الجهة الثانية : أنه كيف
ينسجم عنصر المفاجأة مع ما عرفناه من جعل العلامات القريبة
للظهور كالنداء و الخسف وغيرها .فإنه يجعل الظهور مترقباً ليس
فيه مفاجأة على الإطلاق .
والجواب على ذلك :أننا قلنا أن
هذه العلائم إنما جعلت ، لتكون تنبيهاً للمخلصين الممحصين خاصة
و للمؤمنين بالمهدي (ع) عامة ...إلى قرب الظهور . ومن هنا لا
يكون عنصر المفاجأة بالمعنى الكامل ثابتاً بالنسبة اليهم
بل لا معنى لسريانه عليهم
عندئذ ، لضرورة اجتماعهم إلى المهدي (ع) عند ظهوره . وهذا
يستدعي انتباههم إليه قبل الظهور ولا معنى لغفلتهم أو
مباغتتهم .
صفحة (373)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر الأعراف : 7/ 178
والمباغتة لا تكون تجاه
الأصدقاء، وإنما هي خطة ضذ الأعداء . وقد قلنا أكثر من مرة أن
الأعداء لا يلتفتون إلى هذه العلامات ، ولايعتبرونها دالة على
شيء أصلاً .إذن فهم على الدوام غير متوقعين للظهور على الإطلاق
ومعه فيكون الظهور بالنسبة إليهم مفاجأة كاملة ، كما هو
المطلوب.
الضمان الثاني : لإنتصار
المهدي (ع) : كونه منصوراً بالرعب ... وينبغي أن يقع الحديث عن
ذلك في عدة جهات:
الجهة الأولى : في الروايات
الدالة على ذلك . وهي عديدة ، نذكر عدداً من نماذجها :
اخرج النعماني(1) عن أبي حمزة
الثمالي ، قال : سمعت أبا جعفر محمد بن علي (ع) يقول :
لو قد خرج قائم آل محمد (ع)
.... إلى أن قال : والرعب مسيرة أمامه .وفي نسخة : يسير سيرة
امامه .
وعن(2) هشام بن سالم عن أبي
عبد الله (ع) أنه قال :
بينا الرجل على رأس القائم
يأمر وينهى ، إذ يأمر بضرب عنقه .فلا يبقى بين الخافقين إلا
خافه .
وعن(3) عبد الرحمن بن كثير عن
أبي عبد الله (ع) – في حديث – يذكر راية القائم المهدي (ع) -
....إلى أن قال فإذا هو قام نشرها ... وقال يسير الرعب قدامها
شهراً ، ووراءها شهراً ، وعن يمينها شهراً وعن يسارها شهراً .
ثم قال :يا أبا محمد . انه يخرج موتوراً غضبان أسفاً ، لغضب
الله على هذا الخلق ... الحديث.
صفحة (374)
ـــــــــــــــــ
(1) الغيبة للنعماني : ص122.
(2) المصدر ص126.
(3) المصدر ص128.
(4) المصدر ص165.
وأخرج الصدوق في إكمال
الدين(1) والطبرسي في أعلام الورى (2) عن محمد بن مسلم القفي
قال :
سمعت أبا جعفر محمد بن علي
الباقر (ع) يقول : القائم منا ، منصور بالرعب . مؤيد بالنصر
... الحديث .
وقد سبق أن سمعنا لأصحاب
القائم (ع) نفس هذه الصفة ، كالذي أخرجه المجلسي في البحار(3)
عن أبي عبد الله (ع) . في حديث -: إذا ساروا سار الرعب أمامهم
مسيرة شهر .
الجهة الثانية :الرعب لغة هو
الخوف ، ويفهم منه عادة الخوف الشديد إذا كان بدرجة لا يمكن
كتمه .
ومعه يكون المقصود من كون
المهدي (ع) منصوراً بالرعب انهدام معنويات أعدائه واندثار
هممهم للوقوف تجاهه ، وخوفهم من جيشه الصلب الصامد .
والمقصود من مسيرة الرعب
شهراً، أن البلاد الواقعة على بعد شهر من موقع جيشه ، تخافه
وتصبح مذعورة منه . والمراد ببعد الشهر : المسافة التي يحتاج
المسافر في قطعها إلى شهر من الزمن .
فإذا فهمنا هذه المسافة بالفهم
القديم المناسب مع زمن صدور هذه الأخبار وما كان يفهمه المجتمع
يومئذ ، وهو السفر على ظهور الحيوانات كالإبل والجياد . فيكون
معنى مسير الرعب شهراً : أن البلاد التي تبتعد شهراً من موقع
الجيش المهدوي في السفر بوسائط النقل القديمة ، تصبح مرعوبة
منه .
وهذا أمر طبيعي، لأن مثل هذه
البلاد ستكون مجاورة له بالمفهوم الثابت ، ويمكن الوصول إليها
بالوسائل الحديثة في عدة ساعات ، بل في أقل من ساعة بل يمكن
ضربها .
صفحة (375)
ـــــــــــــــــ
(1) إكمال الدين ( المخطوط )
(2) ص433 (3) ج3 / 180
بالسلاح البعيد المدى في لحظات
. فإذا كان الجيش المهدوي قوياً مرهوب الجانب كان من الطبيعي
أن تكون هذه المناطق مرعوبة منه .
وإذا فهمنا هذه المسافة بالفهم
الحديث ، كانت - في حقيقتها – مستوعبة للكرة الأرضية كلها ...
لوضوح إمكان الدوران حولها بطائرات السفر الإعتيادية ، في أقل
من شهر بكثير ، فضلاً عن وسائط النقل الحربية الحديثة والأسلحة
والصواريخ المتطورة .
ومعه يكون المراد: أن كل أعداء
الإمام المهدي (ع) على وجه الأرض يكونون في حالة رعب شامل وخوف
دائم من مهاجمة المهدي لهم .
وسيكون هذا الرعب ، مهما كانت
أبعاده ، ضماناً أكيداً لنجاح الجيش المهدوي وانتصاره وهو أمر
واضح عسكرياً . غير أن الخطط العسكرية الحديثة لا تستطيع
إيجاده في الأعداء .إلا أن المهدي (ع) سوف تتوفر له الأسباب
المتعددة لتنمية هذا الرعب في نفوس أعدائه ، على ما سنسمع ،
بصفته القائد الأعظم المنقذ للهدف الإلهي الكبير .
ومعنى (مسير) الرعب بين يدي
الجيش المهدوي أو أمامه ، تقدمه بتقدم هذه الجيش . وهذا يؤكد
فهم المسافة بالفهم القديم الذي عرضناه ، فإذا كان الرعب
متقدماً على الجيش بخمسمائة كيلو متر مثلاً ، وتقدم الجيش مائة
سار الرعب أمامه مائة ، فشمل مناطق كانت مطمئنة فيما سبق
....وهكذا ...حتى تدخل كل مناطق العالم تحت الحكم المهدوي .
الجهة الثالثة : في أسباب
الرعب ، ومبررات وجوده في نفوس اعداء الإمام المهدي (ع ) .
وينبغي لنا منذ البدء ان نحدد
موقفنا من احتمال وجود الرعي بسبب إعجازي ....
فإنه غير صحيح تماماً
....لمنافاته لقانون المعجزات ، وعدم دلالة الرواية عليه .
أما منافاته لقانون المعجزات ،
فلأننا عرفنا : أن المعجزة لا تقع إلا إذا كانت طريقاً منحصراً
للهداية أو اتمام الحجة ، وهذا الرعب واقع في طريق الهداية ،
لكونه أحد أسباب انتصار المهدي (ع) الذي يكون سبباً لهداية
العالم وتنفيذ الغرض الإلهي الكبير . ولكن المعجزة ليست سبباً
منحصراً في إيجاده ، بعدما سنعرفه من أسبابه الإعتيادية .
أما عدم دلالة الروايات ،
فلوضوح أنه لم يرد في أي خبر منه أي إشعار بذلك. ومسير الرعب
شهراً – كما أشارت الروايات – لا يدل على الإعجاز ، بعد الذي
فهمناه من المنحى المجازي لهذا التعبير البليغ .
صفحة (376)
وإنما يكمن السر الأساسي في
وجود هذا الرعب ، هو أنه سرعان ما تنتشر في العالم عن المهدي
وجيشه وأصحابه خصائص معينة ، يخشى الناس من استعمالها ضدهم
...وهو أمر مؤكد لو جابهوه ، ومن هنا يحملهم الرعب والفزع على
أن يتركوا مجابهته جهد الإمكان . وكثير منهم سوف يسلم له زمام
الحكم بدون قتال.
وهذه الخصائص منها ما يعود إلى
نفس المهدي ومنها ما يعود إلى جيشه .
فمن الخصائص التي تعود على
المهدي ، أنه قادر على عدد من الإنجازات ، باعتبار علمه بخصائص
الأمور والتاريخ البشري ككل . ذلك العلم الناتج عن قابلياته
الخاصة التي اكتسبها حال غيبته ، أو عن علم الإمامة من حبث
أثبتنا أن الإمام إذا أراد أن يعلم شيئاً أعلمه الله تعالى ذلك
.وقد بحثناه مفصلاً في تاريخ الغيبة الكبرى(1) فراجع.
ومن هنا يكون قادراً على فضح
اي حاكم دول العالم بما يأبى ذلك الحاكم كشفه عنه ، ويعتبره
سراً مكتوماً لنفسه أو للدولة .وليس في العالم حاكم لا يفضحه
كشف سره ، على مدى التاريخ السابق على الظهور .
كما أنه يكون قادراً على إيقاع
الخلاف والمنافرة بين أعضاء الحكومة بأن يخبر بعضها بما لم
يطلع عليه من أعمال البعض الاخر .
بل قد يكون مجرد وجود المهدي
(ع) وبدئه بحركته ، موجباً لإنقسام كثير من الحكومات انقساماً
داخلياً بين مؤيد للمهدي (ع) ومحارب له ومتحير في شأنه ومجامل
له .
ونفس وقوع هذا الإختلاف يكون
في مصلحة انتصار المهدي (ع) .
كما أن المهدي (ع) يكون
قادراً على معرفة مواقع الأسلحة والذخائر والمعامل الحربية .
ونقاط الضعف من تحركات العدو . بشكل لا يمكن أن يطلع عليها
غيره إلا بأصعب الطرق وأطول الأزمان .وقد ياخذ الخبر من
الإستخبارات الحديثة أو الأخبار الصحفية ، فيفهم منها ما لا
يمكن لغيره أن يفهمه .
ويكفي في مثل ذلك ، أن تفهم
الدول أن المهدي واجه بعض الحكومات بمثل هذه الطرق ....أن
تمتلىء رعباً وفزعاً وتنهار معنوياتها انهياراً تاماً ، بمجرد
أن تعرف منه التفكير في غزوها.
صفحة (377)
ـــــــــــــــــ
(1) ص515 وما بعدها .
كما أننا بعد أن نعرف - فقهياً
-: أن الدين الإسلامي لا يجيز البدء بالقتال ، قبل الدعوة إلى
الإسلام ،وإرشاد المعسكر الآخر إلى العقائد الإسلامية والعدل
الإسلامي، وإيضاح ذلك في أذهانهم . وهذا ما يعمله الإمام (ع)
في كل غزو يقصده ، مضافاً إلى أساليبه العامة في عرض الأطروحة
العادلة الكاملة على العالم ككل ، وهي اساليب واضحة وصريحة
وواسعة الإنتشار .
ومعه ستكون فكرته مقنعة
للآخرين من الشعوب المعادية ، فيكتسب فيها قواعد شعبية عسكرية
واسعة ، ولا يكون الفرد منهم على استعداد لمواجهة المهدي وجيشه
بالقتال على أقل تقدير .
ومعه ستضطر حكومة تلك البلاد ،
مهما كانت عازمة على الحرب والصمود ، إلى التنازل والمسالمة ،
لأن الحاكم يكون في مثل ذلك كالأعزل ، لا حول له ولا قوة .
وتدريجياً ، وبالتدريج السريع
نسبياً ، سيتضح للدول الكافرة ، بأن المستقبل العالمي بيد
المهدي (ع) على أي حال ، كحقيقة لا يمكن الفرار منها ، أو –
على الأقل - وجود النظام المهدوي كدولة كبرى يصعب جداً
مجابهتها ومنافرتها . بل من الأفضل مجاملتها والتزلف لديها
.وهذا وذاك . مما يدفع الأفراد والدول على حد سواء إلى
التسليم بالمهدي (ع) وعدم مجابهته بالقتال .
فهذا عدد من الخصائص التي يتصف
بها المهدي (ع) مما توجب الرعب لمن يحاربه .ومقتضى ذلك : أن
الرعب يتولد تدريجياً عند البدء بغزو العالم . لأ من أول
الظهور ، وهذا هو ظاهر الروايات أيضاً .
وأما خصائص اصحابه . فأمران
رئيسيان :
الأمر الأول : قوة اندفاعهم
وحماسهم في إطاعة أوامر قائدهم وتطبيق خططه. تلك القوة الناتجة
من علو إيمانهم وصلابة إرادتهم وارتفاع معنوياتهم ووعيهم
للهدف الذي يسعون إليه .
وليس هناك أي واحد من القادة
أو الحكام في الدول ، يجهل هذه الحقيقة التي قلناها فيما سبق ،
وهي أن الجيش المؤمن الواعي ذو المعنويات العالية هو المنتصر
دائماً. وكل القادة والحكام سيعلمون ، وبسرعة بصفة جيش المهدي
من هذه الناحية .وهم يعلمون صفة جيوشهم من ناحية ثانية .فإنها
وإن كانت مسلحة تسليحاً كاملاً ومدربة تدريباً عالياً إلا أنها
لا تقوم في أساسها على الإخلاص ووعي الهدف ، بل تقوم على اسباب
أخرى كالتجنيد الإجباري أو الطمع بالرواتب الضخمة وغير ذلك
...وهو مما لا يساعد بحال وجوده الإندفاع و الحماس في الجيش في
ميدان القتال .
صفحة (378)
وهذه الحقائق التي يعرفها
حكام العالم . تجعلهم يفكرون طويلاً ، قبل التورط بمنازلة
المهدي بقتال .
الأمر الثاني: كثرة قيامهم
بقتل أعدائهم بشكل غليظ لا هوادة فيه . كما سنسمع مفصلاً في
الفصل الآتي ، الأمر الذي يولد انطباعاً واضحاً لدى الآخرين ،
بأنهم أشداء غلاظ بالنسبة إلى أعدائهم ، الأمر الذي يولد الرعب
ويسبب إعادة التفكير فيما إذا كانت مجابهتهم بالقتال يحتوي على
مصلحة ام لا .
الضمان الثالث : انطلاقة من
زاوية متفق عليها بين المذاهب السلامية ، بل متفق عليها بشكل
أوسع من ذلك
وانطلاقة من مثل هذه الزاوية ،
أمر أساسي في تهيئة الجو العام إلى جانبه واكتساب القواعد
الشعبية الموالية، وخاصة في أول دور حركته وثورته . حتى يستطيع
أن ينطلق من هذا المنطلق العام إلى ما يريد تأسيسه من العدل
والحق ، وما يجيء به من كتاب جديد وقضاء جديد ، على ما سنسمع .
وسيكون انطلاقه من زاوية متفق
عليها ، متمثلاً من عدة مستويات :
المستوى الأول: الخطاب الذي
يلقيه المهدي في المسجد الحرام في أول ظهوره .فإننا رأينا انه
يؤكد – في الأغلب – على الأمور المشتركة المعلومة الصحة عند
سائر المسلمين ، وهي الإعتراف بالإسلام وبما سبقه من الشرائع
منطلقاً منه إلى ربط حركته ودعوته بخط الأنبياء الطويل .
مشيراً إلى نتائج الظلم التي تطرف إليها المتطرفون نتيجة للفشل
في التمحيص .
وهناك روايات ناقلة لخطبة
الإمام ولا تعرض فيها إلى ذكر الظلم السائد ، الأمر الذي
يجعلها أكثر تركيزاً على المفاهيم المتسالم عليها في الإسلام ،
بحيث تشمل تلك القاصرة التي لا تدرك بشاعة الظلم ومنافاته
لتعاليم الإسلام .
أخرج السيوطي(1) عن نعيم بن
حماد عن أبي جعفر ، قال: يظهر المهدي بمكة عند العشاء ومعه
راية رسول الله (ص) وقميصه وسيفه ، وعلامات نور وبيان .
صفحة (379)
ـــــــــــــــــ
(1) ج2 ص 144
فإذا صلى العشاء نادى بأعلى
صوته يقول : أذكركم أيها الناس ومقامكم بين يدي ربكم . فقد
اتخذ الحجر وبعث الأنبياء وأنزل الكتاب ، وأمركم أن لا تشركوا
به شيئاً ، وأن تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله (ص) ، وأن
تحيوا ما أحيا القرآن وتميتوا ما أمات ، وتكونوا أعواناً على
الهدى ، ووزراء على التقوى .فإن الدنيا قددنا فناؤها وزوالها ،
وآذنت بانصرام ، فإني أدعوكم إلى الله ورسوله، والعمل بكتابه .
وإماتة الباطل ، وإحياء سنته .فيظهر في ثلاثمائة و ثلاثة عشر
رجلاً عدد أهل بدر ... الحديث
ورواها الصافي في منتخب
الأثر(2) بشيء من الإختلاف .أهمه : في أولها : وقد أكد المحجة
وبعث الأنبياء .وفي آخرها :وإماتة الباطل وإحياء السنة .وهو
أفضل من نسخة الحاوي ، لعل فيه خطأ مطبعياً .
المستوى الثاني : اتخاذ الجيش
المهدوي شعار رسول الله (ص) الذي أخذه لجيشه ، كما سبق أن
عرفنا .
ولئن لم يكن الشعار النبوي
معروفاً لدى عامة المسلمين ، فهو معروف على أي حال بين
علمائهم ومفكريهم المخلصين منهم ، فيمكنهم أن يعرفوا وأن
يعرفوا الآخرين : أن هؤلاء القوم قد ساروا على شعار النبي (ص)،
إذن فهم مع النبي حتى في شعار حربه ، وممثلون له في خصائصه
وهدفه .
المستوى الثالث : مطالبته بثأر
الحسين(ع). فإنه أمر متسالم على صحته بين المسلمين . بل بين كل
المظلومين وهم أكثر البشرية في عصر الظلم والإنحراف .
وقد سمعنا الروايات الدالة على
ذلك ، وكانت كلها مروية عن طرق الخاصة ،وأود الآن أن أروي عن
بعض المصادر العامة رواية تمت إلى ذلك بصلة .
أخرج القندوزي في الينابيع(2)
عن عبد السلام بن صالح الهروي . قال : قلت لعلي الرضا بن موسى
الكاظم رضي الله عنهما : يا ابن رسول الله ، ماتقول في حديث
روي عن جدك جعفر الصادق رضي الله عنه ، أنه قال:
إذا قام قائمنا المهدي . قتل
ذراري قتلة الحسين رضي الله عنه بفعال آبائهم . فقال: هو ذلك .
صفحة (380)
ـــــــــــــــــ
(1) ص490
(2) ينابيع المودة ص509 ط
النجف
قلت : فقول الله عز وجل : لا
تزروا وازرة وزر أخرى ، ما معناه ؟
فقال : صدق الله في جميع
أقواله، لكن ذراري قتلة الحسين رضي الله عنه يرضون ويفتخرون
بفعال آبائهم. ومن رضي شيئا كمن فعله .ولو أن رجلاً قتل في
المشرق فرضي أن يقتله رجل في المغرب لكان شريك القاتل .
وليس المراد بالثأر مجرد
الإنتقام ،كما كان عليه ديدن العرب في الجاهلية وبقي عليه
المنحرفون الوارثون لتلك العادات إلى الآن . بل المراد أمران
مزدوجان .
الأمر الأول : تطبيق الهدف
الذي أراده الحسين (ع) ، فيضمن ماأراده من أهداف. وهو إزالة
الظلم عن الأرض وتطهيرها من الفساد ، والسير نحو المثل الأعلى
العادل .
الأمر الثاني: قتل كل راض
بمقتل الحسين (ع) وطاعن في ثورته ،فإن الراضي بذلك يمثل في
حقيقته ذلك الإنحراف والظلم الذي ثار عليه الحسين (ع) ،وأراد
فضحه أمام الرأي العام ، وسيثور عليه المهدي (ع) ويستأصله عن
وجه الأرض .فمن الطبيعي أن يستأصل المهدي أمثال هؤلاء
المنحرفين وتمكيناً وتهيئة للمجتمع العادل الكامل ، كما سنوضح
.
لا يختلف في ذلك بين أن يكونوا
من ذرية قتلة الحسين فعلاً أم من غيرهم ، فإن القاعدة الأساسية
في ذلك هو : أن الراضي بالشيء كفاعله "ولو أن رجلاً قتل في
المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان شريك القاتل" لا يؤثر
في ذلك افتراق المكان واختلاف الزمان ..
وإنما نصت هذه الرواية على
الذرية ، باعتبار أن الغالب في الذرية المنحرفة هو الإفتخار
بما اجترح الآباء من مظالم وارتكبوا من مآثم وهدروا من دماء
.ونصت أيضاً على القاعدة العامة التي يمكن باعتبارها التعميم
من الذرية إلى غيرهم . بل القول اليقين ، بأنه لو كان في
الذرية من هو مؤمن يستنكر فعل آبائه ، لم يكن مشمولاً للقتل من
هذه الجهة .
هذا وينبغي أن ثورة الإمام
الحسين (ع) ، وإن كانت واقعة وفي ضمن التخطيط العام لعصر ما
قبل الظهور ، وليس مستنداً إلى التخطيط السابق ، إلا باعتبار
حدوث سببه فيه .ومن هنا جعلناه في الضمانات التي لا تترتب على
ذلك التخطيط .
صفحة (381)
الضمان الرابع : من ضمانات
انتصار الإمام المهدي (ع) مما لا يترتب على التخطيط العام
السابق على الظهور : معونة الملائكة له وقتالهم معه .
الجهة الاولى : في إيراد
الأخبار الدالة على ذلك ،وهي عديدة نذكر أهمها :
أخرج الكنجي في البيان(1)
بإسناده عن الهيثم بن عبد الرحمن عن علي بن أبي طالب (ع) – في
حديث عن المهدي (ع) يقول فيه - : يمده الله بثلاثة آلاف من
الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم .
قال الكنجي : رواه الطبراني في
معجمه ، وأخرجه أبو نعيم في مناقب المهدي (ع) .
وقال القندوزي في الينابيع(2)
نقلاً عن إسعاف الراغبين للصبان قوله :
وجاء في روايات عدة أنه عند
ظهوره ينادي فوق رأس ملك : هذا خليفة الله فاتبعوه ... وإن
الله تعالى يمده بثلاثة الآف من الملائكة .... وإن جبريل على
مقدمة جيشه وميكائيل على ساقته ... الحديث .
وأخرج ابن قولوية في كامل
الزيارات(3) بإسناده عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (ع) قال
:
كأني بالقائم على نجف الكوفة
... إلى أن يقول : فينحط عليه ثلاث عشر ألف ملك وثلاثمائة
وثلاثة عشر ملكاً . قلت : كل هؤلاء الملائكة ؟ قال : نعم ،
الذين كانوا مع نوح في السفينة ، والذين كانوا مع ابراهيم حين
ألقي في النار ، والذين كانوا مع موسى حين فلق البحر لبني
اسرائيل ، والذين كانوا مع عيسى حين رفعه الله إليه . وأربعة
الآف ملك مع النبي (ص) مسومين ، وألف مردفين ، وثلاثمائة
وثلاثة عشر ملائكة بدريين .وأربعة الآف هبطوا يريدون القتال مع
الحسين (ع) فلم يؤذن لهم في القتال ....وكل هؤلاء في الأرض
ينتظرون قيام القائم (ع) إلى وقت خروجه عليه صلوات الله
والسلام .
صفحة (381)
ـــــــــــــــــ
(1) ص96.
(2) ص563.
(3) ص120.
وأخرجه النعماني في الغيبة
(1)، مع شيء من الإختلاف.
وأخرج النعماني أيضاً عن إبان
بن تغلب ، قال : سمعت أبا عبد الله (ع) يقول :
كأني أنظر إلى القائم على نجف
الكوفة ... ويستمر في الحديث فيذكر أن راية رسول الله (ص)
يأتيه بها جبريل ، ثم يقول - : يهبط بها تسعة الآف ملك
،وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكاً .فقد جعلت فداك .كل هؤلاء معه ؟
قال: نعم .هم الذين كانوا مع نوح في السفينة ،والذين كانوا مع
ابراهيم حيث ألقي في النار ، وهم الذين كانوا مع موسى لما فلق
له البحر والذين كانوا مع عيسى لما رفعه الله إليه ، وأربعة
الآف مسومين كانوا مع رسول الله (ص). وثلاثمائة وثلاثة عشر
ملكاً كانوا معه يوم بدر ومعهم اربعة الآف يصعدون (صعدوا)
إلى السماء يستأمرون في القتال مع الحسين (ع) ، فهبطوا إلى
الأرض وقد قتل .فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة
.وهم ينتظرون خروج القائم (ع) .
وأخرج أيضاً (1) بسنده عن أبي
حمزة الثمالي ، قال : سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول:
لو قد خرج قائم آل محمد لنصرة
الله بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين ،
يكون جبرئيل أمامه وميكائيل عن يمينه وإسرافيل عن يساره .
والرعب مسيرة أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله و الملائكة
المقربون حذاه ... الحديث .
صفحة (383)
ـــــــــــــــــ
(1) ص166 وما بعدها .
(2) ص166.
(3) ص122.
وأخرج أيضاً (1) بإسناده عن
عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (ع) ، - في حديث يقول فيه
– :
يؤيده بثلاثة أجناد :
بالملائكة و بالمؤمنين و بالرعب ... الحديث .
وأخرج الطبرسي في الإعلام(2)
عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر الباقر(ع) : كأني بالقائم على
نجف الكوفة ، وقد سار إليها من مكة . في خمسة آلاف من الملائكة
، جبرئيل عن يمينه ، ميكائيل عن شماله ، والمؤمنون بين يديه ،
وهو يفرق الجنود في الأمصار .
إلى غير ذلك من الأخبار ، هذا
وقد سبق أن سمعنا أن جبرئيل (ع ) أول من يبايعه بعد الإنتهاء
من خطبته في المسجد الحرام .
أقول : الملائكة المسومون ،
هم المذكورون في قوله تعالى:
" بلى إن تصبروا وتتقوا ،
ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة الاف من الملائكة
مسومين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به .وما
النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ".(3)
والملائكة المردفون هم
المذكورون بقوله تعالى :
" اذ تستغيثون ربكم ، فاستجاب
لكم إن يممدكم بألف من الملائكة مردفين .وما جعله الله إلا
بشرى ، ولتطمئن به قلوبكم .وما النصر إلا من عند الله .إن الله
عزيز حكيم "(4).
والملائكة المنزلون هم
المذكورون في قوله تعالى :
" إذ تقول للمؤمنين : ألن
يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة الآف من الملائكة منزلين "(5).
صفحة (384)
ـــــــــــــــــ
(1) ص128. (2) ص430.
(3) آل عمران : 3/ 125-126.
(4) الأنفال : 8/9-10.
(5) آل عمران : 124.
والملائكة المقربون في قوله
تعالى : " لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة
المقربون"(1) .
والظاهر أنها صفة عامة
للملائكة .
والملائكة الكروبيون ، غير
مذكورين في القرآن الكريم ، لكنهم ذكروا في السنة الشريفة في
كثير من الأخبار والأدعية .قيل عنهم في المصادر اللغوية : سادة
الملائكة أو المقربون منهم .عبرانيتها : كروبيم جمع كروب.
ومعناها : حافظ أو حارس أو مقرب(2) .
والملائكة البدريون ، هم الذين
أعانوا الجيش الإسلامي النبوي في وقعة بدر .ويبدو من هذه
الروايات أنهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد الجيش نفسه .
والملائكة الأربعة : جبريل
وميكائيل واسرافيل وعزرائيل ، هم سادة الملائكة .... وقيل هم
أدنى من (الروح) المذكورة في قوله تعالى :
" تنزل الملائكة والروح فيها
(3)
فالفرد منهم أحد أربعة أو خمسة
، لايضارعهم غيرهم من الملائكة .
الجهة الثانية : في فلسفة هذه
الأخبار .
أننا إذا تكلمنا من ناحية
عقائدية غير فلسفية ، نجد أن معونة الملائكة للجيش المجاهد ،
يعني إعطاء التأييد الألهي غير القسري لهذا الجيش ، بإدخال
عوامل ميتافيزيقية في الحرب لأجل الحصول على نتائج أفضل .
وذلك : حين تكون الحرب جهادية
ومطابقة للحق ومرضية لله عز وجل ، فإنه عز وعلا مشيئته الأزلية
بانتصار الحق على الباطل . المفهوم من قوله تعالى :
"كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ،
إن الله قوي عزيز "(4)
فإنه لا محالة يسبغ على الجيش
الممثل لطرف الحق لطفه وعطفه ويساعده بتوفير عناصر الإنتصار له
.... يكون منها : أنه يرسل قسماً من الملائكة لنصر المؤمنين
،وهم (عناصر) ميتافيزيقية غير منظورة .... عناصر لا تكون إلا
إلى جنب الحق والعدل .
صفحة (385)
ـــــــــــــــــ
(1) 4/ 172.
(2) انظر أقرب الموارد ، كادة
كرب .
(3) القدر : 97/4.
(4) 58 / 21.
وبمجرد أن تنحرف الأمة ، فإنها
تحرم بالضرورة من هذه العناصر الطاهرة قال الله تعالى :
" وما أنزلنا على قومه من بعده
من جند من السماء وما كنا منزلين "(1)
وهذه العناصر ليست غريبة عن
الإمام المهدي(ع) بعد أن كانت قد وجدت للنبي (ص) والأنبياء
السابقين عليه ، كما يفهم من الآية الأخيرة وهذه الروايات .
كيف وإن ثورة المهدي (ع) هي نتيجة جهود كل هؤلاء الأنبياء وكل
الأولياء والصالحين والمطبقة للهدف الأسمى من خلق البشرية على
وجه الأرض . فقد تكون أولى بالنصر والإمداد من أي دعوة أخرى
سابقة عليها .
أما الأسلوب الذي تتخذه هذه
العناصر الميتافيزيقية ، في التأييد والنصر، فهو مما لا يمكن
التعرف عليه ، لوضوح أنها عوامل غير منظورة ، فمن الطبيعي أن
يكون اسلوب تأثيرها غير منظور أيضاً ، أو غير ثابت تاريخياً
على الأقل .وقد وردت بعض الروايات التي تتحدث عن غزوات النبي
(ص) تصرح بأن الملائكة كانوا يقاتلون كما قاتل الناس ، بعد
اتخاذهم صورة البشر وهذا محتمل عقلاً ، إلا أنه لا يكاد يثبت
تاريخياً ،ولا يتعين الإلتزام به بحسب القواعد المعروفة
للإسلام .
وإنما الذي يستطاع الركون إليه
بهذا الصدد ، واستفادته من هذه الآيات نفسها ... هو ان هذه
العناصر الميتافيزيقية ترفع من معنويات الجيش البشري المجاهد
وتخفض من معنويات الجيش المعادي للحق ...إلى حد تجعل الفرد
أقوى من عشرة من أعدائه . ولذا كان الحكم الإسلامي المصرح به
في القرآن الكريم عدم جواز الفرار حتى لو كان الأعداء عشرة
أضعاف المسلمين .حتى ارتفع بقوله تعالى :
" الآن خفف الله عنكم وعلم أن
فيكم ضعفاً"(2)
وبدل إلى عدم جواز الفرار إذا
كان الجيش المعادي بقدر الجيش المعادي مرتين . وعلى كلا
الحالين ، فالمفروض بالفرد المؤمن أن يكون أعلى مستوى في
معنوياته وإخلاصه من الفرد الكافر .
صفحة (386)
ـــــــــــــــــ
(1)36/ 28
(2) الأنفال : 8/66
وهو قوله تعالى :" إن تكونوا
تألمون فإنهم يألمون كما تألمون و ترجون من الله ما لا يرجون "
(1)
وتسبب هذه العناصر
الميتافيزيقية إلى رفع معنويات المسلمين ، هو المستفاد من نفس
هذه الآيات السابقة حيث تقول :" وما جعله الله إلا بشرى لكم
ولتطمئن قلوبكم به " . وأما الحصول على النصر الكامل من الله
عز وجل وحده . " وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم " .
وهذا التسبب الإلهي ليس على
وجه القسر غير مناف مع إرادة المجاهدين وتضحياتهم .وإنما هو
التسبب الإلهي الموجود في كل الكون ، حتى نزول المطر وخروج
النبات التي يكون استناداً إلى الأسباب الطبيعية واضحاً .قال
الله تعالى :
" وأنزلنا من المعصرات ماء
ثجاجاً لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافاً"(2)
وبهذا نستطيع أن ندرك أن
الإنتصار الذي يحرزه الجيش المجاهد ، ناتج من عمله وإرادته ،
وليس للعوامل غير المنظورة من إنتاج إلا رفع هذه الإرادة
وتركيز هذا العمل .
وليس من قبيل المعجزة ، لأن
المعجزة تكون بسبب ميتافيزيقي قسري خارج عن إرادة البشر، وليس
موردنا من هذا القبيل .
وأود في هذا الصدد، أن أشير
إلى أن ألآيات لم تنط إنزال الملائكة كون القائد نبياً أو
رسولاً ، بل ولا كون المؤمنين في حالة حرب فعلاً وإنما أناطت
ذلك بأحد لأمرين :
الأمر الأول : الصبر والتقوى.
قال تعالى :
" بلى إن تصبروا وتتقوا ،
ويأتوكم من فورهم هذا ...." الآية...
الأمر الثاني : الإستغاثة إلى
الله تعالى بطلب العون . قال الله تعالى :
" إذ تستغيثون ربكم ، فاستجاب
لكم إن يممدكم بألف من الملائكة مردفين "
وهذا هو معنى ارتباط هذا
التأييد الإلهي بدرجة كافية من الإخلاص في طريق الله والجهاد
المقدس والأهداف العادلة .
صفحة (387)
ـــــــــــــــــ
(1) النساء : 4/ 104.
(2)عم : 78/14-16.
ومتى حصل أحدا لأمرين وجد
الإمداد الإلهي ، بغض النظر عن شخص القائد ، نبياً كان أو
إماماً ... وبغض النظر عن العمل العادل الذي يقوم به المسلمون
، حربياً كان أم سلمياً .
ومن هنا لم تنص الروايات على
معونة الملائكة للمهدي (ع) في خصوص الحرب .
وقد سبق أن سمعنا جبريل (ع )
ينزل لمبايعته ، وليس المهدي (ع) في ذلك الحين في حالة حرب .
هذا ، وإن الإيمان بمعونة
الملائكة مبني على الإيمان بوجودهم بطبيعة الحال ، وهو متوفر
لدى كل من يعتقد بالمهدي (ع) . وأما الجدل العقائدي ضذ
الماديين وغيرهم في إثبات ذلك ، فليس مجاله هذا الكتاب .
ويكفينا نحن كمسلمين ، تصريح القرآن الكريم بوجودهم .
وإلى هنا تمت لدينا فكرة كافية
عن ضمانات النصر للإمام المهدي (ع) التي ينطلق منها إلى تحقيق
هدفه الأعلى في البشرية .ولعل هناك ضمانات أخرى لا ندركها ، أو
لم يحصل لها الإثبات التاريخي الكافي .
ولعل أي واحد من هذه الضمانات
الثمانية كاف في الإنتصار على العالم أما أكثر من واحد منها ،
فضلاً عن مجموعها ، ففيه أكثر من الكفاية . بل يكفي لفتح
العالم في مدة قصيرة لا تتعدى الثمانية أشهر ، على ما يستفاد
من عدد من الأخبار التي سنسمعها في الفصل الآتي .بل تكفي لفتح
العالم أو أكثر أجزائه بدون قتال ، كما يستفاد من عدد آخر من
الأخبار التي سنسمعها هناك أيضاً ، ولا يكون ذلك مستبعداً
أبداً.
صفحة (388)
الفصل الرابع
في كيفية ومدة استيلاء المهدي
(ع) على العالم
تمهيد :
قلنا أن التعرف على كيفية
استيلاء المهدي (ع) على العالم بمعنى الإطلاع على تفاصيل خططه
الحربية، وغير ذلك ، متعذر على الباحث السابق على الظهور فيبقى
ذلك موكولاً إلى حتى مجيئ عصره . وإنما نتكلم الآن في حدود
إمكاناتنا والإثباتات التي نملكها عن ذلك .وما يمكن أن يندرج
تحت هذا العنوان من إثبات ينقسم إلى عدة أمور :
الأمر الأول : أن أول حرب
يخوضها الجش المهدوي ، هي حربه مع السفياني – بأي معنى فهمناه
ـ . ويتم بانتصار الجيش المهدوي ومقتل السفياني وسيطرة المهدي
(ع) على العراق ، بل على كل المنطقة التي كان يحكمها السفياني
، وهي سوريا والعراق على الأقل .وهذا ما سبق أن عرفناه بشكل
موجز ، ونعرض له الان مفصلاً .
الأمر الثاني :إن الإمام
المهدي (ع) سوف يضع السيف في كل المنحرفين الفاشلين في التمحيص
، ضمن التخطيط السابق على الظهور ، فيستأصلهم جميعاً ... وإن
بلغوا الآلاف ، ولا يقبل إعلانهم التوبة والإخلاص .
الأمر الثالث : إن مدة وضع
السيف ستكون ثمانية أشهر ، وقد يفسر ذلك بأن مدة فتحه للعالم
كله هو هذا المقدار ... وسنتحدث عن ذلك .
الأمر الرابع : إن فتحه للعالم
سيتم في الأغلب ، بدون قتال ، كما سيأتي مع الإشارة إلى أسلوبه
وفلسفته .
ومن هنا سنتحدث في هذا الفصل
ضمن أقسام أربعة :
صفحة (389)
القسم الأول : حرب السفياني مع
الإمام المهدي (ع) ونتكلم عنه ضمن جهتين :
الجهة الأولى : في سرد الأخبار
الواردة بهذا الصدد .
أخرج أبو داوود(1) ونقله
السيوطي(2) عن ابن أبي شيبة وأحمد وأبو يعلى والطبراني عن أم
سلمة عن النبي (ص) ، قال:
يكون اختلاف عند موت خليفة
..إلى أن يقول : ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب، فيبعث إليهم
بعثاً ، فظهرون عليهم ، وذلك بعث كلب ، والخيبة لمن لم يشهد
غنيمة كلب .... الحديث .
واخرج السيوطي(3) عن أبي عمر
الداني عن حذيفة ، قال: قال النبي (ص) – في حديث يذكر فيه ظهور
المهدي(ع) وبركات دولته :
فيقدم الشام ، فيذبح السفياني
تحت الشجرة التي أغصانها إلى بحيرة طبرية، ويقتل كلباً .قال
رسول الله (ص): فالخائب من خاب يوم كلب ، ولو بعقال .قال حذيفة
: يا رسول الله ، كيف يحل قتالهم وهم موحدون؟ فقال رسول الله
(ص) : يا حذيفة هم يومئذ على ردة ، يزعمون أن الخمر حلال، ولا
يصلون .
وأخرج المجلسي في البحار(4)
مرفوعاً إلى جابر بن يزيد عن أبي جعفر(ع) قال :
إذا بلغ السفياني أن القائم قد
توجه إليه من ناحية الكوفة ، فيتجرد بخيله حتى يلقى القائم ،
فيخرج ويقول : أخرجوا إليّ ابن عمّي . فيخرج عليه السفياني ،
فيكلمه القائم (ع) فيجيء السفياني فيبايعه .
ثم ينصرف إلى أصحابه ، فيقولون
له : ما صنعت ؟ فيقول : أسلمت وبايعت . فيقولون : قبح الله
رأيك ، بينما أنت خليفة متبوع ، فصرت تابعاً . فيستقبله
فيقاتله ، ثم يمسون تلك الليلة ، ثم يصبحون للقائم بالحرب ،
فيقتتلون يومهم ذلك . ثم إن الله تعالى يمنح القائم القائم
وأصحابه أكتافهم ، فيقتلوهم حتى يفنوهم ... الحديث.
صفحة (390)
ـــــــــــــــــ
(1) السنن ج2 ص422 الو ما
بعدها . (2) الحاوي ج2 ص126.
(3) المصدر
ص160. (4)ج13 ص199.
واخرج أيضاً (1) عن عبد الأعلى
الحلبي عن أبي جعفر (ع) – في حديث طويل – ذكر فيه القائم
المهدي(ع) إلى ان ذكر دخوله الكوفة . ثم قال :
ثم يقول لأصحابه: سيروا إلى
هذا الطاغية . فيدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه (ص) ، فيعطيه
السفاني من البيعة سلماً . فيقولون له كلب وهم أخواله : ما هذا
؟ ما صنعت ؟ والله ما نبايعك على هذا ابداً . فيقول ما أصنع ؟
فيقولون : استقبله . فيستقبله ثم يقول له القائم: خذ حذرك،
فإني أديت إليك ، وأنا مقاتلك . فيصبح فيقاتلهم ، فيمنحه الله
أكتافهم ، ويأخذ السفياني أسيراً . فينطلق به فيذبحه بيده.
وأخرج السيوطي(2) عن نعيم بن
حماد عن الوليد بن مسلم عن محمد بن علي قال:
إذ سمع العائذ الذي بمكة الخسف
خرج مع اثني عشر ألفاً وفيهم الأبدال حتى ينزلوا إيلياء ،
فيقول الذي بعث الجيش حتى يبلغه الخبر من إيلياء : لعمر الله
لقد جعل الله في هذا الرجل عبرة ، بعثت إليه ما بعثت فساخوا في
الأرض . إن في هذا لعبرة ونصرة .فيؤدي إليه السفياني الطاعة .
فيخرج حتى يلقى كلباً ، وهم أخواله ، فيعيرونه بها صنع ،
ويقولون : كساك الله قميصاً فخلعته ! فيقول ما ترون ؟ استقيله
البيعة ؟ فيقولون : نعم . فيأتيه إلى إيلياء فيقول : أقلني (
فيقول :بلى) فيقول له: أتحب أن أقيلك ؟ فنقول : نعم ، فيقيله .
ثم يقول : هذا رجل قد خلع طاعتي . فيأمر به عند ذلك ، فيذبح
على بلاطة باب إيلياء . ثم يسير إلى كلب فينهبهم . فالخائب من
خاب يوم نهب كلب .
إلى بعض الأخبار الأخرى .
وقوله : رجل من قريش أخواله
كلب ....هو السفياني بقرينة الأخبار الأخرى وظاهر الأخبار أن
نسبه في آل أبي سفيان وأنه من قبيلة (كلب) . ويوجد من أفرادها
جماعة من أهم بطانته ومناصريه .
صفحة (391)
ـــــــــــــــــ
(1) ج13 ص 189
(2) ص 146
وقوله : أخرجوا إلى ابن عمي
...اطلاقاً من ادعاء أن آل أبي سفيان وآل أبي طالب ( ومنهم
المهدي ) أولاد عمومة .وهو ادعاء لم يؤيده التاريخ ، وظاهر
الخبر أنه من كلام السفياني نفسه .
وقوله : بينما أنت خليفة متبوع
... ظاهره أن السفياني يمارس الحكم باسم الخلافة الإسلامية .
وهو بعيد . غير أن الخبر جاء طبقاً لمستوى لعصر صدوره ، فإن
الحكم كان باعتبار الخلافة يومئذ .
و(ايلياء) اسم بلدة . والظاهر
أنها الكوفة باعتبار أمرين :
الأمر الأول : أن المهدي
ينزلها بعد الخسف . قال في الخبر " خرج في اثني عشر ألفاً فيهم
الأبدال حتى ينزلوا إيلياء". وقد عرفنا أن الكوفة هي المركز
الرئيسي للمهدي (ع) بعد خروجه من مكة وقدومه العراق.
الأمر الثاني: أن الكوفة كانت
هي عاصمة حكم علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع) . ومن هنا
سميت بإيلياء اشتقاقاً من لفظ (علي) .
وقوله : العائذ الذي بمكة هو
المهدي (ع) . كما نطقت بذلك الروايات الكثيرة التي سمعناها في
هذا التاريخ والتاريخ السابق .وهو الذي يحدث الخسف من أجله كما
عرفنا مفصلاً .
الجهة الثانية : في الفهم
العام لهذه الروايات ، متصلاً بالفهم العام السابق الذي قدمناه
إلى حين وصول المهدي إلى العراق .
بعد حدوث الخسف يحصل عند
السفياني ، بأي معنى فهمناه ، حجة واضحة في أن الحق إلى جانب
المهدي (ع) فيقول: لعمرو الله لقد جعل الله في هذا الرجل عبرة
.
بعثت إليه ما بعثت فساخوا في
الأرض . إن في هذا لعبرة ونصرة .
ويسير المهدي (ع) حتى ينزل
الكوفة في هذا الجو الملائم ، الذي عرفنا أنه الأطروحة
الرئيسية لتغطية تحركات المهدي (ع) سلماً . فيطلب السفياني
مواجهته في الكوفة ، فيتقابلان ، فيتكلم معه الإمام (ع) فيزيده
عقيدة به . فيبايعه السفياني ، ويعتقد بإمامته . ولم تصرح
الروايات بالصيغة المتفق عليها بينهما . غير أن المفهوم عموماً
أنه ليس تنازلاً مطلقاً من قبل السفياني . بمعنى أنه يبقى
حاكماً سياسياً كما كان بالرغم من مبايعته .
صفحة (392)
ويخرج السفياني عائداً إلى
عاصمته ، فييستقبله أهل االحل والعقد من جماعته ، وفيهم عدد من
المتطرفين المسيطرين ، ذكرت الأخبار أنهم من عسيرة أمه ، من
قبيلة كلب . فيسألونه عن نتائج المباحثات ، فيخبرهم بمبايعته
.فيشجبون موقفه ويعيرونه عليه ، باعتبار أنه قد أصبح تابعاً
بعد أن كان متبوعاً .
ولا يمكن أن يكون للسفياني
بشخصه موقف مستقل ضد خاصته ومستشاريه ، فيسألهم عن الرأي
الصائب في نظرهم . فيقترحون عليه خلع البيعة ومواجهة المهدي
(ع) مواجهة صارمة .
فيعود السفياني إلى المهدي (ع)
طالباً خلع البينة وإقالته منها . فيقيله المهدي (ع) منها
.وبذلك يصبح خارجاً على طاعته ، فيهدده المهدي (ع) بالقتال ،
فلا يكون للسفيان بد من القبول . وظاهر سياق الروايات في هذه
النقطة أن المهدي (ع) يقاتل السفياني وهو ـأعني السفياني –
بعيد عن عاصمته ، مع جماعته القليلة الذين جاؤوا معه إلى
مقابلة المهدي (ع) . فيفنى عسكر السفياني و يباشر المهدي قتل
السفياني بنفسه ، كما تقول بعض الروايات .
وتبقى عاصمة السفياني بمن فيها
من مسيطرين ومنحرفين بدون حاكم فيسرع المهدي (ع) إليها بجيشه،
فتسقط بيده بسهولة ، وينهب جيش المهدوي أموالهم "والخائب يومئذ
من خاب من غنيمة كلب ".
وبذلك تسقط المنطقة التي
يحكمها السفياني ، كلها في يد المهدي (ع) ،ويصبح المهدي حاكماً
عاماً عليها .
القسم الثاني : في أن المهدي
(ع) يستأصل المنحرفين جميعاً ونتكلم عنه في عدة جهات :
الجهة الأولى : في سرد الأخبار
الدالة على أن المهدي (ع) يقتل المنحرفين قتلاً واسع النطاق
وقد وردت حول ذلك أخبار كثيرة
نذكر نماذج كافية منها .
أخرج النعماني في الغيبة (1)
بسنده عن الحارث الهمداني . قال : قال امير المؤمنين (ع) :
بأبي ابن خيرة الإماء – يعني :
القائم من ولده – يسومهم خسفاً ، ويسقيهم بكأس مصبّرة ، ولا
يعطيهم إلا السيف هرجاً .فعند ذلك تتمنى فجرة قريش له أن لها
مقاة مني بالدنيا وما فيها . لاغفر لها . لا نكف عنهم حتى يرضى
الله .
صفحة (393)
ـــــــــــــــــ
(1) ص120
وأخرج أيضاً (1) بسنده عن
زرارة عن أبي جعفر (ع) : قال: قلت له: صالح من الصالحين سماه
لي .أريد القائم (ع). فقال : اسمه اسمي . فقلت : ايسير بسيرة
محمد (ص)؟ قال :هيهات هيهات ، يا زرارة ، ما بسيرته .
قلت : جعلت فداك ، لم ؟ قال :
أن رسول الله (ص) سار في أمته
باللبن (بالمن) ، كان يتألف الناس . والقائم يسير بالقتل ،
بذاك أمر في الكتاب الذي معه .أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحداً
.ويل لمن ناواه ! ..
وأخرج أيضاً(2) عن أبي خديجة
عن أبي عبد الله (ع) أنه قال : أن علياً (ع) قال:
كان لي أن أقتل المولي وأجهز
على الجريح . ولكن (ولكني) تركت ذلك للعاقبة من أصحابي أن
جرحوا و لم يقتلوا. والقائم له أن يقتل المولي ويجهز على
الجريح .
وأخرج أيضاً (3) عن محمد بن
مسلم : قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول :
لو يعلم الناس ما صنع القائم
إذا خرج لأحب أكثرهم ألا يروه مما يقتل من الناس .أما أنه لا
يبدأ إلا بقريش ، فلا يأخذ منها إلا السيف ولا يعطيها إلا
السيف . حتى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمد ، لو كان
من آل محمد لرحم .
وأخرج أيضاً(4) عن أبي بصير عن
أبي عبد الله (ع) ، أنه قال:
ما تستعجلون بخروج القائم ،
فوالله ما لباسه إلا الغليظ ولا طعامه إلا الجشب .وما هو إلا
السيف والموت تحت ظلال سيف .
صفحة (394)
ـــــــــــــــــ
(1) ص121. (2) نفس الصفحة .
(3) ص122. (4) نفس الصفحة
.وانظر غيبة الشيخ الطوسي .277 ص.
وأخرج أيضا(1) بسنده عن بشر بن
غالب الأسدي . قال : قال لي الحسين بن علي (ع) :
يا بشر ، ما بقاء قريش إذا
قدم القائم المهدي منهم خمسمائة رجل ، فضرب أعناقهم . ثم قدم
خمسماءة فضرب أعناقهم صبراً ، ثم خمسمائة فضرب أعناقهم . قال
: فقلت له : أصلحك الله ، أيبلغون ذلك ؟ فقال الحسين بن علي
(ع) :إن مولى القوم منهم .
وأخرج الشيخ في المفيد في
الإرشاد(2) عن عبد الله بن المغيرة عن أبي عبد الله (ع) قال :
إذا قام القائم من آل محمد
صلوات الله عليهم . أقام خمسماءة من قريش فضرب أعناقهم .ثم قام
خمسماءة فضرب أعناقهم ثم خمسماءة أخرى ، حتى يفعل ذلك ست مرات
. قلت : ويبلغ عدد هؤلاء هذا . قال: نعم منهم ومن مواليهم
...وأخرجه الطبرسي وفي أعلام الورى(3) .
وأخرج الصدوق في إكمال
الدين(4) والطبرسي في الأعلام(5) عن عبد العظيم بن عبد الله
الحسيني . قال : قلت لمحمد بن علي بن موسى (ع) :
إني لأرجو أن تكون القائم من
أهل بيت محمد ...إلى أن يقول الإمام (ع) : فإذا اكتمل له القصد
وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله عز وجل ، فلايزال يقتل أعداء
الله ، حتى يرضى الله عز وجل . قال عبد العظيم : فقلت له : يا
سيدي ، وكيف يعلم لأن الله عز وجل قد رضي . قال: يلقي في قلبه
الرحمة ... الحديث .
صفحة (395)
ـــــــــــــــــ
(1) ص123. (2) ص243.
(3) ص431. (4) انظر المصدر
المخطوط.
(5) ص409.
وأخرج الشيخ في الغيبة(1) عن
أبي الجارود ، قال : قال أبو جعفر(ع) :
وهو يتحدث عن القائم (ع) - :
ويقتل الناس حتى لا يبقى دين محمد (ص) ... الخبر .
وأخرج المفيد في الإرشاد(2) عن
أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) - في حديث طويل – أنه قال:
إذا قام القائم (ع) ، سار إلى
الكوفة ، فيخرج منها بضعة عشر ألفاً نفس يدعون البترية
(البرية)(ع) .فيقولون له : ارجع من حيث جئت ، فلا حاجة لنا
ببني فاطمة . فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم . ثم يدخل
الكوفة ، فيقتل بها كل منافق مرتاب ، ويهدم قصورها و يقتل
مقاتليها ، حتى يرضى الله عز وعلا .
وأخرج المجلسي في البحار(3) عن
رفيد مولى ابن هبيرة . قال : قلت لأبي عبد الله (ع) : جعلت
فداك ، يا ابن رسول الله ويسير القائم بسيرة علي بن أبي طالب
في أهل السواد بما في الجفر الأبيض ، وإن القائم يسير في العرب
بما في الجفر الأحمر .قال : قلت : جعلت فداك ، وما الجفر
الأحمر؟ قال : فأمر اصبعه على حلقه. فقال هكذا . يعني الذبح .
واخرج أيضاً (4) مرفوعاً إلى
عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) : قال:
إذا خرج القائم لم يكن بينه
وبين العرب والفرس إلا السيف . لا يأخذها إلا بالسيف .ولا
يعطيها إلا به .
وأخرج النعماني(5) بسنده عن
بشير بن أراكة النبال ، عن أبي جعفر (ع) :
صفحة (396)
ـــــــــــــــــ
(1) ص283. (2) ص 343.
(3)ج13 ص181. (4) ص200 من نفس
الجزء.
(5) ص152 وكذلك الذي يليه .
- في حديث – أنه قال : يذبحهم
، والذي نفسي بيده ، كما يذبح القصاب شاته .وأومأ بيده إلى
حلقه . قلت:إنهم يقولون: أنه إذا كان ذلك استقامت له الأمور
فلا يهريق محجمه دم . فقال :كلا ، والذي نفسي بيده ، حتى يمسح
وانتم العرق والعلق ، وأومأ بيده إلى جبهته .
وفي حديث آخر عن بشير النبال
أيضاً ، قال : قلت لأبي جعفر (ع) :أنهم يقولون :
إن االمهدي (ع) لو قام
لأستقامت له الأمور عفواً ، لا يهريق محجمه دم . فقال : كلا ،
والذي نفسي بيده ، لو استقامت لأحد عفواً ، لأستقامت لرسول
الله (ص) حين أدميت رباعيته وشج في وجهه . كلا ، و الذي نفسي
بيده ، حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق ، ثم مسح جبهته .
وأخرج الشيخ في الغيبة (1)
بسنده عن أبي بصير ، قال :
إذا قام القائم ...إلى أن قال
: ثم يتوجه إلى الكوفة فينزلها ، وتكون داره .ويبهرج (2) سبعين
قبيلة من قبائل العرب .
وبإزاء هذه الأحاديث المتواترة
القطعية ، يوجد ما ينفي مباشرة الإمام المهدي (ع) للقتل ،
الأمر الذي سمعنا تكذيبه من الأخبار السابقة .
أخرج السيوطي في الحاوي(3) عن
نعيم بن حماد ، وابن طاووس في الملاحم والفتن(4) عنه أيضاً ،
عن أبي هريرة ، قال:
يبايع المهدي (ع) بين الركن
والمقام . لا يوقظ نائماً ولا يهريق دماً.
وفي الملاحم أيضاً(5) عن نعيم
بن حماد بإسناده عن أبي رافع اسماعيل بن رافع عمن حدثه عن أبي
سعيد عن النبي (ص) قال:
تأوي إليه أمته ، كما يأوي
النحل إلى يعسوبها ، يملاً الأرض عدلاً كما ملئت جوراً . حتى
يكون الناس على مثل أمرهم الأول ، لا يوقظ نائماً ولا يهرق
دماً .
صفحة (397)
ـــــــــــــــــ
(1) ص284. (2) يعني :
يهدر دماءهم.
(3) ج2 ص152. (4) ص51.
(5) ص56.
الجهة الثانية : ارتباط كثرة
القتل بالتخطيطين الإلهيين العامين : تخطيط ماقبل الظهور ،
وتخطيط ما بعد الظهور
وهما تخطيطان سبق أن عرضناهما
و برهنا عليهما .والمراد في المقام : بيان ارتباط ما يقوم به
القائد المهدي (ع) من القتل الكثير ، بهذين التخطيطين ، بمعنى
الجواب على التساؤل عن مقدار سببية تخطيط عصر الغيبة لهذا
القتل ،وعن نفع هذا المقدار من القتل وتأثيره في التخطيط لما
بعد الظهور.... الذي هو التخطيط لإقامة دولة العدل في العالم
وترسيخ قوائمها .
فهنا موقفان :
الموقف الأول : مقدار ارتباط
كثرة القتل بالتخطيط العام السابق على الظهور .
إن أخذنا هذه الكثرة بصفتها
تكتيكاً حربياً ونظاماً عسكرياً ولم يكن له ارتباط وثيق بهذا
التخطيط ... ولكننا إن لاحظنا المقتولين في هذه الحملة وجدناها
موجهة ضد اولئك الفاشلين في التمحيص إلى طرف الباطل ، يكون
الآن مقتولاً لامحالة. ولذا نسمع من هذه الأخبار أنه عليه
السلام يقتل أعداء الله ، ويقتل كل منافق مرتاب ، وانه لا
يستتيب أحداً ، وأنه يقتل قوماً يرفضون ثورته ويقولون له :
ارجع ، لا حاجة لنا ببني فاطمة ،وكل هؤلاء هم الفاشلون في
التمحيص السابق على الظهور .
ولا تنفع هذا الفشل توبته بين
يدي المهدي (ع) بل سيقتله المهدي (ع) ولا يستتيبه ، أي لا يطلب
منه التوبة ولا يسمعها منه .وقد سبق أن سمعنا عن الإمام المهدي
(ع) نفسه أنه قال : فليعمل كل امرىء منكم بما يقرب به من
محبتنا، ويتجنب ما يدينه من كراهتنا وسخطنا .فإن أمرنا بغتة
فجأة وحين لا تنفعه توبة، ولا ينجيه من عقابنا ندم على
حوبه(1).
صفحة (398)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر الإحتجاج للطبرسي ج2
ص23 زما بعدها وتاريخ الغيبة الكبرى للمؤلف .
ولعل هذا هو المقصود من قوله
تعالى :
"يوم يأتي بعض آيات ربك لا
ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها
خيراً "(1)
كما جاءت به بعض الروايات (2)
. وهذا هو المعنى الظاهر من الآية عند مراجعة سياقها حين يقول
–عز وجل: " يوم يأتي بعض آيات ربك .لاينفع نفساً إيمانها لم
تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ، قل انتظروا إنا
منتظرون ."
وسيأتي الكلام عن ذلك في الجزء
الخاص بالقرآن الكريم من هذه الموسوعة .
واما الناجحون الممحصون في هذا
التخطيط العام ، فهم المؤمنون بالمهدي (ع) المبايعون له ،
الآمنون في دولته ، السعداء في ظل عدله .وهم الذين يباشرون
القتل تحت قيادته ، وقد سبق أن سمعنا عنهم :أنه يعطي الواحد
منهم قوة أربعين رجلاً . لا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله عز وجل
.
الموقف الثاني : ارتباط كثرة
القتل بالتخطيط العام لما بعد الظهور .
فإذا عرفنا ان هدف هذا التخطيط
هو إقامة المجتمع الإيماني الكامل الذي تحكمه دولة الحق ويسوده
التشريع العادل الكامل . ومثل هذا المجتمع لا يمكن تطبيقه إلا
إذا تظافرت القوى من قبل الدولة والشعب معاً على تنفيذه
وإنجازه .فإنه يحتاج – وخاصة عند بدء التطبيق – إلى جهود
وتضحيات كثيرة . فما لم يكن الأفراد على مستوى المسؤولية في
تطبيق التشريع العادل على كل أقوالهم وأفعالهم ، لا يمكنهم أن
ينجوا فيه . ومن ثم قد يصبحوا سبباً في فشل التخطيط أساساً .
ومن المعلوم أن المعطى الفردي
وألإجتماعي لهذا التضحيات والتجاوب مع هذه المتغيرات . يتناسب
عكسياً مع قلة الإيمان والشعور بالمصلحة الأنانية .فإن الإنسان
بمقدار ما تحتويه نفسه ويتضمنه كيانه الفكري والعقائدي من نقاط
ضعف .فإنه ينساق إلى تفضيل مصلحته الأنانية على السلوك العادل
.ومهما كبرت في الفرد نقاط ضعفه . كلما كان لمصلحته أشوق وبها
ألصق ، وعن إطاعة الحكم العادل أبعد .
صفحة (399)
ـــــــــــــــــ
(1) الأنعام : 6/158
(2) انظر : الإحتجاج ج2 ص 317
و غيره .
إذن ، فمثل هذا الفرد لا
يستطيع أن يواكب السلوك العادل ورد الفعل الصالح الذي يقتضيه
المجتمع العادل ، بمعنى أنه يختار عليه دائماً مصلحته وأنانيته
.ومعه ينحصر تطبيق المجتمع العادل على أيدي الأفراد الصالحين
العادلين ، الذين مارسوا السلوك الصالح ردحاً من الزمن .وهم
الناحجون في التمحيص الموجود في التخطيط السابق . وأما الفرد
المنافق والمنحرف الفاشل في التمحيص فلا يمكن أن يكون عضواً في
هذا المجتمع .بل ينبغي اجتثته رأساً قبل البدء بالتطبيق العادل
.
وحيث قد انتج التخطيط العام
السابق انكشاف حال الكثيرين ، في السقوط في مهوى الرذيلة
والنفاق . وكونهم على مستوى عصيان ضروريات الدين ، كما سبق أن
قلنا ... هذا حال أكثرية المسلمين من مختلف المذاهب. وحينئذ
نستطيع أن نتصور عدد الأفراد الذين ينبغي اجتثاثهم والإستغناء
عن وجودهم ، لأجل البدء بالتطبيق العادل الكامل .
وسيكون هذا ألإجتثاث أو القتل
أول خطوة رئيسية في التطبيق العادل الذي يهدف إليه – فيما يهدف
– التخطيط الإلهي العام لما بعد الظهور .
ومن هنا نعرف ربطاً جديداً بين
التخطيطين، حيث يكون الأول مساعداً للثاني في انتاجه لهدفه
.فإن الأول ، وهو تخطيط عصر الغيبة ، يكشف ما في نفوس الأفراد
من زيف ونقاط ضعف عن طريق التمحيص الطويل ، لكي يستغني عنهم
وينزه المجتمع عن وجودهم أخذاً بالتخطيط الثاني .
إذن ، فالقتل ليس تكتيكاً
عسكرياً محضاً لمجرد السيطرة والإنتصار ، بل هو مقدمة أساسية
للتطبيق العادل ، ومن هنا نرى أن المهدي (ع) يقتل الأفراد في
غير الحرب أيضاً ، كما وردت به الروايات . كالذي سمعنا عن أبي
عبد الله (ع) أنه قال :بينا الرجل على رأس القائم يأمر وينهى ،
إذ أمر بضرب عنقه . وغيرها ،كل ذلك تجنباً من العناصر السيئة
في المجتمع الصالح .
ولو تكلمنا بلغة العصر الحديث
لقلنا : إن تطبيق الحاكم العقائدي لمبدئه وعقيدته على دولته ،
يتوقف على استئصاله لكل معارضيه وكل من يحتمل صدور الخلاف منه
استئصالاً تاماً....ولا يكفي فيهم الملاينة وتأجيل العقاب بعد
الجريمة ، كيف وهو يعلم أن مبدأه هو الحق، وكل مخالف له هو
مخالف للحق ، وكل مخالف للحق مجرم ، وكل مجرم لا يمكن أن يعيش
في مجتمع الصالحين .
صفحة (400)
ومن هذه النقطة بالذات ، يبدأ
سبب عدم قبول توبة التائب ....فإن الشخص المتمرس بالإنحراف
والمعتاد على العصيان وعلى عبادة شهواته وتقديم مصالحه ، لا
تكون توبته حقيقية أبداً ، وإن شعر هو وقتياً بذلك ،وإن كانت
الشريعة تحكم بكونه إنساناً صالحاً في الظاهر .. غير أن
المطلوب بعد الظهور ، وجود الإنسان العادل في الواقع ، لا
العادل في الظاهر ، والتوبة – وخاصة إذا كانت نتيجة للخوف – لا
تغير واقع الإنسان من الناحية النفسية والفكرية ، بل يبقى هو
الإنسان المعتاد على تقديم مصالحه على كل شيء ، فينزل قدمه في
أول عثرة ، إذن فلا بد من رفض توبته والإستغناء عن وجوده .
ولأجل هذا الهدف بحسب ما ندركه
الآن ، جاز للمهدي (ع) قتل المسلمين وإن لم يحاربوا
....بالرغم من أن ذلك لم يكن جائزاً شرعاً قبل الظهور لأي قائد
إسلامي آخر ، بما فيهم النبي (ص) وعلى أمير المؤمنين (ع)
وإنما قاتل علي (ع) من حاربه من المسلمين خاصة .ولذا سمعنا من
الروايات أن سيرة المهدي (ع) تختلف من هذه الجهة عن سيرتهما ،
فإنهما سارا بالعفو والملاينة مع الناس المنحرفين والمنافقين
.وأما المهدي (ع) فهو مكلف من قبل الله تعالى " في الكتاب الذي
عنده " باستئصالهم أجمعين .فهو يقتلهم حتى يرضى الله عز وجل .
أي حتى يكون ما أمر به مطبقاً ونافذاً ومنهياً .
ومن هنا نسمع في بعض الروايات
التأكيد على ذلك ، كالذي رواه في البحار عن أبي بصير عن أبي
عبد الله (ع) في حديث عن القائم يقول فيه : لا، يا أبا محمد ،
ما لمن خالفنا في دولتنا من نصيب ،إن الله قد أحل لنا دماءهم
عند قيام قائمنا ، فاليوم محرم علينا وعليكم .ومن خالفهم هم
الفاشلون في التمحيص في أي مذهب كانوا .
وسيكون الإستغراب من كثرة
القتل، في بعض الأوساط الضعيفة الإيمان موجوداً " حتى يقول
كثير من الناس : ليس هذا من آل محمد ، لو كان من آل محمد
لرحم".
وستكون هذه الكثرة سبباً في بث
الرعب في هذه الأوساط ، وغيرها الرعب الذي عرفنا أنه يسير
أمامه شهراً، ووراءه شهراً ، وإلى جانبيه شهراً وعرفنا أن هذه
الكثرة من أسبابه .
وقد يرد إلى الذهن هذا السؤال
:أن مقتضى هذا التسلسل الفكري ،هو أن المهدي (ع) سوف يقتل
أكثر المسلمين ولاتبقى إلا البقية الصالحة القليلة التي
تبايعه وتنصره .
بل إذا كان المنحرف من
المسلمين مستحقاً للقتل فكيف بالكافر والمشرك : إذن فهو لا بد
أن يستأصل البشرية كلها سوى هذا النفر القليل .وهذا بالجزم
واليقين مخالف للهدف الإلهي والغرض المنشود ، فإن هدف مجعول
لأجل مصلحة البشر والرحمة بهم وإسعادهم ، لا لأجل استئصالهم
وقطع دابرهم ، فكيف نوفق بين الأمرين .
صفحة (401)
وجواب ذلك : اما موقف الإمام
المهدي (ع) تجاه الكفار والمشركين ، فهو ما سيأتي عرضه ،
فالسؤال غير وارد بالنسبة إليهم ، لأن تخطيطهم الخاص بهم ،
وإنما يختص السؤال بالبلاد الإسلامية خاصة .
ونحن بهذا الصدد يجب أن نلتفت
إلى ما ذكرناه من أقسام الإخلاص الثلاثة التي ينتجها التمحيص
السابق على الظهور، فإن مجموع الأفراد الناجحين بأي درجة من
تلك الدرجات يمكنهم المشاركة في المجتمع العادل و التجاوب معه
، ما لم يصدر من بعضهم سوء في النية أو العمل . كهؤلاء الذين
سمعنا أن المهدي (ع) يأمر بقتلهم . وإلا فالناجحون بشكل عام
لهم القابلية للتعايش بسلام في دولة الحق والعدل .
ولئن كان الناجحون من القسم
الأعلى هم قواد جيش المهدي (ع). وحكام الأرض من قبله . وكان
الناجحون من القسم الثاني جيشه المحارب ....فالناجحون من
القسم الثالث هم قواعده الشعبية المطبقة للعدل ....ويلحق بهم
كل من يعرف منه التوبة النصوح – التي لا رجعة بعدها إلى
الذنوب – والإعتدال الحقيقي الكامل ، فيكون مجموع هؤلاء عدداً
ضخماً أيضاً يكفي لانطباق الكثرة المبينة في الروايات بكل
تأكيد .
وقد يخطر في الذهن سؤال آخر
وهو: أن ظاهر هذه الروايات أن كثرة القتل مختصة بالمسلمين ، لا
تشمل غيرهم فلماذا كان ذلك ، مع العلم أن الكافر والمشرك أبعد
عن الحق ، وأحق بالقتل من المسلم المنحرف ؟!
والجواب على ذلك ، يكون على
مستويين :
المستوى الأول : إننا ننكر
الدلالة الروايات على هذا الإختصاص .لأن هذه الروايات على
قسمين :
القسم الأول : ما كان مطلق
الدلالة ليس فيه أي إشعار بالإختصاص بالمجتمع المسلم .بل ظاهره
العموم لكل الناس ... كقوله: " القائم يسير بالقتل ...ولا
يستتيب أحداً " و" ما هو إلا السيف " " فلا يزال يقتل أعداء
الله حتى يرضى الله عز وجل " .ونحوها .
صفحة (402)
القسم الثاني : الأخبار التي
وردت فيها تسمية بعض الجماعات .وهم كما يلي :
قريش . البترية ، أهل الاسواد
، العرب ، الفرس ، سبعين قبيلة من قبائل العرب .
أما البترية ، فالمفروض فيهم
الإنحراف واستحقاق القتل .وأما الجماعات الأخرى فهي انتسابات
غير دينية ، يوجد في كل منها مسلمون بمختلف مذاهبهم وغير
مسلمين بمختلف أديانهم ، بنسب مختلفة بطبيعة الحال .
وإيراد أسماء هذه الجماعات في
الأخبار لا ينفي شمول القتل لغيرها ، كل ما في الأمر ، أن
قانون (كلم الناس على قدر عقولهم) منع القادة الإسلاميين من
بيان كل الجماعات المشمولة للقتل ، لعدم تحمل المستوى العقلي
والثقافي للناس عند صدور هذه النصوص لإستيعاب ذلك .
المستوى الثاني : أننا لو
تنزلنا عن المستوة الأول ، وسلمنا بظهور الروايات بإختصاص كثرة
القتل بالمسلمين فهذا ليس أمراً مروعاً ، بل هم أمر يمكن أن
يكون مطابقاً مع القواعد الإسلامية العامة والتخطيط الإلهي
العام.
فإننا سبق أن أشرنا لغير
المسلمين أو البلاد غير الإسلامية تخطيطاً خاصاً بها في أسلوب
السيطرة عليها نطقت به الروايات التي سنسمعها ، وهي سيطرة يغلب
عليها الجانب السلمي .كما أن للمسلمين أو للبلاد الإسلامية
تخطيطها الخاص بها ،وهو كثرة القتل التي نطقت به هذه الروايات
.وهذه الكثرة ليست لأجل السيطرة بل لأجل التنقية والتنظيف من
العناصر السيئة .
والفرق بين المسلمين وغيرهم
يتمثل في عدة خصائص :
الخصيصة الأولى: إن (الحجة)
الكاملة بصدق الإسلام وأحقيته، واضحة في أذهان كل المسلمين
،ومعلنة على نطاق واسع جداً بينهم بخلاف غير المسلمين فإن هذا
الوضوح لم يتوفر للجميع على حد واحد.
الخصيصة الثانية : إن الأمة
الإسلامية هي الحاملة للأطروحة العادلة الكاملة ، والمطبقة
الأولى لها في بلادها ذلك التطبيق الذي سيكون الشكل الأمثل
لهذا الأطروحة في العالم كله.
الخصيصة الثالثة : إن الأمة
الإسلامية ستكون الحاملة لهذه الأطروحة إلى العالم ، والمبشرة
،بها فكرياً وتطبيقياً تجاهه .وبالتالي سيكون لها مركز القيادة
في العالم كله .
الخصيصة الرابعة : إن المسلمين
يكونون قد مروا بتخطيط كامل للتمحيص وهو التخطيط السابق على
الظهور . وانتج هذا التمحيص نتائجه فيهم ، وكان تمحيصهم منصباَ
على (الإطروحة) التي تمت الحجة بها عليهم. بخلاف البلاد غير
المسلمة ، فإنها مرت بالتمحيص ، ولكن من زوايا أخرى أوجبت
نتائج مغايرة ، كانكشاف زيف الأطروحات الأخرى ، ونحو ذلك .
صفحة (403)
وكل هذه الخصائص تستدعي من
الأمة الإسلامية أن تكون في اعلى درجات الإيمان وأقوى درجات
الإخلاص ، والمثال الأفضل للأطروحة التي تتبناها .فمن لم يكن
كذلك من المسلمين ،فإنه سيوجب عاجلاً أم آجلاً ، الإخلال
بالقيدة والتطبيق للأطروحة العادلة الكاملة ، في بلده وفي
العالم ، الأمر الذي يخل بالهدف الأعلى نفسه ،ومن هنا كان لا
بد من الإستغناء عن كل خدماته وأحاسيسه في طريق هذا التطبيق
العظيم ، وذلك بنفيه من عالم الحياة ، مقدمة لذلك التطبيق .
ولن يعني هذا (التقديم) أن
القيادة العالمية سوف لن تبدأ إلا بعد الإنتهاء من هؤلاء
المنحرفين جميعاً .فإن القيادة سيتولاها في وقتها المناسب
أؤلئك المخلصون المؤهلون لها ، وسيستغني عن خدمات المنحرفين
ريثما يتم الإجهاز عليهم جميعاً .وسيأتي إيضاح ذلك بشكل أوسع
عند الحديث عن الروايات التي تنص على استمرار القتل مدة
ثمانية اشهر.
الجهة الثالثة : في إيضاح بعض
النقاط الواردة في هذا الخبر :
النقطة الأولى: الظاهر الأولي
للروايات هو أن الإمام المهدي(ع) يستعمل السيف في قتال
المنحرفين. وهو السلاح الذي كان مستعملاً في عصر صدور هذه
الأخبار .
ومن الواضح بالضرورة أن المهدي
(ع) يستعمل سلاح آخر لعدم إمكان الإنتصار به .إلا عن طريق
المعجزة التي برهنا على عدم نفوذها في مثل ذالك ، لإمكان
التعويض عنها بالطريق (الطبيعي) باستعمالها السلاح المناسب
للعصر .
ومعه يتبرهن ضرورة حمل السيف
على المعنى الرمزي الذي يراد به أي سلاح . وهذا ما طبقناه في
التاريخ السابق ، وهو ساري المفعول في كل الروايات كما هو واضح
. وإنما ذكر السيف بالخصوص انطلاقاً مع المستوى العقلي
والثقافي لعصر صدور هذه الأخبار .
النقطة الثانية : ورد التأكيد
في أكثر من خبر من الأخبار السابقة :إن الأمور لا تستقيم
للمهدي (ع) عفواً ومن تلقاء نفسها ... بل تحتاج إلى جهد وجهاد
و" لو استقامت لأحد عفواً لأستقامت لرسول الله (ص) حين أدميت
رباعيته وشجّ في وجهه ... فإن النبي(ص) – وهو خير البشر- أولى
من المهدي باستقامة الأمور عفواً ، لو كان ديدن الدعوة على
إيجاد هذه الإستقامة .ولكنها لم تستقم لخير البشر (ص) إذن فهي
لا تستقيم لمن دونه ، لا لقصور في القيادة عندهم ، بل لأن
ديدن الدعوة الإلهية ليس على ذلك .
صفحة (404)
والسر في ذلك – حسبما نفهم –
أن فكرة (التمحيص) غير خاص بالناس الإعتياديين أو بالدرجات
الدانية من الإيمان. بل تمتد هذه الفكرة بمعنى اشرنا إليه في
التاريخ السابق(1) لتشمل القواد الرئيسيين بما فيهم الأنبياء
والأولياء ، وتكون فكرة التمحيص بالنسبة إليهم لزوم مرورهم
بمصاعب وجهود تساوي مستواهم العالي لينالوا بها مستويات أعلى
من باب (تكامل ما بعد العصمة) كما ذكرنا هناك . ولو استقامت
الأمور للقادة لكان ذلك على خلاف التمحيص بالنسبة إليهم .ومن
ثم يحجب التكامل الذي سينالونه بالجهود والمصاعب ، فيكون
ظلماً لهم . وهو مستحيل عل الحكمة الإلهية .
مضافاً إل أن ظروف الجهود
والمصاعب التي يمر بها هؤلاء القادة ، ستكون محكاً لتمحيص كل
الجيل المعاصر من مؤمنين وغيرهم . من حيث النظر إلى ردود
أفعالهم تجاه تلك القيادة المحقة ، ومقدار ما يبذلون لها من
جهود وتضحيات .
كذلك كانت قيادة النبي(ص) في
صدر الإسلام ،وعلى ذلك ستكون قيادة الإمام المهدي (ع) في
مستقبل الدهر .
هذا ، وإن استقامة الأمور
عفواً تنشأ من أحد سببين :
السبب الأول: السبب الإعجازي ،
وقد برهنا على عدم إمكانه، لإمكان التعويض عنه بالطريق الطبيعي
بكل وضوح .
السبب الثاني : السبب الطبيعي
. بمعنى اقتضاء التخطيط السابق على الظهور لهذه النتيجة ، بأن
يدعي كل شخص : بأن هذا التخطيط العام سارعلى شكل منتج في
نهايته لإستقامة الأمور عفواً للمهدي (ع) .
إلا أن هذا السبب أيضاً غير
محتمل ، فإننا عرفنا كل تفاصيل التخطيط العام السابق فلم نجد
فيه ما يقتضي ذلك ، بل وجدنا فيه ما يقتضي العكس ، بمعنى أنه
يقتضي وجود العدد الكافي لغزو العالم بالعدل والحق ، بكل ما في
الغزو من مصاعب وجهود وجهاد .
إذن ، فاستقامة الأمور بقيت
بدون منشأ صحيح ، فلا تكون قابلة للإثبات .
صفحة (405)
ـــــــــــــــــ
(1) ص506
مضافاً إلى قابلية نفس هذه
الأخبار لنفيها كما هو واضح .
النقطة الثالثة : سمعنا من بعض
الأخبار أن المهدي (ع) : لا يهريق دماً ولا يوقظ نائماً .كما
سمعنا من بعض الأخبار الأخرى تكذيب ذلك . فبأي من القسمين نأخذ
؟
والذي يبدو : أننا تارة ننظر
إلى أسلوب الفتح العالمي وتاسيس الدولة العالمية. وأخرى ننظر
إلى المجتمع الناتج بعد تأسيس هذه الدولة ، ذلك المجتمع الذي
تطبق فيه الأطروحة العادلة الكاملة .
فإن نظرنا إلى أسلوب الفتح
العالمي وجدنا (السيف) مستعملاً فيه لا محالة طبقاً للروايات
الكثيرة المتواترة ، التي لا تقوم بإزائها خبر واحد ، مضافاً
إلى الحاجة إلى السلاح بإزاء القوى المعادية بعد البرهنة على
نفي الأسلوب الإعجازي ، إذن فلا بد من تكذيب هذا الخبر ، إن
كان المراد منه ذلك ،وهذا هو مراد الأخبار المكذبة له
والنافية لمدلوله .
وإن نظرنا إلى المجتمع العادل
الذي يؤسسه المهدي (ع ) " لا يهريق دماً ". لعدم الحاجة إلى
إهراقه . وهذا النظر الذي يؤكد أحد الأخبار المكفلة لبيان هذه
الحقيقة حين يقول فيه : " يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ،
حتى يكون الناس على مثل أمرهم الأول ، لا يوقظ نائماً ولا
يهرق دماً ً " . وهو يكون واضح في ان عدم إراقة الدم إنما يكون
بعد امتلاء الأرض قسطاً وعدلاً ، وليس قبل ذلك . أقول: الأمر
الأول المشار إليه هو الإسلام كما جاء به النبي (ص) ، وهو معنى
تطبيق (الأطروحة العادلة الكاملة ) ، في دولة المهدي العالمية.
وأما الخبر الآخر الذي يقول "
يبايع المهدي (ع) بين الركن والمقام . لا يوقظ نائماً ولا
يهريق دماً " واضح في أن المهدي (ع) لا يهريق دماً حتى في
عمليات الغزو العالمي .وقد علمنا ان المعنى باطل بالضرورة ،
فلا بد من تكذيب هذا الخبر .
النقطة الرابعة : نص عدد من
الأخبار على اختلاف سيرة الإمام المهدي (ع) من الناحية
العسكرية عن أسلوب النبي (ص) والإمام أمير المؤمنين .
صفحة (406)
وقد أشرنا إلى ذلك ، ونريد
الآن إعطاء المبررات التفصيلة له :
وما يمكن استفادته من مجموع
الأدلة أمران :
الأمر الأول : إن القاعدة
العامة للقادة الإسلاميين عموماً جوازاً على الجريح وملاحقة
الفار وقتل الأسير ونحوها من التصرفات ... غير أن القادة
الأوائل كفوا عن تطبيق هذا الحكم في عصورهم ، من أجل مصالح
وقتية خاصة في تلك العصور ، قال علي (ع) - كما في الخبر - :
ولكن تركت ذلك للعاقبة من أصحابي إن جرحوا لم يقتلوا" . وهذه
المصالح لن تتوفر في عصر الإمام المهدي (ع) ومن هنا يكون له أن
يأخذ بتطبيق الحكم المشار إليه الشامل بصفته أحد القواد
الإسلاميين .
الأمر الثاني : إن القاعدة
العامة للقواد الإسلاميين هو عدم جواز قتل الجريح وملاحقة
الفار ونحو ذلك . فهم تركوا ذلك في عصرهم الأول لعدم جوازه
بالنسبة إليهم .
ولكن سيصبح ذلك جائزاً للمهدي
(ع) خلال الفتح العالمي " بذلك أمر في الكتاب الذي معه " . وهو
استثناء خاص بهذه الفترة .وسيرتفع الحكم بالجواز بالنسبة إليه
بعد الإنتهاء من الفتح العالمي . ويعود الأمر كما كان في عدم
جواز هذا الأسلوب العسكري ... فيصبح الإمام المهدي (ع) " لا
يهريق دماً ولا يوقظ نائماً ".
والسر في هذا الإختلاف ، على
كلا التقديرين، هو اختلاف مستوى المجتمع الإسلامي الأول عن
المجتمع المهدوي اختلافاً كبيراً جداً ....ذلك الإختلاف الذي
عرفنا الكثير من خصائصه ومميزاته .
وأهم الخصائص التي تمت إلى
تطبيق هذا الحكم بصلة ، هوأن الإيمان والكفر في العصر الأول ،
كان في الأغلب من :إيمان ما قبل التمحيص .لأن المجتمع لم يكن
قد مر بفترة التمحيص الكبرى المخطط له قبل (الظهور) . وسيكون
الإيمان والكفر في المجتمع الآتي : إيمان ما بعد التمحيص وكفر
ما بعد التمحيص ،بعد أن مر المجتمع بفترة التمحيص الكبرى .
إن مرور المجتمع بهذه الفترة
ليس أمراً هيناً أو ضئيلاً . يكفينا أن تصور أن القاتل
(المؤمن) والمقتول (الكافر) في العصر الأول . لم يكن التمحيص
قد شملهما ، ومن ثم فإدراكهما لأهمية القتال ونتائجه سوف تكون
أقل بدرجة كبيرة ، مما إ ذا كانا معاً قد مرا بفترة التمحيص ،
فأكتسب الإيمان أهميته في نفس المؤمن واكتسب الكفر أهميته في
نفس الكافر أو المنحرف واتسع أفقهما العقلي والثقافي إلى حد
كبير .
إن كافر ما قبل التمحيص ، لمدى
بساطته وضآلة مستواه ، (لا يستحق) إجراء هذا التكتيك العسكري
الصارم عليه . وأما كافر ما بعد التمحيص ، بإعتبار أهميته وعمق
مستواه ، فإن أقل ما يستحقه من جزاء هو ذلك. فإنه طالما حارب
الحق والعدل خلال عصر التمحيص بهمة ووعي، وبكل غلظة ، فينبغي
أن يأخذ عقابه اللازم بهمة ووعي و بكل غلظة ." لا يكفون
سيوفهم حتى يرضى الله عز وجل " .
صفحة (407)
القسم الثالث من هذا الفصل :
في تحديد مدة كثرة القتل بثمانية أشهر ونتكلم عن ذلك في ضمن
جهتين :
الجهة الأولى : في سرد الأخبار
الواردة لتحديد مدة وضع (السيف) في رقاب المحرفين . بثمانية
أشهر.
أخرج الصدوق في إكمال الدين(1)
بسنده عن أبي بصير ، قال : سمعت أبا جعفر يقول :