الأسس العامة
لتخطيط ما بعد الظهور
إذا أردنا التعرف على أسس
وتفاصيل التخطيط العام لما بعد الظهور ، لا بد لنا من التفاتة
إلى ما سبق أن قلناه في التمهيد ، من أنه يتعذرعلى الباحث الذي
يعيش الفترة السابقة على الظهور أن يدرك العمق الحقيقي
الإتجاهات القانونية والفكرية العميقة التي تكون سائدة بعد
الظهور ، وعند تطبيق العدل الكامل على العالم .
ومن هنا ينبغي أن تبقى
التفاصيل والتفريعات مصونة في الغيب إلى حين تحققها ، وإنما
غاية جهد الباحث أن يدرك الخطوط العريضة والقضايا العامة
المهمة التي يمكن الإطلاع عليها في حدود الثقافة الإسلامية
الموجودة في العصر الحاضر .
وبذلك نعرف إحدى نقاط الإختلاف
بين التخطيطين .فإن التخطيط الإلهي السابق متخذ للسير بالبشرية
الماضية والحاضرة إلى نتائجها المطلوبة ....
وبتعبير أوضح أننا بحسب
وجودنا في هذا الزمن نعيش التخطيط الساري المفعول فيه .
ومن هنا يكون اطلاعنا على
تفاصيل هذا التخطيط ممكناً ومتيسراً إلى حد كبير ، عن طريق
القواعد العامة المعروفة وعن طريق ما هو مشاهد بالوجدان مما قد
تحقق من حلقاته وتفاصيله . كما سبق أن عرضنا ذلم مفصلاً في
التاريخ السابق .
وإما تخطيط ما بعد الظهور ،
فيحتوي على عدة نقاط ضعف في التعرف عليه :
أولاً : بعدنا الزماني عنه ،
بحيث لا يمكن مشاهدته بالوجدان ،ولا أن يصل منه شاهد عيان .
ثانياً : أننا نقتصر في الغالب
- في التعرف عليه القواعد العامة ، وهي لا تعطي إلا العموميات
، ولا يمكنها الوصول إلى التفاصيل.
ثالثاً : أننا نجهل القوانين
الجديدة والنظم التي ستكون معلنة في ذلك العصر، الأمر الذي
يوفر لنا طريقاً سهلاً، في معرف ة التخطيط لو كان متوفراً ،
إلى غير ذلك ، مما يحدونا إلى
الكفكفة من غلواء البحث ، والإقتصار في النتائج على مقدار
الإمكان .
صفحة (100)
والكلام في ذلك يقع ضمن جهات
ثلاث :
الجهة الأولى : في الخصائص
العامة للمجتمع الذي ينطلق منه التخطيط ، وهو المجتمع العالمي
الذي يتم فيه حكم الإمام المهدي (ع) وتطبيق العدل الكامل لأول
مرة .
وإزالة العوائق التي يمكن أن
تشكل خطراً عليه . وليس معناه صياغة كل نفوس الأفراد صياغة
إسلامية عادلة كاملة لأول وهلة .
إن المهدي (ع) سيقتل عدداً
كبيراً من الأفراد ممن فشل في التمحيص الموجود في التخطيط
الإلهي السابق ، وأصبح يشكل خطراً على العدل الكامل في المجتمع
الجديد، على ما سيأتي تفصيله... ولكن سيبقى – مع ذلك– عدة
فجوات ونقاط ضعف في العالم ، يكون على التخطيط الجديد بشكل عام
، وعلى المهدي (ع) بشكل خاص، ملؤها وتذليل مصاعبها مما لا يؤثر
فيه الفتح العسكري عادة .
النقطة الأولى : وجود أهل
الذمة ، وهم الشعوب التي تؤمن بالأنبياء السابقين على الإسلام
.وسيسمح لها – بمقتضى القواعد الإسلامية المعروفة الآن –
البقاء على دينها مع دفع الجزية ... ويكون لها أن تدخل في دين
الإسلام طواعية .
النقطة الثانية : وجود المذاهب
المتعددة من معتنقي الإسلام ، ممن لا يظهرون معارضة للنظام
الجديد .
النقطة الثالثة : نقص الثقافة
الإسلامية العامة ، بالنسبة إلى العالم الذي يواجه قوانين
الإسلام لأول مرة ، وهي الشعوب التي كانت كافرة قبل الظهور ،
ورضيت بالإسلام ديناً بعده .
النقطة الرابعة : نقص الثقافة
الإسلامية العامة ، في الأمة الإسلامية نفسها ، نتيجة لبعدها
عن الإسلام في عصور الفتن والإنحراف .
النقطة الخامسة : نقص الثقافة
الإسلامية في الأمة خاصة وفي البشرية عامة ، بالنسبة إلى
القوانين الجديدة التي يصدرها القائد المهدي (ع) والأفكار
العميقة التي يعلنها ، ريثما يتم إعلانها وتوضيحها للناس .
صفحة (101)
النقطة السادسة : نقص الإخلاص
وقوة الإرادة لدى الأعم الأغلب من المسلمن فإن غاية ما تمخض
عنه التخطيط الإلهي الأول ، هو وجود الإخلاص العميق لدى جماعة
من المسلمين ، ولم يؤثر – بطبيعة الحال- نفس الأثر في مجموعهم
كيف وإن الأرض امتلأت ظلماً وجوراً .
فهذه أهم نقاط الضعف من
الناحية الدينية ، التي يزخر بها المجتمع الدي يواجهه المهدي
(ع ) لأول وهلة . وهي النقاط الأهم تأثيراً في بناء الدولة
العالمية ، باعتبار ما عرفناه ، من أن الإسلام هو الأطروحة
العادلة الكاملة التي يقوم الإمام المهدي (ع) بتطبيقها ،
والأمة الإسلامية هي الأمة الرائدة في خضم تلك الجهود البانية
للدولة . فأي صعوبة في هذه الأمة تعني الصعوبة في نيل الهدف
أيضاً .
وأما الصعوبات (الدنيوية) لو
صح هذا التعبير ، وأعني بها الصعوبات ونقاط الضعف الموجودة في
الإتجاهات غير الدينية ، وما انتجته النادية والعلمانية من
ويلات في العالم فهي أكثر من أن تذكر او تحصر.
وإذ يواجه نظام الإمام المهدي
(ع) كل هذه المصاعب ، سيكون مسؤولاً عن اتخاذ الخطوات الحاسمة
اللازمة لحل كل مشكلة وتذليل كل عقبة ، وسيكون على مستوى
المسؤولية بعد أن كان متدرعاً بالسلاح ومتذرعاً بالإخلاص ،
ومنطلقاً من الأطروحة العادلة الكاملة ، ومتصفاً بصفات شخصية
عليا ، حاولنا أن نحمل عنها فكرة في التاريخ السابق (1) الأمر
الذي قلنا أنه ييسر له القيادة والتطبيق العادل في اليوم
الموعود .
الجهة الثانية : يستهدف هذا
التخطيط الثاني ، الكمال الإنساني الأعلى للبشر، في الحدود
الممكنة له على هذه الأرض ، فهو يوفر الأرضية الكافية لتكامل
الإنسان إلى غاية ما يمكن أن يحصل عليه من الكمال ... حتى يكون
بالتدريج البطيء في إمكان الفرد أن يكون معصوماً ، وأن يتكامل
في عصمته(2).
صفحة (102)
ــــــــــــــــــ
(1) انظر : من صفحة 504 إلى
ص520.
(2) أعني من العصمة ما يسمى
ب(العصمة غير الواجبة) وهي التي ينعدم فيها احتمال الظلم
والعصيان دون الخطأ والنسيان . وسيأتي إيضاحه في الكتاب الآتي
،وأما التكامل فيما بعد العصمة فقد برهنا ممن التاريخ السابق
على إمكانه .
وليس معنى ذلك أن البشر جميعاً
يكونون لأول وهلة ، على هذا المستوى العالي .بل معناه توفير
الطريق لأن ينال كل فرد من هذا الهدف بمقدار قابلياته الشخصية
، وبمقدار ما يؤدي من إطاعة وتضحيات في سبيل الحق والعدل .
وهو من هذه الناحية يشبه ما
رايناه في التخطيط السابق على الظهور .فإنه كان يستهدف – فيما
يستهدف إليه - تعميق الثقافة الإسلامية في الأمة(1) وتقوية
الإرادة الإيمانية تجاه المشاكل .وقد راينا كيف يأخذ الناس من
هذه الأهداف بمقدار قابلياتهم ومقدار ما يؤدونه من تضحيات ،
وكيف ينتج هذا التخطيط تكاملهم التدريجي البطيء.
غير أن هذا التخطيط الجديد
يختلف عن سابقه في نتيجته ، فإنه بينما رأينا في التخطيط
السابق أنه لم يتصف بالنجاح الحقيقي خلاله إلا عدد قليل نسبياً
. فإن هذا التخطيط الجديد سيشمل بالنجاح أكثر الأفراد ، وسيصل
في المدى البعيد كل الأفراد إلى المستوى المطلوب ، بالتدريج
البطيء.
وسيأتي في مستقبل هذا البحث أن
المجتمع البشري ، نتيجة للتدابير الآتية التي تضعها الدولة
العالمية ، سيمر بمرحلتين من العصمة :
المرحلة الأولى : أن يكون
الأفراد غير معصومين ولكن الرأي العام المتفق عليه بينهم
معصوماً .وقد أشرنا في التاريخ السابق(2) إلى ذلك مختصراً .
وسيأتي في مستقبل البحث ما يزيده أيضاحاً .
المرحلة الثانية :أن يكون كل
الأفراد معصومين ... بتلك العصمة القائمة على أساس العدل
الكامل مفاهيمياً وتشريعياً ، الذي كان ولا زال - في تلك
الفترة - مطبقاً منذ عهد بعيد . وسيأتي ما يوضح ذلك أيضاً .
الجهة الثالثة : في التعرف على
تفاصيل التخطيط الإلهي العام لما بعد الظهور وأسسه العامة
بمقدار الإمكان. تلك التفاصيل والأسس التي يمكنها أن تحول
المجتمع الذي عرفنا نقاط ضعفه في الجهة الأولى ، إلى الصفات
الكبرى التي حملنا عنها فكرة كافية في الجهة الثانية .
صفحة (103)
ــــــــــــــــــ
(1) يسير هذا العمق إلى جنب
الشعور الديني ..ومن هنا لم يكن وجود هذا العمق في الثقافة
الإسلامية لدى عدد كبيرفي الأمة ، منافياً مع وجود الضحالة من
هذه الجهة لدى عدد كبير أيضاً ، كما أشرنا غير بعيد ، في
النقطة الثالثة من نقاط الضعف .
(2) تاريخ الغيبة الكبرى ص481.
ونحن إذ نتحدث عن هذه الأسس ،
إنما نتحدث عما يمكن أن يكون كذلك في الفترة الأولى للدولة
العالمية ، وهي التي تسبق المجتكع المعصوم بكلا قسميه ، فإن
هذا أقرب إلى إمكان التعرف عليه من تلك المجتمعات العليا
المتأخرة . فإننا سبق أن أكدنا عجز الباحث عن إدراك العمق
الحقيقي للفكر والتشريع لما بعد الظهور، وهذا ثابت منذ تأسيس
الدولة العالمية ، فضلاً عن المجتمعات المعصومة .إذاً فليس لنا
أن نعرف عن المجتمعات المعصومة شيئاً مفصلاً.
وما يمكن لنا الآن تصوره
ولإثباته بالقواعد العامة ، من الأسس لتلك الفترة . ما يلي :
الأساس الأول : تربية العالم
ثقافياً من جهة الإسلام الواقعي أو العدل الكامل الذي يقوم
عليه نظام المهدي (ع) في دولته العالمية .
ويعطي من ذلك لكل فرد ولكل شعب
ما يحتاجه من اساليب التثقيف ومقداره ، بشكل تدريجي وعلى مراحل
. وكلما طويت مرحلة ، استحق الفرد أو الجماعة مرحلة جديدة من
القافة .
فالشعوب غير المسلمة ، سوف
تدعى إلى الإسلام . وسوف يعتنقونه باقتناع وسهولة ، نتيجة
لأسباب التي سوف نذكرها بعد ذلك . وكل من اسلم من جديد أو هو
مسلم سلفاً سوف يربى على الثقافى الإسلامية العامة الضروية
لوجود الطاعة والإبتعاد عن المعصية . إن لم يكن قد نال ذلك
نتيجة للتخطيط الإلهي السابق .
وكل من تربى إلى هذه الدرجة ،
فإنه يعطي الثقافة التي تؤهله إستيعاب الأفكار والمفاهيم
والقوانين الجديدة التي تعلن في ذلك العهد . طبقاً للمصالح
الموجودة يومئذ.
ثم يبدأ التصاعد والتكامل
الثقافي من هذه الدرجة أيضاً ، ويأخذ كل فرد من البشر من ذلك
بقدر قابلياته وجهوده أيضاً.
ولئن كانت المراحل الأولى
والاسس الرئيسية من هذا التثقيف ، سينجزها الإمام المهدي (ع)
بسهولة وسرعة، على ما سوف نسمع في هذا التاريخ إلا أن المراحل
المتأخرة التي تعتبر تفريعاً وتطبيقاً للأسس وسوف تكون تدريجية
وبطيئة ، طبقاً تربية كل أمة .
الأساس الثاني : تربية البشرية
من حيث الإخلاص وقوة الإرادة تجاه المسؤوليات الجديدة في دولة
العدل.
ويكون الأسلوب العام في ذلك
مشابهاً في الفكرة للأسلوب الذي كان متخذاً في التخطيط الأول
.وهو مرور الفرد بمصاعب وعقبات تجاه العدل ، ليرى موقفه منها
ورد فعله تجاهها ، فإن وقف موقفاً إسلامياً عادلاً كان ناجحاً
في هذا التمحيص وإلا كان فاشلاً .
صفحة (104)
لكن يختلف سبب التمحيص في
التخطيط السابق عنه في هذا التخطيط الجديد ، فإننا قلنا في
التخطيط الأول أن ظروف الظلم والإنحراف كافية في التمحيص ، من
حيث رد الفعل الإسلامي الصحيح من الفرد تجاهها .واما التخطيط
الثاني . فسوف لن يكون لعصور الظلم وظروف الفساد اي أثر وإنما
ينبثق التمحيص في العهد الجديد من المسؤوليات التي يفرضها
التمسك بالعدل الكامل وتطبيقه ، والمحافظة على بقائه في علاقة
الفرد مع نفسه ومع ربه ومع الآخرين ومع النظام القائم ... تلك
العلاقات التي يتوقع من الفرد خلالها رد فعل إسلامي عادل كامل
.
وسوف يكون التمحيص شاملاً لكل
فرد بمقدار قابلياته وثقافته ، لأنه يتناسب دائماً مع ارتفاع
القافة تناسباً طردياً مطرداً ... إذ يقبح على الله عز وجل أن
يوفر للفرد امتحاناً وتمحيصاً يكون الفرد فيه فاشلاً باليقين،
فإن ذلك خلاف العدل الإلهي ، وإنما يكون التمحيص على مقدار
الثقافة والقابلية دائماً ، حتى ما إذا وصلت الثقافة قمة عالية
. كان التمحيص في غاية الدقة والصعوبة ، وكان النجاح المتوقع
منها نجاحاً مناسباً لتلك المرتبة ، والفشل الصادر فيها مسجلاً
بأدق الموازين وبأهون العثرات .
وقد وردت في أخبار المصادر
الخاصة ، نماذج التمحيصات التي يقوم بها المهدي (ع) في الفترة
الأولى من عهده ، تجاه الأمة عامة وتجاه وتجاه أصحابه الخاصين
ممن نجحوا في تمحيص التخطيط الأول – خاصة . على ما سوف نعرف
تفصيله في ما يأتي .
وقد يخطر في الذهن :انه ما
الحاجة إلى التمحيص في التخطيط الإلهي الجديد ، وإنما كانت
الحاجة في التخطيط الابق إلى التمحيص ، لإيجاد العدد الكافي من
أفراد الجيس الفاتح للعالم بين يدي المهدي (ع) .وقد أنجز هذا
الجيش عمله وانتفت الحاجة إلى مثله ،فلماذا يستمر التمحيص ساري
المفعول في البشر .وجواب ذلك : أن ناموس الله في خلقه هو
تربيتهم عن طريق التمحيص .كما دل عليه الكتاب الكريم في عدد
من آياته ،والسنة الشريفة ، منها ، قوله تعالى :"ما كان الله
ليذر المؤمين على ما أنت عليه ،حتى يميز الخبيث من الطيب"(1)
صفحة (105)
ــــــــــــــــــ
(1) آل عمران : 3/179.
فإنه قانون عام لإختبار طاعة
الأفراد في عصر ما قبل التمحيص ... وهو كل عصر يواجه فيه الناس
دعوة جديدة وتربية جديدة لم تختبر مواقفهم تجاهها ، ولم تعرف
ردود فعلهم حيال المشاكل التي تعترضها فلا بد أن تمر الأمة
المسلمة خلال هذا القانون ، ليكون له الأثر الفعال في تربية
الأفراد وتعميق إخلاصهم وتقوية إرادتهم تجاه المشاكل .وبذلك
يتميز الخبيث من الطيب ، ويعرف من يكون له موقف إسلامي صحيح
تجاه المصاعب والعقبات . ومن يكون ذا موقف منحرف باطل .وهذا
ميز واقعي بين الأفراد يمت إلى اختلاف قابلياتهم ومسبقاتهم
الفكرية والعقلية والنفسية بصلة ... قبل أن يكون مجرد انكشاف
لدى الآخرين .
وقد سمعنا كيف أن هذا القانون
، كان شاملاً لدعوات الأنبياء السابقين على الإسلام ، ومشاركاً
في تربيتهم مشاركة فعالة ، وقد شرحناه في التاريخ السابق(1)
وقلنا(2) أن الحاجة – مع ذلك – تعن إلى سريان قانون التمحيص
إلى ما بعد الإسلام لتتربى البشرية طبقاً لمفاهيم وتشريع
الأطروحة العادلة الكاملة .
وكما واجه المجتمع المؤمن دعوة
جديدة في صدر الإسلام ، فكان مقتضى هذا القانون تمحيص الأفراد
على أساسه خلال تربية الأجيال تربية بطيئة وطويلة وهذا هو
التمحيص الساري في تخطيط ما قبل الظهور .كذلك سوف يواجه
المجتمع المؤمن والبشرية جمعاء دعوة إسلامية جديدة بعد اندراس
الإسلام وعوده غريباً أو نسيان وعصيان الكثير من أحكامه
.وسيواجه في هذه الدعوة الجديدة نظاماً وقوانين ومفاهيم ، لم
يكن له بها ساق عهد إلى القواعد الإسلامية السابقة .
ومن هنا يكون المجتمع بالنسبة
إلى هذه الدعوة الجديدة ، مجتمع ما قبل التمحيص. ويحتاج بمقتضى
هذا القانون الشامل إلى أن يمر بعصر التمحيص خلال تربية طويلة
وبطيئة ، لتتميز مواقف الناس تجاه النظام الجديد والدعوات
الجديدة .ويأخذ كل فرد على قدر قابلياته وجهوده من النجاح
والتكامل خلال التمحيص ،ما يستطيع .
وبينما كان التمحيص السابق ،
ينتج فشل الأعم الأغلب من البشر ، كما عرفنا فإن هذا التمحيص
وبصفته مدعماً بالأسس ، التي سنعرفها ، ينتج نجاح الأعم
الأغلب من البشر ، وسيكون النجاح مطرداً ، حتى تصل البشرية في
النتيجة إلى المجتمع المعصوم .
صفحة (106)
ــــــــــــــــــ
(1) انظر تاريخ الغيبة الكبرى
ص255 وما بعدها .
(2) المصدر السابق ص266
الأساس الثالث للتخطيط الجديد:
توفير جو من السعادة والرفاه المادي المتزايد ، تحت جو من
الأخوة والتضامن والعدل الكامل . بأساليب معينة ستأتي في
القسم الثاني الآتي من الكتاب .
والأساس النظري لإيجاد هذا
الرفاه ، ليس هو مجرد نيل اللذة لأنها مهما كانت مهمة ، فإنها
لا تكفي وحدها للسير بالبشرية نحو هدفها المقصود النهائي ...
وإنما يلاحظ الرفاه المادي بمقدار مايستطيع أن يؤثر في ذلك
الهدف البعيد ويربي البشرية باتجاهه.
وذلك : من زاوية أن الرفاه
المادي متناسباً مطرداً ، مع توفير الجو الكافي لذلك، ولايمكن
أن يكون عائقاً عنه ، بعد أن يتشرب الناس ذلك الأساس النظري ،
وهو ملاحظة الرفاه بصفته طريقاً نحو الهدف ، لا أنه بنفسه
الهدف .ومن ثم ستكون زيادة الرفاه مؤيدة لتركيز التربية وترسيخ
العدل ، ومن ثم المشاركة في بناء ذلك الهدف .
وهذا هو المؤدي الحقيقي لما
سمعناه من الأخبار في فصل سابق من كثرة المال فيعهد الإمام
المهدي (ع) وأنه يقسم المال ولا يعده ... تلك الأخبار المروية
من قبل الفريقين ، وقد سمعنا ما ورد منها في الصحيحين .
وقد يخطر في الذهن : أن
توفيرالمال والرفاه ، إنما يكون من زيادة العمل . فيكون
متناسباً عكسياً مع الهدف، لأن زيادة العمل في سبيل الرفاه
سوف يمتص الجهد الذي يمكن أن يبذل في الجانب الأخلاقي
والعبادي. ولاتكون زيادة الرفاه مؤيدة لتركيز التربية ، كما
قلنا .
والجواب على ذلك واضح جداً ،
لمن استطاع استيعاب المفهوم الصحيح للعبادة مع المفهوم الصحيح
للعمل ، فإنه سيستغرب كيف تكون العبادة عائقاً عن العمل مع أنه
الأسلوب المهم في حصول الرفاه الأفتصادي المطلوب من أجل
العبادة نفسها .وكيف يكون العمل عائقاً عن العبادة ، وهي الهدف
الرئيسي للحياة . وبالنتيجة هم معاً واقعين في طريق الهدف
البشري الأعلى .
صفحة (107)
ومن هنا يمكن أن ننطلق إلى
الجواب على مستويين :
المستوى الأول: أننا إذا فهمنا
من العبادة معنى لا ينطبق على العمل ، واصبح العمل المتزايد
عائقاً عن العبادة ،فإن ذلك لايمكن أن يحدث تحت ظل النظام
العالمي العادل ، إذ يمكن التوفيق بين العبادة والعمل ،
وتنظمها تنظيماً عادلاً يكفل إيفاء كل منهما للحاجة التربوية ،
وتحصيله لنتيجته المطلوبة ، تحت إشراف القانون والدولة .
المستوى الثاني: أننا نفهم من
العبادة معنى ينطبق على العمل ، ولا يتنافى معه .فإن العمل
نفسه يمكن أن يصبح عبادة .إذا كان واقعاً في طريق العبادة
ومطابقاً للنظام العادل الكامل ، فإنه يصبح آنئذ من أفضل
العبادات في علاقة الفرد مع الآخرين ،ولانريد بالعبادة خصوص
الطقوس الفردية التي تربط الفرد بربه .وقد أعطينا في هذا
الكتاب والكتاب السابق فكرة كافية عن ذلك.
... لكن بشرط أن يشعر الفرد
العامل بهذا الترابط ، وهذا الإستهداف فإن شعوره بذلك يجعله
متصفاً من خلال عمله بالعبادة ، وهو في معمله او متجره أو
منجمه .
وهذا الشعور متوفر بطبيعة
الحال تحت الإشراف التربوي للدولة العادلة .
لكن العمل إذا انطلق من
المفهوم ، فلن يكون مستهدفاً لذاته ، أو لمجرد الحصول على
المال ،فإن العمل ما دام في سبيل المصالح العامة وتحقيق
العبادة التامة ...إذاً ، قلته .ولا معنى لأن يكون العمل
معيقاً عن تحقيق المصالح والأهداف .
الأساس الرابع للتخطيط الثاني:
الإشراف العام لدولة على تفاصيل التطبق من الناحيتيتن
القانونية والإجتماعية .
حيث تشرف الدولة العادلة على
نشر الثقافة العامة ، وتقوم ببعض التمحيصات على ما سنسمع
،ونراقب الأفراد من حيث رقيهم في الدرجات المطلوبة من الكمال ،
وتساعدهم على النجاح والتكامل بالمقدار اللازم ، وتسجل فيسجل
ضميرها من نجح من الأفراد ومن فشل منهم في التمحيص ، ومن له
قابلية الرقي ممن ليس له ذلك.
وسنرى كيف يكون للدولة من أثر
مباشر في تربية الأفراد في العالم . والتدخل في حياتهم الروحية
والعاطفية والعقلية والإجتماعية .وهذا مما يؤكد نجاح الدعوة
المهدوية والتطبيق الكامل للعدل ، كما يؤكد اجتياز الأفراد
للمراحل الأولى من الكمال بنجاح وسرعة وسهولة وهذا الأساس مما
يفترق به هذا التخطيط عن سابقه ، نتيجة لإختلافهما في الأهداف
، فقد كان الهدف من التخطيط السابق . تمييز الخبيث من الطيب
وتكريس جهود
الطيبين و تعميق اخلاصهم
ليكونوا الطليعة الأولى لدولة العدل العالمية في اليوم الموعود
.ولم يكن هناك أي تاكيد على إنجاح الراسبين أو توفير فرص
النجاح .بل إن الفرد إذا رسب في التمحيص وعصى الأحكام الإلهة
الإسلامية ، فقد جنى بنفسه عل نفسه وسعى بظلفه إلى حتفه ، فليس
وراءه إلا استحقاق العقاب .
صفحة (108)
ولذلك لم يكن هناك حاجة
للإشراف المركزي عل التثقيف أو التمحيص وإن كان هذا راجحاً ،
إلا أنه في إمكان التخطيط العام أن يصل إلى نتيجته وصولاً
تلقائاً وفي كل الظروف.
ولكن التخطيط الثاني يختلف عن
الأول ، في هذه النقطة .وذلك لأنه لا يستهدف مجرد التمحيص ، بل
الوصول إلى الهدف الأعلى للإنسانية على الصعيد العالمي كله
.وهذا يستدعي القيام بأمرين مقترنين :
الأمرالأول : تعميق التمحيصات
تبعاً لتعميق الثقافة الإسلامية المعلنة في العالم يومئذ ،
وتشديد النكيرعل الراسبين في هذا التمحيص ، إلى حد قد يؤدي بهم
إلى القتل ، لعدم انسجام الفرد الراسب في التمحيص مع مجتمع
العدل المطلق .
الأمر الثاني : توفير الفرص
الكافية للأفراد ، ممن لا يتصف بالقابلية العليا والثقافة
العميقة ، إلى النجاح ، تحت إشراف الدولة العادلة ، ليكون
الوصول إلى نتيجة التخطيط أسرع وأسهل وأوسع .
وليس بين هذين الأمرين تناف ،
بل هما متفقان في الإيصال المطلوب إلى النتائج المتوخاة ، وسوف
يكون الأمر الأول أشد وضوحاً وأهمية مع وجود الأمر الثاني ،
فإن من يرسب في التمحيص ، بالرغم من وجود الفرص الكافية للنجاح
، يكون أشد إجراماً وابعد عن الحق والعدل ، ممن يرسب بدون هذه
الفرص ،كما هو واضح .
وهذا يشكل إحدى الفروق في
النتائج بين هذا التخطيط وسابقه ، فبينما نجد أن التخطيط
السابق يتمخض عن ضعف المسؤولية ، كما سبق أن برهنا في التاريخ
السابق(1) نرى هذا التخطيط مساوقاً مع عمق المسؤواية ودقتها .
ويرجع ذلك لعدة أسباب، لعل من
أوسعها وأوضحها ، كون تطبيق العدل في التخطيط السابق مخالفاً
للإتجاه العام المملوء بالظلم والجور ، حتى يكون القابض على
دينه كالقابض على جمرة من النار ، كما ورد في بعض الأخبار .ومن
الواضح أن القبض على الجمر يحتاج إل قوة إرادة عليا ، وإن عدم
القبض عليه لا يتضمن المسؤولية العليا والإجرام الكبير .بخلاف
الحال في التخطيط الجديد ، فإن تطبيق العدل موافق للإتجاه
العام المملوء قسطاً وعدلاً ، ومن هذه الجهة يكون موافقاً
للهوى ، ويكون الإنحراف مخالفاً للإتجاه العام فتكون مسؤوليته
ذات درجة عليا من الأهمية ومناستحقاق العقاب .
فهذه هي الأسس الرئيسية التي
يمكن التوصل إليها الآن ، وبها وأشباهها يستطيع القائد
المهدي(ع ) تربية الأمة ألإسلامية بسرعة وبسهولة .وأما
بالنسبة إلى سائرأجزاء العالم فهذه الأسس سوفتشارك في تربيته
بعد استتباب اسيطرة عليه ، وأما حصول هذه السيطرة فلا وكيفيتها
، فهو ما سنذكره مفصلاً في فصل قادم.
صفحة (109)
ــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص 451
وما بعدها إلى عدة صفحات .
الباب الثاني
حوادث ما قبل الظهور
ونعني بها الحوادث التي تقع
قبل الظهور بزمن قليل ، حسب ما نعرف من أدلتها ،وهو ما سبق أن
أجلنا الحديث عن ألأعم الأغلب من "تاريخ الغيبة الكبرى" إلى
هذا التاريخ ، باعتبار ما ألصق به . وإن كانت هذه الحوادث في
واقعها ، تحصل في عصر الغيبة الكبرى ، إلا أن قصر الزمان
نسبياً ، بينها وبين الظهور يجعلها أشد ، ارتباطاً به مما قبله
، كما سيتضح فيما يلي من البحث .
صفحة (111)
تمهيد
لا بد لنا – في هذا الصدد –
أن ناخذ بنظر الإعتبار ، عدة أمور :
الأمر الأول :أننا سرنا في
التاريخ السابق (1) على اسلوب معين في فهم غالب الحوادث
الواردة في الأخبار، وهو أسلوب الحمل على الرمزية ، لوجود
الإطمئنان في كثير من الأحيان ، بأن المداليل اللفظية للأخبار
الناقلة لهذه الحوادث غير مقصودة .وإنما المقصود من ورائها
الإشارة إلى حوادث اجتماعية مما قد يتمخض عنها التخطيط السابق
على الظهور .وإنما صيغت بأسلوب الرمز لمصالح معينة ... لعل من
أهمها :
أولاً : عدم الموافقة بهذه
الحوادث مع المستوى الفكري للعصر الذي صدرت فيه هذه الأخبار .
ثانياً : أنه لو صرح بهذه
الحوادث وشرحت بوضوح ، لأمكن استغلالها واتخاذ مواقف سيئة منها
، بنحو يخل بالتخطيط الإلهي العام .
ثالثاً :إن مؤدى جملة كبيرة من
الأخبار الناقلة للحوادث ، ظاهر بأنها تحصل عن طريق إعجازي غير
طبيعي، بشكل يكون منافياً مع قانون المعجزات الذي برهنا على
صحته . فيدور الأمر بين طرح الحديث أساساً وبين حملة الرمز،
وقلنا هناك(2) بأن الحمل على الرمز أولى من الطرح ، وخاصة فيما
إذا كانت الحادثة منقولة بأخبار كثيرة ، صالحة للإثبات
التاريخي ، ولا يمكن طرحها .
وهنا نواجه هذه النقاط مرة
أخرى ، وبشكل وآخر ، في الأخبار الناقلة لحوادث ما بعد الظهور،
مع وجود اختلافين أحدهما نقطة قوة والأخرى نقطة ضعف .
صفحة (113)
ــــــــــــــــــ
(1) انظر – مثلاً- ص212 منه.
(2) ص217 وما بعدها.
الإختلاف الأول : الذي يمثل
نقطة القوة وهو أننا هنا لن نواجه العقبة التي قلناها في تمهيد
هذا التاريخ ، وهي أننا لا نستطيع التعرف على العمق الحقيقي
للحادثة أو لمجموع الحوادث ، وذلك :لأن ذلك إنما يصدق على
حوادث ما بعد الظهور .وأما ما يكون موجوداً قبل الظهور ، كما
هو شأن العلامات التي نتحدث عنها في هذا الفصل ، فاستيعاب فهمه
متير إلى حد كبير .
الإخنلاف الثاني : الذي يمثل
نقطة الضعف ، ينطلق من صعوبة اختيار المعنى المرموز إليه ، في
الموارد التي نحتاج فيها إلى ذلك ، فإنه بعد أن يتبرهن الحمل
على الرمزية ، قد لا يتعين المعنى المشار إليه بالرمز . ولعله
من الممكن انطباقه على أكثر من مفهوم أو عدة وقائع .
ومع وجود هذه المصاعب ، قد لا
يتعذر الإطلاع على المعنى المرموز إليه .إذ وجدت من القرائن
والمثبتات حوله ما يكفي .ولكن مع تعذر ذلك لا بد أن نبني البحث
على أسلوب الأطروحات بمعنى عرض أقرب المعاني المحتملة إلى
الواقع وإلى القواعد العامة ، وقد لا يكون المعنى المحتمل
بلحاظ ذلك أكثر من معنى واحد ، فيتعين ، وإن كان لايعدو كونه
(اطروحة) باعتباره معنى محتملاً.
وتوجد هناك صعوبة أخرى ، قد
نواجهها في فهم بعض الأخبار وهي أننا نجهل ما هو الرمزي من
ألفاظ الروايات مما هو صريح ، فهل كل ألفاظها رمزية أو يوجد
بعضها ما يمكن حمله على معناه الصريح .وهل يمكن التبعيض في
ألفاظ الحديث الواحد؟ وهل نحن محتاجون إلى هذه الرواية ، للحمل
على الرمز أو لا ؟
أما من حيث أسس ذلك ، وهي
إمكان التبعيض في ألفاظ الحديث الواحد فالصحيح المطابق للفهم
العام في الكلام ، أن ذلك ممكن إذا لم يكن مجموع الفهم من
ألفاظ الحديث متنافراً ، بمعنى ضرورة الإنسجام بين المعاني
التي فهمناها سواء الصريح منها والرمزي .
وأما الحاجة إلى الرمزية وعدمه
، فهو ما سبق أن بحثناه في التاريخ السابق(2) وخلاصته عدم
إمكان الحمل على الرمز مع إمكان فهم المعنى اللفظي المطابقي
نفسه .
مع إمكان الحمل على المجاز
والكناية ، إذ مع إمكانه لا حاجة إلى الرمز.
صفحة (114)
ــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص218
وما بعدها .
إنطلاقاً من هذه الأسس سنقوم
بتذليل هذه الصعوبة : أعني تعيين الرمز من الصريح من الألفاظ ،
عن طريق (القواعد العامة) ودلالة الأخبار الأخرى أولاً ، فإن
تعذر ذلك ، كان أسلوب (الأطروحات) كفيلاً بتذليل هذه المشكلة ،
لأننا حين نعرض الأطروحة المعينة القريبة إلى الذهن ، سنعرف
بطبيعة الحال ما يدل عليها من الأخبار بنحو الرمز ، وما يدل
عليها بنحو الصراحة .
الأمر الثاني :- من التمهيد -
: في تمحيص ما ورد من الحوادث .
يمكن تقسيم هذه الحوادث من حيث
إعرابها عن المعجزات إلى قسمين :
القسم الأول : ما كان بدلالته
اللفظية ، أو بعد حمله على الرمزية ، دالاً على حوادث غير
إعجازية ، اجتماعية أو طبيعية .
القسم الثاني : ما كان دالاً
على حوادث إعجازية ، بشكل واضح ، لا يمكن صرفه عنها .
ويختص القسم الثاني بتحفظين لا
حاجة إليهما في القسم الأول :
التحفظ الأول : إن هذا القسم
مربوط بقانون المعجزات ، فما كان منه منسجماً معه أمكن الأخذ
به لو تم فيه التحفظ الثاني الآتي ... وما لم يكن منسجماً معه
، فلا بد من رفضه على كل حال .
التحفظ الثاني : إن القسم
الأول يمكن قبول حدوثه مع الإنسجام مع المنهج العام الذي قلناه
في هذا التمهيد العام لهذا التاريخ ... في حين أن القسم الثاني
يحتاج إلى درجة أعلى من التشدد في القبول ، كما عملنا عليه في
التاريخ السابق(1) . ففي الوقت الذي قبلنا فيه الخبر الموثوق
الواحد المجرد عن القرائن المثبتة في التمهيد... لم نكن قد
قبلناه في التاريخ السابق ، ولا نستطيع قبوله في اخبار القسم
الثاني المتكفل لنقل أخبار المعجزات ، باعتبار ما فينقلها من
مظنة الخطأ والدس ، كما سبق أن عرضناه في التاريخ السابق(2)،
فنقتصر فيه على قبول الخبر المستفيض أو المحفوف بالقرائن
الموافقة .
الأمر الثالث : سبق منا في
التاريخ السابق(3) أن ذكرنا حوادث ما قبل الظهور، مفصلة
وعرفنا ما حدث منها وما لم يحدث .وما هو محمول على الرمزية وما
ليس كذلك ، وعرفنا هناك خصائص كثيرة لا حاجة إلى تكرارها في
هذا التاريخ .
صفحة (115)
ــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص208
. (2) المصدر ص204.
(3) المصدر فصل الأخبار الدالة
على التنبؤ بالمستقبل ص280 وفصل علامات الظهور ص521.
إلا أن هذا التركيز فيما سبق ،
كان على حوادث ما قبل الظهور ،ككل سواء منها البعيد عنه
والقريب ..بل كان التركيزعلى البعيد عنه أشد ، الحديث عنه أوسع
... باعتباره بعضاً من حلقات تاريخ الغيبة الكبرى .
ومع تجنب التكرار في هذا
التاريخ ، والإستغناء عن ذكر الحوادث البعيدة أو المحتملة
البعد عن يوم الظهور ، يبقى عل هذا الفصل أربعة مهام :
المهمة الأولى: التعرض إلى بعض
العلامات التي لم تكن قد ذكرت في التاريخ السابق ، مع محاولة
تمحيصها، وإعطائها الفهم اللازم .
المهمة الثانية : محاولة إثبات
بعض العلامات التي سبق ذكرها ، طبقاً لتغيير المنهج في الإثبات
التاريخي ، كما سبق أن أوضحنا في التمهيد.
المهمة الثالثة : محاولة إعطاء
فهم جديد لبعض العلامات القريبة التي لم تكن قد أخذت حظها
الكافي من البحث في التاريخ السابق ... أو عرض جوانب جديدة
منها ، لم تكن قد عرضت هناك .
المهمة الرابعة : محاولة ضبط
التسلسل التاريخي للحوادث مهما أمكن ، وهذا ما لم نتوفر عليه
في التاريخ السابق ، في حين يكون استنتاجه مهماً في هذا
التاريخ .
وإذا تمت هذه المهام ، فسيكون
هناك فرق أساسي كبير بين بحث التاريخ السابق ، وبين هذا الباب
، كما سوف يظهر عند الدخول في التفاصيل .
وعلى أي حال ، فتنقسم هذه
الحوادث ، أعني القريبة إلى الظهور ، إلى قسمين رئيسين :
الأول : الظواهر الطبيعية أو
السماوية التي لا تمت إلى اختيار الناس بصلة .
الثاني: الظواهر الإجتماعية
التي تعود إلى تصرفات الناس ، وما يعود إلى الحوادث التي تحصل
للأمة الإسلامية بين آونة وأخرى .
وينبغي أن يقع الحديث عن القسم
الأول سابقاً على الحديث عن القسم الثاني لأجل أن تتصل حوادث
القسم الثاني بما بعدها من التاريخ ، حفظاً للتسلسل الزماني
لها ، وسنتحدث عن كل قسم في فصل مستقل .
صفحة (116)
الفصل الأول
الظواهر الطبيعية والسماوية
ونريد بها الحوادث المنقول
حدوثها في الطبيعة ، و إن كانت صفتها إعجازية .
والمنقول منها أمور عديدة
.ونحن نقتصر – اختصاراً للكلام وتمحيصاً للروايات – على ما كان
متصفاً بشرائط ثلاث :
الشرط الأول: عقدنا من أجله
هذا الباب ، وهو خصوص الحوادث القريبة من الظهور .بحسب أدلتها
دون البعيد منها .
الشرط الثاني: أن تكون الحادثة
مما يمكن إثباته ، بحسب المنهج الذي اتخذناه مع محاولة تجنب ما
لا يمكن اثباته .
الشرط الثالث: أن يكون مما ورد
ارتباطه في الأخبار نفسها بظهور المهدي (ع) وبهذا نختصر هذه
الحوادث بالمصادر الخاصة الإمامية ،وليس في المصادر العامة
منها إلا النادر .
وما يبقى مندرجاً تحت هذه
الشروط ، من الحوادث ، عدة أمور ، نذكر كلا منها في جهة :
الجهة الأولى : الخسوف والكسوف
:
ويراد به حدوثهما بشكل يختلف
عن الشكل الإعتيادي له . فبدلاً عن أن يحدث الكسوف في أول
الشهر و الخسوف في وسطه . كما هو المعتاد ، فإن حدوثهما . سوف
يكون بالعكس . فيحدث الكسوف في وسط الشهر والخسوف في أوله ...
بشكل لم يسبق له نظير منذ أول البشرية إلى حين حدوثه.وهذا ما
تعرب عنه عدد من الروايات ، ذكرنا ثلاث منها في التاريخ السابق
(1) عن الشيخ الطوسي والشيخ المفيد والشيخ النعماني .
صفحة (117)
ــــــــــــــــــ
(1) انظر ص574
وأخرج الشيخ الطوسي في (
الغيبة ) (1) أيضاً بسنده عن بدر الأزدي ، قال :
قال أبو جعفر الباقر (ع) آيتان
تكونان قبل القائم لم تكونا منذ هبط آدم (ع) إلى الأرض . تنكسف
الشمس في النصف من شهر رمضان والقمر في آخره .فقال رجل : يا بن
رسول الله ، تنكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف .فقال
ابو جعفر : إني لأعلم بما تقول ولكنهما آيتان لم تكونا منذ هبط
آدم (ع) .
وأخرج السيوطي في العرف
الوردي(2) عن الدار قطني في سننه عن محمد بن علي الإمام الباقر
(ع) ، قال:
إن لمهدينا آيتين لم تكونا منذ
خلق الله السموات والأرض : ينخسف القمر لأول ليلة من رمضان ،
وتنكسف الشمس في النصف منه ، ولم يكونا منذ خلق الله السموات
والأرض .
وفيما روينا هناك ما يدل على
أن انخساف القمر يكون في الخامس والعشرين من رمضان ،واما
أنكساف الشمس فهو في ثلاث عشرة أو أربع أو خمس عشرة منه .ويدل
سياق هذه الرواية وأكثر من رواية أخرى على قرب هذه العلامة من
قيام القائم أعني ظهور المهدي (ع) .
وهذا العدد من الروايات يكفي
للإثبات التاريخي حتى مع (التشدد السندي) الذي سرنا عليه في
التاريخ السابق، وطبقناه هنا على الروايات الناقلة للمعجزات .
وقد أشرنا هناك إلى المبرر
الذي دعا إلى إيجاد هاتين الواقعتين في التخطيط الإلهي لما قبل
الظهور .وهو –باختصار – ترسيخ فكرة المهدي (ع) عند حدوث هذه
العلامة ، أولا ، والإيعاز إلى المخلصين من الخاصة إلى قرب
الظهور ثانياً .
سيقى علينا الآن أن نتكلم عن
المبرر الكوني لوجودها .وهل هو بطريق إعجازي أو طبيعي ... وإذا
كان طبيعياً فكيف يحصل ... وهذا ما لم نفض فيه الحديث في
التاريخ السابق .
صفحة (118)
ــــــــــــــــــ
(1) ص270
(2) الحاوي للفتاوي ج2 ص136
إن لحدوث هذه الوقائع عدة
اطروحات لا بد من استعراضها ونقدها :
الأطروحة الأولى: حصول الكسوف
والخسوف بسببه (العلمي) الإعتيادي لكن مع اختلاف بسيط هو
الإختلاف في الزمان .فإن ثبت في العلم الحديث أن الكسوف يحصل
بتوسط الأرض بين الشمس والقمر ، أمكن حصول ذلك في زمان آخر
جديد .
وهذه الأطروحة هي الأوفق
بالظاهر الأولي من الروايات ، لو فرض الإلتزام بكون هذه
الحوادث طبيعية غير إعجازية .
الإ أنها واضحة المناقشة طبقاً
للنظرية العلمية الحديثة ، ومن ثم لا بد من التنازل عن هذا
الظهور الأولي في الروايات .
فإن القمر – وهو يستمد نوره من
الشمس ، والنور يسير بخطوط مستقيمة لا يمكن أن تنعطف انعطافاً
كبيراً – أن القمر لا يمكن أن يكسف الشمس حال كونه بدراً في
وسط الشهر ، لأن انكساف الشمس به ، يلازم بالضرورة كون الوجه
المظلم من القمر متوجهاً إلى الأرض ، وهذا ينافي بالضرورة كونه
بدراً .
كما أن خسوف القمر لا يكون
إلا بوقوع ظل الأرض على القمر ، بعد توسطها بينه وبين الشمس
.وهذا معناه :أن الأرض أقرب إلى الشمس من القمر . وهذا لا يحدث
إلا في وسط الشهر حين يكون القمر بدراً .
ولا يمكن دفع هذه المناقشة ،
إلا بالطعن بالنظرية العلمية ، انطلاقاً من زاوية أن النظريات
العلمية مهما تأكدت . فإنها قائمة على الحساب الظني ، وإن كان
راجحاً ولا تنتج يقيناً تاماً بأي حال .وهذا موكول إلى وجدان
القارىء .
الأطروحة الثانية : أن تكون
رؤية الكسوف والخسوف في غير الأرض بل في مناطق أو كواكب أخرى
من المجموعة الشمسية .
أما بالنسبة إلى كسوف الشمس ،
فقد حدث فعلاً عام (1391 هـ – 1971م) حين كان بعض رواد الفضاء
على القمر ، فشاهدوا الشمس مكسوفة كلياً بتوسط الأرض بينهم
وبينها .وهذا التوسط لا يحدث عادة إلا في وسط الشهر .
واما الخسوف فلم يحدث إلى حد
الآن ، لكن في الإمكان تصور حدوثه فيما إذا انتقل بعض أفراد
الإنسان إلى كوكب آخر من المجموعة الشمسية كالمريخ او الزهرة ،
فإنه قد تصبح الأرض ما بين القمر وذلك الكوكب . فيحدث الخسوف
في نظرهم.
صفحة (119)
ومن الواضح :أن هذا غير مشروط
بحدوثه في وسط الشهر القمري ، بل قد يحدث في أوله أو آخره
أيضاً .
ويمكن المناقشة في هذه
الأطروحة من أكثر من جهة :
أولاً : أن الظهور الأولي
للروايات يقتضي حدوث الكسوف بالنسبة إلى ساكني الأرض ، لا
بالنسبة إلى من في القمر او المريخ .
غير أنه يمكن الإستغناء عن هذا
الظهور ، من زاوية أن ظهورها في أن الإنسان هو الذي يرى هاتين
الواقعتين ، وهو أمر لا يختلف فيه الحال بين الأرض والمريخ ،
ما دام الإنسان هو المشاهد .
ثانياً : إن الظهور الأولي
للروايات يقتضي حدوث هاتين العلامتين في شهر واحد ،هو شهر
رمضان ، وهذا مما لم يتحقق في الخارج .
ثالثاً: إن الظهور الواضح لهذه
الروايات – كما قلنا – يقتضي قرب هذه الوقائع إلى اليوم
الموعود ، فإذا كان قد حدث أحدالأمرين، إذن فهو لم يحدث قريباً
من اليوم الموعود .
الأطروحة الثالثة : إن يحدث
الكسوف والخسوف بتوسط جرم آخر طارىء في الفضاء صدفة ، من
الأجرام التي تعتبر علمياً تائهة في الفضاء ، أو ذات مدار ضخم
جداً وغير محدد . فيحجب القمر عن الشمس ، فيحدث الخسوف ، أو
يحجب الشمس عن الأرض في وسط الشهر ، فيحدث الكسوف .ومن الواضح
أن مرور الجرم الطارىء غير محدد بزمان معين في الشهر .
وقد يؤيد ذلك بقوله في أكثر من
رواية :أنهما آيتان لم تحدثا منذ هبط آدم (ع) .
فلعل جرماً ما قد اوجد هذه
الظاهرة فبل وجود البشرية . ثم يكون وقت مروره بالمجموعة
الشمسية منوطاً بتاريخ معين يصادف قبل ظهور المهدي بقليل.
وهذه الأطروحة لا ترد عليها
المناقشة الأولى للأطروحة السابقة ، لفرض أنها ترى من الأرض .
وأما المناقشة الثانية : فمن
حيث حصول الواقعتين في شهر واحد ، أمر لا غبار عليه ، إذا
التفتنا إلى أن جرماً واحداً هو الذي يعمل كلا العملين .فإن
المذنب وأمثاله إذا ظهر قريباً من الأرض لا يختفي عادة لليلة
واحدة ، بل يبقى مدة من الزمن حتى ينتهي عبوره فضاء المجموعة
الشمسية ، فيمكن أن يحدث خلال وجوده كلا هذين الأمرين .
صفحة (120)
وأما حدوث ذلك في شهر رمضان
دون غيره ،فهذا على تقدير ثبوته ، لا بد من إيكال علمه إلى
أهله .وسيأتي ما يوحه فيما يلي :
الأطروحة الرابعة : أن يحدث
الكسوف و الخسوف بتوسط جرم آخر طارىء ، ولكنه من الأجرام
المنطلقة من الأرض لبعض الغراض العلمية أو الحربية .إذ لعل
البشرية تتطور حتى تصل إلى المستوى الذي يؤهلها لإطلاق
الأجرام الضخمة المنتجة لمثل هذه النتائج الكبيرة .
وقد يرد في الذهن : أنه كان
ذلك بفعل البشر ،فكيف يكون ذلك علامة على اليوم الموعود .
وجوابه من عدة وجوه :
أولاً : لعل البشر يطلقون
الجرم لا لأجل إحداث الكسوف والخسوف ، بالغرض آخر ، فيترتب
عليه من حيث لا يعلمون . فإذا كان من الضروري أن تكون العلامة
قهرية الوقوع ، فهذه بمنزلة العامة القهرية.
ثانياً : أن البشر لو كانوا
ملتفتين إلى إمكان حدوث الخسوف والكسوف من إطلاق الجرم ، إلا
أن الذين يطلقونها لا يحملون عن المهدي (ع) وعلامات ظهوره أية
فكرة ، فتكون هذه العملية بالنسة إلى فكرة علاميتها كالقهرية .
ثالثاً : أن البشر الذين
يطلقون الجرم حتى او التفتوا إلى فكرة العلامية ، إلا أنهم لا
يمكن أن يطلقونه إلا بعد بلوغهم مستوى (مدنياً) معيناً ، فمن
الممكن أن تكون العلامة في الواقع هو هذا المستوى المدني
العلمي وإنما ذكرت الروايات وجود الكسوف والخسوف للإشارة إليه
. بشكل لا ينافي المستوى الفكري العام لعصر صدور الأخبار .
وأما ورود المناقشات التي
أوردناها عن الأطروحة الثانية ، فهو غير مهم ،كما هو واضح لمن
يفكر ، سوى حصول ذلك في شهر رمضان وهو ما سيأتي إيضاحه .
وقد يخطر في الذهن: أن
الروايات دالة على حدوث هاتين الواقعتين قبل وجود البشرية ،
فكيف ينسجم ذلك مع هذه الأطروحة .
وجوابه واضح من زاوية ان
الروايات لم تدل على أكثر من عدم حصوله خلال عمر البشرية (منذ
هبط آدم (ع)) واما حصوله قبل ذلك ، فليس لها ظهور تام في ذلك .
وإن كانت مشعرة به قليلاً ، ويمكن الإستغناء عن هذا الإشعار مع
تأكد هذه الأطروحة .
صفحة (121)
فهذه جملة من الأطروحات
الطبيعية أعني حدوث هاتين العلامتين بشكل غير خارق لنظام
الطبيعة ، وهناك بعض الأطروحات الأخرى منها ما هو مبتنٍ على
النظرية النسبية ، لا حاجة إلى التطويل بذكرها .
ويرد على هذه الأطروحة إشكال
مشترك هو ما أشرنا إليه من التوقيت سواء منه التوقيت بشهر
رمضان أو بقرب الظهور . فإنهما معاً قد يستشكل بعدم انسجامهما
مع الحدوث الطبيعي لهاتين الواقعتين بأي أطروحة كان . ويمكن
الجواب على هذا الإيراد من اكثرمن وجه واحد نذكر منها ما يلي :
الوجه الأول : الطعن بصحة هذا
التوقيت .والإلتزام بأن اقصى ما يثبت هو وجود هاتين الواقعتين
قي غير أوانهما الطبيعي من الشهر ، فإن هذا المعنى تسالمت عليه
الروايات ، وأما غير ذلك من الصفات فهم مما استقلت به البعض
دون البعض . فلا يكون له الإثبات التاريخي الكافي . فلا يكون
هذا الإشكال المشترك وارداً.
إلا أن هذا الوجه لا يتم في
بعض الصفات الأساسية كحدوث الواقعتين قرب الظهور .. وإن صح
الإستغناء عن بعض الصفات الأخرى .
الوجه الثاني : أننا إذا
سلمنا بثبوت التوقيت ، لا يبق من إشكال إلا في اصل جعلها
علامة على الظهور ، مع أنها حوادث مستقبلة ، وهي مما لا يمكن
الإطلاع عليها من قبل أحد .وهذا ما سبق أن ناقشناه في الكتاب
السابق(1) . ومع ارتفاعه وتسليم إمكان التنبؤ بالمستقبل من قبل
قادة الإسلام المعصومين (ع) ، وتسليم ثبوت هذه الصفات – كما
قلنا - ... لايبقى لهذا الإشكال مجال .
الأطروحة الخامسة : أن يحدث
هذا الخسوف و الكسوف على نحو الإعجاز ، بخرق نواميس الطبيعة .
وقد تؤيد هذه الأطروحة ببعض
القرائن المؤيدة :
القرينة الأولى : قوله في
اكثر من رواية :أنهما آيتان لم تحدثا منذ أن هبط آدم (ع) إلى
الأرض ....إذ لو كانت هذه الحوادث طبيعية لحدثت خلال وجود
البشرية أكثر من مرة .
صفحة (122)
ــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الغيبة الكبرى ص532.
إلا أن هذه القرينة لا تتم مع
ثبوت إحدى الأطروحتين الأخيرتين بل مع مجرد احتمالهما ، فإنهما
يعطيان التبرير (الطبيعي) لعدم حدوث هذه الوقائع خلال عمر
البشرية ، فلا ينحصر أن يكون هذا إعجازياً .
القرينة الثانية :
إن إعجازية هذه الوقائع هي
المناسبة مع جعلها علامة للظهور ومنبهة للمخلصين الممحصين
.وأما مع وجودها وجوداً طبيعياً ، فتضعف فكرة جعلاها علامة إلى
حد كبير .
وهذه القرينة أيضاً قاصرة ،
لأنها تتضمن غفلة عن معنى جعل العلامة ، الذ يسبق أن ذكرناه في
التاريخ السابق(1) وعرفنا هناك أن السر الأساسي فيه ليس
منطلقاً من الاعجاز ، بل من الإخبار نفسه ، حيث يختار قادة
الإسلام (ع) شيئاً مهما ً ملفتاً للنظر فيخبرون به مرتبطاً
بالظهور .حتى ما إذا وقعت الحادثة ثبت عند الجيل المعاصر لها
صدق الإخبار عنها بالوجدان فيثبت بالوجدان أيضاً صدق ما ارتبط
بها في الرواية ، وهو أصل الظهور إن كانت علامة مطلقة ، او
قربه إن كانت علامة قريبة .
وأضفنا هناك : ومن هنا لا معنى
لكون بعض هذه الحوادث علامة ، إلا إذا ورد في الروايات ذكره ،
وجعل منها علامة على الظهور .
أقول فالأساس في ذلك هو
الإخبار لا الإعجاز ، وما دام الإخبار موجوداً وكافياً للإثبات
التاريخي ، لا يكون حدوثها (الطبيعي) ، مخلاً بفكرة جعلها
علامة .
هذا وينبغي الإلماع إلى أن في
هذه الأطروحة الأعجازية ، نقطة ضعف ونقطة قوة ، بالنسبة إلى
(قانون المعجزات) . فهي موافقة له من زاوية كون هذه الوقائع
واقعة في طريق الهداية ، كما أسلفنا في التاريخ السابق(2)
.وهذه نقطة قوته .ولكنها مخالفة له باعتبار عدم انحصار طريق
الهداية بها ، ولا أقل من الشك في ذلك ، ومعه لا تكون موافقة
مع هذا القانون من جميع جهاته فلا تكون صحيحة فإذا انحصر
الأمر بالأطروحة الإعجازية ، كان اللازم رفض الأخبار الدالة
عليها ، لإننا عرفنا عدم الإنحصار بها ، ومعه يتبين رفض هذه
الأطروحة والحفاظ على الأخبار مع حملها على إحدى الأطروحات
الطبيعية .
صفحة (123)
ــــــــــــــــــ
(1) انظر ص529 وما بعدها .
(2) انظر تاريخ الغيبة الكبرى
ص575.
الجهة الثانية : الفزعة
والصيحة
وهما أيضاً من الحوادث
المنقولة في الأخبار ، وإنما دمجناهما في عنوان واحد ، لإحتمال
أن يكون المراد بهما شيء واحد ، على ما سوف نشير .
أخرج الصدوق (1) بإسناده إلى
محمد بن مسلم عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) في حديث ،
قال فيه :
ومن علامات خروجه (ع) ...
وصيحة من السماء في شهر رمضان .
وأخرج ايضاً عن الحرث بن
المغيرة ، عن أبي عبد الله (ع) : الصيحة التي في شهر رمضان
تكون ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين من شهر رمضان .
وأخرج عن عمر بن حنظلة ، قال
:سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : قبل القائم خمس علامات محتومات
...وعد منها : الصيحة .
ونحوه أخرج النعماني في
(الغيبة)(2) إلا أنه قال : والصيحة في السماء .
واخرج النعماني أيضاً (3) عن
داود الدجاجي عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) قال :
سئل أمير المؤمنين (ع) عن قوله
تعالى :فاختلف الأحزاب من بينهم . فقال: انتظروا الفرج من ثلاث
! فقيل: يا أمير المؤمنين ، وما هن ؟! ... فقال :... والفزعة
في شهر رمضان .فقيل : وما الفزعة في شهر رمضان. فقال : أو ما
سمعتم قول الله عز وجل في القرآن : " إن نشأ ننزل عليهم آية
من السماء ، فظلت أعناقهم لها خاضعين " هي آية تخرج الفتاة من
خدرها توقظ النائم ويفزع اليقظان .
وأخرج أيضاً عن عبد الله بن
سنان عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال :
وفزعة في شهر رمضان توقظ
النائم وتفزع اليقظان ، وتخرج الفتاة من خدرها .
صفحة (124)
ــــــــــــــــــ
(1) أنظر اكمال الدين للصدوق
(نسخة مخطوطة). (2) ص 133.
(3) نفس الصفحة . (4) انظر
غيبة النعماتي ص 134 وكذلك الحديث الذي يليه.
وفي حديث آخر : عن أبي بصير عن
أبي جعفر محمد بن علي (ع) ، في حديث أنه قال :
الصيحة لا تكون إلا في شهر
رمضان شهر الله – وهي صيحة – جبرئيل إلى هذا الخلق . ثم يقول –
بعد حديث طويل – إذا اختلف بنو فلان فيما بينهم . فعند ذلك
فانتظروا الفرج ، وليس فرجكم إلا في اختلاف بني فلان ، فإذا
اختلفوا فتوقعوا الصيحة في شهر رمضان وخروج القائم ، إن الله
يفعل ما يشاء .. الخبر .
ولعل من أهم ما دل عل وقوع
الصيحة من الأخبار ، ما ورد في الخطاب الذي أخرجه السفير
الرابع عن الإمام المهدي (ع) ، والذي أعلن فيه المهدي (ع)
انتهاء السفارة بموت هذا السفير . يقول فيه :
إلا فمن أدعى المشاهدة قبل
خروج السفياني والصيحة ، فهو كذاب مفتر .(1)
وأخرج القندوزي في ينابيع
المودة بعض هذه الأخبار .
ونستطيع أن نعطي لفهم هذه
الصيحة ، عدة اطروحات ، لنرى ما يصح منها وما لا يصح :
الأطروحة الأولى: إن الصيحة
والفزعة بمعنى واحد ، ويراد بها صوت عظيم يكون في السماء ،
يوقظ النائم ويفزع اليقظان ، ويخرج الفتاة من خدرها خوفاً
وفزعاً . ومن هنا سميت بالفزعة . ويكون الصوت حادثاً بالمعجزة
، ولايكون له مدلول كمداليل الكلام ، وإنما هو صوت كالرعد أو
الهدة العظيمة .
إلا أن هذا مما لا يكاد يصح ،
فإن أهم ما ينافيه في الروايات ، قوله :وهي صيحة جبرئيل إلى
هذا الخلق .فإن صحته تكون - لا محالة – ذات معنى كمعاني الكلام
، لا أنها مجرد صيحة صامتة .وسيأتي ما يدل على ذلك في أخبار
(النداء) .
الأطروحة الثانية : إن المراد
بالصيحة هو النداء الآتي ذكره .وهو نداء جبرئيل على ما سنسمعه
من الأخبار. وفي التعبير بأنها صيحة جبرئيل ، ما يؤيد ذلك .
صفحة (125)
ــــــــــــــــــ
(1) انظر الإحتجاج للطبرسي ط
النجف ص297وانظر تاريخ الغيبة الصغرى ص633 وما بعدها .
ويكون السبب في هذا الصوت شيء
من قبيل المعجزة ، فإن سببه صادر من فوق الطبيعة المادية ،
لأنه صوت أحد الملائكة الكرام كما سمعنا في الأخبار .
وعلى أي من هاتين الأطروحتين
ويكون الصوت إعجازياً حادثاً من اجل مصالح معينة ، أهمها ما
أشرنا إليه من التنبيه على قرب الظهور ، من اجل إيجاد
الإستعداد النفسي لدى المخلصين والمسلمين لإستقباله .
الأطروحة الثالثة : أن يكون
المراد بالصيحة والفزعة معان طبيعية غير إعجازية فالفزعة تعبير
عن وجود رعب عام لسبب من الأسباب كتوقع حرب أو وباء مثلاً
.ويكون المراد بالصيحة صوت عظيم صادر من بعض القنابل أو
الصواريخ ، أو من اختراق إحدى الطائرات حاجز الصوت ، أو انفجار
بعض المستودعات ...ونحو ذلك
غير أن الأطروحة بعيدة للغاية
عن مداليل هذه الأخبار وسياقها العام .وخاصة مع الإستدلال
بقوله تعالى :" إن نشأ ننزل عليهم آية من السماء فظلت أعناقهم
لها خاضعين " (1) . وقد استدل بهذه الآية عل الفزعة ، كما سبق
أن سمعنا ،وعلى الصيحة ، فيما رواه الصافي في منتخب الأثر(2)
والقندوزي في الينابيع (3) عن أبي عبد الله (ع) ، وقال في آخره
: فتلوت هذه الآية أي قوله تعالى :إن نشأ ننزل عليهم من السماء
آية ..الآية ،وفقلت : أهي الصيحة ؟ قال: نعم .لو كانت الصيحة
خضعت أعناق أعداء الله عز وجل .
وإنما تخضع أعناق أعداء الله
نتيجة لحادث كوني كبير غير معهود ، فيه عنصر أعجازي ، لا لحادث
بسيط كصوت صاروخ أو طائرة .
ولعل في تفسير الآية تارة
بالصيحة وأخرى بالفزعة .ما يوحي بالأطروحة الأولى .
أو أن تكون الفزعة بمعنى
الصيحة ،فإنهما آية واحدة تخضع لها أعناق أعداء الله سبحانه .
ويكون ذلك مطابقاً للأطروحة
الثانية .ويكون الفزع ناشئاً من صوت جبريل الأمين. في قلوب
أعداء الله .. وأما المؤمنين فيكون الصوت بشارة كبرى لهم عن
قرب الفرج وتوقع الظهور .
ومن أجل هذا يحصل الإهتمام
الكبير بهذا الصوت و يستيقظ منه النائم ويفزع اليقظان ، وتخرج
الفتاة الحيية المخدرة من خدرها وولا تتحدث عن الفتيات غير
المتصفات بالحياء .
صفحة (126)
ــــــــــــــــــ
(1) الشعراء : 26/4. (2) ص404.
(3) ص 426.
هذا ، والظاهر من سياق هذه
الأخبار ، وخاصة مثل قوله : فتوقعوا الصيحة وخروج القائم ...أن
تكون الصيحة قبل الظهور بزمن قليل نسبياً ...وهو المقصود .
الجهة الثالثة: النداء .
والأخبار عن ذلك على ثلاثة
أشكال :
الشكل الأول : ما كان دالاً
على وجود النداء إجمالاً .وإنه من المحتوم .
اخرج الصدوق (1) بسنده إلى
ميمون البان عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال:
خمس قبل قيام القائم ...وعد
منها: المنادي ينادي من السماء .
وروى المفيد بسنده (2) عن أبي
حمزة الثمالي ، قال :
قلت لأبي جعفر (ع) : خروج
السفياني من المحتوم ؟ قال : نعم ، والنداء من المحتوم .
الحديث .
وأخرج النعماني (3) بسنده عن
عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) أنه قال :
النداء من المحتوم .. الحديث
.
الشكل الثاني : النداء بالحق
وبالباطل .ويكون النداء بالحق أولاً . ثم النداء بالباطل .
أخرج الصدوق (4) بسنده إلى
ميمون البان في حديث عن أبي جعفر (ع) قال :
ثم قال : ينادي مناد من السماء
:إن فلان بن فلان هو الإمام أسمه ،وينادي ابليس لعنه الله من
الأرض ، كما نادى برسول الله (ص) ليلة العقبة .
وأخرج النعماني في الغيبة(5)
عن أبي بصيرعن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في حديث طويل ،قال
فيه: ينادي مناد من السماء باسم القائم ، فيسمع من بالمشرق ومن
بالمغرب .لا يبقى راقد إلا استيقظ ولا قائم إلا قعد ولا قاعد
إلا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت ،فرحم الله عبداً اعتبر
بذلك الصوت فأجاب ، فإن الصوت صوت جبرئيل الروح الأمين .
صفحة (127)
ــــــــــــــــــ
(1) إكمال الدين ( المخطوط ).
(2) الإرشاد ص338
(3) الغيبة ص134. (4) انظر
إكمال الدين المخطوط .ص134.
(5) ص134.
وقال (ع) : الصوت في شهر رمضان
في ليلة جمعة ، ليلة ثلاث وعشرين ، فلا تشكوا في ذلك ، واسمعوا
وأطيعوا .
وفي آخر النهار صوت إبليس
اللعين ينادي :ألا إن فلاناً قتل مظلوماً ، ليشكك الناس
ويفتنهم ، فكم ذلك اليوم من شاك متحير .قد هوى في النار .
فإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان
، فلا تشكوا فيه أنه صوت جبرئيل وعلامة ذلك أنه ينادي باسم
القائم واسم أبيه (ع) وحتى تسمعه العذراء في خدرها ، فتحرض
أباها وأخاها على الخروج .
إلى أن قال : فاتبعوا الصوت
الأول وإياكم والأخير ان تفتنوا به . .. الحديث .
وأخرج السيوطي في العرف الوردي
(1) قال : أخرج نعيم عن علي . قال :
إذا نادى مناد من السماء :إن
الحق فيآل محمد .فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس ،
ويشربون حبة ، ولايكون لهم ذكر غيره .
وأخرج أيضاً (2) عن نعيم بن
حماد أيضاً و عن أبي جعفر، قال:
ينادي مناد من السماء : إن
الحق في آل محمد ، ينادي مناد من الأرض :إن الحق في آل عيسى –
أو قال : العباس شك فيه – وإنما الصوت الأسفل كلمة الشيطان ،
والصوت الأعلى كلمة الله العليا .
وأخرج القندوزي في الينابيع
شيئاً من ذلك .
صفحة (128)
ــــــــــــــــــ
(1) انظر الحاوي للسيوطي ج2
ص140
(2) المصدر ص151.
القسم الثالث : النداء باسم
القائم (ع ) بدون أن يكون في الأخبار تعرض إلى نداء آخر :
أخرج الصدوق(1) بسنده إلى محمد
بن مسلم عن أبي جعفر الباقر (ع) ، في حديث ، قال :
ومن علاماته خروج السفياني ،
ومناد نادي باسمه واسم أبيه .
وأخرج النعماني(2) بسنده عن
أبي بصير عن ابي عبد الله (ع) ، قال :
قلت له :جعلت فداك ، متى خروج
القائم . فقال : يا ابا محمد ، إنا أهل بيت لا نوقت ...إلى أن
قال : ولا يخرج القائم حتى ينادي بإسمه في جوف السماء ، في
ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان ، ليلة جمعة .
قلت : بم ينادى؟ قال: باسمه
واسم أبيه .إلا أن فلان بن فلان قائم آل محمد . فاسمعوا له
واطيعوه.
وأخرج الشيخ في الغيبة(3)
بسنده عن محمد بن مسلم ، قال :
ينادي مناد من السماء باسم
القائم ، فيسمع ما بين الشرق إلى الغرب .فلا يبقى راقد ولا
قائم إلا قعد ولا قاعد إلا قام على رجليه من ذلك الصوت .هو صوت
جبرئيل الروح الأمين .
وأخرج أيضاً(4) عن أبي بصير
(ع) قال : قال أبو عبد الله (ع) :
إن القائم صلوات الله عليه ،
ينادي اسمه لله ثلاث وعشرين ...الجديث .
إلى غير ذلك من الأخبار.
صفحة (129)
ــــــــــــــــــ
(1) انظر إكمال الدين المخطوط
. (2) أنظرغيبة النعماني ص134.
(3) انظر ص274. (4) الغيبة
للطوسي ص274.
والمعنى المفهوم من مجموع هذه
الأخبار واخبار الجهة السابقة : أن أخبار الصيحة والفزعة
واخبارالنداء بأقسامها تشير إلى معنى مشترك وحادثة واحدة، لا
اختلاف فيها .
وإن تعددت أساليب الأخبار .ولا
تعارض بينها في الحقيقة .كما أنها لا تدل على كثرة النداءات
الأخبار . ولا تعارض بينها في الحقيقة .كما أنها لا تدل على
كثرة النداءات أكثر من صوتين .لو تم القسم الثاني من الأخبار.
وعلى ذلك عدة قرائن ، من هذه
الأخبار نفسها :
منها : أن الصيحة و النداء
معاً نسباً إلى جبرئيل (ع) بشكل مستفيض .
ومنها أن وقتهما معاً في ليلة
الجمعة الثالث والعشرين من شهر رمضان .
ومنها :أنها جميعاً تورث
الإهتمام الكبير. يستيقظ النائم ويقوم القاعد وتخرج العذراء من
خدرها .
ومنها :أن الصيحة والنداء من
المحتوم . إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع .
وبعد حمل المطلق على المقيد
والمجمل على المفصل، ما يلي:
1-إن المراد من النداء الذي هو
من المحتوم هو نداء جبرائيل باسم القائم .
2- أن المراد من النداء الحق
ليس إلا ذلك .
3- إن صيحة جبرئيل هي هذا
النداء أيضاً .
4- إن الآية التي تخضع لها
أعناق اعداء الله هو ذلك أيضاً .
5- إن الفزعة التي تخرج الفتاة
من خدرها هو ذلك أيضاً .
6- إن التوقيت في الثالث عشر
من شهر رمضان ، توقيته أيضاً .
فإن القسم الثالث من أخبار
النداء ، أعني النداء باسم القائم واسم (أبيه) هي أخص هذه
الأخبار جميعاً ، بما فيها أخبار الصيحة والفزعة ... فتصلح أن
تكون مفسرة لها وشارحة لمدلولها .. كما ستكون الصفات الخرى
المعطاة في تلك الأخبار ، صفة للنداء أيضاً ، كالتوقيت
والحتمية وغيرهما .
وإذا تم هذا الفهم العام ،
كانت الأخبار الدالة ، على هذا المعنى المشترك متواترة بل تزيد
على التواتر .فإن أخبار النداء وحدها مستفيضة ، فإذا أضفنا
إليها أخبار الفزعة والصيحة كانت متواترة .
كما أن بعض الخصائص المذكورة
لها مستفيضة ، كحصول الإهتمام المتزايد والتوقيت الذي عرفناه
،وكونها من المحتوم ،وكونها صوت جبرئيل الأمين ، وانها تكون
بالحق وضد أنصار الباطل .
صفحة (130)
ولا يبقى بعد ذلك مجال للنقد
إلا في مستويين .
المستوى الأول : ما هو محتوى
النداء؟ هذا ما بينته الروايات التي سمعناها على شكلين :
الشكل الأول : النداء باسم
المهدي واسم أبيه .
الشكل الثاني : النداء بأن
الحق في آل محمد .
فقد تحصل المعارضة بين هذه
الروايات ، ويبقى محتوى النداء ، خالياً من الدليل الصالح
للإثبات .
والصحيح هو عدم التعارض ،
باعتبار إحدى النقاط :
النقطة الأولى : أن افترضنا أن
كلا ً من الندائين ذو دليل كاف لإثباته ، إذاً ، فينبغي أن
نلتزم بوجود نداء واحد يحتوي على كلا المدلولين ، فهو يقول إن
الحق في آل محمد وإن أمامكم فلان بن فلان ، ولا تنافي بين
الأمرين .
النقطة الثانية : أن نفهم
الشكل الثاني للنداء راجع إلى الشكل الأول منه .وإن ما يحصل في
الخارج هو الشكل الأول فقط . وإنما ذكر الشكل الثاني نتيجة
لظروف تاريخية معينة .
وخاصة إذا التفتنا ان الأخبار
الناقلة للندائين :بالحق أولاً ثم بالباطل ، نقلت النداء الأول
على شكلين ، هما نفس الشكلين اللذين أشرنا إليهما ، فيكون ما
دل على النداء هو من الشكل الأول قرينة عل فهم معين لما دل على
أن النداء هو من الشكل الثاني ، وانه صدر في ظروف معينة .
النقطة الثالثة : أننا لو
تنزلنا عن كلا النقطتين السابقتين ، وافترضنا حصول التنافي بين
الندائين ، للعلم بأن أحدهما غير حاصل . إذاً ، يتعين الأخذ
بالشكل الأول من النداء ،ورفض الشكل الثاني ، لوفرة الأخبار
الدالة على أنه ينادي باسمه واسم أبيه ، لأن منها ما ورد
مستقلاً وهو القسم الثالث من الأخبار، ومنها ما ورد مع عطف
النداء الباطل عليه ،وهو أغلب القسم الثاني .فلا يكون ما دل
من الأخبار على الشكل الثاني للنداء معارضاً ، لقلة عدد
الأخبار فيه ... فيكون مرفوضاً .
المستوى الثاني : هل الأخبار
الدالة على وجود النداء بالباطل كافية للإثبات اولاً ؟...
صفحة (131)
هناك بعض المقدمات الفكرية
الني يمكن أن تنتج رفضها :
المقدمة الأولى :إن عدد
الأخبار الدالة على النداء بالباطل أقل بكثير من الأخبار
الدالة على النداء بالحق . فبينما نرى الأخبار الدالة على
النداء بالحق أو باسم المهدي (ع) عديدة فإذا ألحقنا بها أخبار
الفزعة والصيحة، كما سبق – اصبحت متواترة .. نرى أن الأخبار
الدالة على النداء بالباطل ذات عدد قليل ، تمثل قسماً من أخبار
النداء فقط .
المقدمة الثانية : إننا إذا
سرنا على الفهم التقليدي لهذه الأخبار المطابق مع ظهورها
الأولي ،وهو صدور النداء بالباطل بشكل إعجازي أو ميتافيزيقي ،
فيكون هذا معجزة صادرة في جانب الباطل ، وقد برهنا على استحالة
ذلك في التاريخ السابق(1) لما فيه من التغرير بالجهل والدفع
إلى الفتنة والإنحراف وهو مستحيل على الحكيم المطلق جل وعلا .
فإذا تمت هاتان المقدمتان
لزمنا رفض هذه الأخبار ،لأنها أخبار قليلة نسبياً ودالة على
أمر مستحيل ، فيكون الأخذ بمضمونها مستحيلاً.
وهذا لا يعني إسقاط القسم
الثاني من أخبار النداء كله ، بل الساقط هو الجزء الدال على
وجود النداء بالباطل فقط .وأما الجزء الدال منها على النداء
بالحق فيبقى ساري المفعول ،معتضداً بالأخبار الدالة على ذلك
.وقد سبق أن برهنا على إمكان التبعيض في الأخذ بمدلول الخبر .
نعم لو ناقشنا بالقدمة الثانية
، وأمكننا حمل النداء عموماً أو النداء بالباطل خصوصاً ، على
معنى (طبيعي) غير إعجازي ، أمكن الأخذ بالأخبار الدالة عليه
غير أن هذا سوف يكون قابلاً للمناقشة على ما سيأتي .
وإذا نحاول تكوين فهم متكامل
عن هذين الندائين ، نواجه عدة أطروحات منها الطبيعي ومنها
الإعجازي.
الأطروحة الأولى :أن نفهم من
(جبرئيل) المنادي بالحق و(إبليس) المنادي بالباطل، أن نفهم
منهما – ولو بنحو الرمز أو المجاز – التعبير عن انصار الحق
وأنصار الباطل . فجبرئيل كناية عن المهدي نفسه ، ونداؤه نداء
الحق ،وإبليس عبارة عن أعداء المهدي والمنحرفين من البشر
عموماً .
صفحة (132)
ــــــــــــــــــ
(1) انظر ص577.
ويكون المراد بسعة الصوت
وانتشاره إلى الشرق والغرب أو إلى كل إنسان ،كونه مبثوثاً عن
طريق وسائل الإعلام الحديثة، كالإذاعة والتلفزيون وما ورد من
أن الصوت من السماء ، فباعتبار أن البث الإذاعي و التلفزيزني
لا يكون التقاطه ، إلا من الفضاء ،وخاصة مع وجود الكواكب
الصناعية للبث الإذاعي والتلفزيوني.
ومعه يكون من السهل بل من
الطبيعي أن نتصور أن جبهة الإمام المهدي (ع) تنادي باسمه بطريق
الوسائل الحديثة .... و(جبهة) أعدائه تنادي بنداء مضاد سوف
نعرف مدلوله ، تريد به الفتنة وصرف الناس من الحق إلى الباطل.
ويكون السبب في التأثير النفسي
البالغ، والإهتمام الذي يحدثه الصوت الحق في العالم ، ليس هو
ارتفاع الصوت ، بل هو أهمية المضمون . فإن الإعلان العام عن
ظهور المهدي (ع) لأول مرة ، وإعطاء المفهوم الواضح لثورته
العالمية ، مع كون المسلمين عامة ، بل أكثر البشر ممن يتوقع
حدوث دولة الحق ، سوف يحدث ردود فعل عنيفة مختلفة في الناس بلا
شك .
وهذه الأطروحة وإن كانت واضحة
منطقياً ، غير أنه يرد عليها بعض الإشكالات التي من اهمها : أن
ما يستفاد من سياق هذه الأخبار من أن النداء وصوت الحق وصوت
الباطل وإنما يكون قبل ظهور المهدي (ع) وليس بعده ... وهذا
يكون منافياً مع مضمون هذه الأطروحة ، لأنها تنظر إلى دعوات
الحق والباطل بعد الظهور .
الأطروحة الثانية : أن نلتزم –
طبقاً لظاهر الأخبار – بأن هذين الصوتين يوجدان قبل ظهور
المهدي (ع) لكن بطريق طبيعي أيضاً وعن طريق وسائل الإعلام
الحديثة ،ويكون السبب في هذين الصوتين ، وجود حركتين متناحرتين
في العالم الإسلامي .إحداهما محقّة ، تهدي الناس إلى الإسلام
الصحيح ، والإخرى حركة مبطلة ، تغوي الناس وتخدعهم وتثير فيهم
الشبهات .
ويكون التأييد لحركة الحق ، في
اول قيامها تأثيراً كبيراً في الناس ، حتى أن المرأة تحث أباها
وأخاها على نصرة هذه الحركة وتأييدها ، ولكن هذه الحركة لن
تدوم طويلاً ، بل تكون ضدها حركة مبطلة تعلن عن رأيها وتصرح
بمقاصدها فتوقع الناس في بلبلة وشبهات في العقيدة الإسلامية أو
مايمت لها بصلة .
ويكون من نداءاتها وشعاراتها
المهمة : أن فلان قتل مظلوماً ، والمراد به – والله العالم –
ذلك الشخص الذي قتلته وقضت على حكمه الحركة الأولى المحقة .ومن
هنا تصرح الحركة الثانية ، بمظلوميته وانتهاج سبيله ،والإحتجاج
على قتله .
صفحة (134)
ولعل التعبير يكون نداء الحركة
الأولى صادراً من السماء ونداء الحركة الثانية صادراً من الأرض
.باعتبار احترام النداء الأول ، وكونه محقاً وانتقاص النداء
الثاني باعتباره باطلاً وزخرفاً .
إلا أن هذه الأطروحة لا تصح ،
لوضوح أن نداء الحركة المحقة سوف يكون هو الدعوة إلى مبادئها
وتأييدها، لا النداء باسم القائم المهدي (ع) واسم ابيه كما
صرحت به الأخبار العديدة .ومعه يبقى هذا النداء بلا تفسير من
زاوية هذه الأطروحة .
وأما احتمال أن يكون المراد من
لفظ القائم : قائد الحركة المحقة باعتبار أنه قائم بالسيف
وناصر للحق بالسلاح . في الجملة ،وإن لم تكن حركته عالمية فهذا
الأحتمال غير صحيح ،فإن الأخبار صرحت بكونه قائم آل محمد وانه
المهدي ، وفي بعضها وجود الصلاة والسلام عليه ،وهو مما لا
ينطبق إلا على المهدي الموعود
الأطروحة الثالثة : وهي
المطابقة مع ظاهر الأخبار وسياقها العام ...وهو أن نفهم
الأسلوب الإعجازي للنداء بالحق ، باسم القائم واسم أبيه ،
ويكون ذلك من المنبهات للإستعداد النفسي للظهور ، كما قلنا .
وهو في عين الوقت يضفي اهمية
عظمى مسبقة على يوم الظهور ،ويعين اسم القائد العظيم فيه
.ويكفي أن يقال بعد الظهور ، الذي يبدو أنه سوف لن يتأخر
كثيراً بعد النداء : أن هذا القائد العظيم هو الذي هتف الهاتف
باسمه وحدثت المعجزة الضخمة آمرة بإطاعته والتسليم بأمره ،
وسوف يكون لذلك أعظم الأثر في نصره وانتشار دعوته .وقد عرفنا
أن يوم الظهور هو نتيجة جهود الأنبياء والأوصياء والصالحين
والشهداء ،وهو الغرض الأسمى من خلق البشرية ، فلا عجب أن يمهد
الله تعالى بمثل هذه المعجزات .
وهو ما دلت عليه الأخبار
المتوترة عليه ، كما عرفنا ، وهو غير مناف مع قانون المعجزات ،
لوقوعه في طريق الهداية ، إذاً فلا بد من التسليم به والإعتراف
بوقوعه .
ويكون هذا الصوت في شهر رمضان
في ليلة ثلاث وعشرين ، التي هي – الأرجح – ليلة القدر ، وهي
افضل ليالي السنة .ويكون التوجه الدني في ذلك الحين لدى
المسلمين وتقبل المفاهيم الدينية والأمور الروحية قد بلغ ذروته
. فإنه يزداد في مناسبات العبادة وخاصة في شهر رمضان ، بالأخص
في ليلة القدر .
وسيكون رد الفعل بالأهتمام
والفزع لهذا النداء ، ناشئاً من عوامل ثلاثة مقترنة .
صفحة (134)
العامل الأول : ارتفاع الصوت
وانتشاره بحيث يسمع الآفاق كلها .
العامل الثاني : جانبه
الإعجازي ، الذي لا يكاد يمكن تفسيره مادياً.
العامل الثالث : مضمونه ، من
حيث كونه مشيراً إلى القائد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما
ملئت ظلماً وجوراً .
واود أن الاحظ على النداء بعض
الملاحظات .
الملاحظة الأولى : هناك فهم
تقليدي للنداء ، بأنه يقع في لحظة الظهور إعلاناً عنه وإيذاناً
بوقوعه ، وهذا ما لم نجد من الروايات شيئاً دالاً عليه .ومن
هنا لا يمكن الإلتزام بصحته .
ولكن لا يمكن مع ذلك . رفع
اليد عن فكرة الإيذان والإعلان عن الظهور إلا أن هذا كما يمكن
أن يحصل عند إيجاد النداء مع الظهور ، كذلك يمكن أن يحصل مع
إيجاد النداء قبله بقليل .ويبدو كأن الظهور قائم على أساس
النداء ومنطلق منه . وإن كان الأمر – في الواقع – بالعكس .
ولا يبعد القول بإمكان البرهنة
على تقديم النداء قبل الظهور، بفترة زمنية . وذلك، أن النداء
إذا حصل مع الظهور ، كان المتعين عالمياً انطباقه على المهدي
(ع) الذي لا زال في أول ظهوره غير راسخ الملك والقوة، ومن هنا
ينفتح إحتمال توجه الأسلحة العالمية ضده .وهو خلاف بعض
الضمانات التي سنذكرها لإنتصاره .
بخلاف ما لو حصل النداء قبله ،
فإن حركة المهدي (ع) في اول عهدها سوف لن تكون ضرورية الإنطباق
على ذلك النداء ، عالمياً .وسوف لن يلتفت إلى ذلك إلا المؤمنين
به والمنطقة التي تعاصر حركته الأولى. وهذا هو الأنسب مع بعض
الضمانات التي سنذكرها .
وحيث أن النداء باسم المهدي
(ع) مع ظهوره مخلاً بانتصاره ، إذاً فيتعين عدم حصوله ساعتئذ ،
وحيث ثبت وجود النداء إجمالاً ،إذاً فهو يحصل قبل الظهور ،
بزمن قليل لايضر مع وجود فكرة الإعلام والتنبيه .
الملاحظة الثانية : إن حصول
النداء قبل الظهور ، معناه حصوله في عصر الغيبة طبقاً للمفهوم
الإمامي عن المهدي .
صفحة (135)
وهذا النداء عندئذ ، لا ينافي
الغيبة الحاصلة في الفترة المتخللة بين النداء والظهور. لأن
المعنى الأساسي للغيبة كما عرفناه في التاريخ السابق(1) ، هو
الجهل المطلق بحقيقة شخص المهدي (ع) ، فبالرغم من أن الناس
يرون الإمام ويعاشرونه . إلا أنهم يعرفونه باسم آخر غير صفته
الواقعية ،وما الواضح أن هذا المعنى لا يتغير بوجود النداء ما
لم يطبقه المهدي نفسه على نفسه عند ظهوره .
وكذلك الحال مع ألأطروحة
الأخرى التي رفضناها هناك ، وسميناها بـ