الجهة الربعة : في كيفية وروده
إلى مكة:
ونواجه حول ذلك أطروحتين
محتملتين :
الأطروحة الأولى: أن هؤلاء
الجماعة يصلون ألى مكة بشكل إعجازي ، يجعل وصولهم سريعاً جداً
. وهذا هو ظاهر قسم من الروايات ويكاد ان يكون صريح روايات
أخرى .
فهم " يجتمعون في ساعة واحدة ،
كما تجتمع قزع الخريف " وهم " الفقداء" قوم يفقدون من فرشهم
فيصبحون بمكة "وهو قول الله عز وجل : أينما تكونوا يأت بكم
الله جميعاً" والإستشهاد بالآية الكريمة في الأخبار بدفع
الإستغراب الناتج من تجمعهم الإعجازي .
والصريح في ذلك ما صرح من
الأخبار بأنهم يصلون عن طريق طي الأرض يعني اختصارها بطريق
إعجازي: ففي خبر ابن الصباغ :
فيصير إليه أنصاره من أطراف
الأرض تطوى لهم طياً ، حتى يبايعوه"
وفي خبر الطبرسي : " فتصير
شيعته من أطراف الأرض تطوى لهم طياً ، حتى يبايعوه"
بل أن ظاهر عدد من الروايات أن
المعجزة تتحكم في سرعة وصول الفرد تبعاً لمقدار إخلاصه . فكلما
كان إخلاصه أعمق اوصله الله تعالى بشكل أسرع ، فمن هنا سيكون
هؤلاء على عدة أقسام :
صفحة (270)
القسم ألأول: "من كان ابتلى
بالمسير" وهو السفر الأرضي .وظاهر سياق الرواية أنه أردأ
الأقسام ، بالرغم من أهميته .فلم يوفق إلى الوصول الإعجازي ،
القسم الثاني: "المفقودون من
فرشهم" يكون الفرد مستلقياً وهو نائم على فراشه ، فيوافيه في
مكة على غير ميعاد " وظاهر السياق العام :أنهم هم الذين تطوى
لهم الأرض . وبذلك فهم افضل من القسم الأول .
القسم الثالث :" الذي يسير في
السحاب نهاراً" وهو "يعرف بإسمه واسم أبيه ونسبه وحليته". وهم
الأسرع وصولاً والأعظم إعجازاً ... فيكون الأفضل من الثلاثة .
وظاهر هذه الروايات أن القسمين
الأخيرين لا يكونان إلا من الثلاثمائة والثلاثة عشر من الخاصة
.ولكن لا ظهور على انهم جميعاً يصلون بالمعجزة بل قد يكون منهم
من يكون من القسم الأول ، فيبتلى بالمسير .هذا ، فضلاً عن
غيرهم الذين هم أقل إخلاصاً ، فإن وصولهم عن طريق المعجزة غير
محتمل .
الأطروحة الثانية :أنهم يصلون
إلى مكة بطريق السفر الإعتيادي ،وقد سبق أن سمعنا كيف يحدث ذلك
في وقت واسع وبأسلوب طبيعي غير ملفت للنظر .
حيث سمعنا أنه ينادى باسم
المهدي (ع) في شهر رمضان ، ويكون موعد ظهوره في العاشر من محرم
الحرام وسيمر خلال هذه الفترة موسم الحج في ذي الحجة الحرام.
وحيث يعلم المخلصون الممحصون
حصول الظهور بمكة ، كما يعلمون بانفصال وقت الظهور عن وقت
النداء زماناً ليس بالكثير .إذن فسوف يسافر إلى الحج في ذلك
العام كل راغب بلقاء الإمام المهدي (ع) مع سائر الحجاج. وبعد
انتهاء موسم الحج سيختلف هؤلاء في الحجاز ، أو في مكة على
التعيين ، بدافع من رغبتهم الملحة في حدوثه وسيبقون هناك حتى
يحصل الظهور في محرم الحرام.
وبهذا نفهم كيف يحضر الفرد من
بلاده البعيدة ، بالرغم من أنه لا يعلم بنفسه أنه من المخلصين
الممحصين الكاملين كما سبق من ان الفرد لا يعلم انطباق نتجة
التخطيط عليه ، غير أنه يبقى في مكة انطلاقاً من إيمانه
وأشواقه ، لا نتيجة لمعرفته بحقيقة نفسه .
وبذلك تتم معرفة : كيف ان الله
يجمعهم من البلاد المتباعدة " قزعاً كقزع الخريف" أي قطعاً
كقطع السحاب حين تجتمع في السماء "على غير ميعاد" لا يعرف
بعضهم بعضاً ، ولا يعرف أي واحد منهم بمقصود الآخر ،وربما لا
يستطيع أن يسأله عن مقصوده أو أن يخبره بذات نفسه .إلا أن
جميعهم في الواقع ، منتظرون للظهور مؤيدون له بكل ما لديهم من
نفس ونفيس .
صفحة (271)
فإذا ظهر قائدهم ،كانوا هم أول
سامع لخطابه وأول مدافع عنه ، و أول مبايع له .
وهم من قبائل مختلفة ،ومن
بلدان شتى ، لا تجمعهم جنسية ولانسب ولا قبيلة .
إنما يكون من كل قبيلة "الرجل
والرجلان والثلاثة .حتى يبلغ تسعة" وهكذا الحق ينطبع على أفراد
قلائل على غير تعيين ، بحسب ما للفرد من قابليات وثقافة لا
بحسب جنسيته أو لغته أو نسبه .
وهم يجتمعون في ساعة واحدة ،
لا باعتبار أن الطريق إلى مكة يستوعب ساعة واحدة . فقط ،بطي
الأرض الإعجازي .فإن المعجزة لا تستغرق أكثرمن دقائق ولا تحتاج
إلى ساعة .وإنما بمعنى :أن وقت اجتماعهم متوافق في ساعة واحدة
يكونون كلهم في المسجد الحرام سوية ، ساعة إلقاء المهدي (ع)
خطبته ..بغض النظر عن كيفية وصولهم تماماً .
وأما انهم "يفقدون من فرشهم"
فباعتبار خروجهم خلسة عن أهلهم وذويهم المنحرفين الكارهين
للسفر إلى الحق ،سواء كان إلى الحج أو إلى المهدي (ع) .
وأما السير في السحاب نهاراً
فهو السفر بطريق الجو إلى مكة .وهو أيضاً بدوره اسلوب معتاد
وطبيعي في الوصول إلى مكة .
ولعمري أن هذه الأمور كانت حال
صدور هذه الأخبار ،وحال تسجيلها في مصادرها الأولى ، أموراً
على مستوى المعجزات ، إلا أن العصر الحديث عصر السرعة حقق ذلك
ورفع الإستغراب عنه ، نعم ، بقي الإعجاز في حصول الأخبار عن
هذه الأمور وتسجيلها في المصادر قبل حدوثها بمئات السنين . ولم
يكن قانون " كلم الناس على قدر عقولهم" ليسمح بالتصريح بهذه
الحقائق في ذلك العصر من قواد الإسلام الأوائل، بغير هذا
الأسلوب.
ونفس الشيء نستطيع أن نفهمه من
(طي الأرض) ، فإن الإنطباع العام عنه وإن كان هو الإعجاز حتى
يكون نصاً فيه بحسب الذوق العام ...إلا اننا يمكن أن نفهم منه
_ في كل مورد نسمعه في السنة الشريفة _ معنى رمزياً لسرعة
الإنتقال بالوسائط الحديثة ، أو ما كان على غرارها في أي عصر
ماض أو مستقبل .بإعتبار أن التصريح بحقيقة الأمر لم يكن
مناسباً مع فهم السامعين الموجودين في عصر صدور هذه الأخبار .
صفحة (272)
ومن تسلسل هذه الفكرة يمكن أن
نفهم الوجه فيما دلت عليه بعض الروايات من أن من يسير في
السحاب نهاراً أفضل من المفقود في فراشه ليلاً ، وذلك :لأننا
فهمنا أن المفقود من فراشه ليلاً سيتخذ طريق البر طريقاً له ،
على حين يتخذ الآخر طريق الجو. وطريق الجو أسرع وصول، فطبقاً
لإحتمال ظهور المهدي (ع) في اي لحظة ، يكون الوصول السريع بعد
(النداء) أدل على الإخلاص والإيمان ،لأن فيه توفيراً للوقت
الزائد على السفر البري ، واستعداداً للظهور بشكل أسرع .
كما يمكن ان نفهم معنى كون
الفرد الذي يسير في السحاب نهاراً ،معروفاً بحليته واسمه واسم
أبيه. فإن ذلك مما يضبط عادة في سجلات السفر في الدوائر
المختصة ، وفي الدفتر الذي تزوده به ،وإلا فليس المفروض ان
يعرفه كل الناس أو أغلبهم حتى لو سافر بالطريق الإعجازي إلا أن
تكون المعرفة بالطريق الإعجازي أيضاً .
وليس في الروايات صراحة في أن
المفقودين من فرشهم ،أعني من يسافرون أرضاً ، ليسوا معروفين
.فإنهم لا محالة معروفون لجماعة من الناس ،كالآخرين ومزودون
أيضاً بدفتر السفر الذي يحتوي على الصورة والإسم وأسم الأب
وغير ذلك .
بقيت حول هذه الأطروحة الثانية
(الطبيعية) بعض الإستفهامات ، ينبغي عرضها ونقدها ، لتستطيع
هذه الأطروحة أن تقف تجاه الأطروحة الأولى (إعجازية) .
الإستفهام الأول : إن ظاهر عدد
من الروايات ، أن الجميع يصلون سوية في صباح يوم واحد مشترك ،
يكون ـ في الأكثر ـ هو اليوم الذي يحصل الظهور خلاله ،او في
مسائه ، على ما في بعض الروايات ،وهذا لا يمكن تفسيره إلا
بالمفهوم الإعجازي فكيف نوافق بينها وبين الأطروحة الثانية
.؟!
وجوابه "إن كلا الإنطباعين وإن
كانا يردان إلى الخيال عند استعراض الروايات ، إلا أن
استظهارهما منها محل المناقشة .فإن الروايات قالت : "منهم من
يفقد عن فراشه ليلاً فيصبح بمكة " . وهذا صحيح بالنسبة إلى
الفرد الواحد ، باعتبار سرعة الواسطة التي تحمله ،وأما إن كان
كل الأفراد صلون في صباح يوم واحد، فهذا مما لا دليل عليه .
صفحة (273)
وأما بالنسبة إلى الإنطباع
الآخر ،وهو أنهم يجتمعون في يوم الظهور ،دون الأيام السابقة
عليه ، فكل ما سمعناه من الروايات أنها تقول :"فتصير شيعته من
أطراف الأرض .حتى يبايعوه " أو تقول : "وقد وافاه ثلثمائة
وثلاثة عشر رجلاً ، فيبايعونه" وهي غير دالة على ذلك كما هو
واضح ...إذ يناسب أن يصلوا في يوم ، ويبايعونه في يوم آخر مهما
كان هذا اليوم بعيداً .
الإستفهام الثاني : إن
الأطروحة الأولى الإعجازية ، موافقة لقانون المعجزات .لأن
مجيئهم الإعجازي السريع في وقت ضيق نسبياً ، هو الأوفق
بنجاحهم في مهمتهم ، ومن ثم نجاح المهدي (ع) نفسه .فيكون
المجيء الإعجازي دخيلاً في نجاح الدولة ـ العالمية العادلة
نفسها ، فيكون قيام المعجزة ضرورياً لذلك ، لأنها بحسب قانونها
تقوم حينما توقف عليها الهدف العادل وتطبق الهدى والحق .:الأمر
الآن على ذلك .
وبذلك تترجح الأطروحة الأولى ،
فكيف ولماذا نرجح الأطروحة الثانية؟
وجواب ذلك : إن قانون المعجزات
دلنا على أن المعجزة إنما تقوم إذا انحصر طريق إقامة الحق
والعدل بالمعجزة .واما إذا كان هناك أسلوبان كلاهما موصل إلى
نفس النتيجة ، احدهما طبيعي ، والآخر :إعجازي. لم تحدث المعجزة
، بل أوكلت النتيجة إلى الأسلوب الطبيعي لإنتاجها ،وإن كان
يستغرق وقتاً أكبر وجهداً أكثر، وقد استنتجنا من ذلك عدة نتائج
في التاريخ السابق .
وقلنا هناك أن كل ظهور في
الروايات أو غيرها ، يخالف هذا القانون ، ينبغي الإستغناء عنه
وعدم الإعتماد عليه.
والحال بالنسبة إلى هؤلاء
الخاصة كذلك، فإن الأطروحة (الطبيعية) لا قصور فيها عن انتاج
النتيجة ، وهو مؤازرة المهدي (ع) ودعم حركته ، فإن المهم
وجودها جميعاً حال إلقائه الخطبة ، التي هي أول لحظات الظهور
،وأما الذي لم يحدث لهم قبل ذلك ، فهذا لا يزيد ولا ينقص في
الأمر شيئاً إذا احرزت حياتهم إلى ذلك الحين ،وسنعرف عدم تعرض
أحد منهم للقتل.
فإذا كانت الأطروحة الطبيعية
منتجة للمطلوب ، كانت هي المتعينة ضد الأطروحة الإعجازية ، لأن
المعجزة لا تقوم مع إمكان الإنتاج بالطريق الطبيعي ، وكل ظهور
في الروايات يقف ضد ذلك ،لا بد من الإستغناء عنه .
الجهة الخامسة : في جنسيات
هؤلاء الثلاثمائة والثلاثة عشر ، بمعنى تعيين بلدانهم التي
كانوا فيها قبل حضورهم إلى مكة ، أو اللغات التي ينتسبون إليها
.
صفحة (274)
ويحسن بنا ،لاً ، أن نتذكر بعض
العبارات التي تمت إلى ذلك من الروايات السابقة ، ونضيف إليها
روايات أخرى ، لنعرف الموضوع بوضوح .
قالت الروايات : "فيأتيه ناس
من أهل مكة فيخرجونه ...أتاه أبدال الشام وعصائب أهل
العراق".و" يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي سلطانه" و"
الرجل والرجلان والثلاثة من كل قبيلة ، حتى يبلغ تسعة " و"
أصحاب القائم ثلثمائة .و ثلاثة عشر رجلاً أولاد العجم ."
وأخرج النعماني(1) بسنده إلى
أبان بن تغلب عن أبي عبد الله الصادق (ع) ، أنه قال:
سيبعث الله ثلثمائة وثلاثة عشر
إلى مسجد بمكة ، يعلم أهل مكة أنهم لم يولدوا من آبائهم ولا
أجدادهم . الحديث .
وأخرج الشيخ(2) عن الفضل بن
شادان بسنده عن جابر الجعفي :قال أبو جعفر(ع) :
يبايع القائم بين الركن
والمقام ثلاثمئة ونيف عدة أهل بدر .فيهم النجباء من أهل مصر
.والأبدال من أهل الشام ،والأخيار من أهل العراق .... الحديث .
وأخرج السيوطي في الحاوي(3) عن
الطبراني في الأوسط والحاكم عن ام سلمة قالت : قال رسول الله
(ص) :
يبايع لرجل بين الركن والمقام
عدة أهل بدر، فيأتيه عصائب أهل العراق وأبدال أهل الشام ...
الحديث .
وفي حديث آخر(4):
الأبدال من الشام وعصب أهل
المشرق . الحديث
صفحة (275)
ـــــــــــــــــ
(1) غيبة النعماني ص169.
(2) غيبة الشيخ الطوسي ص284.
(3) انظر ص129.
(4) ص137 منه.
وأخرج أيضاً(1) عن أبي غنم
الكوفي في كتاب الفتن عن علي بن أبي طالب ، قال :
ويحاً للطالقان ، فإن لله فيه
كنوزاً ليست من ذهب ولا فضة ، ولكن بها رجال عرفوا الله حق
معرفته ، وهم أنصار المهدي في آخر الزمان .ورواه الكنجي في
البيان(2) عن ابن أعثم الكوفي في كتاب الفتوح ،ونقله القندوزي
في الينابيع (3) عن الكنجي .ونقله عنه أيضاً في موضع آخرمن
الينابيع(4) بلفظ مقارب .
وهناك بعض الروايات التي تحمل
اسماء أصحاب المهدي (ع) وأسماء مدنهم تفصيلاً .ينبغي أن نذكر
بعض نماذجها لأجل أن نفهمها بعد ذلك فهماً متكاملاً.
أخرك ابن طاووس في الملاحم
والفتن(5) عن أبي صالح السليلي في كتاب الفتن . من عدد رجال
المهدي (ع) بذكر بلادهم، ثم ذكر السند إلى الإصبغ بن نباتة ،
قال: خطب أمير الأمؤمنين علي (ع) خطبة فذكر المهدي وخروج من
يخرج معه وأسمائهم . فقال : له أبو خالد الحلبي صفه لنا يا
أمير المؤمنين ! فقال علي (ع) :
ألا انه يشبه الناس خلقاً
وخلقاً وحسناً برسول الله (ص) .ألا أدلكم على رجاله وعددهم
.قلنا بلى يا أمير المؤمنين .
قتا: سمعت رسول الله (ص) قال :
أولهم من البصرة وآخرهم من اليمامة .وجعل علي (ع) يعدد رجال
(المهدي) (ع) والناس يكتبون فقال :
رجلان من البصرة ورجلان من
الأهواز ورجل من عسكر مكرم ، ورجل من مدينة تستر ،ورجل من دورق
،ورجل من الباستان (لعلها:الباكستان) واسمه علي ،وثلاثة ...من
اسمه (لعلها : اسمرة) :أحمد وعبد الله وجعفر، ورجلان من عمان
:محمد والحسن ،ورجلان من سيراف :شداد وشديد .وثلاثة من شيراز :
حفص ويعقوب وعلي.
صفحة (276)
ـــــــــــــــــ
(1) ص161 منه . (2)
انظرص69.
(3) ينابيع المودة ص589 غير
انه قال: رجال معروفون وهم عرفوا الله . الحديث .
(4) المصدر ص538. (5)
ص119وما بعدها .
وأربعة من أصفهان :موسى وعلي
وعبدالله وغلفان .ورجل من أبدح واسمه يحيى .ورجل من المرج (
العرج) واسمه داود .ورجل من الكرخ واسمه عبد الله .ورجل من
بروجرد واسمه قديم .ورجل من نهاوند واسمه عبد الرزاق .ورجلان
من الدينور :عبد الله وعبد الصمد .وثلاثة من همدان : جعفر
واسحق وموسى .وعشرة من قم: اسماؤهم على أسماء أهل بيت رسول
الله (ص) ورجل من خراسان اسمه دريد .وخمسة من الذين أسماؤهم
على أهل الكهف .ورجل من آمل .ورجل من جرجان .ورجل من هراة
.ورجل من بلخ .ورجل من قراح ،ورجل من عانة . ورجل من دامغان
،ورجل من سرخس وثلاثة من اليسار ، ورجل من ساوة ورجل من سمرقند
وأربعة وعشرون من الطالقان ، وهم الذين ذكرهم رسول الله (ص) ،
وفي خراسان(1) كنوز لا ذهب ولا فضة، ولكن رجال يجمعهم الله
ورسوله .ورجلان من قزوين ، ورجل من فارس ،ورجل من أبهر ، ورجل
من برجان (لعلها جرجان) ورجل من جموح ،ورجل من شاخ ، ورجل من
صريح ، ورجل من اردبيل ،ورجل من مراد ، ورجل من تدمر ،ورجل من
أرمينية ، وثلاثة من المراغة ،ورجل من خوي ،ورجل من سلماس ورجل
من أردبيل (مكرر في الرواية) ورجل من بدليس ورجل من نسور ،ورجل
من بركري ورجل من سرخيس. ورجل من من ارجرد (لعلها :بروجرد) ،
ورجل من قلقيلا، وثلاثة من واسط ، وعشرة من الزوراء ، ورجل من
السراة ،ورجل من النيل، ورجل من صيداء ،ورجل من جرجان ،ورجل من
القصور ،ورجل من الأنبار ،ورجل من عكبرا ،ورجل من الحنانة
،ورجل من تبوك ، ورجل من الجامدة ، وثلاثة من عبادان ،وستة من
حديثة الموصل ،ورجل من الموصل ، ورجلمن معلثاي، ورجل من نصيبين
،ورجل من كازرون ورجل من فارقين (أقول أصله :ميا فارقين ) ورجل
من آمد ،ورجل من راس العين ،ورجل من الرقة ورجل من حران، ورجل
من بالس ،ورجل من قبج ..
صفحة (277)
ـــــــــــــــــ
(1) قوله : كنوز لا ذهب ولا
فضة .ورد بالنسبة إلى الطالقان في الرواية السابقة لا بالنسبة
إلى خراسان ، فلعل قوله: وفي خراسان هنا ، زائد والعبارة تنسجم
بدونه.
ثلاثة من طرطوس ،ورجل من
القصر، ورجل من أدنة (لعلها أدرنة) ورجل من خمري (أقول أصلها :
باخمري) ورجل من عرار (لعلها :عرعر)، ورجل من قورص (لعلها :
قبرص) ،ورجل من انطاكية ،وثلاثة من حلب ،ورجلان من حمص .وأربعة
من دمشق، ...ورجل من سورية ،ورجلان من قسوان (لعلها :اسوان) ،
ورجل من قيموت (لعلها :بيروت) ورجل من كراز ورجل من أذرح ،ورجل
من عامر ، ورجل من دكار .ورجلان من بيت المقدس ،ورجل من الرملة
،ورجل من بالس (مكرر) ورجلان من عكا ،ورجل من صور ، ورجل من
عرفات ،ورجل من عسقلان ،ورجل من غزة \،وأربعة من الفسطاط
.ورجل من قرميس، ورجل من دمياط ، ورجل من المحلة ورجل من
الأسكندرية ورجل من برقة ،ورجل من طنجة ورجل من الإفرنجة (يعني
أوروبا بلاد الإفرنج، أو فرنسا خاصة) ورجل من القيروان وخمسة
من السوس (لعلها : الشرق الأقصى) ، ورجلان من قبرص ،وثلاثة من
حميم . قوص .ورجل من عدن ورجل من علالي، وعشرة نت مدينة الرسول
(ص) وأريعة من مكة ،ورجل من الطائف، ورجل الدير ، ورجل من
الشيروان ورجل من زبيد ،وعشرة من مرو ورجل من الإحساء ورجل من
القطيف، ورجل من هجر ، ورجل من اليمامة .قال علي عليه الصلاة
والسلام :
أحصاهم لي رسول الله (ص)
ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، بعدد أصحاب بدر ، يجمعهم الله من
مشرقها إلى مغربها .
فهؤلاء حوالي المائتين
والأربعين فرداً ،وهو ينقص عن العدد المطلوب بتسعين .
وهناك رواية تذكرهم بكاملهم
وتذكر أسماءهم ومدنهم ، يحسن بنا أن نذكرها بالرغم من طولها ،
لنتوفر على المقارنة بين الروايتين .
روي في إلزام الناصب(1) بسند
ضعيف عن عبد الله بن مسعود رفعه إلى علي بن أبي طالب :لما تولى
الخلافة ....أتى البصرة فرقي جامعها وخطب الناس ...وهي آخر
خطبة خطبها "وتسمى خطبة البيان ،وهي لها نسختان وهذا النص
مطابق لأحد النسختين .كما ذكر في المصدر" أقول :بين النسختين
اختلاف كبير جداً ونحن ننقل منها بمقدار الحاجة من النسخة
الأولى :
صفحة (278)
ـــــــــــــــــ
(1) ص193 وما بعدها إلى عدة
صفحات طايران.
اسمعوا أبين لكم أسماء انصار
القائم ! .إن أولهم من أهل البصرة وآخرهم من الأبدال .فالذين
من أهل البصرة رجلان:اسم أحدهما علي والآخر محارب .ورجلان من
قاشان :عبد الله وعبيد الله .وثلاثة رجال من المهجمة :محمد
وعمر ومالك .ورجل من السند :عبد الرحمن .ورجلان من حجر (لعلها
:هجر) :موسى وعباس .ورجل من الكورة: ابراهيم .ورجل من شيراز
عبد الوهاب .وثلاثة رجال من سعداوة :أحمد ويحيى وفلاح .وثلاثة
رجال من زين :محمد وحسن وفهد .ورجلان من حمير :مالك وناصر.
وأربعة رجال من سيروان ، وهم :عبد الله وصالح وجعفر وابراهيم.
ورجل من عقر :أحمد . ورجلان من المنصورية :عبد الرحمن وملاعب
.وأربعة رجال من سيراف :خالد ومالك وحوقل وابراهيم ،ورجلان من
خوفج (لعلها خوي) :محروز ونوح .ورجل من المثقة ، هارون ورجلان
من السنن (لعلها السند): مقداد وهود. وثلاثة من رجال الهويقين
: عبد السلام وفارس وكليب.ورجل من الزناط :جعفر .وستة رجال من
عمان :محمد وصالح وداود وهواشب وكوش ويونس ،ورجل من العارة
(لعلها :عانة) مالك .ورجلان من ضفار يحيى وأحمد. ورجل من كرمان
: عبد الله .وأربعة رجال من صنعاء :جبرائيل وحمزة ويحيى وسميع
.ورجلان من عدن :عون وموسى .ورجل من لونجة كوثر.
ورجلان من صمد (لعلها : صفد)
علي وصالح .وثلاثة رجال من الطائف :علي وسبا وزكريا .ورجل من
هجر :عبد القدوس .ورجلان من الخط :عزيز ومبارك .وخمسة رجال من
جزيرة آوال ،وهي البحرين :عامر وجعفر ونصير وبكير وليث .ورجل
من الكبش :فهد (محمد) .ورجل من الجدا :أبراهيم .وأربعة رجال من
مكة :عمر وابراهيم ومحمد وعبد الله .وعشرة من المدينة ،على
أسماء أهل البيت :
علي وحمزة وجعفر وعباس وطاهر
وحين وحسين وقاسم وابراهيم ومحمد.
وأربعة رجال منا لكوفة : محمد
وغياث وهود وعتاب (عباب) ورجل من مرو :حذيفة ، ورجلان من
نيشابور: علي ومهاجر .ورجلان من سمر قند : علي وجاهد ، وثلاثة
رجال من كازرون :عمر ومقمر ويونس .
صفحة (279)
ورجلان من الأسوس : شيبان وعبد
الوهاب . ورجلان من دستر-: احمد وهلال . ورجلان من الضيف :
عالم وسهيل . ورجل من طائف اليمن : هلال . ورجلان من مرقون :
بشر وشعيب . وثلاث رجال من بر وعد : يوسف وداود وعبد الله .
ورجلان من عسكر مكرم : الطب وميمون . ورجل من واسط : عقيل .
وثلاثة رجال من الزوراء : عبد المطلب واحمد وعبد الله ورجلان
من سر من راى : مرائي وعامر . ورجل من المسهم (المتهم ) ، :
جعفر وثلاث رجال من سيلان : نوح وحسن وجعفر . ورجل من كرخ
بغداد : قاسم . ورجلان من نوبة : واصل وفاضل . وثمانية رجال من
قزوين : هارون وعبد الله وجعفر وصالح وعمر وليث وعلي ومحمد.
ورجل من البلخ : حسن . ورجل من المداغة ( لعلها: المراغة )
صدقة . ورجل من قم : يعقوب . واربعة وعشرون من الطالقان ، وهم
الذين ذكرهم رسول الله (ص) فقال : أجد بالطلقان كنز ليس من
الذهب ولا فضة (الفضة) ، فهم هولاء كنزهم الله فيها وهم صالح
وجعفر ويحييى وهود وفالح وداود وجميل وفضيل وعيسى وجابر وخالد
وعلون وعبد الله وايوب وملاعب وعمر وعبد العزيز ولقمان وسعد
وقبضة ومهاجر وعبدون وعبد الرحمن وعلي . ورجلان من سحار : أبان
وعلي .
ورجلين من شرحيس : ناحية وحفص
. ورجل من الانبار : علوان . ورجل من القادسية : حصين . ورجل
من الدورق: عبد الغفور وستة رجال من الحبشة : ابراهيم وعيسى
ومحمد وحمدان واحمد وسالم . ورجلان من الموصل: هارون وفهد .
ورجل من بلقا : صادق. ورجلان من نصيبين احمد وعلي . ورجل من
سنجار : محمد ورجلان من خرسان(لعلها: خراسان): نكبة ومنسون .
ورجلان من ارمينية : احمد وحسين . ورجل من اصفهان : يونس .
ورجل من وهان ( لعلها : وهران ) حسين . ورجل من الري : مجمع .
ورجل من دنيا : شعيب . ورجل من هراش : نهروش . ورجل من سلماس :
هارون ورجل من بلقيس : محمد . ورجل من الكرد : عزن ورجل من
الحبش كثير . ورجلان من الحلاط : محمد وجعفر . ورجل من الشوبا
: عمير . ورجلان من البيضا : سعد وسعيد . وثلاث رجال من الضيعة
: زيد وعلي وموسى . ورجل من أوس : محمد. ورجل من الانطاكية :
عبد الرحمن .
صفحة (280)
ورجلان من حلب : صبيح ومحمد .
ورجل من حمص : جعفر . ورجلان من دمشق : داود وعبد الرحمن .
ورجلان من الرملية (لعلها: الرميلة) : طليق وموسى . وثلاث رجال
من بيت المقدس : بشر وداود وعمران وخمسة رجال من غسقان ( لعلها
: عسفان ) محمد ويوسف وعمر وفهد وهارون . ورجل من عزة : عمير.
ورجلان من عكة(عكا) مروان وسعد . ورجل من عرفة : فرخ . ورجل من
الطبرية : فليح . ورجل من البلسان : عبد الوارث . واربعة من
القسطاط (لعلها الفسطاط ) من مدينة فرعون لعنة الله : احمد
وعبدالله ويونس وظاهر. ورجل من بالس :قيصر. واربعة رجال من
الاسكندرية: حسن ومحسن وشبيل وشيبان.وخمسة رجال من جبل اللكام
: عبد الله وعبيدالله وقادم وبحر وطالوت . وثلاثة رجال من
السادة : صلب وسعدان وصبيب . ورجلان من الافرنج : علي واحمد .
ورجلان من اليمامة : ظافر وجميل . واربعة عشر رجلا من المعادة
: سويد واحمد ومحمد وحسن ويعقوب وحسين وعبدالله وعبد القديم
ونعيم وعلي وحيان وظاهر وتغلب وكثير . ورجل من المرطة : معشر .
وعشرة رجال من عبادان : حمزة وشيبان وقاسم وجعفر وعمر وعامر
وعبد المهيمن وعبد الوارث ومحمد واحمد . واربعة عشر من اليمن :
جبير وحويش ومالك وكعبب واحمد وشيبان وعامر وعمار وفهد وعاصم
وحجرش وكلثوم وجابر ومحمد. ورجلان من بدو مصر : عجلان ودواج .
وثلاثة رجال من بدو عقيل : منبه وضابط وعريان . ورجل من بدو
غير : عمر . ورجل من بدو شيبان : نهرش . ورجل من تميم : ريان .
ورجل من بدو قين : جابر . ورجل من بدو كلاب : مطر . وثلاث رجال
من موالي اهل البيت : عبدالله ومخنف وبراك . واربعة رجال من
موالي الانبياء : صباح وصياح وميمون وهود . ورجلان مملوكان :
عبد الله وناصح . ورجلان من الحلة : محمد وعلي . وثلاثة رجال
من كربلاء : حسين وحسين وحسن . ورجلن من النجف . جعفر ومحمد .
وستة رجال من الابدال ، كلهم اسماؤهم عبد الله .....الحديث
وينبغي ان نتحدث عن هذه
الروايات ضمن عدة نواحي : الناحية الاولى : تحتوي هاتان
الروايتان الاخيرتان على عدة من نقاط الضعف : النقطة الاولى :
انهما معا ضعيفتان سندا والثانية تزيد على ذلك بانها مرفوعة ،
والمرفوع ما يكون محذوف بعض
رواته مرسولاً فلا يكون قابلاً للإثبات.
صفحة (281)
النقطة الثانية :إن لخطبة
البيان نسختين غير متشابهتين . يكفينا أنه ليس في النسخة
الثانية تعرض لأنصار الإمام المهدي (ع). وإنما تعدد أسماء
الحكام الذين يوزعهم على العالم .ونحن لا نعلم أن أي النصين أو
النسختين هي الصادرة عن أمير المؤمنين (ع) ، فيكون كلاهما
ساقطاً عن قابلية ألإثبات .
النقطة الثالثة : إن عدداً من
المدن والأماكن المذكور فيها غير معروف .وينبغي أن نلتفت أن
للخطأ المطبعي والكتابي دخلاً كبيراً في تغيير أسماء البلدان
،مضافاً إلى صعوبة الضبط خلال كتابة الخطبة ، في مثل القوائم
المفصلة ، مع تشابه الأسماء وتفرق البلدان .
هذا ولعل بعضها قرى منعزلة غي
معروفة ، وبعضها معروف ولكنه بائد الآن تماماً .
ولعل بعضها مدن ستوجد في
المستقبل لا نعلم الآن منها شيئاً !!
النقطة الرابعة : إن هاتين
الروايتين بالرغم من التقائهما في عدد من المضامين إلا انها
تحتوي على عدد من نقاط التعارض ، كما لا يخفى على القارىء عند
المقارنة .
النقطة الخامسة : توجد بعض
الروايات الأخرى الناقلة لأسماء أنصار الإمام المهدي (ع) ، وهي
تختلف ايضاً مع كلتا الروايتين وفي أسماء المدن وأسماء الأشخاص
معاً ، في أسماء المدن وأسماء الأشخاص معاً ،وإن اتفقت معهما
على بعض الأمور الرئيسية ، كعدد الطالقانيين في هؤلاء الخاصة .
ومهما يكن شأن تلك الروايات
التي لا نحب الإطالة بذكرها ، فإنها تعارض كلتا هاتين
الروايتين في عدد من مضامينهما ... فتكون قابلية هاتين
الروايتين وتلك المشار إليها ، للإثبات التاريخي أقرب للوهن
والسقوط.
ولكننا إذا أردنا أن نكون عن
جنسيات أصحاب الإمام المهدي فهماً معيناً لا بد ان نغض النظر
عن هذ النقاط ...وإلا كان الطريق إلى فهم ذلك منسداً تقريباً
،وإن كان الجهل بذلك لا يحتوي على إسفاف تاريخي أو عقائدي.
الناحية الثانية :لا يخفى وجود
نقطتين للقوة في هذه الروايات ،ونظرنا إلى هذا الإستدلال بها ،
لو ضممنا إلى الروايتين الأخيرتين مع معطيات الروايات ،
ونظرنا إلى هذا المجموع كله .
النقطة الأولى :اشتراك مضمون
كل من الروايتين الأخيرتين مع معطيات الروايات الأخرى ...إذا
لوحظت الروايتين كل على حدة .
صفحة (282)
النقطة الثانية : أن هناك عدد
من المعطيات مشترك بين هاتين الروايتين ومشترك في نفس الوقت مع
مضمون بعض الروايات السابقة .وإذا أصبح المضمون متسالماً عليه
بهذا الشكل ، فمن الممكن القول بأنه ثابت تاريخياً ومتجاوز
نقاط الضعف السابقة ، باعتبار تسالم عدد من الروايات على صحته
.وسنرى لكل من هاتين النقطتين فيما يلي :
الناحية الثالثة : أننا
بملاحظة مجموع الروايات الناقلة لجنسيات أصحاب الإمام
المهدي(ع) ويمكن أن نصل إلى النتائج التالية:
النتيجة الأولى : أن مضمون
(حديث الطالقان) مروي عن النبي (ص) من كلا الفريقين .وإن اختلف
بعض الفاظه.
النتيجة الثانية : إن مقدار
الكنز الذي بشربه النبي (ص) وامتدحه ، في الطالقان ، مكون من
أربعة وعشرين رجلاً .فإن ذلك مما تسالمت عليه جميع الروايات
الناقلة لأسماء هؤلاء الأصحاب ، بالرغم من اختلافاتها الأخرى .
النتجة الثالثة : إن مصر
والشام والعراق من جملة البلاد التي تحتوي على عدد من هؤلاء
الخاصة . فقد ذكرت ذلك على وجه الإجمال الروايات من الفريقين ،
كما ذكرا الروايات المكرسة لأسمائهم عدداً من مدن هذه البلاد
وأن في كل منها جماعة منهم .
النتيجة الرابعة : نصت
الروايات التي سمعناها على أن هؤلاء يجتمعون من مختلف بقاع
العالم ...وهذا هو نفس المعطى الذي توحيه الروايات المكرسة
لأسمائهم .
النتيجة الخامسة :إن الأعم
الأغلب من هؤلاء الخاصة ،هم من المشرق الأوسط الذي كان هو
الموقع الرئيسي لخط الأنبياء والمرسلين ، والمنطلق الأهم
للتخطيط الإلهي .فمصر سوف ترسل من عدد من مدنها (نجباء) ...
والعراق سوف تعطي عدداً آخر (أخياراً) وخاصة من البصرة والكوفة
والنجف ...والشام تبعث أبدالاً وخاصة من دمشق نفسها .وإن كان
عنوان الشام في الأخبار شاملاً لكل من سوريا ولبنان والأردن
وفلسطين .والحجاز سوف تشارك في هذا المجد العظيم بأفراد من
مدينتها المقدستين : مكة المكرمة والمدينة المنورة وغيرهما .
و(المشرق) سوف يشارك أيضاً في
هذه المهمة الجليلة ، كما نصت على ذلك الروايات الموجزة
والروايات المطولة معاً .فإنه عنوان ينطبق على ما كان في شرق
المنطقة المشار إليها ، أعني في شرق العراق على وجه التحديد .
وهو يشمل إيران على الخصوص، والمنطقة الشاملة لأفغانستان
وباكستان والجمهوريات المسلمة في الإتحاد السوفيتي على العموم
.وقد عددت الروايات المطولة عدداً من مدن هذه المنطقة ،وإن كان
أغلبها من إيران خاصة.
صفحة (283)
النتيجة السادسة : إن سائر
مناطق العالم سوف تشارك في هذه المهمة ولكن على نطاق أضيق .
وإن أوسع المناطق مشاركة بعد
المناطق السابقة هو الشمال الأفريقي المسلم، وتليه إفريقيا
السوداء ،وهنالك أفراد من اليمن وشرق الجزيرة العربية ومن
،أوروبا وقبرص ومن الشرق الأقصى ،وهذا ما تدل عليه الروايات
المطولة من الخصوص ،وما دل من الروايات على ان أصحاب المهدي
(ع) يجتمعون في كل مناطق العالم.
الناحية الرابعة : إذا اعتبرنا
اتفاق الروايتين الأخيرتين ، قابلاً للإثبات التاريخي .
أمكننا أن نلاحظ ما يلي :
أولاً: اتفقت الروايتان على
نسبة قليلة من المدن . فبينما ذكرت الرواية الأولى مائة وستاً
وعشرين مدينة والثانية : مائة وست مدن مع انساب وعناوين
أخرى... نراهما يتفقان في تسمية خمس وثلاثين مدينة فقط . وهي
نسبة تقل عن الثلث في كلتا الرواتين .
ثانياً : لأجل الحقيقة وتسهيلا
على القارئ نذكر المدن المتفق عليها : البصرة ، عسكر مكرم ،
عمان ، سيراف ، شيراز ، أصفها ، الكرخ ، قم ، الطالقان ، قزوين
، أرمنية ، الزوراء ، عبادان ، الموصل ، نصبين، نابليس ، حلب،
حمص ، دمشق، بيت المقدس، غزة ، الفسطاط الإسكندرية ، الافرنج
، عدن ، المدينة ، مكة ، الطائف، مرو ، هجرعرفات (عرفة) ، رملة
(رملية) عكا ، انطاكية ، اليمامة .
ثالثا: اختلفت الرواتيات في
العدد الذي يخرج من هذه المدن .... فيما عدا احدى عشر مدينة ،
هي كما يلي: البصرة اثنان ، الطالقان أربع وعشرون بالس واحد ،
عرفات واحد ، الفسطاط أربعة ، المدينة المنورة عشرة ، مكة
المكرمة أربعة، هجر واحد ، عكر اثنين . أنطاكية واحد.
رابعاً: اهملت الرواية الثانية
عدداً من المدن المهمة التي ذكرتها الرواية الاولى والتي يبعد
أن لا يوجد أحد من الخاصة نذكر على سبيل المثال : بروجرد
ونهاوند وهمدان وخرسان وأردبيل وصيدا وصور والاحساس والقطيف
ودمياط والقيروان .
واهملت الرواية الثانية عددا
من المدن المهمة التي ذكرتها الرواية الاولى والتي يبعد أن لا
يوجد أحد من الخاصة . نذكر على سبيل المثال : بروجرد ونهاوند
وهمدان وخرسان وأربيل وصيدا وصور والاحساء والقطيف ودمياط
والقيروان .
واهتمت الرواية الاولى عددا من
المدن المهمة أيضا ، مما ذكرتة الرواية الثانية ـ كعمان وقاشان
وسمر قند وبغداد وكربلاء والنجف والكوفة وعكا والبحرين واليمن
.
ويعتبر هذا من نقاط الضعف في
هاتين الروايتين .
صفحة (284)
الناحية الخامسة : هناك بعض
الاستفهامات حول هذه الروايات ، نذكر اهمها ، خشية التطويل :
الإستفهام الأول: دلت بعض
الروايات السابقة على ان هؤلاء الخاصة هم(أولاد العجم)...فهل
يمكن الأخذ بذلك؟
وجوابه :أننا بعد أن نلفت
الإنتباه إلى أن المراد من العجم غير العرب عموماً لا خصوص
الفرس .نجد نسبة عالية من المدن المذكورة في كل من الروايتين
المطولتين هي مدن غير عربية .وإن الأهم منهم وهم الطالقانيون
من العجم .غير أن هذه النسبة ان تزيد على النصف كثيراً ، بل
لعلها أقل، كما يتضح عند الإحصاء والمقارنة .
ومعه لا يمكن الإلتزام بظاهر
تلك الرواية بأن كلهم او أغلبهم من العجم فإن فيهم من العرب
نسبة عالية بكل تأكيد على أن اللغة غير مهمة بإزاء الدفاع عن
الحق وتوطيد الهدف العادل.
الاستفهام الثاني : دل الخبر
الذي اخرجه ابو داود وغيره ، على ان اهل مكة الذين يخرجون
المهدي (ع) ويبايعونه وظاهره ان جميعهم من اهل مكة فهل يمكن
الالتزام بذلك ؟
وجوابة : انه كان المراد من
اهل مكة : من يكون فيها يومئذ \ن فهذا صحيح، لأن جميع الخاصة
سوف يكونون فيها ، فيكونون من اهلها بهذا المعنى ، مهما كانت
بلدانهم السابقة .
وان كان المراد سكانها
الاعتياديون ، كما هو مفهوم عادة من اللفظ اعني (أهل مكة)
.... فهو غير صحيح ، فان آحاد أمنهم من اهلها غير الكثرة
الكاثرة منهم ليسوا منهم على أي حال . يدل على ذلك ما في
الخبر نفسه من أن منهم (ابداب الشام وعصائب أهل العراق) وان
منهم (ناس من المشرق) وان منهم (الرجل والرجلان والثلاثة من كل
قبيلة ...) وليست القبائل كلها في مكة .
مضافاً الى الرواتين المطولين
اللتين دلتا على ان جميعهم ما عدا اربعة فقط من غير اهل مكة
إذا اضفت الى ذلك : الخبر الذي سمعناه عن ابي عبدالله الصادق
(ع) .
"سيبعث الله ثلثمائة وثلاثة
عشر إلى مسجد مكة ، يعلم أهل مكة أنهم لم يولدوا من آبائهم ولا
أجدادهم ".
صفحة (285)
وظاهره أنهم جميعاً ليسوا من
أهل مكة ، غير ان التنزل عن هذا الظاهر في أربعة فقط ، غير
عسير .
مضافاً إلى ما سنسمعه ، غير
بعيد ، من أن وجود هؤلاء في مكة سيشكل (مشكلة قانونية) بصفتهم
غرباء لم يدخلوا بترخيص من الجهات الحاكمة ،كما دلت عليه
الأخبار .
فلو كانوا من أهل مكة ،لم يكن
لهذ ه المشكلة أي موضوع.
الإستفهام الثالث: هل أن وجود
بعض هؤلاء الخاصة في مدينة ما ، يعتبر شرفاً وفضيلة تلك
المدينة ، أم لا؟
وجوابه: أنه لا شك أن هذه جهة
معينة مهمة جداً بالنسبة إلى أي مدينة ، غير أنه ينبغي
المبالغة في ذلك...... لأن السبب الرئيسي لتكامل الفرد في
المدن الإعتيادية ، ما لم تحتو المدينة على زخم علمي وعقائدي
خاص موجب للتكامل كالذي يوجد في القاهرة والنجف وقم وجامعة
القرويين وأمثالها في العالم الإسلامي وإلا فسيكون المسبب
الرئيسي للتكامل هو زيادة الظلم والإنحراف الساري المفعول ضد
المؤمنين في كل الأجيال . وكلما تطرف أهل المدينة إلى جانب
الباطل تطرف هؤلاء إلى جانب الحق وكما برهنا عليه في التاريخ
السابق ومن هنا يكون سبب التكامل العالي ، حتى يكون الفرد
بدلاً من الأبدال ،وهو تطرف الأفراد الآخرين إلى جهة الباطل
وإضطهادهم الأفراد المؤمنين إلى أقصى حد.
وهذا هو الذي يجعل إنتاج
المدينة الإعتيادية لبعض الأفراد المتكاملين الخاصين ، لايمثل
شرفاً ولا فضيلة بالنسبة إلى الأفراد الآخرين في الأعم الأغلب
.
الجهة السادسة :من هذا الفصل:
في المشكلة القانونية التي يحدثها بقاء هؤلاء الثلاثمائة
والثلاثة عشر في مكة المكرمة ، ما بين ورودهم إلى حين تحقق
الظهور .
ونتحدث عن ذلك ، ضمن عدة نقاط
:
النقطة الأولى : في محاولة فهم
هذه المشكلة أساساً .
أن المنطلق الأساسي الذي يثير
المشكلة هو وجود هؤلاء الغرباء فترة من الزمن تقل أو تكثر
بدون سبب ظاهر .
صفحة (286)
ـــــــــــــــــ
(1) ص244 وما بعدها .
إنها مشكلة مفهومة في جو
المجتمع القديم ، حين كان الغريب منظوراً إليه بعين الإستغراب
،ومراقباً من قبل أي فرد في كل تحركاته ، تصعب مجاملته
ومكالمته وتعتبر الصداقة معه خطوة خطرة . بل أن مجرد بيع
الطعام إليه لأ يكون إلا بالحذر. فكيف إذا كان الغرباء كثيرين
في وقت لم تعتد المدينة على استقبال الزوار. وكان من الواضح
عدم وجود هدف معين لإجتماعهم . ولم يتذكر فرد من أهل البلدة
أنه رأى أي واحد منهم طيلة حياته . إن أهل مكة سيعيشون مثل هذه
المشكلة إذا كانوا يمثلون المجتمع القديم .
وهي مشكلة مفهومة أيضاً ، بحسب
قوانين الدول الحديثة ، على كلا الفهمين (الطبيعي) والإعجازي
في ورودهم إلى مكة.
أما طبقاً للفهم الطبيعي الذي
أعطيناه وهو أنه سوف يقع النداء في شهر رمضان وسيظهر الإمام
المهدي(ع) ـ كما دلت الروايات ـ في اليوم العاشر من محرم
الحرام ، فتكون المدة المتخللة ،وهي حوال أربعة أشهر ، فترة
كافية للسفر الإعتياي إلى مكة لمقابلة الإمام (ع) ، من قبل أي
شخص مشتاق إلى ذلك ، وسيمر موسم الحج خلال هذه الفترة ،وسيكون
الذهاب من هذه الجهة مشروعاً تماماً للناس ، كما سيفوز الفرد
المخلص بأداء فريضة الحج أولاً وبمقابلة الإمام المهدي (ع)
ثانياً .
إن هذه الأطروحة هي مركز
المشكلة بالنسبة إلى أهالي مكة ، فإن ما بين انتهاء فترة الحج
واليوم العاشر من محرم أكثر من خمسة وعشرين يوماً .والمفروض أن
الحجاج سيعودون أدراجهم بعد انتهاء موسم الحج مباشرة ،كما هو
الحال في كل عام فما الذي حصل في أن تتخلف جماعة كبيرة بعد
الحج زمناً طويلاً نسبياً ؟ وما هي مقاصدهم من هذاالتخلف .؟
إن هؤلاء(الخاصة) لا يمكنهم أن
يصرحوا بهدفهم الحقيقي لأحد ، بل لعل أي واحد لا يستطيع أن
يصرح للآخر منهم بذلك ، لعدم سابق معرفة بينهم أصلاً فضلاً عن
التصريح به للشعب المكي أو للحكام .
إن غاية ما يستطيع الفرد منهم
أن يعمله ، هو أن يأخذ إذناً بالإقامة لمدة شهر ، عسى أن يحصل
الظهور خلاله ، فإن لم يحصل أخذوا إذناً بالبقاء شهراً آخر
.ولكن الظهور سوف لن يتأخر عنهم أكثر من شهر .
فهذه هي الصورة للفهم الطبيعي
الذي أعطيناه .وسنعرف فيما بعد مدى صحة هذه الصورة وعدمها .
صفحة (287)
وأما طبقاً للفهم الإعجازي
لإجتماعهم ، وذلك في الليلة السابقة على الظهور ، كما سنسمع ..
فالمشكلة أوضح، إذ يصبح اهل مكة ، فيجدون هؤلاء بالمئات من
الناس يتجولون في الأسواق بدون هدف معروف .لا يعرفون واحداً
منهم ، ولم يسبق لأي منهم أن حمل في فيجيبه جواز سفر أو إذناً
بالإقامة .
ولعل الروايات أقدر مني في
بيان شكل المشكلة . غير أنها منطلقة من زاوية إعجازية ـ اولاًـ
وفي مجتمع لا تحكمه دولة نظامية حديثة ، ثانياً .
النقطة الثانية : في سرد
الروايات الواردة بهذا الصدد.
وهي عدة روايات ، اكثرها يورد
المشكلة باختصار .ولعل أهم الروايات وأوضحها :ما أخرجه ابن
طاووس في الملاحم والفتن (1) نقلاًعن كتاب يعقوب بن نعيم
قرقارة الكاتب لأبي يوسف . قال ابن طاووس :قال النجاشي الذي
زكاه محمد بن النجار :إن يعقوب بن نعيم المذكور روى عن الرضا
(ع) وكان جليلاً في أصحابنا ثقة .
ورأينا أن ما ننقله في نسخة
عتيقة لعلها كتبت في حياته ، وعليه خط السعيد فضل الله
الرواندي قدس الله روحه فقال: ما هذا لفظه :
حدثني أحمد بن محمد الأسدي عن
سعيد بن جناح عن مسعدة أن أبا بصير قال لجعفر بن محمد (ع) :هل
كان أمير المؤمنين (ع) يعلم مواضع أصحاب القائم (ع) كما كان
يعلم عدتهم . فقال جعفر بن محمد (ع) : إ ي والله يعرفهم
بأسمائهم رجلاً فرجلاً ،ومواضع منازلهم . أقول وتحتوي هذه
الرواية على تعداد الأماكن وإن من كل مكان رجل أو رجلان أو
أكثر، من دون تسمية ثم يقول :
فهؤلاء ثلاثمائة وثلاثة عشر
رجلاً ، يجمعهم الله عز وجل بمكة في ليلة واحدة ، وهي ليلة
الجمعة .فيصبحون بمكة في بيت الله الحرام ، لايتخلف منهم رجل
واحد ، فينتشرون بمكة في أزقتها ويطلبون منازل يسكنونها ،
فينكرهم أهل مكة ،وذلك(لأنهم) لم يعلموا بقافلة قد دخلت من
بلدة من البلدان لحج ولا لعمرة ولا تجارة .فيقول من يقول من
أهل مكة بعضهم لبعض :ما ترون .قوماً من الغرباء في يومنا هذا ،
لم يكونوا قبل هذا ليس هم من أهل بلدة واحدة ولا هم قبيلة
واحدة .ولا معهم اهل ولا دواب .
صفحة (288)
ـــــــــــــــــ
(1) ص169وما بعدها.
فبينما هم كذلك ، إذ أقبل رجل
من بني مخزوم فيتخطى رقاب الناس ويقول : رأيت في ليلتي هذه
رؤيا عجيبة ، وأنا لها خائف وقلبي منها وجل .فيقولون :سر بنا
إلى فلان الثقفي ، فاقصص عليه رؤياك .فيأتون الثقفي ، فيقول
المخزومي :رأيت سحابة انقضت من عنان السماء ، فلم تزل حتى
انقضت على الكعبة ما شاء الله ،وإذا فيها جراد ذو أجنحة خضر،
ثم تطايرت يميناً وشمال، لا تمر ببلد إلا احرقته ،ولا بحصن إلا
حطمته .
فيقول الثقفي : لقد طرقكم هذه
الليلة ، جند من جنود الله عز وجل ، لا قوة لكم به .فيقولون
:اما والله ، لقد رأينا عجباً ! ويحدثونه بأمر القوم .ثم
ينهضون من عنده فيهتمون بالوثوب بالقوم .وقد ملأ الله قلوبهم
رعباً وخوفاً . فيقول بعضهم لبعض وهم يأتمرون بذلك: يا قوم لا
تعجلوا على القوم ولم يأتوكم بمنكر ولا شهروا السلاح ، ولا
أظهروا الخلاف .ولعله أن يكون في القوم رجل من قبيلتكم فإن بدا
لكم من القوم أمر تنكرونه، فأخرجوهم .أما القوم فمتنسكون ،
سيماهم حسنة ،وهم في حرم الله جل وعز الذي لا يفزع من دخله
حتى يحدثوا فيه حادثة ولم يحدث القوم ما يجب (به) محاربتهم .
فيقول المخزومي ـ وهو عميد
القوم ـ :أنا لا آمن أن يكون من ورائهم مادة .وإن أتت إليهم
انكشف أمرهم وعظم شأنهم .فأحصوهم وهم في قلة العدد وعزة بالبلد
. قبل أن تأتيهم المادة ، فإن هؤلاء لم يأتوكم إلا وسيكون لهم
شأن .وما أحسب تأويل صاحبكم إلا حقاً .
فيقول بعض لبعض : إن كان من
يأتيكم مثلهم فإنه لا خوف عليكم منهم ، لإنه لا سلاح معهم ،
ولا حصن يلجأون إليه .وإن أتاكم جيش نهضتم بهؤلاء فيكونون
كشربة ضمآن .
صفحة (289)
فلا يزالون في هذا الكلام
ونحوه .حتى يحجز الليل بين الناس .
فيضرب على آذانهم بالنوم . فلا
يجتمعون بعد انصرافهم (إلى) أن يقوم القائم . فيلقي أصحاب
القائم (ع) بعضهم بعضاً كبني أب وأم ، افترقوا غدوة واجتمعوا
عشية .... الحديث .
النقطة الثالثة : في تلخيص
المهم من مضامين هذه الرواية ، مع نقده :
أولاً: تدل بوضوح ، على اجتماع
هؤلاء الخاصة هؤلاء بطريق المعجزة ، لا يبقون إلا نهاراً
واحداً يظهر الإمام المهدي في مسائه .
وهذه المعجزة منافية لقانون
المعجزات ، بعد أن عرفنا إمكان انتقالهم بطريق السفر الإعتيادي
.وكلما أمكن انتاج الهدف بالأسلوب الطبيعي لم تقم المعجزة
لإنجازه .
ثانياً: تعكس هذه الرواية مدى
القلق الذي يسيطر على أهل مكة وحكامها من هؤلاء الغرباء
....حتى أنهم يفكرون في مقاتلتهم ، لولا أن الله تعالى يصرفهم
عن ذلك ، باعتبار الحرمة الإسلامية في القتل في مكة المكرمة ما
لم يبدأ الآخرون بالقتال ، فيحفظ الله تعالى نفوسهم بذلك إلى
حين الظهور .
وهذا القلق لدى أهل مكة، واضح
وضروري ، مع صحة الإنتقال الإعجازي لهؤلاء الخاصة .وأما مع
وصولهم بالسفر الإعتيادي لأجل الحج ـ كما قلنا ـ فالظاهر انه
ليس هناك لأية مشكلة ولن يكونوا ملفتين للنظر على كل حال.
فإن مكة المكرمة في الأزمنة
الاسبقة .كانت لا تستقبل الزوار الحجاج ،إلا في موسم الحج، فمن
الطبيعي أن يكون بقاء الزوار في غير هذا الموسم أو بعد انقضائه
، غريباً ملفتاً للنظر .إلا أن الحال قد اختلف جداً في السنوات
المتأخرة .فقد أصبحت مكة تستقبل اعداداً كبيرة من الزوار على
طول مدار العام .وتشتغل فنادقها بالقاطنين طوال السنة لا تخرج
جماعة إلا لتدخل أخرى .ويكون التخلف عن الحج لأجل عدة أهداف
كالتجارة و النزهة وتطويل الزيارة ومراجعة الكتب والمفكرين
والعلماء ، وغير ذلك .... أمراً طبيعياً لاغبار عليه .
ومعه ، يكون أهل مكة قد
اعتادوا مواجهة الغرباء باستمرار ، واعتادت السلطات على إعطاء
الإذن بالإقامة فترات مختلفة من الزمن طول العام .إذن، فبقاء
هؤلاء الخاصة لن يكون ملفتاً للنظر ولن يوجب أي مشكلة ولا دليل
كامل على أن الباقين بعد الحج هم هؤلاء فقط ، بل لعل أناساً
آخرين يستمرون بنفس القصد أو لأغراض أخرى .
صفحة (290)
ثالثاً : تدل الرواية على ان
السلطات المكية بدائية الشكل، والمجتمع المكي متدين إلى حد ما
بحيث يتورع عن قتل هؤلاء في الحرم المكي ، وكلا الفكرتين قابلة
للمناقشة .
أما بدائية الدولة فقد ارتفعت
في العصر الحديث ، وتبدلت إلى الدولة النظامية الحديثة ، ومن
الواضح :أن معجزة مثل هذه لو حدثت في دولة حديثة لما تلكأت
الدولة في إلقاء القبض على هؤلاء واستنطاقهم فرداً . ولا أقل
من تشديد قوى الأمن الداخلي وجعلهم تحت الرقابة المستمرة
استعداداً لكل طارىء فالغض عنهم . ووقوع الجدل بشأنهم لا يكاد
يكون محتملاً في أنظمة الدولة الحديثة .
نعم ، سوف يكون لهذا أثر مع
صحة الأطروحة الطبيعية التي عرضناها لإجتماعهم .كما هو واضح .
وإنما يترتب ذلك طبقاً للفهم الإعجازي لإجتماعهم .وقد يعتبر
ذلك أحد نقاط الضعف في هذا الفهم .
وأما تدين المجتمع المكي ...
فهناك قرينة رئيسة على نفيه ، وهو قتل النفس الزكية بين الركن
والمقام قبل الظهور بخمسة عشر يوماً ، وسيصادف ذلك زمن وجود
هؤلاء في مكة طبقاً للأطروحة الطبيعية ، ومن يكون على مستوى
القتل في داخل المسجد الحرام ، سوف لن يتورع عما هو دونه ،وهو
القتل في خارج المسجد.
غير أن ذلك مما سوف يكون
مستغنى عنه طبقاً للأطروحة الطبيعية للإختلاف الجذري بين مهمة
النفس الزكية الذي يواجه الشعب المكي بما لا يرتضيه ،وبين مهمة
هؤلاء الذين لن يحركوا ساكناً ولن يلفتوا نظراً قبل الظهور.
الجهة السابعة : في خصائص أخرى
نصت عليها الروايات ، لأصحاب الإمام المهدي (ع) :
الخصيصة الأولى : تسميتهم بجيش
الغضب.
وهو ما دلت عليه روايات أخرجها
النعماني في الغيبة(1) والصدوق في إكمال الدين(2) وقد نقلنا
بعضها فيما سبق.
صفحة (291)
ـــــــــــــــــ
(1) ص167وما بعدها .
(2) انظر النسخة المخطوطة
والسر في هذه التسمية هي انها
بقيادة إمامهم المهدي(ع) ، يمثلون غضب الله تعالى على المجتمع
الفاسد المتفسخ عقيدة ونظاماً ولأخلاقاً ، والحكم عليه بالفناء
والزوال ، مع بديله إلى مجتمع عادل تسوده السعادة والرفاه .
الخصيصة الثانية : أنهم شباب
لا كهول فيهم إلا أقل القليل ، كالكحل في العين أو كالملح في
الطعام ، كما دلت عليه إحدى الروايات .وهذا التشبيه دال على أن
هؤلاء الكهول القلائل هم من أفضل الجماعة إيماناً وإخلاصاً
وثقافة ، وإن وجودهم فيهم ضروري .....شأن الملح في الطعام فإنه
على الرغم من قلته إلى سائر الأجزاء ، إلا أنه أهمها و أكثرها
ضرورة .
وهذا أمر موافق مع خصائص النفس
الإنسانية . فالشاب بطبيعته أقوى من الكهل إندفاعاً وقوة
وإرادة ، والكهل أفضل من الشاب رشداً وتجربة وثقافة ، والجيش
المتكامل يحتاج إلى كلا النوعين بطبيعة الحال .ولكنه إلى
الإندفاع وقوة الإرادة أحوج .وأما الرأي ـ إن احتيج إليه ـ
فيكفي فيه العدد القليل ،ومن الواضح كون الرأي الأهم موكول إلى
الإمام المهدي (ع) نفسه، إلا في ما يستشير أصحابه من الأمور
،كما كان النبي (ص) يفعل أحياناً ،وخاصة بعد أن وعدهم أن يكون
حيث يريدون .
وقد يخطر في الذهن: أن المفروض
في أصحاب الإمام المهدي (ع) ـ كما قلنا ـ أن يكونوا من
المخلصين الممحصين المتكاملين في الإيمان والإرادة إلى درجة
عالية جداً. وهذا ما يحتاج الفرد في الوصول إليه إلى سنين
وسنين ، وإلى ظروف كثيرة وتجارب مثيرة ، وهذا لا يتم في الشباب
على أي حال ،فكيف ينسجم ذلك مع ما دل على كونهم ـ في الأغلب ـ
من الشباب .
والجواب على ذلك يكون على
مستويين :
المستوى الأول : أننا قلنا في
تاريخ الغيبة الكبرى(1):إن تمحيص الفرد وتربيته لا يعود فقط
إلى الظروف التي يعيشها الفرد خلال حياته ...بل يعود جزء كبير
منها إلى تربية الأمة كلها متمثلة بالأجيال المتصاعدة ، فكل
جيل من الصالحين يوصل نتيجة التمحيص إلى درجة معينة ويورثها
إلى الجيل الذي يليه ليمشي بها خطوة أخرى ،،،وبقانون (تلازم
الأجيال) يبقى التمحيص ساري المفعول على مجموع الأمة .
صفحة (292)
ـــــــــــــــــ
(1) أنظر ص364وغيرها .
ومعه فمن الممكن القول : إن
التمحيص في الجيل الأسبق على الظهور قد بلغ من العمق والشمول
بحيث لم يبق منه إلى انتاجه الكامل ، إلا خطوات قليلة تتحقق
خلال السنوات الأولى من الجيل الذي يليه وهو الجيل السابق على
الظهور مباشرة ، أعني الجيل الذي يحصل فيه الظهور ،ومعه
فسيتحقق الظهور حال شباب الأعم الأغلب من هؤلاء الصالحين .
المستوى الثاني : إن الأسباب
التي يخرج بها الفرد ممحصاً كاملاً تمثل في حقيقتها
كما برهنا عليه في االتاريخ
السابق(1) المواقف وردود الفعل التي يتخذها الفرد تجاه الظروف
الخارجية الظالمة والعادلة على حد سواء .فكلما كانت المواقف
أصح وكانت ردود الفعل افضل، كان الفرد أكثر نجاحاً وتمحيصاً .
وهذه الظروف قد تكون بطيئة
الإنتاج ، بمعنى أن كل حادثة تمر بالفرد لا تقتضي منه إلا درجة
بسيطة من الإخلاص وقوة الإرادة ، فيكون تكامله محتاجاً إلى
تجارب كثيرة وطويلة ، فيصبح بطيئاً محتاجاً إلى عشرات السنين
،وقد لا ينتج المستوى المطلوب طول عمر الفرد أصلاً ،وإنما يصل
الفرد إلى مرتبة ناقصة من الكمال فحسب.
وقد تكون الظروف التي تمر
بالفرد تقتضي منه قوة ضخمة في الإرادة ودرجة عظيمة في
الإخلاص ،وتكون موافقة وردود فعله صالحة وصحيحة .... فتكون
تربيته سريعة و وصوله إلى الدرجة المطلوبة ¬ لو وفق إلى
النجاح في كل الخطوات ـ غير محتاج إلى زمان طويل.
ومعه يمكن أن نحصل على أشخاص
ممحصين كاملين ،وهم في سن الشباب .
على أننا لو جمعنا بين هذين
المستويين ... والحياة تتضمن ـ في الأعم الأغلب ـ الجمع بينهما
بشكل وآخر. فالفرد ـ حتماً – يكتسب من الجيل السابق ما يمكنه
اكتسابه من الثقافة والإخلاص ، ويضيف عليه من عنده فيما يتخذه
من مواقف وردود فعل صالحة تجاه الحوادث .فإن كانت هذه الحوادث
ضخمة ومهمة ،ووفق إلى النجاح فيها ، كان من المخلصين الممحصين
لا محالة .
صفحة (293)
ـــــــــــــــــ
(1)المصدر ص307 وما بعدها و
التي تليها .
الخصيصة الثالثة : أن هؤلاء
الخاصة الثلاثمئة والثلاثة عشر رجلاً يتميزون عن غيرهم لعدة
أسباب :
أولاً : إتصافهم بالإخلاص من
الدرجة الأولى ، في نتيجة التمحيص السابق على الظهور ....دون
غيرهم .
ثانياً : مبايعتهم للمهدي(ع)
لأول مرة بعد جرائيل (ع) واستماعهم لخطبته .
ثالثاً : أنهم قادة جيشه خلال
القتال ...لا أنهم يمثلون كل الجيش كما سبق أن قلنا ....فهم
العدد الكافي من القواد لغزو العالم ، لا من الجنود العاديين .
ومن هنا ، لن يكتفي الإمام
المهدي (ع ) بهؤلاء الخاصة ، بل انه "ما يخرج إلا في أولي قوة
،وما يكون من أولي قوة أقل من عشرة " كما سمعنا في الروايات .
"ويقيم بمكة حتى يتم أصحابه عشرة آلاف نفس ، ثم يسير منها إلى
المدينة " كما سمعنا في رواية أخرى "فإذا اجتمع له العقد
:عشرة آلاف رجل، فلا يبقى في الأرض معبود دون الله " كما في
رواية ثالثة .
والروايات تسكت عن تحديد فترة
بقائه ، في مكة ريثما يجتمع له هذا العدد .وإن كان المظنون من
مجموع القرائن أنه لن يزيد عن أسبوع.
الجهة الثامنة : هناك سؤال قد
يخطر على البال ، من خلال التأكيد في الروايات عل أعداد هؤلاء
الخاصة و التعرف على شخصياتهم وأماكنهم .وهو أنه إذا صح ذلك
فسوف لن ستطيع أي إنسان آخر ان يصبح متصفاً بالإخلاص من الدرجة
الأولى ،وسوف تذهب جهوده في ذلك سدى ، بعد أن كان المتصفون به
معينين ومعروفين سلفاً.
فكيف نوفق بين ذلك، وبين قانون
التمحيص العام الساري المفعول قبل الظهور، الذي لا يقتضي نجاح
أفراد لأعيانهم بل يوكل ذلك إلى همة الفرد وإيمانه ومقدار
تضحياته في سبيل الحق . وهذا معنى عام قد تزيد نتيجته وقد تنقص
فكيف نوفق بين هذين المعنيين ؟!.
ويمكن أن نعرض هذا السؤال على
مستويات ثلاثة :
المستوى الأول: أن ننظر إلى
التنافي المحتمل بين المفهوم العام لقانون التمحيص وما ورد من
التحدي بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً. لاعتبار ان هذا التحديد
واضح وثابت في الروايات ، وأما التحديدات الأخرى ، فلا يخلو
ثبوتها من ضعف ، كما سمعنا .
صفحة (294)
ويمكن الجواب على هذا التنافي
بوجوه ثلاثة :
الوجه الأول : أن النجاح في
التمحيص من الدرجة الأولى غير خاص بهذا العدد لو نظرنا إلى
مجموع أجيال الأمة الإسلامية ،فإن عدداً من الناس قد يصلون
إلى هذا المستوى الرفيع ، ولكن حياتهم تنتهي ولا يحصل الظهور
.لأن مجموع من حصل على هذه الدرجة العليا من الجيل ليس كافياً
لغزو العالم بالعدل .
ومعه ، فلو نظرنا إلى أجيال
الأمة لوجدنا عدداً ضخماً من الناس المتصفين بهذه الصفة .كل ما
في الأمر أن كل جيل بعينه ، لا يحتوي على العدد الكافي منهم
... وأول جيل يحتوي على ذلك هو الجيل الذي يحصل فيه الظهور.
إذن ، فالفرصة مفتوحة ، طبقاً
للقانون االعام ،للوصول إلى تلك المرتبة وإنما يقصر الناس عن
ذلك انطلاقاً من اختيارهم وإرادتهم . وأول جيل سوف يتوفر العدد
الكافي فيه لغزو العالم بالعدل . سوف يتم فيه الظهور .
الجواب الثاني: إن المسألة
مسألة وقت ليس إلا ، غير أنه وقت متعين غير قابل للزيادة
والنقصان. فإن الظهور كما لا يمكن أن يحدث قبل توفر العدد
الكافي لا يمكن أن يتأخر عن زمان توفره .
أما قبل توفر العدد كله،
فالفرصة موجودة بوضوح ، لأجل توفير العدد بالتدريج من مجموع
الناس ، حسب ما لديهم من الهمة والتضحية ....طبقاً للقانون ،
واما بعد توفر العدد ، فالقانون ولو كان باقياً ، غير ان
الظهور سوف لن يتأخر عندئذ بطبيعة الحال .وبه سوف يستوفي
القانون السابق غرضه ،وتتحول تربية البشرية إلى التخطيط العام
الجديد.
فعدم إمكان الزيادة على العدد
،لا لأجل التصور في الفرص القانونية للتمحيص بل لأجل تحقق
الظهور عند توفر العدد الكافي، الأمر الذي يغير قانون التمحيص
إلى شكل جديد .
الجواب الثالث: أننا لو تنزهنا
ـ جدلاً ـ عن ذلك كله ،وفرضنا كون هذا الرقم مرصوداً لأشخاص
معينيين ، أمكننا الجواب على ذلك من نواحي أخرى اجتماعية
وفلسفية بالشكل الذي نحاول عرضه في الجواب على المستوى الثالث.
المستوى الثاني : أنه بعد
البرهنة على التنافي بين رقم الثلاثمئة والثلاثة عشر وبين
قانون التمحيص العام .وإن هذا الرقم يبقى فارغاً قابلاً للملء
بأي إنسان ، ننظر في المستوى الثاني إلى التنافي المحتمل بين
قانون التمحيص وبين تسمية البلدان والأعداد لمذكورة لكل منها
.إذ قد يخطر في البال ، عدم وجود الفرصة للزيادة على ذلك .
صفحة (295)
ويمكن تقديم ثلاثة أجوبة
موازية للروح العامة للأجوبة الثلاثة الواردة في المستوى الأول
.
الجواب الأول :أننا لو نظرنا
غلى الأجيال المتطاولة للبصرة ـ مثلاً ـ لم نجد أربعة من
الناجحين الكاملين فقط ،بل أكثر من ذلك بكثير، وكل ما في الأمر
أن هذا الرقم هو الذي سيخرج من البصرة في الجيل المعاصر للظهور
.
بل إن الحال أوسع من ذلك ، فقد
يوجد في البصرة أكثر من هذا العدد في جيل ما .وإنما لم يحصل
الظهور باعتبار عدم توفر العدد المطلوب في العالم ، على وجه
العموم ، لتقلص عدد من المدن عن المشاركة في تصدير حصتها من
هؤلاء ،
بينما يعاصر جيل الظهور تقلصاً
في رقم (البصرة) وتوسعاً في بعض المدن الأخرى ،طبقاً للحالة
النفسية والعقلية والإجتماعية التي تعيشها كل مدينة .
الجواب الثاني: إن المسألة
مسألة وقت لا غير ، تماماً كالمستوى الأول لكن بعد ملاحظة
(البصرة) وكل مدينة عينها ، كجزء من كل مشارك في التخطيط العام
لإيجاد العدد الكافي .فبمجرد أن يتم العدد الكافي يحدث الظهور
ولكن من حسن حظ بعض المناطق أنها تشارك بعدد أكثر لحسن تصرف
الأخبار من أهلها وأدائهم التضحية في سبيل الحق والهدى ، على
حين تشارك المدن الأخرى بعدد أقل ، لسوء تصرف أهلها وتفضيلهم
اللذاذة العاجلة على التضحية العادلة .
ولا ينبغي أن ننسى ما عرفناه
في التاريخ السابق من صعوبة الوصول إلى هذه الدرجة العليا
والإخلاص، واحتياجها إلى قوة في الإرادة وسعة في الثقافة لا
تتوفر إلا في القليل من الناس .
والجواب الثالث: أننا لو
تنزلنا ـ جدلاً ـ عن الوجهين السابقين ، وفرضنا أن رقم الأربعة
من البصرة ، مرصود لأشخاص معينين ،وكذلك غيرها من المدن ،
أمكننا الجواب على ذلك من زوايا أخرى ، على من سنذكره في
الجواب الثاني والثالث على المستوى الثالث.
المستوى الثالث: أنه بعد
البرهنة على عدم التنافي بين مجرد الترقيم سواء منه العام أو
الخاص بكل مدينة ، وبين التمحيص العام ....يبقى التنافي بين
هذا القانون العام وبين التسمية الواردة في الروايات ، فإنها ـ
على أي حال ـ إشارة إلى أشخاص معينين ، لا يمكن إبدالهم بغيرهم
.وليس كالترقيم يمكن ملؤه بأي إنسان .
صفحة (296)
ويمكن أن يجاب على ذلك بثلاثة
أجوبة :
الجواب الأول : أننا بينما نرى
أن الترقيم ثابت في الروايات فإن العدد : ثلاثمائة وثلاثة عشر،
مستفيض النقل وعليه عدد مهم من الروايات ،كما أن التحديد لكل
مدينة أكثر نقلاً من التسمية ،من حيث أن بعض الروايات تتضمن
الرقم والتسمية وبعضها تتضمن الرقم فقط ، كالرواية الأولى التي
نقلناها عن ابن طاووس .
فبينما نرى الترقيم ثابتاً في
الجملة ، نجد أن التسمية غير ثابتة ، لما سمعناه من أن
الروايات الناقلة للأسماء ضعيفة السند وقلقلة العدد متعارضة في
ذكر الأسماء ، فتسقط عن قابلية الإثبات التاريخي .ومع انتفاء
الدليل على التسمية يكون الإشكال في مستواه الثالث منتفياً
موضوعاً.
هذا وسيكون الجوابان الآتان
شاملين للمستويات الثلاثة كلها ، وإنما أجلناها إلى المستوى
الثالث لمناسبتها معه دون ما سبق من الأجوبة على المستويين
الأولين ، وستكون زاوية النظر في احدهما اجتماعية وفي الآخر
فلسفية .
الجواب الثاني: أن نعيد النظر
في الخصائص المعطاة لهؤلاء الثلاثمائة والثلاثة عشر، فبينما
عرفناها خصائص (داخلية) تمت إلى تكوينهم الشخصي الإيماني بصلة
وثيقة يمكن أن نعتبرها الآن خصائص عرضية أوخارجية ، تمت إلى
وضعهم الإجتماعي بصلة ، الشكل الذي سنذكره بعد لحظة .
فليس هؤلاء فقط هم المتصفين
بالدرجة الأولى من الإخلاص ، بل هناك أناس غير مسمين متصفين
بها أيضاً .وإنما يختص هؤلاء بصفات أخرى (اجتماعية) يمكن فهمها
على شكلين طبقاً للأطروحة المختارة لكيفية اجتماعهم .
فإن اخترنا لهم الإجتماع
الإعجازي في مكة .كانت خصيصتهم الرئيسية أنهم ـ دون غيرهم ـ
ينقلون بالمعجزة من أجل نصرة المهدي (ع) .وليس اختصاصهم بذلك
من أجل مستواهم الإيماني ، بل قد تكون لمصالح أخرى في علم الله
عز وجل ،كإتصافهم بقوة جسمية معينة أو بثقافات وتدريبات قيادية
معينة يفقدها الآخرون ...مما لا يمت إلى قانون التمحيص بربط
مباشر ومعه لا تكون هذه الخصائص ولا خصيصة الإنتقال الإعجازي
مضرة بشمول هذا القانون .
صفحة (297)
وإن اخترنا لهم الإجتماع
الطبيعي، كما رجحناه، امكننا أن نضع التسلسل الفكري للحوادث
كما يلي: أن الوصول إلى الدرجة الأولى من الإخلاص أوسع من هذا
الرقم وأوسع من هذه الأسماء المذكورة في الروايات، وسوف يؤثر
(النداء) باسم المهدي (ع) في إثارة الشوق في نفوس الجميع ،
وسيسافرون جميعاً إلى مكة المكرمة. غير أ ن لحظة الظهور حيث
انها غير محددة في اذهانهم وانما ينتظرونها بعد الحج اجمالا
فمن الصعب بطبيعة الحال أن يبقى الجميع في المسجد الحرام
باستمرار طوال الايام انتظارا للظهور، وانما هم يبقون في منازل
مكة وفنادقها. ثم يحصل الظهور في لحظة معينة وهي مساء اليوم
العاشر. كما ورد في بعض الروايات. وسيصادف ان المسجد الحرام
يحتوي على ثلاثمائة وثلاثة عشر من المنتظرين في مكة المكرمة ..
لمجرد رغبتهم في الطواف في تلك الساعة.
وهذه المصادفة سوف تقتضي أن
يكون هؤلاء ـ دون غيرهم ـ هم أول من يواجه الإمام المهدي (ع)
ويسمع خطبه ويتشرف بمبايعته ... ريثما يتسامع الناس بالظهور ،
ويهرع الآخرون للوصول بخدمة الإمام المهدي (ع).
ومن الواضح أن هذه المصادفة
غير مضرة بشمول قانون التمحيص ، ولا منافية معه.
الجواب الثالث: أننا لو تنزلنا
عن كل ذلك ، وفرضنا أن التسمية لأشخاص معينين لايمكن تبديلهم
.وأنه أمر ثابت لا محيص عنه الآن فكرة مبسطة ومختصرة محيلين
التفصيل إلى المصادر الفلسفية .
إن هذه الروايات الناقلة
للأسماء ـ على تقدير ثبوتها ـ تنقل لنا رأي قائليها وهم الأئمة
المعصومون (ع. وآرائهم دائماً مستقاة من الني الأعظم (ص) .وهو
"وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" .
إذن فالأمر يعود إلى تعلق
العلم الإلهي بنجاح أشخاص معينين ووصولهم إلى الدرجة الأولى من
الإخلاص .
وعلم الله عز وجل عين إرادته ،
كما ثبت الفلسفة ، فلو كانت إرادته تعالى قد تعلقت باتصاف
هؤلاء بهذه الصفة على كل حال ، أعني :ولو بسبب قهري غير إرادي
، لكان الإشكال وارداً ، إذ من الظلم أن تتعلق الإرادة
الإلهية بإنجاح هؤلاء دون غيرهم ، والظلم مستحيل الثبوت لله
عز وجل كما ثبت في الفلسفة أيضاً .
صفحة (298)
ـــــــــــــــــ
(1) النجم : 53 /3-4.
ولكن إرادة الله تعالى على
نجاح هؤلاء بملىء إرادتهم واختيارهم .وهو ـ في واقعه ـ معنى
النجاح في التمحيص . لما عرفناه من أن عنصر الإختيار ضروري في
قانون التمحيص وأحد الأركان الرئيسية للنجاح فيه إذ لو كان
النجاح جبرياً قهرياً ، لما كان نجاحه أصلا .
فإن إعطاء معدن الذهب شكل
الحلي الجميل ليس فخراً للذهب كما هو واضح .
ومعه نعرف : إن علم الله
الأزلي بنجاح هؤلاء باختيارهم وبرسوب الراسبين بإختيارهم أيضاً
.
وإرادته تعلقت بذلك أيضاً ...
فهما متساوقان مع القانون العام للتمحيص الذي سنه الله تعالة
بعلمه وإرادته أيضاً ،ووهب الإختيار للبشر بعلمه وإرادته
أيضاً.
ومعه يكون مدلول الروايات: إن
هؤلاء المسلمين أو المعدودين هم الذين سيحسنون التصرف وتكون
مواقفهم الإختيارية صحيحة وعادلة ، وإن غبرهم سوف لن يبلغ
مبلغهم بإختياره أيضاً ،ولو لم يقصر المقصرون ، وكان الناس على
المسؤولية في عهد التمحيص ، لكان الناجحون أكثر ولو ردت
تسميتهم في الروايات أيضاً. ولكن من المؤسف أن الناس قد أبدوا
باختيارهم سلوك المقصرين وتصرف المذنبين ، فتضاءل عدد الناجحين
، فتضاءلت تسميتهم في الروايات أيضاً ، وقد قال الله تعالى: "
ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون
"(1).
ومن الطبيعي أن يكون الناجحون
باختيارهم والواصلون إلى الدرجة الأولى بتضحياتهم وجهادهم ،
يكونون اهلاً لكل المميزات التي يتفردون بها عن البشر أجمعين،
لأنهم أدوا من التضحيات ما لم يؤد غيرهم من الناس ، فأرتفعوا
إلى مستوى لم يرتفع إليه غيرهم من البشر ....إبتداء بأهتمام
رسول الله (ص) والأئمة المعصومين (ع) بتعدادهم وتسميتهم
،وانتهاء بنصرتهم للمهدي (ع) وممارسة القيادة والحكم بين يديه.
هذا ولا ينبغي أن ننسى أن
الدرجات الأخرى من الإخلاص ، ينالها الفرد بالإختيار أيضاً
،ولكنها حيث تكون أسهل منالاً .فإن القواعد الشعبية المتصفة
بها أيضاً ستكون أوسع ، وكلهم بالتدريج سينصرون المهدي (ع)
ويعملون بين يديه .
صفحة (299)
ـــــــــــــــــ
(1) يس : 36/30
الفصل الخامس
المنجزات الأولى للإمام المهدي
(ع)
إلى حين الوصول إلى العراق
وينبغي أن نتكلم في هذا الفصل
ضمن عدة جهات :
الجهة الأولى : في حديث :
يصلحه الله في ليلة .
وهو ما نود استهلال هذا الفصل
به لأن انتصاره سيكون في ليلة ظهوره نفسها .
وهذا الحديث وارد في مصادر كلا
الفريقين .وإن كان في المصادر العامة أغلب .
فمن مصادر الإمامية : ما أخرجه
الصدوق في إكمال الدين بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع)
ـ في حديث ـ ، قال: ويصلح الله عز وجل أمره في ليلة .وروى نحوه
عن أبي جعفر الباقر (ع) (1) ما رواه الطبرسي(2) عن الصادق جعفر
بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال الحسين (ع) ـ في حديث ـ :
قائمنا أهل البيت يصلح الله
تعالى امره في ليلة واحدة .
ومن المصادر العامة ،ما أخرجه
ابن ماجة(3) عن علي (ع) ، قال:
قال رسول الله (ص) المهدي منا
أهل البيت يصلحه الله في ليلة .
ونقل نحوه ابن حجر في
الصواعق(4) عن أحمد .وفي مفتاح كنوز السنة(5) نقله عن أبي داود
و الترمذي وأحمد.
صفحة (301)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر الخبرين في المصدر
المخطوط. (2) ص401.
(3) ج2
ص1367. (4) انظر ص97.
(5) ص484.
ونقله السيوطي(1) عن أحمد وابن
أبي شيبة وابن ماجة ونعيم ابن حماد في الفتن وأخرجه القندوزي
في الينابيع أيضاً(2) .
وفي بعض الروايات تشبيهه
بموسى بن عمران (ع) من هذه الناحية .روى القطب الراوندي(3)
مرسلاً ، قال: قال محمد بن علي التقي الجواد لعبد العظيم
الحسني :
المهدي ... من ولدي ،وإن الله
يصلح أمره في ليلة، كما أصلح أمر كليمه موسى (ع) حيث ذهب
ليقتبس لأهله ناراً.
والمراد من إصلاحه أو إصلاح
أمره توفير النصر لديه ،أو إيجاد المقدمات الواضحة للنصر.
قالوا في اللغة: صلح ضد فسد ، أو زال عنه الفساد ، يقال :صلحت
حال فلان .وأصلحه بعد فساد أقامه(4).
فالمهدي (ع) بعد أن كان في حال
غيبته وتنكر ، وكان أعزلاً عن السلاح بعيداً عن الحكم، يصبح
بين عشية وضحاها، في ليلة واحدة ، منتصراً فائزاً قائداً له
من العدة والعدد ما يستطيع به السيطرة على العالم بأسرع وقت
وأسهل سبيل .
وأول وأهم خطوة لهذا النصر هم
اجتماع أصحابه الخاصين حوله ومبايعتهم له ، وهو يحدث في ليلة
واحدة هو نفس المساء الذي يخطب فيه بين الركن والمقام . وهذا
صحيح على كلا الأطروحتين: ألإعجازية والطبيعية لإجتماعهم ...
فإنهم يجتمعون في تلك اللحظة حوله على أي حال .
إذن ، فإجتماع أصحابه هو الشيء
الرئيسئ المشار إليه في هذا الحديث الشريف ،بصفته أول مراحل
تصاعد الإنتصار التدريجي السريع بما فيه اجتماع عشرة الآف نفس
في الأيام القليلة القادمة قبل الخروج من مكة .
الجهة الثانية : عرفنا تقدم
حكم السفياني وتهديده للإمام المهدي (ع) بالقتل والخسف بالجيش
الذي يرسله، تقدم كل ذلك على الظهور . حتى جعل الخسف من علامات
الظهور للمهدي (ع) كما سمعناه في هذا الكتاب وسابقه(5).
صفحة (302)
ـــــــــــــــــ
(1) ج2 ص124. (2) ص519ط
النجف.
(3) الخرايج والجرايح ص199.
(4) أقرب الموارد ،مادة :صلح
:ج2ص656.
(5) انظر تاريخ الغيبة الكبرى
.ص599.
غير ان هناك من الأخبار ما يدل
على تأخير التهديد والخسف على الظهور .وهو إنما يحصل في الأيام
الأولى للظهور ،وهي الفترة التي نعرضها الآن من حياة الإمام
المهدي . فينبغي أن لا نمر بهذه الأخبار مسرعين .
أخرج أبو داود(1) عن أم سلمة
زوج النبي (ص) عن النبي (ص) قال:
يكون اختلاف عند موت خليفة
.... فيخرجونه ( يعني المهدي (ع)) وهو كاره ، فيبايعونه بين
الركن والمقام. ويبعث الله اليه بعث من أهل الشام فيخسف بهم
البيداء بين مكة والمدينة .فإن رأى الناس ذلك ، أتاه أبدال
الشام وعصائب أهل العراق ، فيبايعونه ، الحديث .
وأخرجه السيوطي(2) عن أبن ابي
شيبة وأحمد وأبو يعلي والطبراني، اخرج السيوطي(3) عن الطبراني
في الأوسط والحاكم عن أم سلمة ، قالت : قال رسول الله (ص) :
يبايع لرجل بن الركن والمقام
عدة أهل بدر، فتأتيه عصائب أهل العراق وأبدال اهل الشام .
فيغزوه جيش من أهل الشام ،حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم .
وأخرج المجلسي في البحار(4) عن
عبد الأعلى الحلبي ، قال: قال أبو جعفر (ع) :
يكون لصاحب هذا الأمر غيبة
.... ( ثم يذكر حوادث الظهور واجتماع أصحاب المهدي (ع)
ومبايعتهم له. ويقول بعد ذلك) :حتى ينتهي (يعني المهدي (ع)
وجيشه) إلى البيداء . فيخرج إليه جيش السفياني ، فيأمر الله
الأرض فيأخذهم من تحت أقدامهم ،وهو قول الله " ولو ترى إذ
فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب(5) وقالوا آمنا به وأنى
لهم التناوش من مكان بعيد وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب
من مكان بعيد وحيل بينهم وبين ما يشتهون ،كما فعل بأشياعهم من
قبل ، إنهم كانوا في شك مريب" يعني بقائم آمحمد "وقد كفروا به
" يعني بقائم آل محمد ، إلى آخر السورة . فلا يبقى منهم إلا
رجلان .. الحديث .
صفحة (303)
ـــــــــــــــــ
(1) انظر سنن أبي داود ج2 ص423
(2) الحاوي ج2 ص126
(3) المصدر ص129
(4) ج13 ص188 وما بعدها .
(5) سبأ :24/52-54
وتحتوي هذه الأخبار عالى نقاط
قوة ونقاط ضعف.
أما نقاط القوة فثلاث :
النقطة الأولى : ان الوضع
العام يكون واضحاً .وإرسال الجيش للقضاؤ على حركة المهدي (ع)
في مهدها ، من قبل قوى الإنحراف والطغيان .... يكون معلوم
الدوافع ، بخلاف محاولة القضاء على المهدي (ع) قبل ظهوره
واتضاح دعوته، فإنه لا يكون واضحاً بهذا المقدار .
النقطة الثانية :أنه في صورة
تقدم الخسف على الظهور ،يثور التسائل عن كيفية معرفة السفياني
بالمهدي (ع) ليحاول الإجهاز عليه؟ كما سبق أن عرضناه وناقشناه،
غير ان هذا السؤال يكون بلا موضوع مع تأخر الخسف عن الظهور
.فإن السفياني سيتعرف على المهدي بظهوره وسيرسل عليه الجيش وهو
عالم بحقيقته .
النقطة الثالثة : إن الخسف
سيصبح بعد الظهور بأيام قلائل ، هو المعجزة الرئيسية الكبرى
التي تدعم حركة الإمام المهدي(ع) وتفهم الناس بكل صراحة عدالة
دعوته وأحقية حركته .
وقد صرحت الروايات بتأثيرهذه
المعجزة في النفس ( فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال أهل الشام
وعصائب أهل العراق ، فيبايعونه) ( وقالوا آمنا به ) " يعني
بقائم آل محمد (وقد كفروا به) يعني بقائم آل محمد ".
بل إن معجزة الخسف ستؤثر في
(السفياني) نفسه ، فتجعله قرب العاطفة من المهدي (ع) .الأمر
الذي يسبب عدة نتائج أهمها : دخول العراق بدون قتال .
ففي خبر أخرجه السيوطي (1) عن
نعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم عن محمد بن علي يقول فيه :
فيقول الذي بعث الجيش حين
يبلغه الخبر من ايلياء :لعمر الله ، لقد جعل الله في هذا الرجل
عبرة .بعثت إليه ما بعثت فساخوا في الأرض .
إن في هذا لعبرة ونصرة .فيؤدي
إليه السفياني الطاعة....الخ الخبر الذي يروي نقض السفياني
للبيعة ومقتله.
صفحة (304)
ـــــــــــــــــ
(1) الحاوي ج2 ص146
وهذا الخبر واضح بأن بيعة
السفياني للمهدي (ع) ، واتخاذه معه موقف الملاينة ،إنما هو
نتيجة للخسف بجيشه .
وأما نقاط الضعف في تلك
الأخبار ، أعني الدالة على تأخر الخسف عن الظهور :
النقطة الأولى : معارضة هذه
الأخبار مع الأخبار الدالة بصراحة على وقوع الخسف قبل الظهور.
منها : ما رويناه في التاريخ
السابق (1) عن غيبة النعماني عن أبي عبد الله (ع) أنه قال :
من المحتوم الذي لا بد منه أن
يكون قبل قيام القائم : خروج السفياني وخسف بالبيداء .
وفي خبر آخر عنه (ع) ... قال
الراوي :قلت له :ما من علامة بين يدي هذا الأمر؟ فقال: بلى
.قلت: وما هي؟ قال: هلاك العباسي .إلى أن قال : والخسف في
البيداء .
وهذا الأمر تعبير عن الظهور .
وبين يديه يعني قبله.
وفي خبر آخر عنه (ع) : "للقائم
خمس علامات ،وعد منها : الخسف في البيداء .
أقول : و العلامة لا تكون إلا
سابقة على الظهور ، كما هو واضح .
النقطة الثانية: معارضة هذه
الأخبار بما دل من الأخبار بأن الخسف يحصل من اجل رجل او جماعة
لاعدد لهم ولاعدة .إذ من الواضح أن الإمام المهدي (ع) بمجرد
ظهوره سيكون له عدد وعدة ، لا تقل عن عشرة آلاف جندي.
أخرج مسلم (2) : أن رسول الله
(ص) قال:
"سيعوذ بهذا البيت قوم ليس
لهم منعة ولا عدد ولاعدة ، يبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا
ببيداء من الأرض خسف بهم "أقول : وهذه صفة المهدي (ع) بل
الظهور .
صفحة (305)
ـــــــــــــــــ
(1) انظرالأخبار الثلاثة في
تاريخ الغيبة الكبرى ص600
(2) انظر الصحيح ج8 ص167
النقطة الثالثة :
معارضة هذه الأخبار بما دل من
الأخبار المطولة الدالة على تفاصيل الحوادث ، والتي تنص على
حدوث الخيف قبل الظهور .
أخرج النعماني في الغيبة (1)
بسنده عن جابر الجعفي عن ابي جعفر محمد بن علي (ع) ، في حديث
طويل قول فيه:
ويبعث السفياني بعثاً إلى
المدينة فينفر المهدي منها إلى مكة . فيبلغ أمير جيش السفياني
أن المهدي قد خرج إلى مكة ، فيبعث جشاً في أثره فلا يدركه حتى
دخل مكة خائفاً يترقب على سنة موسى بن عمران .قال: وينزل أمير
جيش السفياني بالبيداء. فينادي مناد من السماء : يا بيداء
أبيدي القوم ، فيخسف بهم ...قال: والقائم يومئذ بمكة قد أسند
ظهره إلى البيت الحرام مستجيراً ..الخ الحديث الذي يستمر في
نقل خطبته (ع) .
وأخرجه المجلسي في
البحار(2).وهو واضح – على الأقل ـ عدم تأخر الخسف عن الظهور .
ومع وجود هذه الروايات تكون
الأخبار الدالة على تأخر الخسف عن الظهور ، ساقطة عن قابلية
الإثبات في هذه الجهة . ولكننا مع ذلك لن نخسر نقاط القوة
السابقة التي ذكرناها لها .
أما النقطة الأولى : فلأن عزم
السفياني على قتل المهدي (ع) لن يكون بصفته مهدياً ،بل بصفة
أخرى يشعر معها السفياني بأن المهدي بتلك الصفة شخص متمرد عليه
ثائرعلى نظامه ، فينبغي الإجهاز عليه .
وهذا الوضع طبيعي وواضح ، من
موقف الإنحراف تجاه الحق وأهله دائما .ولا يلزم من ذلك ان
المهدي (ع) حال غيبته يكون قد قام بحركة واسعة ضد السفياني
.... ذلك مخالف لفكرة غيبته .إلا أن نفس وجود المهدي (ع)
بالصفة الأخرى هادياً للناس يثير حقد&nb