وكلنا بها قوماً ليسوا
بها بكافرين"(2) وهم الذين قال الله فيهم" فسوف يأتي االله
بقوم يحبهم ويحبونه ، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين "
(3).
واخرج أيضاً عن عبد الله بن
حماد الأنصاري عن محمد بن جعفر بن محمد عن أبيه (ع) قال:
إذا قام القائم بعث في اقاليم
الأرض (في الأقاليم بأسرها) في كل إقليم رجلاً يقول : عهدك في
كفك ،فإذا ورد عليك ما لا تفهمه ولاتعرف القضاء فانظر إلى كفك
واعمل بما فيها ... الحديث.
وما أخرجه ابن طاوس في الملاحم
والفتن(4) في حديث طويل عن أبي بصير عن جعفر بن محمد – يقول
فيه : فقال أبو بصير : جعلت فداك ليس على ظهرها مؤمن غير هؤلاء
(يعني الثلاثمائة والثلاثة عشر) ؟ قال:بلى ،ولكن هذه العدة
التي يخرج فيها القائم (ع)، وهم النجباء والفقهاء وهم الحكام
والقضاة الذين يمسح بطونهم وظهورهم فلا يشكل عليهم (عليكم)
حكم.
وما أخرجه في الإرشاد (5) عن
المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (ع) قال:
يخرج مع القائم (ع) من ظهر
الكوفة سبعة وعشرون رجلاً خمسة عشر من قوم موسى (ع) الذين
كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون وسبعة من أهل الكهف ويوشع بن نون
وسلمان وأبو دجانة الأنصاري والمقداد ومالك الأشتر ، فيكونون
بين يديه أنصاراً وحكاماً .
صفحة (485)
ـــــــــــــــــ
(1) الغيبة للنعماني :ص 170.
(2) الأنعام : 6/89.
(3) المائدة : 5/ 57. (4)
الغيبة ص172.
(5) ص171. (6) ص344.وانظر
أيضاً أعلام الورى للطبرسي ص423.
وأخرج المجلسي في البحار(1) عن
المفصل بن عمر عن الإمام الصادق (ع) في حديث عن أصحاب المهدي
(ع) قول فيه : وهم أصحاب الألوية ،وهم حكام الله في أرضه .....
الحديث .
وقد ورد في (خطبة البيان) التي
عرفناها فيما سبق وأطلعنا على نقاط ضعفها ، ماينفع بهذا الصدد
، فلا ينبغي إهماله بأي حال.
حيث ورد في النسخة الثانية من
هذه الخطبة(2) ما يلي:
ثم يولي (يعني) المهدي (ع) مكة
جابر بن الأصلح ويقبله العوام بالأبطح ، فيرجع من العيلم ويقتل
المشركين في الحرم .ثم يولي رماع بن مصعب ،ويقصد المسير نحو
يثرب، فيعقد لزعماء جيوشه ورايته ويقلد أصفياء أصحابه مقاليد
ولايته ،ويولي شبابه وافر والحسين بن ثميلة وغيلان بن أحمد
وسلامة بن زيد أعمال الحجاز وأرض نجد ،وهم من المدينة.
ويولي حبيب بن تغلب وعمارة بن
قاسم وخليل بن أحمد وعبد الله بن مضر. وجابر بن فلاح أقاليم
اليمن والأكامل وهم من أعراب العراق.
ويولي محمد بن عاصم وجعفر بن
مطلوب ،وحمزة بن صفوان وراشد بن عقيل ومسعود بن منصور وأحمد بن
حسان ، أعمال البحرين وسواحلها وعمان جزاريها .وهم من جزاير
هز.
ويولي راشد بن رشيد وحزيمة بن
عوام وهلال بن همام وعبد الواحد بن يحيى والفضل بن رضوان وصلاح
بن جعفر والحين بن مالك . الحبشة وجزاير الكراديس .وهم من
مشارق العراق .
ويولي أحمد بن سعيد وطاهر بن
يحيى واسماعيل بن جعفر ويعقوب بن مشرك وغيلان بن الحسين وموسى
بن حارث حبشه وأقاليم المراقش .وهم من الكوفة.
ويولي إبراهيم بن أعطى والحسين
بن علاب وأحمد بن موسى وموسى بن رميح ويميز بن صالم ويحيى بن
غانم وسليمان بن قيس ، مصادر الجذلان وأعمالالدفولة ،وهم من
أرض قوشان.
صفحة (486)
ـــــــــــــــــ
(1) ص185
(2) الزام النصيب ص207 وما
بعدها
ويولى طالب بن العالي وعبد
العزيز بن سلهب بن مرة ،وهشام بن خولان وعمر بن شهاب وجيار بن
أعين وصبيح بن مسلم ، أقاليم الأدنى وجزاير الكتايب ،وهم من
نواحي شيراز.
ويولى أحمد بن سعدان ويوسف بن
مغانم وعلي بن مفضل وزيد بن نضر والجراد بن أبي العلا وكريم بن
ليث وحامد بن منصور ، أقاليم الحمير وجزاير الرسلات ،وهم من
بلاد فارس.
ويولى العمار بن الحارث ومحمد
بن عطاف وجمعة بن سعد وهلال بن داودية وعمر بن الأسعد جزاير
مليبار وأعمال العماير ،وهم من قرى العراق الأعلى.
ويولي الحسن بن هشام والحسين
بن غامر وعلي بن رضوان وسماحة بن بهيج ، الشام والأردنا ،وهم
من مشارق لبنان.
ويولي الجيش بن أحمد ومحمد
صالح وعزيز بن يحيى والفضل بن اسماعيل الشام الأقصى والسواحل
من قرى الشام الأوسط.
ويولي محمد بن أبي الفضل وتميم
بن حمزة والمرتضى بن عماد بن طاهر وأحمد بن شعبان ، بأقاليم
مصر وجزاير النوبة .وهم من أرض مصر .
ويولي الحسن بن فاخر وفاضل بن
حامد ومنصور بن خليل وحمزة بن هريم وعطا الله بن حياة وواهب بن
حيار ووهب بن نصر وجعفر بن وثاب ومحمد بن عيسى ،وتفور،وسايط
النوبة وأعمال الكرود ،وهم من بلد حلوان.
ويولي أحمد بن سلام وعيسى بن
جميل وإبراهيم بن سلمان وعلي بن يوسف ،اعمال نواحي جابلقا
وسواحلها ،وأعمال مفاوز .وهم من الأزد.
صفحة (487)
ويولي ثابت بن حبيب وموسى بن
نعمان وعباس بن محفوظ ومحمد بن حسان والحسين بن شعبان ، جزاير
الأندلس وافريقيا . وهم من نواحي الموصل.
ويولي أبو يحيى بن حامد وبنهان
بن عبيد وعلي بن محمود وسلمان بن علي بن ترخان ،نواحي المراكش
وثغور المصاعد ومروجة النخيل .وهم من ارض خراسان.
ويولي داود بن المخبر ويعيش بن
أحمد وأبا طالب بن اسماعيل وابراهيم بن سهل ، ديار بكر ومشارق
الروم. وهم من نصيبين وفارقين .
ويولي حمام بن جرير وشعبان بن
قيس وسهل بن نافع وحمزة بن معفر ، أقاليم الروم وسواحلها . وهم
من فارس.
ويولي علقمة بن ابراهيم وعمران
بن شبيب والفتح بن معلا وسند بن المبارك وقايد بن الوفا ومصفون
بن عبد الله بن مفارق ،قسطنطينية وسواحل القفجاق، وهم من
أصفهان.
ويولي الأخوين محمد وأحمد بني
ميمون العراق الأيمن .وهما من المكين . ويولي عروة بن مطلوب
وابراهيم بن معروف العراق الأيسر ، وهما من أهواز.
ويولي سعد بن نضار ونزار بن
سلمان ومعد بن كامل ، بلاد فارس وسواحل هرمز وهم من همدان.
ويولي عيسى بن عطاف والحسين بن
فضال عراق الري والجبال .وهم من قم.
ويولي نصير بن أحمد وعباس بن
تنفيل وطايع بن مسعود أعمال الموصل ومصادر الأرمن .وهم من قرى
فرهان.
ويولي الأمجد بن عبد الله
وأسامة بن ابي تراب ومحمد بن حامد وسفيان بن عمران والضحاك بن
عبد الجبار والمنيع بن المكرم ، بلاد خراسان وأعمال النهرين .
وهم من مازندران.
ويولي المفيد بن أرقم وعون بن
الضحاك ويحيى بن يرجم واسماعيل بن ظلوم وعبد الرحمن بن محمد
وكثار بن موسى ، جبال الكرخ وأقاليم العلان والروس ، وهم من
بخارى.
صفحة (488)
ويولي عبد الله بن حاتم وبركة
بن الأصيل وأبو جعفر بن الزرارة ، وهارون بن سلطان وسامر بن
معلا، المالق ونواحي جين والصحارى. وهم من مرو.
ويولي رهبان بن صالح وعمارة بن
حازم وعطاف بن صفوان والبطال بن حمدون وعبد الرزاق بن غيشام
وحامد بن عبادة ويوسف بن داود والعباس بن ابي الحسن ، اقاليم
الديلم والقماقم ثغور الشقاقش والغيلان. وهم من سمرقند.
ويولي مطاع بن حابس ومحمودبن
قدامة وعلي بن قينن وضيف بن اسماعيل والفصيح بن غيث بن النفيس
وماجد بن حبيب والفضل بن ظهر وغياث بن كامل وعلي بن زيد ،
مداين الخطا وجبال الزوابق واعمال الشجارات ،وهم من قم.
ويولي يعقوب بن حمزة ومحمد بن
مسلم وثابت بن عبد العزيز والحسين بن موهوب واحمد بن جعفر وابا
اسحق بن نضيع ، مغاليق الضوب وقرى القواريق .وهم من نيشابور.
ويولي الحسن بن عباس ومريد بن
قحطان ومعلى بن ابراهيم وسلامة بن داود ومفرج بن مسلم ومعد بن
كامل، بلاد الكلب ونواحي الظلمات .وهم من القرى.
ويولي فضيل بن أحمد وفارس بن
أبي الخير وأسد بن مراحات وباقي ابن رشيد و رضى بن فهد . وعباس
بن الحسين والقاسم بن أبي المحسن والحسين بن عتيق ، السدود
وحيالها ،وهم من نواحي خوارزم .
ويولي فضلان بن عقيل وعبد الله
بن غياث وبشار بن حبيب وسعد الله بن واثق وفصيح بن أبي عفيف
والمرقد بن مرزوق وسالم بن أبي الفتح وعيسى بن المثنى .أقاليم
الضحضح ومناخر القيعان . وهم من قلعة النهر.
صفحة (489)
ويولي الزاهد بن يونس وعصام بن
أبي الفتح وعبد الكريم بن هلال ومؤيد بن قاسم وموسى بن معصوم
والمبارك بن سعيد وعزوان بن شفيع وعلامة بن جواد ، أقاليم
الغربين وأعمال القراعر ، وهم من الجبل.
ويولي محمد بن قوام وجعفر بن
عبد الحميد وعلي بن ثابت وعطا الله ابن احمد ، وعبد الله بن
هاشم وإبراهيم بن شريف وناصر بن سليمان ويحيى بن داود وعلي بن
الحسين ، أقاليم المعابد وجبال الملابس .وهم من قرى العجم.
ويختار الأكابر من السادات
الأعمال العارفين لإقامة الدعائم، منهم اثني عشر رجلاً.وهم :
محمد بن أبي الفضل وعلي بن أبي غابر والحسين ابن على وداود بن
المرتضى واسماعيل بن حنيفة ويوسف بن حمزة وعقيل بن حمزة وعقيل
بن علي وزيد بن علي وجابر بن المصاعد ،ويوليهم جابرسا وأقاليم
المشرق ويأمرهم بإقامة الحدود ومراعات العهود.
ثم يختار رجالاً كراماً
أحراراً اتقياء أبراراً ،وهم معصوم بن علي وطالب بن محمد
وادريس بن عبيد وابراهيم بن مسلم وحمزة بن تمام وعلي بن الحسين
ونزار بن حسن والأشرف بن قاسم ومنصور بن تقي وعبد الكريم بن
فاضل واسحاق بن المؤيد وثواب بن أحمد .ويوليهم جابرقا وبلاد
المغرب ،ويأمرهم بما أمر به أصحابهم.
ثم يختار اثني عشر رجلاً ،وهم
طاهر بن أبي الفرج وسعد بن الكامل ولوي بن حرث ومحمد بن ماجد
ورضي بن اسماعيل وظهير بن ابي الفجر وأحمد بن الفضيل والركن بن
الحسين ، ويوليهم الشمال وأعمال الروم. ويأمرهم بما أمر به من
تقدمهم من الصديقين .
ثم يختار اثني عشر رجلاً نقياً
من العيوب، وهم: اسماعيل بن ابراهيم ومحمد بن ابي القاسم ويوسف
بن يعقوب وفيروز بن موسى والحسين بن محمد وعلي بن ابي طالب
وعقيل بن منصور وعبد القادر بن حبيب وسعد الله بن سعيد وسليمان
بن مرزوق وعبد الرحمن بن عبد المنذر ومحمد بن عبد الكريم
.ويوليهم جهة الجنوب وأقاليمها ويأمرهم بما أمر به من يقدمهم
(تقدمهم) .
صفحة (490)
ثم بعد ذلك يقيم الرايات ويظهر
المعجزات ، ويسير نحو الكوفة ... الحديث .
وينبغي أن نتحدث عن هذه
الأخبار في الجهات التالية :
الجهة الثانية : بعض نقاط
الضعف في خطبة البيان ، غير النقاط العامة التي عرفناها والتي
تسقطها عن قابلية الإثبات التاريخي .
النقطة ألاولى : إن مقتضى
الفهم العام للروايات الأخرى ، هي ان الخاصة الثلاثمائة
والثلاثة عشر، ثم سيقومون بالقيادة العسكرية الرئيسية منذ فتح
العالم، وسيكونون هم أنفسهم الحكام الذين يوزعهم الإمام المهدي
على مناطق العالم ،وأوضح ما دل على ذلك من الروايات قوله: "وهم
الحكام والقضاة والفقهاء ". مضافاً إلى أنهم الصفوة الذين هم
في أعلى درجات الإخلاص من الجيل المعاصر يومئذ من البشر أجمعين
،فلن يجد المهدي ـ عادة ـ غيرهم لتولي الحكم في العالم تحت
إشرافه وقيادته.
وأما خطبة البيان ، فيمكن فهم
خلاف ذلك منها .حيث دلتنا النسخة الأولى منها على أسماء الخاصة
بصفتهم يجتمعون للإمام في أول ظهوره ويبايعونه وينصرونه.
ودلتنا النسخة الثانية من
الخطبة على أسماء الحكام الذين يوزعهم لمهدي في أقاليم الأرض
.وهو مانقلناه قبل قليل .وقد نقلنا الأسماء الواردة في النسخة
الأولى عند الحديث عن بيعة المهدي .
وبعد ضم النسختين إلى بعضهم،
نستنتج بوضوح أن الخاصة الذين يبايعونه ليسوا هم الخاصة الذين
يمارسون الحكم تحت قيادته .مع العلم أنه ليس هناك أي اشتراك
بين الأسماء في النسختين ، كما هو واضح لمن يراجعهما ،وهذا على
خلاف النتيجة التي ثبتت عندنا فيما سبق.
وقد يخطر في الذهن :أننا لا
نستطيع ضم النسختين إلى بعضهما بعد العلم أن كليهما لم يصدرا
من الإمام علي بن ابي طالب أمير المؤمنين عليه السلام .وإنما
تعددت النسخ في طريق الرواية فقط.
وجواب ذلك: إن دلالة خطبة
البيان على أن الحكام هم غير الخاصة الذين يبايعونه لأول مرة
،كما يمكن أن نفهمه عند ضم النسختين ، بعد العلم أن قيمة
الإثبات التاريخي لأي منهما مساوية للأخرى ... يمكن أن نفهمه
أيضاً بضم النسخة الثانية التي ذكرناها في هذا الفصل إلى
الروايات الأخرى التي سمعناها هناك والتي لم نسمعها أيضاً ،
مما ورد فيه تعداد أسماء الخاصة الذين يبايعون المهدي لأول مرة
.فإن أياً من تلك الروايات غير مطابقة مع هذه النسخة الثانية
.فتدل هذه النسخة بعد ضمها إلى أي من تلك الروايات على أن
هؤلاء الحكام الذين ذكرتهم هم غيراؤلئك الخاصة ، وهي خلاف
النتيجة التي عرفناها.
صفحة (491)
النقطة الثانية : إن هذه
النسخة من خطبة البيان دالة بوضوح ، على أن الإمام المهدي يعين
هؤلاء الحكام قبل وصوله إلى الكوفة لأول مرة .وهذا معناه أنه
يعينهم قبل سيطرته على عل العراق فضلاً عن باقي العالم. وقد
سمعنا فيما سبق أنه إنما سبق أنه إنما يبث الجيوش بعد وصوله
إلى الكوفة .
وهذا المضمون لا يبدو صحيحاً ،
لورود اعتراضين عليه:
الإعتراض الأول: أن تعيين
الحكام يومئذ لا يعني إرسالهم إلى المناطق التي جعلوا فيها ،
لوضوح أن السيطرة لن تتم على أي شيء من هذه المناطق إلى حد
الآن .فلا بد أن يفترض أنه تعيين (نظري) لأجل إنجازه بعد
الوصول إلى تلك المناطق .وهذا بعيد ، باعتبار كونه تعييناً قبل
وقت الحاجة .وإنما يحتاج إلى التعيين في كل منطقة بعد السيطرة
على المنطقة بطبيعة الحال .ما لم تكن هناك مصالح إضافية في نظر
الإمام لهذا التعيين (النظري) ... والله العالم.
الإعتراض الثاني: معارضة رواية
خطبة البيان ، بما دل من الروايات على ان تعيين الحكام يتم في
الكوفة نفسها ... كالرواية التي نقلنا قسماً منها عن المجلسي
في البحار.
فإنه يذكر دخول المهدي إلى
العرق أولاً ،ومنازلته للسفياني واستتباب الأمر هناك ... ثم
يذكر تحديه للروم – وهو صورة من صور الفتح العالمي – ويقول: ثم
يرجع إلى الكوفة ، فيبعث الثلاثمائة عشر والبضعة رجلاً إلى
الآفاق كلها .. الحديث .
وهذه الرواية تفيدنا أيضاً من
زاوية أن الحكام الذين يرسلهم المهدي هم اؤلئك الخاصة
الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلاً ،وليسوا أشخاصاً آخرين ،كما
دلت عليه خطبة البيان .
النقطة الثالثة : إن رواية
خطبة البيان تحتوي على خطأين في الترقيم .
الخطأ الأول: أنه يقول :
ويختار الأكابر من السادات الأعمال العارفين لإقامة الدعائم
،منهم اثني عشر رجلاً ... ويعد عشرة فقط .وهم المسؤولون عن
أقاليم المشرق من العالم .
الخطأ الثاني : أنه يقول : ثم
يختار اثني عشر رجلاً ، ثم يعد ثمانية فقط !! وهم المسؤولون عن
جانب الشمال من العالم .
صفحة (492)
وهذا خطأ واقع لا مناص منه
،إلا أنه خطأ في الرواية والنقل ، حيث اسقط الرواة الأشخاص
الآخرين سهواً. وأما الخطبة في الواقع فهي – على تقدير صحتها-
ليست ناقصة بطبيعة الحال.
النقطة الرابعة : إن تقسيم
المناطق على الحكام قابل للمناقشة على عدة جهات:
الجهة الأولى : التكرار في
المناطق خلال الرواية اما بنفس اللفظ أو بلفظ آخر .
فالحبشة تكررت مرتين بهذا
اللفظ ، ومرتين بلفظ النوبة.
مع العلم ان الحبشة والنوبة
اسمان لبلاد واحدة في افريقيا ، وتكررت (الروم) مرتين .وتكرر
(المغرب) مرتين، تارة بلفظ (جابلقا) وأخرى بلفظ (جابرقا) وهي
أكبر مدن المغرب(1) أو جهة المغرب في بعض اللغات.
الجهة الثانية : أنه بينما
نريد أن التعيين يتم في مناطق العراق وإيران وشبه الجزيرة
بكثرة ...نرى إلى جانب ذلك أن مناطق شاسعة ليس لها إلا القليل
من الأشخاص كإفريقيا ،وجهات الجنوب كأستراليا وأمريكا
الجنوبية.
الجهة الثالثة: أن عدداً من
المناطق المذكورة في الرواية غير معروفة على الإطلاق وغير
موجودة في المصادر والأطلس.
نعم ، يمكن في بعضها فهم
المناطق من زاوية اللغة القديمة المعاصرة لزمن صدور النص
.فقوله(أقاليم الأدنى) يراد بها الأقاليم الشرقية القريبة من
الشرق الأوسط كأفغانستان وباكستان والجمهوريات الأسيوية
الجنوبية من الأتحاد السوفيتي.
ويراد بوسايط النوبة ، مايصطلح
عليه باللغة الحديثة بوسط افريقيا.ويراد ببلاد الروم ، أوروبا
على العموم. ويراد بديار بكر ومشارق الروم ، آسيا الصغرى وشرق
اوروبا ،وهي التي تحت الحكم الشيوعي في العصرالحاضر .والجين
بالجيم الفارسية هو الضين باللغة الحديثة .ويراد بنواحي
الظلمات امريكا بأقسامها الشمالية والوسطى والجنوبية باعتبارها
واقعة وراء بحر الظلمات وهو المحيط الأطلسي باللغة الحديثة .
هذا ، ولكن يبقى بعد ذلك عدد
من المناطق غير المعروفة ، كما لا يخفى .
صفحة (493)
ـــــــــــــــــ
(1) قال في مراصد الإطلاع : هي
مدينة بأقصى المغرب :ج1 ص304
الجهة الثالث من هذا الفصل:
في تقديم فهم عام لهذه
الروايات ، قبل الوصول إلى التفاصيل الآتية :
تقسيم خطبة البيان العالم إلى
تقسمين:
التقسيم الأول: وهو الأشمل
والأوسع ،وهو تقسيم العالم كله إلى أربع مناطق:
شمال وجنوب وشرق وغرب ....
يعين لكل منطقة (لجنة) مكونة من اثني عشر رجلاً من الأتقياء
الأبرار الصالحين .
وأما تطبيق هذه المناطق على
العالم ، فلا تنطق به الرواية ،ومن الصعب تطبيقه إلى حد ما ...
غير أن افضل ما نفهمه بهذا الصدد هو أم هذا التطبيق موكول إلى
نظر القائد المهدي طبقاً لما يرى من المصلحة.
التقسيم الثاني : تقسيم العالم
إلى مناطق اصغر من ذلك .وقد يكون الحكام المعنين فيها أقل من
درجات الإيمان من اؤلئك ...بدليل على أن الرواية دلت على مدح
اؤلئك دون هؤلاء.
كما أن مقتضى هذين التقسيمين
هو أن يكون الحاكم للمنطقة (الصغيرة) تابع في مسؤولياته إلى
الحاكم للمنطقة (الكبيرة).
وهذ ا التقسيم الثاني هو
المشار إليه في الروايات الأخرى ، مع شيء من الإختلاف ، فإن
خطبة البيان تنص على تعيين (لجنة) في كل إقليم .بخلاف الروايات
الأخرى فإنها تنص على أنه (إذا قام القائم بعث في اقليم الأرض
، في كل إقليم رجل" . على انه من الممكن صدق كلا الروايتين ،
فإن الحاكم الرئيسي أكثر من ذلك بطبيعة الحال.
وبذلك يصبح أصحاب الإمام
المهدي القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين .ليس من شيء إلا هو
مطيع لهم . "ولا تبقى أرض إلا نودي فيها بشهادة ،أن لا إله
إلاألله وحده لا شريك له .وان محمداً رسول الله " وطبقت فيها
ألأطروحة العادلة الكاملة .
وسيتم تعيين حاكم مكة المكرمة
بمجرد الخروج منه الأول ،وإذا كان المهدي سيسيطر على البلاد
هناك قبل دخوله العراق ، فسيتم تعيين الجماعة التي تحكم نجد
والحجاز ،وأما باقي الحكام فسيتم تعيين الجماعة التي تحكم نجد
والحجاز .وأما باقي الحكام سيتم تعيينهم بالكوفة ،كما رجحنا
تبعاً لوجود الحاجة إلى التعيين .ومعه فمن الممكن القول سيكون
تدريجياً ، تبعاً لسيطرة المهدي(ع) بالتدريج على العالم .
صفحة (494)
وقد رجحنا فيما سبق أن تقسيم
العالم سيكون إلى مئة وخمسون إقليماً عل أقل تقدير، وستكون
الحاجة ملحة عندئذ إلى استعمال الثلاثمئة والثلاثة عشر كلهم في
الحكم مع إضافات أخرى من ذوي الإخلاص الأدنى من ذلك .ومن
المعلوم ان المنطقة كانت أصغر كان مباشرة الحكم وتطبيق العدل
فيها أسهل .
وليس ما يخالف ذلك في الروايات
إلا خطبة البيان، فإنها قسمت العالم – بالتقسيم الثاني – إلى
خمسة وثلاثين إقليماً ، بعضها شاسع جداً حتى أنها اعتبرت
إفريقيا كلها جزءاً من إقليم ، مضافاً إلى جزاير الأندلس.
يتراوح عدد أفراد (اللجنة)
الحاكمة لكل إقليم – في الخطبة – بين خمسة إلى ثمانية ويكون
مجموعهم مئة وسبعة وتسعين ...فإذا أضفنا إليهم الثمانية
والأربعين الحاكمين طبقاً للتقسيم الأول كان المجموع مئتين
وخمسة وأربعين الحاكمين طبقاً للتقسيم الأول كان المجموع مئتين
وخمسة وأربعين .وهو ينقص عن عدد الخاصة بثمانية وستين فرداً ،
فلماذا حصل هذا الفرق؟! .
وقد يخطر في الذهن : أننا
عرفنا أن هؤلاء هم غير اولئك الخاصة ، فمن الطبيعي أن يختلف
رقم هؤلاء عن اولئك.
وجوابه : أننا عرفنا أيضاً أن
هذا التفريق هو إحدى نقاط الضعف في خطبة البيان .
إذ ليس من المنطقي أن يعرض
القائد المهدي (ع) عن تعيين اؤلئك الخاصة في أعلى مناصب الدولة
العالمية، ويعين أشخاصاً آخرين أدنى منهم .إذ أدنى ما يلزم من
ذلك:
الإخلال بالعدل االكامل
المطلوب منه ،مضافاً إلى دلالة الروايات على ذلك ، كما سمعنا.
إذن فلو بقينا نحن والنسخة
الثانية لخطبة البيان، لأستننفدنا منها ، أن هؤلاء الذين
ذكرتهم ، هم بعض اؤلئك الخاصة .ومعه يكون السؤال عن مصير
البقية الذين لم تذكرهم الخطبة ، متوجهاً.!..
وعلى أي حال ، فإذا تم توزيع
الحكام على كل أقاليم الأرض ، كانت الدولة العالمية المهدوية
قد استتبت لأول مرة .
أقول : والإقليم في العرف قسم
من الأرض يختص باسم يتميز به عن غيره ، فمصر إقليم والشام
إقليم واليمن إقليم ، معرّب ،وقيل عربي ، مأخوذ من قلامة الظفر
، لأنه قطعة من الأرض ،وقال الجواليقي: ليس بعربي محض جمعه :
أقاليم(1) . هذا بحسب اللغة ،وأما في الدولة العالمية فالمراد
بالإقليم كل منطقة محددة، ذات حكم داخلي مستقل عن غيره ، سواء
كانت بمقدار الإقليم بالمعنى اللغوي أو أكثر .
صفحة (495)
ـــــــــــــــــ
(1) انظرأقرب الموارد ج2 ص1035
الجهة الرابعة : في إثارة بعض
الأسئلة حول مجموع هذه الروايات ، مما قد يلقي بعض الضوء على
عدد من التفاصيل.
السؤال الأول : ان المخلصين
عموماً ، والخاصة منهم على الخصوص ، سوف يشاركون بطبيعة الحال
في الفتح العالمي .وسوف ينقصون نتيجة للحرب التي يخوضونها
نقصاً كبيراً ، فكيف يفترض مشاركتهم بكامل عدتهم في الحكم ؟.
إلا أن في الخبرات التي
عرفناها إلى حد الآن ما يصلح جواباً واضحاً عن هذا السؤال
.وخاصة إذا التفتنا إلى امرين من خصائص الفتح العالمي :
الأمر الأول: الضمانات
المتوفرة للجيش المهدوي ،مما لا يمكن توفره لأي جيش آخر
.كالنصر بالرعب ومعونة الملائكة والحرب العالمية السابقة على
الظهور ، لو كانت قد وجدت .وأن أفضل هذه الضمانات في صيانة
الجيش المهدوي هو خبرة الإمام القائد نفسه ،وحسن تخطيطه لغزو
العالم ، كما سبق أن حملنا عنه فكرة مفصلة .
الأمر الثاني: أننا عرفنا بعدة
أدلة أن أكثر العالم سوف يدخل تحت الحكم المهدوي من دون قتال
تقريباً ، الأمر الذي يوفر للقائد (ع) كثيراً من الأسلحة
والنفوس .
غير أن هذا كله لا ينفي وجود
القتال فيهم على نطاق ضيق ، غير ان المظنون أن القتل ، لو حصل
، فإنما يحصل على المخلصين من الدرجة الثانية لا المخلصين من
الدرجة الأولى أعني الخاصة الثلاثمئة والثلاثة عشر . لأن هؤلاء
الخاصة ، يكونون قواداً ،والقائد في الحرب القديمة يعيش خلف خط
النار ، ليتوفر له المراقبة وإصدار التعليمات باستمرار
،وبالتالي المحافظة على نفسه من أجل انتصار الجيش نفسه.
إذاً ، فالحرب الحديثة تعطي
فرصاً واسعةً لصيانة القائد ، فكيف بالتخطيط العسكري الذي يكون
أكثر حكمة وعمقاً من هذه الحرب.
ومعه ، يكون افتراض وجود
الخاصة بكامل عدتهم بعد الحرب ، كما هو ظاهر الروايات ، أمراً
ميسوراً ،وأما المخلصين من الدرجة الثانية ،فهم من الكثرة بحيث
لا يؤثر فيهم القتل القليل نسبياً.
صفحة (496)
السؤال الثاني : قالت إحدى
الروايات التي سمعناها : يخرج مع القائم (ع) من ظهر الكوفة
سبعة وعشرون رجلاً ، خمسة عشر من قوم موسى (ع) الذين كانوا
"يهدون بالحق وبه يعدلون" .وسبعة من أهل الكهف ويوشع بن نون
وسلمان وأبو دجانة الأنصاري والمقداد ومالك الأشتر ، فيكونون
بين يديه أنصاراً وحكاماً .
وظاهر هذه الرواية رجوع جماعة
من الأموات المؤمنين مما قبل الإسلام وبعده إلى الحياة ،
ليكونوا من أعوان المهدي (ع) .غير أن هذا المضمون يواجه عدة
اعتراضات:
الإعتراض الأول: أن هذه
الرواية غير كافية لإثبات هذه الفكرة ،فإنها – باعتبار غرابتها
– تحتاج إلى إثبات قوي ، ولا يكفي فيها لخبر الواحد.
الإعتراض الثاني : أن هذه
الفكرة مخالفة لقانون المعجزات ، لأن رجوع الميت إلى الحياة
معجزة ،والمعجزة لا تقع إلا عند انحصار انتصار الحق بها وعدم
وجود البديل الطبيعي لها .ومن الواضح توفر البديل الطبيعي لدى
المهدي (ع) في اصحابه ،فإن المخلصين من الدرجة الأولى بل وكثير
من أفراد الدرجة الثانية ، يماثلون – بكل تأكيد – الأعم الأغلب
ممن ذكرتهم هذه الرواية ،كيف وقد تم تمحيصهم الكامل على
الأطروحة العادلة الكاملة ،وكانوا نتيجة جهود البشرية في اكثر
من ألف عام .على حين أن المؤمنين السابقين على الإسلام لم
يعاصروا هذه الأطروحة ،والمؤمنين المعاصرين للإسلام لم يتم
تمحيصهم بالشكل الكامل ، لوضوح أنهم وجدوا قبل استكمال ظروف
التمحيص والإمتحان.
الاعتراض الثالث : أننا لو
غضضنا النظر عن الاعتراضين السابقين ، كان اللازم رجوع أموات
كثيرين إلى الحياة ليسوا بأقل ممن ذكرتهم الرواية . كالجيش
الذي قاتل مع (طالوت) وقالوا :
" كم من فئة قليلة ٍغَلَبَتْ
فِئة ً كثيرةً بإذن الله ِ "(1).
وكبعض الحواريين لعيسى بن مريم
(ع) ،وكعدد من أنبياء بني اسرائيل وغيرهم كداوود وسليمان وشعيب
ويحيى وغيرهم . ومثل أنصار النبي (ص) الذين قتلوا بين يديه في
بدر وأحد وغيرهما ، وبعض صحابته أيضاً غير من ذكرتهم الرواية ،
وعدد من علماء المسلمين على مر الأجيال.
وإذا صرنا إلى مثل هذا التفكير
، لم يكن من اللازم وجود أي شخص من المخلصين الأحياء ، بل يمكن
الإكتفاء بالأموات ،ومعه يبقى تأخير ظهور الإمام المهدي (ع)
وطول غبيته بلا سبب ، فتكون ظلماً للبشر، لأنه يعني بقؤهم ضمن
المشاكل والظلم مع إمكان دفعه عنهم بكل سهولة.
صفحة (497)
ـــــــــــــــــ
(1) البقرة : 2/ 249
ومع تنزيه الله تعالى شأنه عن
كل أشكال الظلم ، يتعين القول بعدم صحة المضمون الظاهر لهذه
الرواية ، في حدود فهمنا المعاصر.
ومعه ، فلا بد من حملها على
بعض أشكال الرمز ،وان المراد التنبيه على ان المخلصين
المتوفرين للمهدي (ع) ليسوا بأقل رتبة في الإيمان والإخلاص
والعلم والعمل ممن عددتهم في الرواية .وهذا أمر صحيح كما
عرفنا.
السؤال الثالث: إن المخلصين
الممحصين من الدرجة الأولى ، فضلاً عن الدرجات المتأخرة ، لم
يفرض فيهم أنهم مارسوا إدارة الدولة أو قضاء في منطقة خلال عصر
ما قبل الظهور، كما لا يفرض فيهم أنهم درسوا هذه الأمور من
الناحية النظرية ، بحيث يستطيعون تطبيقها في أي وقت شاؤوا .
بل قد يكون الأمر بالعكس ، كما
يظهر من بعض الحقائق التي عرفناه، فإن التمحيص ينتج اكتساب
درجة عليا من الإيمان وقوة الإرادة نتيجة لردود الفعل الصحيحة
تجاه ظروف الظلم والطغيان ، ولا ينتج التمحيص القدرة على
القضاء ، والمران على أساليب الحكم.
إذاً فمن زاوية كونهم ممحصين ،
لا يعني كونهم قادرين على مثل ذلك.
مضافاً إلى ما عرفناه في
التاريخ السابق(1) من لزوم التزامهم بالتقية خلال عصر التمحيص
السابق على الظهور ، بالمعنى الذي فسرناه هناك(2) قد يلزم منه
البعد عن مباشرة أساليب الحكم والقضاء والإنكماش عن الدولة
الظالمة ككل .فإنه لو شارك فيها كان فاشلاً في التمحيص الإلهي
،وبالتالي لم يكن من المخلصين الذين لهم شرف الإلتحاق بالإمام
المهدي (ع) بعد ظهوره.
ينتج من ذلك أن المخلصين ، بأي
درجات لم يمارسوا حكماً ولا قضاء في عهد ما قبل الظهور، فكيف
يستطيعون ممارسته في العالم تحت القيادة المهدوية .وخاصة أن
المطلوب ليس هو القيادة الإعتيادية ، بل القيادة العادلة
المعمقة ، ذات التربية المركزة والمستمرة لكل البشرية .فكيف
يتم لهم ذلك ؟.
والجواب على ذلك :أن هناك
دليلاً عاماً يوجب الإلتزام بكون اصحاب المهدي في أعلى درجات
المعرفة والإطلاع.
صفحة (498)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى
ص416
(2) المصدر ص 417 وما بعدها .
وذلك : لليقين الذي نملكه بأن
دولة المهدي سوف تطبق العدل الكامل ، إلى جانب تلك الأخبار
الضخمة التي تزيد على التواتر بكثير والمروية من قبل الفريقين
، بل الموجودة في التوراة والإنجيل أيضاً ، كما سوف يأتي في
الجزء الخاص بهما من هذه الموسوعة ، الدالة كلها على وجود
السعادة والرفاه في أجلى صورها في دولة المهدي ،ووجود
الإنجازات الضخمة فيها.
ومن المعلوم أن مثل هذا العدل
وهذه السعادة ، لا يمكن أن تتم بدون الخبرة الواسعة والثقافة
العميقة لكل فرد ممن يشارك في تكوين الدولة وإدارتها فضلاًعن
الرؤساء والقضاة .إذا فالخبرة المعمقة موجودة لديهم.
كل ما في الأمر ، أننا ينبغي
أن نحمل فكرة كافية عن أسلوب حصولهم على هذه الثقافة ،وفي هذا
الصدد تواجهنا عدة أطروحات:
الأطروحة الأولى: أنهم يأخذون
كلما يحتاجونه من علوم عن طريق المعجزة ، لا عن طريق التعليم
الطبيعي.... اما دفعة واحدة ، وإما بالتدريج حسب حاجاتهم في كل
وقت .
ويمكن أن يستدل على هذه
الأطروحة بوجهين :
الوجه الأول: إن هذا هو ظاهر
الأخبار السابقة نفسها ،وهي بمجموعها قابلة للإثبات التاريخي .
حيث نسمعه يقول في أحد الأخبار
:
" وهم النجباء والفقهاء
...الذين يمسح بطونهم وظهورهم فلا يشكل عليهم حكم ...وفي
الخبر الآخر: فيمسح بين أكتافهم ، وعلى صدورهم ، فلا يتعايون
في قضاء" فإن المسح بمجرده ليس تعليماً ،وإنما هو "سبب ظاهري"
لإيجاد المعجزة التي تعطي التعليم .
وكذلك قوله في الخبر الآخر:
"عهدك في كفك ، فإذا ورد عليك ما لا تفهمه ، ولا تعرف القضاء
فيه ، فانظر إلى كفك واعمل بما فيها " ..... دال على السبب
الإعجازي إذا كان المراد ان مجرد النظر إلى الكف كاف في ذلك.
وصحة هذا الوجه منوطة بقانون
المعجزات ،من حيث أن دقة الحكم وليس التصرف من قبل هؤلاء ، هل
هو مما يتوقف عليه نجاح دولة المهدي أولا، فمتى أصبح الأمر
منحصراً بالمعجزة كان وقوعها لازماً كيفما كان شكلها ،ومتى لم
يكن الأمر منحصراً بها لم تقم المعجزة البتة .وسيأتي أن
المعجزة ليست سبباً منحصراً ، باعتبار وجود الأطروحات الطيعية
الأخرى البديلة لتلقي العلم من قبل هؤلاء الحكام .
صفحة (499)
الوجه الثاني: أننا قلنا في
هذا التاريخ ، والتاريخ الذي قبله(1)، أن الرئاسة العامة في
المجتمع تتوقف على ان يكون الرئيس له من قبل الله هذه الصفة
الإعجازية ، وهي : أنه متى أراد أن يعلم أعلمه الله تعالى ذلك
.وقد طبقناها على الإمام المهدي نفسه بنجاح ، وردت في ذلك عدة
روايات .
فقد يقال: إننا نطبقها على
أصحاب الإمام أيضاً ، فإن كلا منهم قد أصبح في منطقته رئيساً ،
لا بد له من حسن التصرف وتطبيق العدل الكامل في إقليمه . ومعه
يكون مندرجاً تحت هذه القاعدة ، وبها لا يعسر عليه حكم ولا
قضاء ، لأن جميعه سوف يكون بإلهام إلهي مباشر.
ومن هنا قد يقال :إن المهدي
(ع) إنما يمسح بطونهم وظهورهم مقدمة لوجود هذا الإلهام فيهم
.فإنهم بحسب وضعهم البشري الإعتيادي فاقدين لهذه الصفة ،ما لم
يقم المهدي بعمل معين لإعطائها لهم وهو المسح .
إلا أن هذا الوجه غير صحيح
أساساً لعدة وجوه نذكر منها اثنان:
الوجه الأول: أن هذه القاعدة
خاصة بالرئيس الأعلى الذي ليس فوقه رئيس ، وليس له موجه بشري
ولا حاكم أعلى منه ،كالإمام المهدي نفسه فإنه يحتاج إذا اشكلت
عليه الأمور إلى الإلهام .
أما لو كان للرئيس رئيس فوقه ،
يوجهه ويدبر أمره .فإنه لا يحتاج إلى الإلهام ،وإنما يمكنه أن
يستفيد من توجيهات رئيسه وقائده .ويجب على القائد الأعلى أن
يمد ولاته باستمرار بالتوجيه والإرشاد . حتى لا ينقطعوا عن حسن
الرأي وعدالة التصرف ، فتفشل قيادتهم .ومع إمكان هذا التوجيه ،
يكون افتراض وجود الإلهام أمراً مستأنفاً.
الوجه الثاني : أن أصل الدليل
على ذلك خاص باالقائد العالمي المعصوم وغير شامل لمثل هؤلاء
الحكام ، وذلك لوجهين نذكر أحدهما: وهو أن وجه الحاجة إلى ذلك
كان خاصاً بالقيادة العالمية ،من حيث أن القدرة على استيعاب
الوقائع والأحكام العادلة التي تقتضيها في كل العالم ، أمر
خارج عن طوق القدرة البشرية لأي فرد مهما كان عبقرياً ،ومن هنا
كان من الضروري إسعاف القائد العالمي بالإلهام من أجل تغطية
هذه الحاجة الأساسية.
صفحة (500)
ـــــــــــــــــ
(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص504
وما بعدها إلى عدة صفحات.
وهذه الحاجة خاصة بالشخص الذي
تم تعيينه من قبل التشريع الإلهي ، لقيادة العالم ، باعتبار أن
ما قلناه من ضرورة تساوق قابليات الشخص مع مقدار سعة مسؤولياته
الموكولة إليه في التشريع. فإذا كانت قابلياته قاصرة بدون
الإلهام ،كان وجود الإلهام ضرورياً.
وأما الشخص الذي تكون
مسؤولياته محدودة ، ذات منطقة صغيرة نسبياً بحيث يمكن تغطية
تلك الحاجة بأساليب اعتيادية ، فلا يكون مشمولاً لهذا الدليل.
وبمثل هذه المناقشات تصبح
ألأطروحة الأولى مما لا دليل عليه .
نعم ، لا مانع من وجود مضمون
هذه الأطروحة ، فيما إذا وقع أحد أصحاب الإمام المهدي في صعوبة
فكرية بالغة واعتاصت عليه مشكلة اجتماعية يتوقف تطبيق العدل
الكامل على تذليلها ، وتعذرعليه الإتصال بإمامه. فسوف يكون
الإلهام هو المنقذ الوحيد في هذا الموقف حفاظاً على العدل
الكامل .فيكون الإلتزام بصحة هذه الأطروحة ممكناً.
غير ان هذا نادر الوجود ،
لوضوح إمكان الإتصال بالمهدي في أي منطقة من مناطق العالم .
الأطروحة الثانية : إن أصحاب
المهدي يتلقون علومهم في العصر السابق على الظهور أو قد
يمارسون بعض أشكال الحكم والقضاء أيضاً.
وذلك انطلاقاً من عدة وجوه:
الوجه الأول: إن ظاهر نفس
الروايات هو ذلك ، بمعنى لأنهم ناجزين علماً وعملاً قبل الظهور
،وإنما يتسنى لهم ممارسة الحكم والقضاء في الدولة العالمية
انطلاقاً من هذه الخبرات ، مضافاً إلى التعليمات المهدوية
الجديدة.
فإننا نسمع الرواية تقول: "
هذه العدة التي يخرج فيها القائم (ع) ،وهو النجباء والفقهاء
وهم الحكام وهم القضاة " .فتفهم منها : أنهم متصفون بهذه
الصفات من حين خروجهم مع القائم ومبايعتهم له ،وهذا لا يكون
إلا إذا كانوا قد عرفوا كذلك قبل الظهور.
وأما قوله :"الذين يمسح على
بطونهم وظهورهم فلا يشكل عليهم حكم " فهو إشارة إلى التعليمات
المهدوية الجديدة ، كما سوف نشير.
صفحة (501)
وكذلك الرواية التي تعدد من
أصحاب القائم : يوشع بن نون وسلمان ومالك الأشتر وغيرهم .فإنهم
إن اردتهم بأشخاصهم ، فمن المعلوم أنهم ناجزون علماً وعملاً
ولهم تاريخ إيماني ناصع قبل الظهور .وإن اردت الرواية أن اصحاب
القائم المهدي يشبهون بهؤلاء في صفاتهم الرئيسية ، فمن الواضح
أن كونهم ناجزين في لعلم والعمل من أهم هذه الصفات .
وكذلك خطبة البيان حين تصف
عدداً منهم بكونهم : العارفين إقامة العائم أو كونهم رجالاً
أتقياء ابراراً ، أو كون الفرد منهم نقياً من العيوب .فإنه
واضح أن اتصافهم بذلك ثابت لهم في انفسهم قبل حصول الظهور.
إذ، فالروايات لاقصور فيها عن
الدلالة عن هذه الأطروحة.
الوجه الثاني : أنه ليس من
الصحيح القول:بأنه يمكن أن يوجد التمحيص العالي والإخلاص
الكبير، بدون ثقافة عالية تتناسب معه ،إذ من الجهل يكون الفرد
معرضاً لكل فظيعة من دون أن يعلم، فيخلّ فعله بإخلاص هو يعتبر
ذلك منه فشلاً في الإمتحان.
و بكلمة أوضح: إن رد الفعل
الصحيح العادل تجاه الوقائع المختلفة ، الذي هو معنى النجاح
في التمحيص ، لا يكون إلا مع معرفة ماهية رد الفعل هذا .
وهذه المعرفة تتوقف على العلم
، بل هي نفس العلم ،وكلما كان المتوقع من الفرد ردود فعل أصلح
وأعلى ، كان العلم المطلوب منه اوسع وأعمق .
ومعه يكون الأفراد العالين في
التمحيص ، الذين هم "خير فوارس على وجه الأرض" هم أعلم أهل
الأرض بالشريعة وأطلع الناس على دقائقها.
الوجه الثالث: أنه لاشك في
وجود الفقهاء المحققين في علوم الشريعة والعلماء المطلعين على
دقائقها في عصر ما قبل الظهور بأعداد غير قليلة ،ولا يمكن
القول – بطبيعة الحال - بأن جميعهم من الفاشلين في التمحيص
الإلهي ،بل أننا إن لم نقل بأن جميعهم من الناجحين الممحصين ،
فلا أقل من أن عدداً منهم كذلك ،فإن دقة العلم والثقافة
الدينية مساوقة عادة مع الإخلاص والمحافظة على السلوك العادل
ولا صفاء في النية، وبالتالي مع النجاح في التمحيص ،ما لم يكن
الفرد متمرساً في الإجرام ومتوحشاً في الضمير.
وأما ما نجده الآن من ضعف
الفقهاء الإسلاميين بالنسبة إلى القوى العالمية وانصرافهم
الظاهري عن الخوض في الأمور العامة ،فهو ناشىء من مقدار
إمكانياتهم ، وشعورهم بقلة تكليفهم الإسلامي من هذه الناحية
.وسترتفع هذه الصفة عنهم بعد الظهور، بطبيعة الحال ،وسيتبعون
في سلوكهم الجدي هدي الإمام المهدي وامره واهدافه ،وبالتاي
يصلحون لأن يكونوا عدداً من المخلصين من أصحابه .
صفحة (502)
الوجه الرابع : أننا برهنا في
هذا التاريخ وما سبقه ، على تطور الفكر الإسلامي خلال العصر
الطويل السابق على الظهور ، تطوراً يؤهل الأمة خاصة والبسرية
عامة لفهم القوانين والمفاهيم الجديدة التي يعلنها المهدي في
دولته العالمية بعد الظهور...... التي يكون من الضروري إعلانها
من أجل اكتساب(الأطروحة العادلة الكاملة) صفة العدل المطلق
الذي يمكنه أن يعم العالم بالسعادة والرفاه ويسير به نحو
الكمال.
ومن الواضح أن الفرد كلما كان
أكثر إخلاصاً للإسلام وأشد تطبيقاً للعدل على حياته ، سيكون
أحرص على فهمه واستيعابه ،ومواكبة آخر اشكال تطوره.وخاصة إذا
كان احتمل أنه سيكون له مشاركة حسنة بشكل وآخر في الدولة
المهدوية ،ولو كفرد اعتيادي عليه أن يفهم القوانين ويستوعب
المفاهيم الجديدة المعلنة يومئذ ... فضلاً عما إذا شرف بإعطاء
بعض درجات المسؤولية في تلك الدولة.
إذاً فالخاصة الثلاثمائة
والثلاثة عشر، هم بكل تأكيد من مواكبي وقارئي أعلى تطورات
الفكر الإسلامي ..إن لم يكن العديد منهم ، من صانعي الفكر
المتطور والمشاركين في إيجاده ،ونفس هذه الصفة تنطبق بدرجة
أضعف على المخلصين من الدرجة الثانية ، غير أن القارئين
المواكبين أوسع بكثير من المشاركين في التطوير.
إذاً ، فالأطروحة الثانية
صحيحة ، لصحة الوجوه الأربعة الدالة عليها جميعاً غير أن هذه
الوجوه تثبت الإستيعاب النظري لتفاصيل الفكر الإسلامي . ولا
تثبت وجود الممارسة الفعلية للحكم أو القضاء من قبلهم خلال
العصر السابق على الظهور.
هذا ، مع العلم أن الممارسة
الفعلية ليس لها دخل مهم في نجاح الفرد .في مهمته ، إذا كان
مستوعباً لها نظرياً ،وعارفاً بطبيعة مجتمعه الذي أوكلت له
قيادته .وخاصة مع الإلتفات إلى أن ذلك لو كان لازماً لكان لا
بد لكل موظف أو حاكم أو قاض أن يكون متمرناً قبل ذلك. وهذه
قضية (متناقضة) لأن كل حاكم وقاض لا بد أن يكون غير متمرن عند
أول استلامه لمهمته وإلا لما أمكن الحصول على أي حاكم أو قاض
عل الإطلاق.
وهذه الوجوه – أيضاً- تثبت
إطلاع هؤلاء على الفكر الإسلامي السابق ، وأما التوجيهات
المهدوية والقوانين الجديدة ، فهي تبقى محل حاجتهم بطبيعة
الحال ، وهذا ما سنبحثه في الأطروحة الثالة .
صفحة (503)
الأطروحة الثالثة : إن
المخلصين يتلقون ثقافتهم من الإمام المهدي (ع) ، على أحد
مستويات محتملة ، بعد غض النظرعن تلقيهم الإعجازي منه (ع) ،
الذي ناقشناه في الأطرحة الأولى :
المستوى الأول: إن المخلصين
يتلقون ثقافتهم المعمقة التي تؤهلهم لتولي أعلى المناصب في
دولة العدل العالمية ، من المهدي نفسه ، قبل ظهوره.
وذلك ،انطلاقاً من الفكرة التي
سبق ان ذكرناها ، وهي ان المهدي لا يحتجب عن خاصته ،وأنهم
يعرفونه بحقيقته في عصر غيبته ،وليس بين الفرد وبلوغه هذه
المرتبة إلا أن يصبح من المخلصين الممحصين المبرئين من الذنوب
والعيوب ،وقد دلت الأخبار على ان سبب احتجاب المهدي (ع) وغيبته
إنما هو ذنوب الناس وانحرافهم ، فمع ارتفاع هذه الصفة الرديئة
عن بعض الأفراد يكون سبب الغيبة مرتفعاً فيه ،ومعناه أنه سوف
يرى المهدي (ع) بالرغم من احتجابه عن الآخرين .
ومعنى ذلك أن الجماعة المتصفين
بالدرجة الأولى من الإخلاص كلهم يتشرفون بلقائه وسماع كلامه
وتوجيهاته حال غيابه.
وهذا المستوى الأول : للأطروحة
، لطيف ومحتمل الصحة لو أخذنا بالفهم الإمامي لفكرة المهدي إلا
أنه غير قابل للإثبات .
المستوى االثاني: أن المخلصين
يتلقون كل ثقافتهم أو جلها بتعليم من قائدهم المهدي بعد ظهوره
، سواء في ذلك المستوى الفكر االعام والتعاليم الجديدة.
وأحسن ما يقال في هذا المستوى
: أنه أمر مستأنف بالنسبة إلى المستوى الفكري العام الممكن
اكتسابه طبقاً للأطرحة الثانية.
المستوى الثالث: إن المخلصين
يتلقون تعاليم وثقافات جديدة من الإمام المهدي ،فوق مستواهم
الفكري السابق ، قل ذهابهم إلى مناطق حكمهم تمهيداً لتمكينهم
الكامل من الحكم العادل والقضاء الفاصل .
وهذا المستوى ضروري الصحة ،
بعد وضوح عدم مساعدة الفكر الاسبق بالرغم من عمقه وشموله ، على
انجاز الأهداف المهدوية العالمية.
صفحة (504)
وهذه هو الذي أشارت إل