الفرضية الأولى :

أن يفترض أن هذا الفرد الواحد ، يغزو العالم بمفرده .

وهو واضح الامتناع والبطلان ، مهما أوتي الفرد من كمال عقلي وجسمي ...

بعد التجاوز عن الفرضية الآتية ، وهو إيجاد المعجزة من أجل تحقيق النصر .

فإن قال قائل : بأن هذا القائد يبدأ العمل منفرداً ويستمر به ، حتى يحصل على عدد من الأصحاب والمؤيدين ...كما فعل النبي (ص) .

قلنا : هذا معناه أنه لا يغزو العالم إلا بعد تحصيل المؤيدين والمناصرين ... لا أن يغزو العالم منفرداً

الفرضية الثانية :

إن هذا القائد يغزو العالم عن طريق المعجزة . وقد سبق أن ناقشنا ذلك مختصراً . وحاصل المناقشة تتلخص في جوابين :

الجواب الأول :

أنه لو كانت الدعوة الالهية على طول التاريخ ، قائمة علىإيجاد المعجزات من أجل النصر ز  لما وجد علىوجه الأرض منذ خلقت أي انحراف أو ضلال ، ولما احتاج الأمر إلى قتل وجهاد .  في حين قدمت الدعوة الالهية آلاف الأنبياء والعالمين كشهداء في طريق الحق ، بما فيهم الأئمة المعصومين عليهم السلام ، وأوضحهم الامام الحسين (ع) في فاجعة كربلاء .

ولو كان الأمر كذلك ، لما احتاج اليوم الموعود إلى أي تأجيل أو تخطيط ، إذ يمكن إيجاده في أي يوم منذ ولدت البشرية إلى أن تنتهي . ولعل الأولى والأحسن في مثل ذلك ، أن يكون نبي الاسلام وهو خير البشر هو القائد العالمي المنفذ لليوم الموعود والهدف الأساسي من خلق البشر . مع أنه لم يشأ الله له ذلك .

صفحة (405)

الجواب الثاني :

إن الدعوة الالهية على طول الخط ، على التربية الاختيارية للفرد والأمة ، على السواء .

وذلك : أنه بعد أن وهب الله تعالى للانسان : السمع والبصر ، والفؤاد يعني العقل والاختيار ، وهداه النجدين : طريق الحق وطريق الباطل ، وحمَّله مسؤولية أعماله والأمانة الكبرى التي رفضت السموات والأرض أن يحملنها ، وحملها الانسان ... انه في هذا الجو تبدأ فكرة التمحيص .

ومن المعلوم أن الايمان الممحص ، ولو بشكله البسيط يكون أثمن وأرسخ من الايمان القهري ... فانه يتصف بالفحالة والضيق ، وفي قلة الاستجابات الصالحة المطلوبة من قبل الانسان .  وهذا الايمان القهري هو الذي يمكن أن ينتج من جو المعجزات .

إذن ، فحيث تنتفي هاتين الفرضيتين ، يتعين ما المطلوب ، وهو احياج القائد في تطبيق العدل على العالم إلى الناصرين والمؤيدين ، لكي ينتشر بالجهاد انتشاراً طبيعياً .

وتندرج في هذا الشرط ، الصفات الأساسية التي يجب أن يتصف بها هؤلاء المريدون . ليكون هذا الشرط في واقعه: وجود المؤيدين على النحو المعين لا المؤيدين كيف كان .

إذ من المعلوم أن المؤيدين المصلحيين ، لا يمكن أن يقوموا بالمهمة المطلوبة ، باعتبار ما تحتاجه من التضحيات الجسام التي تنبو مصالحهم عنها من أول الطريق .

وأهم ما يشترط في هؤلاء المؤيدين ، شرطان متعاضدان ، يكمل أحدهما الآخر ، ويندرج تحتهما سائر الأوصاف :

أحدهما : الوعي والشعور الحقيقي بأهمية وعدالة الهدف الذي يسعى إليه ، والأطروحة التي يسعى إلى تطبيقها .

ثانيهما : الاستعداد للتضحية في سبيل هدفه على أي مستوى اقتضته مصلحة ذلك الهدف .

وبمقدار ما يوجد في نفس الفرد من هاتين الصفتين ، يكون الفرد ، قابلاً للعمل الاجتماعي العام والجهاد في سبيل الحق . والتكامل فيهما هو الذي ينتج عن التمحيص الالهي . ووجودهما في العدد من الناس الكافي لغزو العالم وتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة فيه ... الذي هو الشرط الثالث للظهور ... هو النتيجة التي تحصل عن التخطيط الالهي الموعود .  كما سبق أن عرفنا .

صفحة (406)

وبمقدار ما يفقد الفرد من هاتين الصفتين ، يكون عاجزا ًعن العمل والجهاد .

مهما كان مخلصاً في تدينه على الأساس الانعزالي المتقشف المتحنث .  وبمقدار ما تفقد الأمة من هاتين الصفتين تكون عاجزة عن تطبيق العدل في ربوعها ، حتى لو اجتمعت كل أفراد الأمة بل جميع البشرية لانجاحه ، ما دام اجتماعهم مصلحياً غير مخلص ولا واع ولا ممحص .

ومن هنا ، استهدف التخطيط الالهي ، إيجاد التمحيص الذي يربي الأمة التربية التدريجية البطيئة نحو إيجاد هذين الشرطين ، وتكاملهما في نفوس الأفراد ، بحيث يكونون قابلين لقيادة العالم . فيحققون هذا الشرط الثالث . وقد سبق أن حملنا فكرة كافية عن أسلوب ذلك .

                                                          *      *     *

يبقى علينا بعد الاطلاع على الشروط الأساسية للظهور ، التعرض إلى ملاحظتين :

الملاحظة الأولى :

أنه قد يقال بلزوم شرط رابع لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة في اليوم الموعود ، وهو وجود قواعد شعبية كافية ذات مستوى في الوعي والتضحية كاف ، من أجل هذا التطبيق ، لتكون هي رائدة الأول في اليوم الموعود .

فإن المخلصين الممحصين الذين يتوفر فيهم الشرط الثالث ، يمثلون الطليعة الواعية لغزو العالم ، وأما تطبيق الأطروحة فيحتاج إلى عدد أكبر من القواعد الشعبية الكافية ليكونوا هم المثل الصالحة لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة في العالم ، حين يبدأ انتشاره يومئذ .

وهذا الأمر ، لا يخلو من صحة ، وقد وفر الله تعالى له في تخطيطه ، نتيجة للتمحيص ، مستويين من الشعور :

المستوى الأول :

الاخلاص الاقتضائي الذي عرفنا أنه عبارة عن استعداد جماعة للتجاوب مع تجربة يوم الظهور وتطبيقاته ، وقلنا أن هذا الشعور يوجد عند كثير من البشر ، وإن كانوا يمارسون قبل الظهور شيئاً من العصيان والانحراف .

صفحة (407)

المستوى الثاني :

الشعور باليأس من كل التجارب السابقة التي ادعت لنفسها حل مشاكل العالم ، ثم افتضح أمرها وانكشف زيفها ، نتيجة للتمحيص والتجربة .

وينعكس هذا الشعور في النفس ،على شكل توقع غامض لأطروحة عادة جديدة تكفل الحل الحقيقي للمشاكل والمظالم البشرية . وسيتمثل هذا الشعور بالارتباط نفسياً ، بأول أطروحة شاملة تدعي لنفسها ذلك .

وسيكون كلا المستويين من أفضل الأرضيات الممكنة لتلقي يوم الظهور ، على ما سنشرح في التاريخ القادم .

وأما وجود قواعد شعبية موسعة في العالم ، لها شعور واضح بالرضا بتطبيقات اليوم الموعود ، فهو مما لا ينبغي أن نتوقعه ، بعد الذي عرفناه من التخطيط الالهي والحديث النبوي المتواتر ، من أنه لا بد أن تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً ... إلى حين الظهور .

وهو – أيضاً – مما لا حاجة إليه ، بعد وجود هذين المستويين من الشعور ، لدى الناس ... وابتداء المهدي (ع) بغزو العالم ، من زاوية في غاية الشدة والقوة ، على ما سنعرف في التاريخ القادم أيضاً ... وسنعرف الضمانات المتوفرة لانتصاره يومئذ ... بدون أن يؤخذ وجود هذه القواعد الشعبية بنظر الاعتبار .

الملاحظة الثانية :

إن هذه الشرائط الأربعة من شرائط تطبيق العدل المحض في اليوم الموعود .

وإن قلنا : شرائط الظهور ، فتصبح الشرائط ثلاثة ، لأن معنى الظهور مستلزم لوجود قائد معد في التخطيط الالهي لتكفل مسؤولية اليوم الموعود ، وهو يعني التسليم المسبق بتحقق الشرط الثاني . فلا تبقى لدينا إلا شرائط ثلاثة .

ولو غيرنا وقلنا : شرائط الظهور في الاسلام ، فقد أخذنا الشرط الأول مسلّماً مفروض التحقق ، فلم يبق سوى الشرطين الأخيرين .

ولو أننا مشينا خطوة أخرى ، فقلنا بقلة أهمية الشرط الرابع بازاء الثالث ،

بحيث حذفنا الرابع واعتبرناه من الصفات لا من الشرائط ، أو أدرجناه في الثالث ، باعتبار أنهما يعودان إلى فكرة واحدة من نتائج التمحيص ، يتكفل الثالث وجودهما المعقد القليل ويتكفل الرابع وجودها المبسط العريض ... لو مشينا هذه الخطوة ، لم يبق لدينا إلا الشرط الثالث ، وهو وجود العدد الكافي من المخلصين لغزو العالم . وهو الشرط الأساسي الذي قلنا أن التخطيط الالهي ، بعد الاسلام قد استهدفه .

صفحة (408)

إلا أن الاعراض عن الشرطين الأولين ، لا يعني إسقاطهما عن الشرطية ، وإنما يعني ذينك الشرطين ، ويكون التركيز – بطبيعة الحال- على الشرط المتبقي .

ولابد لنا في نهاية المطاف أن نشير أن هناك فرقاً أساسياً بين الشرطين الأولين ، والشرطين الأخيرين .  فالأولان يتوقف عليهما أصل وجود اليوم الموعود . إذ بدون الأطروحة العادلة والقائد الرائد لها ، لا معنى لوجوده أصلاً .  والشرطان الأخيران ، مما يتوقف عليه نجاح اليوم الموعود وتحقيق أهدافه .  وبخاصة الثالث الذي هو وجود العدد الكافي من المخلصين لغزو العالم ، إذ لولا وجودهم لما أمكن النجاح إلا بالمعجزة ، التي عرفنا أن ديدن الدعوة الالهية على عدم إيجادها .

                                                *     *     *

الجهة الثانية :

في ارتباط شرائط الظهور بالتخطيط الالهي .

حملنا – إلى الآن – فكرة مهمة عن هذا الارتباط . ينبغي لنا في هذه الجهة أن نركز الكلام ونفصله ، مع تحاشي التكرار جهد الامكان ... وذلك ضمن نقطتين :

النقطة الأولى :

عرفنا في الفصل الذي عقدناه لبيان التخطيط الالهي لليوم الموعود : ان هذا التخطيط مكرس خصيصاً لأجل إنجاح اليوم الموعود وضمان وجود العدل فيه .

ولو لم يكن لذلك شيء من الشروط ، لأمكن إيجاده في أي وقت . ولأمكن الاستغناء عن التخطيط أيضاً . وإنما تبرهن وجود هذا التخطيط ، باعتبار البرهنة على وجود هذه الشرائط من ناحية ، والبرهان بشكل طبيعي غير اعجازي ، فيما لا ينحصر توقفه على المعجزة .

صفحة (409)

والتخطيط الالهي يقوم بتربية البشرية بأسلوب معين لأجل إيجاد هذه الشرائط تدريجاً خلال عمر البشرية الطويل .

فأول هذه الشرائط وجوداً هو حصول الأطروحة الكاملة العادلة المتمثلة بالاسلام ، باعتبار أن البشرية قبله كانت في مرحلة التربية التدريجية للاعداد لفهم هذه الأطروحة ، كما سبق أن أوضحنا .

ولم يكن في الامكان أن تسود العالم أطروحة سماوية سابقة ، باعتبار كونها (عدلاً مرحلياً ) يقصد به التربية إلى تقبل العدل الكامل أكثر مما يقصد به التطبيق الشامل .  مضافاً إلى ما قلناه من أن تمحيص البشرية لم يكن كاملاً ، وكان لابد لها أن تمر بالتمحيص على الطروحة الكاملة نفسها .

ومن ثم يكون لهذا الشرط السبق المنطقي في التربية على سائر الشرائط الأخرى ... إذ لا معنى لوجود القائد قبل وجود القانون الذي يوكل إليه تطبيقه ... كما لا معنى للتمحيص الكامل المنتج للشرطين الأخيرين ، إلا التمحيص على الأطروحة الكاملة .

فإن قيل : فلماذا لا يمكن وجود القائد قبل وجود الأطروحة أو معها .

قلنا في جوابه : إن أردتم من وجود القائد ، وجوده وممارسته للقيادة فعلاً ... فهذا مما لا يمكن نجاحه قبل وجود الأطروحة العادلة والتمحيص الكامل . وإن أردتم وجوده ، ولو في الغيبة ، بمعنى وجوده قبل الاسلام غائباً حتى يأذن الله تعالى له بالظهور .

فهذا الاحتمال ، يحتوي على اسفاف في التفكير .  إذ لا موجب لوجوده في ذلك الحين .  وإذا كان خالياً عن –الحكمة لم يكن الله تعالى ليفعله . بل ان الحكمة في تأخره عن الاسلام ، لعدة نواحٍ مهمة : منها طول الغيبة طولاً مفرطا ًلو وجد قبل الاسلام .مما يسبب فتح أفواه الشكاكين أكثر . ومنها :عدم وجود ارهاصات كافية واردة لنا من قبل الاسلام لاثبات وجوده لو كان موجوداً . إذن فوجوده يومئذ معناه ضياعه على الناس وانتفاء البرهان على وجوده أصلاً . وهو محذور مهم خطط الله تعالى لرفعه رفعاً باتاً . إلى غير ذلك من النواحي . ومعه فيتعين أن يكون القائد موجوداً ومولوداً بعد نزول الأطروحة العادلة الكاملة ، المتمثلة بالاسلام .

صفحة (410)

وكان ثاني الشروط تحققاً هو وجود القائد المذخور لليوم الموعود ، انطلاقاً من زاوية الاعتقاد بغيبته عليه السلام .

وقد عرفنا لذلك آثاراً مهمة تمت إلى التمحيص بصلة ... كالتربية على طاعته واحترام رأيه وامتثاله . ولولا الغيبة لم يكن تحقق ذلك .  مضافاً إلى مصالح أخرى سنذكرها في الجهة الآتية إنشاء الله تعالى .

ومعه يكون لهذا الشرط التقدم المنطقي في الرتبة على الشرطين الأخيرين ، باعتبار كونهما منبثقين عن التمحيص ... ذلك التمحيص الذي يقوم – بالنسبة إلى جزئه المهم – على تقدم وجود القائد وغيبته ، بحيث لولا ذلك لكان التمحيص  ناقصاً نقصاً مهماً . إلى حد يكاد يتعذر إيجاد اليوم الموعود وإنجاحه ، على ما سنسمع في التاريخ القادم .

وأما الشرطان الأخيران : أعني وجود الناصرين الممحصين بالعدد الكافي لغزو العالم ، ووجود القواعد الشعبية المطبقة ... فما آخر الشرائط تحققاً ... وهما يوجدان مقترنين نتيجة للتمحيص الطويل ، في عصر الفتن والانحراف، خلال عصر الغيبة الكبرى ، كما سبق أن أوضحنا .

النقطة الثانية :

إن هذه الشرائط الذي ذكرناها لليوم الموعود ، مع التحفظ على روحها ، والتوسع في مدلولها ، هي شرائط الدعوة الالهية في كل حين . وبمقدار ما تتضمنه دعوة أي نبي أو إمام من نقاط قوة وتركيز لهذه الشروط ، فانها تستطيع التوسع والانتشار ، وبمقدار ما تفقده منها تأخذ بالضيق والضمور وتضطر إلى الانسحاب الجزئي ، أو الأخذ بالعزلة والتقية .

بل نستطيع القول بأن هذه الشرائط ، بصيغها الموسعة ، تكون هي الشروط الأساسية لنجاح أي دعوة كانت مما يتوقع لها التوسع والانتشار ، أو أنها تطمع بذلك بشكل وآخر .  فبمقدار ما تحرزه من هذه الشروط تستطيع التقدم والسيطرة ، بمقدار ما تسخره منها ، تضطر إلى الانسحاب والعزلة ومجاملة الناس .

ولا يلزمنا في تصور ذلك ، إلا تعميم معنى الشرائط وتوسيعها إلى حد ما ، فيصبح الشرط الأول : هو وجود الفكرة المنظمة القانونية التي تدعي لنفسها إصلاح العالم ... وهو ما يصطل عليه بالمبدأ في لغة العقائديين ، أياً كانت وجهته .

صفحة (411)

فإذا كان للمبدأ قائد محنك قدير ، وكان له من المؤيدين والمخلصين ، المقدار الكافي لنشر دعوته ، ومن القواعد الشعبية المناصرة له المقدار الكافي أيضاً ... كتب لدعوته النجاح والتقدم لا محالة .

وأقصى ما تحاول الدعوات في العالم جاهدة لايجاده ، هو إيجاد هذين الشرطين الأخيرين ، بعد فرض كونها دعوات مبدأية ذات قيادة .  وقد كُرس التخطيط الالهي على تحقيقها أيضاً ، بعد أن أصبحت الأطروحة العادلة الكاملة بميلاد المهدي (ع) دعوة ذات قيادة .

وإن لم تستطع الدعوات إحراز هذه الشرائط ، وبخاصة الشرطين الأخيرين ... كان ذلك سبباً لتقهقرها وتقدم خصومها ومناوئيها . فاما أن تبقى في ميدان الجهاد والمجابهة حتى تفنى عن آخرها وتنقطع دعوتها بالمرة .  وأما أن تأخذ بمسلك السرية والتكتم ومجاملة الناس . لأجل المحافظة على مبدئها وقواده ... وهو المعنى الرئيسي للتقية، كما أوضحنا فيما سبق .

إذن فالتقية تقترن على طول الخط ، وفي جميع الدعوات في العالم ، مع قصور هذه الشرائط عن ضمان النجاح ... كالمسلك الذي تطبقه الأحزاب المبدأية في العصور المتأخرة ، من السرية والكتمان ... وكما أمر به الاسلام في العصر الذي لم تتحقق فيه هذه الشرائط بالنسبة إلى الأطروحة العادلة الكاملة ، وهو عصر ما قبل الظهور .

وعلى أي حال ، فالدعوة الالهية ، على طول الخط ، كانت تدور مدار وجود هذه الشرائط وعدمها .  ويتجلى ذلك بكل وضوح ، في التاريخ الاسلامي . حيث نرى النبي (ص) كان ملتزماً في أول دعوته بالسرية والتكتم أو "التقية" حينما لم يكن الشرطان الأخيران : الأنصار والمؤيدين متوفرين لديه . ولم يبدأ دعوته إلا بعد أن أحرز من محتوى الشرطين ما يكفي لضمان البقاء . ولم يبدأ بالحرب مع الأعداء ، في أول غزواته في بدر ، إلا عندما حصل على العدد الكافي من الناصرين المندفعين بالحرارة العاطفية الثورية ، التي قلنا أنها البديل عندهم عن الوعي والاخلاص الممحص ، لعدم توفر التمحيص الكافي بالنسبة إليهم .

صفحة (412)

واستمر الفتح الاسلامي مبنياً على هذا الأساس ... وإنما بدأ الانحطاط والضمور ، مع الانحراف وقلة اخلاص المخلصين وعدم اندفاع المندفعين .

ونرى الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، إنما يأخذ بزمام الاصلاح في الأمة الاسلامية ، حين يجد الناصرين المؤيدين ، فيناجز الناكثين والقاسطين والمارقين من القتال .  ولولا ذلك ن لم يكن الجهاد لازماً عليه .  كما نفهمه من قوله عليه السلام : أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وأما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ، لا لقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عطفة عنز (1) .

وإنما أخذ الله تعالى على العلماء ذلك ، عند قيام الحجة بوجود الناصر ، وهو عبارة عن توفر الشرط الثالث ، الذي لولاه لما وجب على القائد الاسلامي تكفل القيادة ، ولاعتزال علي عليه السلام هذا المركز الهام ، ولم يغرّه ما فيه من منزلة وشهرة ومال .

وإنما أكد على توفر الشرط الثالث ، باعتبار وضوح توفر سائر الشروط في دعوته عليه السلام . وعدم وجود بوادر انخرامها إلا فيما يعود إلى هذا الشرط . فان دعوته مبدئية ذات قيادة ، وهو بشخصه القائد ... وإنما كان عليه السلام يعاني من توفر الشرط الثالث ... حيث نراه في العهد الأخير من خلافته يخاطب أصحابه بأنهم ملأوا قلبه قيحاً ويتمنى إبدالهم بخير من صرف الدينار بالدرهم . وهذا راجع في حقيقته والتأسف من ضعف الشرط الثالث يومئذ وعدم توفره بالنحو المطلوب ... للظروف التي كان يعيشها المجتمع يومئذ ، مما لا مجال للافاضة فيه .

وحينما يتولى ابنه الامام الحسن عليه السلام مركز الخلافة ، والقيادة ، ويحاول مناجزة القتال للجهاز المنحرف الحاكم ... يتفرق عنه جيشه ، ويستطيع معاوية شراء ضمائر قادته واحداً بعد واحد .  حتى لم يبق للامام (ع) من جيشه ناصر ... اضطر إلى الصلح مع معاوية ... وهذا في واقعه ، رجوع إلى المحافظة على الدعوة المدئية بعد انخرام الشرط الثالث ... أو الرجوع إلى التقية ، بالمعنى الذي قلناه بعد عدم وجود الناصرين المؤيدين .  ولتفصيل ظروف هذا القائد الممتحن الصابر مجال آخر .

___________________________

(1) أنظر نهج البلاغة شرح محمد عبده ، ط. مصر ، ص 31 وما بعدها .

صفحة (413)

ويأتي دور الامام الحسين بن علي عليه السلام بعد ذلك ... فتأتيه مئات الكتب من العراق من الناصرين المؤيدين الثائرين على الحكم الأموي المنحرف ... فتتوفر له "الحجة بوجود الناصر " ..أعني الشرط الثالث ، بعد توفر الشرائط الأخرى .  فيشعر بوجوب قيامه بالدعوة الالهية والثورة لطلب الاصلاح في أمة جده رسول الله (ص) ، كما قال هو عليه السلام (1) .

وإذ ينحرف عنه هؤلاء الناصرون ، وينخرم الشرط الثالث ، نجد ما يترتب عليه من مأساة دموية كبرى في كربلاء ... عليه وعلى آله وأصحابه السلام .  فعيطي بذلك درساً خالداً من التضحية والجهاد في سبيل الأطروحة العادلة الكاملة ، ليكون موقفه محكاً مقتدىً ، لمن يريد أن يكون من الناجحين في التمحيص الالهي الكبير .

ويأتي دور الأئمة المعصومين عليهم السلام المتأخرين عن الامام الحسن (ع) ... فيبدأ عصر الهدنة ، كما سمعنا تسميته بذلك من قبلهم عليهم السلام ... وذلك : باعتبار عدم توفر الشرط الثالث وانعدام الناصرين المخلصين ، أو قلتهم عن المقدار الكافي للثورة .

ويتضح ذلك بجلاء من موقف الامام الصادق (ع) تجاه مبعوث الثورة الخراسانية إليه .  الذي كان يقول له بأن الثائرين هناك أصحابه مؤيدوه ، فلماذا لا يقوم بالجهاد والمطالبة بحقه في الحكم المباشر ... قائلاً : يا ابن رسول الله لكم الرأفة والرحمة ، وانتم أهل بيت الامامة . ما الذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد عنه ، وأنت تجد من شيعتك مئة ألف يضربون بين يديك بالسيف .

فقال له (ع) : اجلس يا خراساني رعى الله حقك . ثم قال : يا حنيفة ، اسجري التنور ، فسجرته حتى صار كالجمرة وأبيض علوه . ثم قال : يا خراساني قم فاجلس في التنور .  فقال الخراساني : يا سيدي يا ابن رسول الله لا تعذبني بالنار ، أقلني أقالك الله .  قال : قد أقتلك .

______________________________

(1) مقتل الحسين ، ص 139 .

صفحة (414)

قال الرواي – وهو حاضر ذلك المجلس - : فبينما نحن كذلك ، إذ أقبل هارون المكي ، ونعله في سبابته .  فقال : السلام عليك يا ابن رسول الله . فقال له الصادق (ع) : ألق نعلك من يدك واجلس في التنور .  قال : فألقى النعل من سبابته ، ثم جلس في التنور . وبعد هنيهة التفت إليه الامام عليه السلام ، وقال : كم تجد بخراسان مثل هذا .  فقال : والله ولا واحداً .  فقال : أما أنا لا نخرج في زمان نجد فيه خمسة معاضدين لنا ، نحن أعلم بالوقت (1) .

يتضح لنا من هذه الرواية أمران مقترنان :

احدهما : الصفة التي يجب أن يتحلى بها الناصر للدعوة الالهية ، نتيجة للاخلاص .  الممحص الذي عاش تجربته واقتطف ثمرته .  وهي الايمان المطلق بالقيادة ، بحيث لا يصرفه عن امتثال تعاليمها صارف ، ولا تأخذه فيها لومة لائم ، وإن جر عليه الوبال ، وإن لم يفهم وجه الحكمة من التعاليم ، بعد أن كان لديه الايمان المطلق بالتعاليم .

ثانيهما : إن هذه الصفة غير موجودة في عصر التمحيص والامتحان ، أو عصر الهدنة ، في العدد الكافي للقيام بالدعوة الالهية .  ومن ثم يكون الشرط الثالث منخرماً .  فلا يكون القيام بهذه الدعوة واجباً ولا يوجد أي ضمان لنجاحها على تقدير القيام بها ... كما كان عليه الحال ، في ثورات الثائرين في عصر الأمويين والعباسيين ، فانها جميعاً كانت تفقد الضمان للنجاح ، فكان يكتب عليها الفشل ، مهما قويت واتسعت برهة من الزمن .

وبهذا نستطيع أن نتبين بوضوح ، الأهمية البالغة للشرط الثالث الذي يريد الله تعالى بتخطيطه العام إيجاده في البشرية من خلال التمحيص ، وما هي النتيجة الكبرى التي سوف ينتجها ، وما هي الصفة التي يتحلى بها المخلص الممحص الذي يستطيع المشاركة في تطبيق العدل الكامل على العالم كله ، بين يدي القائد المهدي (ع) . إذن ، فهذه الشرائط في واقعها ، هي شرائط الدعوة الالهية في كل حين . 

وحيث لم تتوفر على مر العصور ، لم تستطع هذه الدعوة شق طريقها المأمول في العالم بالرغم من أن الله تعالى انزل دينه ﴿ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ﴾ .

_____________________________

(1) البحار ، جـ11 ، ص 139 ، عن المناقب لابن شهر اشوب .

صفحة (415)

وستشق هذه الدعوة طريقها ، ويتحقق مدلول هذه الآية الكريمة ، في أول فرصة تتوفر فيها هذه الشروط .  وليس ذلك غلا عند ظهور الامام المهدي (ع) .

ولولا التخطيط الالهي لايجاد الشروط ، باعتبار استهدافه لليوم الموعود ، لأمكن عدم تحقق شيء من هذه الشروط في أي وقت من عمر البشرية الطويل . 

ولكن الله تعالى ، وهو اللطيف الخبير بعباده ، شاء ان يتفضل على البشرية باليوم الموعود ، وأن يربيها لأجل أن يزرع فيها بذور المسؤولية وإيجاد الشروط التي بها تستطيع تكفل مسؤوليته .

                                                 *    *    *

الجهةالرابعة :

التخطيط الالهي الخاص بإيجاد القائد وكان للشرط الثاني حصته من التخطيط الالهي لليوم الموعود ، وهو وجود القائد العظيم الذي يتكفل بعلمه وتعاليمه تطبيق العدل المحض الكامل على العالم كله .

ويكون ذلك على مستويين ، الأول : بلحاظ إيجاد قابلية هذه القيادة في شخص القائد .  والثاني : باعتبار تكامل هذه القابلية لديه ، باعتبار أطروحة محتملة سنذكرها ونحاول فهمها من الأدلة الاسلامية .

ومن هنا يقع الكلام في تفاصيل هذين المستويين .

المستوى الأول :

في إيجاد القائد العظيم ، بمعنى إيجاد الشخص القابل للقيادة العالمية أساساً .

ينحصر السبب لايجاد هذه القابلية في اي شخص ، بعد وجود القابلية الذاتية فيه من ناحية نفسية وعقلية لذلك, ...ينحصر إيجادها بالتعليم والتثقيف من قبل شخص مطلع على أساليب هذه القيادة وقواعدها العامة .

فإن لم يكن على وجه الأرض قائد تام المواصفات ، ليتكفل تربية من بعده من الأفراد ليصبحوا قواداً .  واقتضت المصلحة إقامة الحجة على البشر بإيجاد مثل هذا القائد ... سمح (قانون المعجزات) الذي سبق أن ذكرناه، بوجود معجزة الوحي لايجاد النبي القائد .  فيكون المعلم والموجه والمربي الذي يوجد من شخص النبي قائداً عالمياً هو الله تعالى . فيوجد النبي حاملاً إلى البشر أطروحته المبدئية ، وقابلاً للقيادة بمقدار من يدعوهم إلىالايمان به واتباعه من البشر . فإن كانت دعوته عالمية وجب أن تكون قابليته عالمية ، كما سبق أن برهنا عليه ... وهكذا كان نبي الاسلام (ص) .

صفحة (416)

وأما إذا كان مثل هذا القائد موجوداً على وجه الأرض ، واحتاجت الدعوة الالهية إلى قائد جديد . فلا حاجة لاقامة المعجزة في مثل ذلك لتربية عنصر القيادة في القائد الجديد . لامكان حصور التعليم على هذا المستوى الرفيع من قبل القائد الموجود ، بعد اختيار الشخص القابل ذاتاً لتلقي هذا التعليم .

وقد يخطر في الذهن ، التساؤل عن الحاجة إلى التعليم ، في حين نجد الكثير من القادة المعروفين كنابليون مثلاً ، قد قاموا بالقيادة حسب المنهج الذي رسموه ، بدون تعليم مسبق .

والجواب عن ذلك : إن تعليم القائد يمكن أن يكون على أحد مستويات ثلاثة :

المستوى الأول :

تلقيه للثقافة العامة الموجودة لدى الفكر البشري ، في فرع واحد أو عدة فروع .

والتعليم على هذا المستوى موجود بالنسبة إلى كل قائد ، ممن يخطر على ذهن السائل .  يشترك في ذلك القادة على المتسوى الالهي والقادة على المتسوى المادي . 

بل من الممكن أن نقول : أن القيادة لا تتوقف على هذا التعليم أصلاً .  بحيث لو كان القائد جاهلاً بفروع المعرفة أمكن أن ينجح في قيادته ، كما حدث أحياناً في التاريخ ، في بعض القيادات القديمة .  نعم ، لو كان القائد هاوياً على مثل هذه المعرفة كان – بلا شك – أفضل .

المستوى الثاني :

معرفته قيادة الحروب ، وتحريك القطعات العسكرية .  وهو وإن كان ضرورياً للقائد ، إلا أن القواعد العامة لذلك ، مما يتلقاه القادة بالتعليم ، وبدونها يكون فاشلاً لا محالة .  وليس كما ظن السائل من تولي القيادة بدون تعليم .

وأما تطبيق ذلك في الحروب ، فهو تابع إلى ذكاء القائد وعمق خبرته ، وليس مما يتلقاه بالتعليم من كل القادة .

صفحة (417)

المستوى الثالث :

معرفته للايديولوجية العامة التي يستهدف نصرها ويحاول انجاحها وتطبيقها .

وهذا هو الجانب المهم الذي يعطي للقيادة مغزاها وللحروب معناها .  وهو المحك الذي تختلف به القيادة الالهية عن غيرها .  فان القادة الاعتياديين يعرفون ذلك من الاتجاهات العامة التي يستوحونها من المصالح الخاصة أو المجتمع المنحرف أو الكافر .  فتكون فكرة السيطرة أو الوطنية أو القومية أو غيرها عناصر كافية لتغطية هذه الحاجة ، من دون حاجة إلى التلقي بالتعليم .

وأما القيادة القائمة على الأساس الالهي ، فهي تنطلق من عدة زوايا كل واحدة منها تحتاج إلى تعليم أولاً وإلى مران وتمحيص ثانياً وإلى تكامل وتعميق ثالثاً .

الزاوية الأولى :

استيعاب الهدف الذي من أجله وجدت البشرية واستهدفت هدايتهم ، ومن أجلها بعث الأنبياء ووجب الجهاد ، وأقيمت الدولة الاسلامية .

الزاوية الثانية :

استيعاب دقائق القانون الذي يطبق في المجتمع البشري ، سواء على مستوى الدولة ، أو قبلها .

الزاوية الثالثة :

طرق الارتباط بالناس وممارسة هدايتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر والقواعد العامة التي تمت إلى ذلك بصلة .

الزاوية الرابعة :

الغيرية المطلقة : ورفض الأنانية ، بحيث يمكن الفرد في أية لحظة أن يضحي بكامل كيانه في سبيل الهدف الذي عمل من أجله .

صفحة (418)

إلى غير ذلك من الزوايا ، التي يكون التعبير عنها باختصار سهلاً ، وأما تعميقها وتطبيقها في عالم الحاية ، في غاية الصعوبة ، مضافاً إلى المستويين الأول والثاني ، العاملين لكل قائد . ومن هنا احتاجت القيادة الالهية إلى تعليم.

وهذا هو الذي حصل ، بعدما قام التخطيط الالهي ، على إيجاد السبب المزدوج في القائد : القابلية الذاتية والقابلية التربوية ، ومنه نستطيع اقتناص عدة نتائج مهمة :

النتيجة الأولى :

حين يكون السبب في التربية هو التعليم المباشر من قبل الله تعالى أو المتصل به بالواسطة ... يكون من المستحيل عادة وجود قائد عالمي يقوم في قيادته على أساس مادي .  وهو – أيضاً – مما لم يحدث في أي فترة من التاريخ. فان القيادة العالمية لا تكون إلا من التعليم الالهي ، ذلك التعليم المنافي للأساس المادي . وكل القواد الدنيويين أو الماديين ليسوا عالميين على أي حال ، وإن قادوا دولاً كبيرة .

النتيجة الثانية :

إذا كن هذا هو سبب وجود القائد ، أمكننا دحض كل خلافة يدعيها صاحبها ويقوم بها عن طريق "السيف" في أي عهد متأخر عن صدر الاسلام ، مما يكون قبل الظهور . كخلافة العباسيين والعثمانيين أو كل من كان على وتيرتهم، ممن نعلم بعدم توفر هذا السبب لديه ولدى أعقابه من الخلفاء .

النتيجة الثالثة :

أننا نقول نفس الشيء بالنسبة إلى المهدي الذي يولد في آخر الزمان ، طبقاً للفهم غير الامامي .

فانه بعد وضوح انتفاء الوحي بالنسبة غليه ، لا يكن قابلاً للقيادة العالمية التي يجب أن يتكفلها بعد انفصاله عن التربية الالهية المباشرة وبالواسطة أيضاً .  فأنه لا يوجد في عصره قائد عالمي سابق عليه ليباشر تعليمه وتكميله.

فإن قال قائل : إن لتمحيص الساري المفعول خلال عصر الغيبة الكبرى ، كفيل بإيجاد مثل هذا الشخص .

قلنا له : كلا ، فان غاية ما للتمحيص من مقدرة هو إيجاد الأفراد المخلصين إلى درجة عالية ، بحيث يستطيعون المشاركة في قيادة العالم ، تحت إشراف القائد الأكبر .  وأما أن يخلق التمحيص شخصاً له قابلية قيادة العالم ، من خلال عدد محدود من السنوات ...فلا .

صفحة (419)

فإن قال قائل : فان التمحيص يمكن أن يفرض مضاعفة بالنسبة وإليه وتشديده عليه ، ليصنع منه قائداً عالمياً .

قلنا في جوابه ك إن التمحيص قاصر أساساً على إيجاد القائد العالمي . فان التمحيص شيء والقيادة شيء آخر .  ولولا التعليمات الموسعة التي يتلقاها الممحصون من قبل المهدي (ع) لقيادة العالم بعد ظهوره ... لما أمكنهم ممارسة القيادة لمجرد كونهم ممحصين .  فان ما يفعله التمحيص هو تقوية الايمان والاخلاص وقوة الارادة ، وهذا مما لا يكفي وحده لقيادة أياً كانت ، فضلاً عن قيادة العالم .  وإن كان يكفي لأن يصبح الفرد جندياً فدائياً في جيش عقائدي ثوري . وليس للمخلصين الممحصين من وضعية في غزو العالم أكثر من ذلك .

ونحن ، وإن كنا لا ننكر ما للتمحيص من أثر بالغ في تثقيف الفرد من النواحي الأخلاقية والدينية ، واطلاعه على المناقشات المناسبة لتيارات الانحراف في عصره من وجهة نظر الاسلام .  إلا أنها – على أي تقدير – لا يمكن أن تفي بالقيادة العالمية .

إذن ، فلا يمكن للتمحيص أن يوجد المهدي على المستوى المطلوب .  وكل شخص وجد متأخراً في الزمان منفصلاً عن التعليم الالهي ولو بالواسطة ... فأنه لا يمكن أن يقوم بمهمة اليوم الموعود .

فإن قال قائل : إن المهدي متصل بالله تعالى مباشرة عن طريق الالهام ، كما يقول به ابن عربي في الفتوحات المكية(1)وغيره . ومعه فالالهام هو الذي يباشر تربيته ولا حاجة له إلى تلقي التعليم بالواسطة .

قلنا له : ان هذا صحيح ، بالنسبة إلى زمن توليه القيادة فعلاً ، ولا كلام لنا في ذلك .  وإنما الكلام في جعله قائداً لكي يمارس مهمته بعد ذلك .  ولم يدع ابن عربي تلقي المهدي للالهام قبل توليه القيادة ، كذلك وكل من يفهم المهدي بغير الفهم الإمامي .

_________________________________

(1) أنظر الباب السادس والستين والثلاثمائة من المجلد الثالث ، ص 327 وما بعدها .

صفحة (420)

ومعه يتعذر القول بوجود المهدي وولادته في آخر الزمان ، طبقا لذلك الفهم ... لأن كل من يوجد في العصر المتأخر عن عصر التشريع ، لا يمكن أن يكون قائلاً عالمياً لانقطاعه عن الوحي ولو بالواسطة . لا يستثنى من ذلك أحد .

ومعه فلو قصرنا لانظر على ذلك ، لزم القول بفشل التخطيط الالهي ، وعدم تنفيذ اليوم الموعود . إذن فلا بد من تصور التخطيط الالهي بالنحو المنسجم مع الإيمان بغيبة المهدي ، ومشاركة الغيبة نفسها بقسط وافر من هذا التخطيط .

فان الأسلوب الوحيد الذي يمكن به ربط الإمام المهدي (ع) في تربيته القيادية بالوحي ، ولو بالواسطة ، ولو بالواسطة هو أنه ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام ، ليكون قد تلقى الحقائق الكبرى عن طريق آبائه عن النبي (ص) عن الوحي الالهي .

فإذا تم ذلك ، تعين كونه مولوداً في زمان أبيه وباقياً إلى الآن ، محفوظاً بعناية الله تعالى ، من أجل أن يقوم بالقيادة الكبرى في اليوم الموعود . إذن أصبحت الغيبة الكبرى من الأسباب الضرورية لنجاح الدعوة الالهية في ذلك اليوم .

نعم ، يمكن أن نفترض بعض الافتراضات لتصوير ارتباط المهدي بالوحي ، بدون الغيبة .  كتسلسل وراثة قابلية القيادة العالمية طيلة هذه المدة بدون انقطاع ، إلى أن تتم شرائط اليوم الموعود ، ويكون القائد الموجود في ذلك الحين هو المهدي .

أو يفترض انفصال ولادته عن وفاة أبيه بزمن طويل !! بطريق اعجازي ، وتلقيه التعليم عنه بنحو اعجازي أيضاً .  وغير ذلك من الافتراضات . إلا أن شيئاً منها لم يقل به أحد من المسلمين ، فهو منفي بضرورة الدين واجماع المسلمين . فيتعين القول بالغيبة أعني بقاءه الطويل من زمان أبيه إلى حين ظهوره .

النتيجة الرابعة :

اننا بعد أن عرفنا ان السبب الوحيد الموجود لقابلية قيادة العالم ، استطعنا أن نبرهن به على بطلان كل مهدوية مدعاة على طول التاريخ أو تدعى في المستقبل مما لا يكون متصلاً بالوحي ولو بوسائط .. فان الشخص الذي لا تتوفر لديه هذه الصفة يتعذر عليه بالمرة القيام بالمهام الكبرى المنوطة بالمهدي (ع) .  ومن ثم لم نر شخصاً مدعياً للمهدوية استطاع السيطرة على العالم كله ، مضافاً إلى غفلة المدعي عن عدم تمامية إنتاج التخطيط الالهي للعدد الكافي من المخلصين الممحصين .

صفحة (421)

ومن هنا يكون لنا مستمسك برهاني ، ضد مدعي المهدوية ، اسبق في الرتبة من الدليل الذي أشرنا اليه في التاريخ السابق (1) من اننا نستكشف من فشل الدعوة المهدوية المدعاة انها دعوة كاذبة ، وان قائدها ليس هو المهدي المنتظر . لأننا لا نعني بالمهدي ، إلا القائد العالمي القائم بأطروحة الحق العادلة الكاملة .

                                                 *     *     *

المتسوى الثاني :

في تكامل قابلية القيادة العالمية من الكامل إلى الأكمل ، بلحاظ أطروحة نطرحها ونحاول البرهنة عليها .  ويقع الكلام في ذلك في جوانب ثلاثة :

الجانب الأول :

في تحديد الأطروحة التي نقصدها ، والمفهوم الذي نريده ... يعرض معنى التكامل بالنسبة إلى الكامل العظيم الذي له قابلية قيادة العالم ، وأسباب ذلك .

أن درجات التكامل المتصورة للعقل لانهائية العدد ، كلما وصل الفرد إلى مرتبة منها ، استحق أن يرقى إلى درجة بعدها .  تبدأ بأول درجات الإيمان وتنتهي بالوجود اللانهائي الجامع لكل صفات الكمال ، الله عز وجل .

وحصول الانسان على الكمال اللانهائي ، غير ممكن ، كما ثبت في الفلسفة الاسلامية ، إلا أن تصاعده من الكامل إلى الأكمل فالأكمل ، في غاية الامكان والوضوح .  وكل درجة يصل إليها الفرد ، فهي درجة محدودة ليست لا متناهية بطبيعة الحال .

ومن هنا يسير الناس المؤمنون في درجات الكمال ، من القليل إلى الكثير ومن الكثير إلى الأكثر .  ومن هنا ينبثق إمكان القول بتكامل ما بعد العصمة .. وإمكان تربية المعصوم وان كان خير البشر ، فانه ان كانت الدرجة الدنيا من تكامله هي أعلى من كل البشر ، فالدرجة العليا كذلك لا محالة . 

_________________________________

(1) أنظر تاريخ الغيبة الصغرى ، ص 355 .

صفحة (422)

وإذا كان هذا التكامل ممكناً ، كان ضرورياً ، لما أشرنا إليه من أن الفرد كلما وصل إلى درجة من الكمال استحق الدرجة التي بعدها ، لا يختلف في ذلك المعصوم عن غيره .. بحسب البرهان المقام في الفلسفة .

ويمكن لقائد عالمي ، ممن يوجد عنده المستوى الأول من قابلية القيادة العالمية ، كالمهدي (ع) أن يتكامل بأسباب معينة ، يمكن ارجاعها إلى ثلاثة أسباب :

السبب الأول :

الالهام . فانه ثابت للقائد العالمي الذي وجد المستوى الأول بالنسبة إليه .

ويمكن إثبات ذلك بعدة أدلة نذكر منها اثنين :

الدليل الأول :

ما ورد في الأخبار ، من أن الامام إذا أراد أن يعلم شيئاً أعلمه الله تعالى ذلك .  وقد خصص الشيخ الكليني في الكافي باباً كاملاً لنقل هذه الأخبار .

والامام ، هو الاقئد العالمي بلغتنا الحديثة ، فإذا خطر في ذهنه شيء لم يستطع التوصل إلى جوابه أو حله ، أسعفه الله تعالى بالالهام في ذهنه ذلك الجواب المطلوب .

الدليل الثاني :

ان القيادة العالمية لمدى صعوبتها وتعدد مشاكلها ، لا يمكن القيام بها إلا من قبل قائد ملهم ، يستوحي عدداً من الأخبار ويتلقى التعاليم من هذا المصدر الجليل . فإذا توقف القيام بها على الالهام ، وجب على الله إيجاد هذه المعجزة، طبقاً لقانون المعجزات ، ازجاء لحاجات الدولة الاسلامية العالمية ، التي هي الهدف الأساسي من إيجاد البشرية .

وسنعرض لذلك تفصيلاً في تاريخ ما بعد الظهور .

السبب الثاني :

ما يمر به القائد من مصاعب ومحن . فانها توجب تصاعد كماله وترسخه ، بنفس التفسير الذي ذكرناه للتكامل الناتج عن التمحيص ، مع حفظ الفرق في المرتبة فقط . حيث يفوق هذا الكمال ذلك الكمال الثابت للفرد العادي بما لا يقاس من المراتب . تبعاً للفرق بين الكمال المسبق للإمام والكمال المسبق للفرد العادي .

صفحة (423)

ولا يمكن أن نسمي هذا التكامل بالتمحيص ، بالرغم من أنه يحمل نفس فكرته وقاعدته العامة ، من حيث كونه سبباً لتصاعد الكمال . إلا أن المعنى الأساسي للتمحيص هو اختبار الجيد من الرديء ، والمعنى الذي اصطلحناه هو السبب الذي يحول الفرد من القصور والضعة إلى الكمال والرفعة . وكلا هذين الأمرين غير موجودين سلفاً في القائد العالمي  بل هو في أول مراتبه القيادية ، في درجة عالية من الكمال بحيث لا يقاس إليه أي فرد من البشر .

السبب الثالث :

ما يقوم به القائد من أعمال وتضحيات في سبيل دعوته وخدمة دينه وربه ، فانه يتكامل بذلك ويزداد في أفق وجوده العظيم ترسخاً وعمقاً .

ومن أمثلته عن التاريخ تقبُّل النبي إبراهيم الخليل عليه السلام الأمر بقتل ولده بكل رحابة صدر .  وقيام الامام الحسين عليه السلام بثورته الدامية بالرغم من عظيم التضحيات . ومن هنا قال له جده نبي الاسلام (ص) : بأن لك مقامات لن تنالها إلا بالشهادة على ما روى عنه .

وهذا يحمل نفس المعنى الذي قلناه للتمحيص الاختياري ، بالنسبة إلى الفرد الاعتيادي الممحص . مع اختلاف المرتبة ، بطبيعة الحال . وأيضا ًمن الصعب تسميته بالتمحيص ، بل هو من التكامل الاختياري من الدرجات العليا  وتفكيره المعمق الملهم ، تذليل المصاعب العالمية عن درب الدعوة الالهية .

فان قيل : أن هذا متوفر لدى القائد العالمي ، في أول مراتب قابليته للقيادة ، فما الحاجة إلى الزائد .

قلنا : أن قابلية قيادة العالم ، تتضمن ذلك بلا شك . ولكن هذه القابلية قابلة للزيادة والتكامل . ومن الواضح أن الثمر يتحسن بتحسن الأصل ، والنتائج تتعمق بتعمق السبب .. فكذلك هذا القائد ، عند حصوله على تكامل ما بعد العصمة ، فان تطبيقاته وأعماله سوف تسهل وتتعمق عما كانت عليه أكثر وأكثر ، بطبيعة الحال .

صفحة (424)

وسيأتي في الجانب الثالث ، ما يلقي ضوءاً أكثر على هذه الأطروحة .

الجانب الثاني :

في محاولة استفادة هذه الأطروحة من الأدلة الاسلامية : الكتاب الكريم والسنة الشريفة :

وأشد هذه الأدلة صراحة ما أخرجه الكليني في الكافي (1) بسند صحيح عن الامام الباقر (ع) أنه قال : لولا انا نزداد، لنفذنا . ومثله أخبار أخرى عن الامام الصادق والهادي عليهما السلام بسندين آخرين .

وفي خبر آخر عن ابي جعفر الباقر )ع) انه قال : لولا انا نزداد لانفذنا .  قال الراوي : قلت : تزدادون شيئاً لا يعلمه رسول الله (ص) .  قال : اما انه إذا كان ذلك عرض على رسول الله (ص) ثم على الأئمة ثم انتهى الأمر الينا .

وعقد الكليني (2) أيضاً باب بعنوان : ان الأئمة (ع) يزدادون في كل ليلة جمعة .

وأورد فيها ثلاثة أحاديث ، مما يدل على ذلك .  وفيها التصريح باستفادة علم جديد عن طريق الالهام ، وهو السبب الأول للتكامل الذي ذكرناه .  وفيه التعبير بقوله : ولولا ذلك لانفدنا . وبقوله : لولا ذلك لنفد ما عندي .

ولفهم هذا النفاد المشار اليه في هذه الأخبار أطروحتان :

الأطروحة الأولى :

ان هذا النفاد ناشئ من الأعمال العظام والتضحيات الجسام التي يقوم بها الامام طبقاً لمسؤولياته العظمى .  فانها توجب تضاؤل الطاقة المختزنة فيه ، لولا التوفيق الالهي للتكامل .

__________________

(1) أنظر باب لولا أن الأئمة يزدادون لنفد ما عندهم (المخطوط) .   (2) أنظر المصدر المخطوط .

صفحة (425)

الأطروحة الثانية :

ان هذا النفاد ناشيء من مواجهة المشاكل المستجدة التي لا تكفي القابليات السابقة للامام لتغطية حلولها وتذليل مشاكلها ، مما يجعل الدعوة الالهية متوقفة على ازدياد الامام وتلقيه للالهام .

ويمكن أن تصبح هاتان الأطروحتان ، بعد تدقيقهما ، وجهاً واحداً مشتركاً لتفسير هذا الأمر ، لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله .

وعلى أي حال ، فقد دلت هذه الأخبار ، بكل صراحة ، على تكامل الامام وتزايده المستمر ، من تكامل ما بعد العصمة . لوضوح ان المراتب المسبقة لهذا الكمال ، تمثل درجة العصمة بأحسن صورها ، طبقاً للفهم الامامي الذي انطلقت منه هذه الأخبار .. فكيف بالتكامل الجديد الذي يحصلون عليه .

ويمكن ان يستفاد ذلك من القرآن الكريم ، الذي يحصلون عليه .

منها : قوله تعالى مخاطباً نبيه العظيم : وقل رب زدني علماً (1) .  وهو صريح بما نريد التوصل اليه ، من حيث أن النبي (ص) خير البشر وأعلمهم ، ولكنه مع ذلك قابل للزيادة في العلم .

منها : قوله تعالى : وإذ قال إبراهيم : رب ارني كيف تحي الموتى .  قال : أولم تؤمن ؟ قال : بلى : ولكن ليطئمن قبلي . قال : فخذ أربعة من الطير فصرهن اليك ، ثم اجعل كل جبل منهن جزءا يأتينك سعيا ، واعلم ان الله عزيز حكيم (2) .

فان ابراهيم عليه السلام ، ازداد بعد هذه الحادثة اطمئنانا ويقينا ، وتزايد في مراتب التكامل العليا ، بكل وضوح .  فان الهدف منها لم يكن سوى حصول الاطمئنان .  قود تحقق الهدف بعد وقوعها .

ومنها قوله تعالى : ﴿ وإن يونس لمن المرسلين اذ ابق إلى الفلك المشحون ، فساهم فكان من المدحضين ، فالتقمه الحوت وهو مليم .  فلولا انه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ﴾ (3) .  فقد أوجب تسبيحه في بطن الحوت له كمالا استحق به النجاة من هذا السجن الذي كان يقدر له التأبيد لو لم ينل هذا الكمال بالتضرع إلى الله تعالى والعمل الاختياري في التقرب اليه عز وجل .

______________________________

(1) طله : 2/114 .   (2) البقرة : 2/260 .   (3) الصافات : 37/139-144 .

صفحة (426)

ومنها : قوله تعالى : "ونادى نوح ربه فقال : رب ابني من أهلي وان وعدك الحق وانت احكم الحاكمين .  قال : يا نوح انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح ، فلاتسْألْنِ ما ليس لك به علم .  اني اعظك ان تكون من الجاهلين .  قال : رب ، اعوذ بك ان أسألك ما ليس لي به علم .  والا تغفر لي وترحمني أكن من

الخاسرين "(1)  .

فانه لا شك ان نوح عليه السلام ازداد بعد وعظ الله عز وجل اياه وتعليمه له ، ازداد كمالا عما كان عليه قبل ذلك ، واذ تنتج هذه الزيادة الجديدة ، فانها تسير مع سائر التضحيات في سبيل الدعوة الالهية ، بما فيها الاستغناء عن الولد ، اذا كان عملا غير صالح ، وعضوا فاسدا في التخطيط الالهي .  ومن هنا نسمعه يقول : "رب أعوذ بك أن أسألك ما ليس بك علم " .

ومنها قوله تعالى : "وان كادوا ليفتنوك عن الذي أوحينا اليك لتفتري علينا غيره .  واذن لاتَّخذوك خليلا .  ولولا ان ثبتناك ، لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا ، اذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ، ثم لا تجد علينا نصيرا " (2) .

فان الآية ، وان كانت دالة على ان النبي (ص) لم يركن ، إلى الكفار ، ولم يقارب الركون اصلا ، باعتبار جعل ذلك في جواب لولا الامتناعية .. الا انها تدل – بكل وضوح - : ان عدم الركون ناشئ من التثبيت الالهي ، ذلك التثبيت الذي ازداد به النبي (ص) كمالا إلى كماله العظيم . ولولا ذلك لكان الكمال السابق على التثبيت غير مانع من مقارنة الركون . ومن هنا اقتضت مصلحة الدعوة الالهية ، افاضة هذا التثبيت عليه صلى الله عليه وآله , إلى غير ذلك من الموارد والآيات في القرآن الكريم .

_________________________

(1) هود : 11/46-47 .  (2) الاسراء : 17/73-75 .

صفحة (427)

وبذلك نستطيع – بكل وضوح – ان ننفي نقاط الضعف والذنوب عن الانبياء ، كما يريد المنحرفون أن يفهموه من القرآن الكريم . فانه بعيد كل البعد عن ذلك ، وانما هو من التسامي من كمالٍ عظيمٍ إلى اعظم ، من تكامل ما بعد العصمة . مع توفر قابلية القيادة الكبرى، في الدرجة السابقة من الكمال ، فضلا عن المراتب العليا منها .  وللتوسع في الكمال عن هذا الموضوع مجال آخر في العقائد الاسلامية .

وعلى اي حال ، فقد ثبت بالكتاب الكريم والسنة الشريفة ، وجود التكامل ، بل ضرورته للدعوة الالهية ، بالنسبة إلى كل من أُوْكِلَ اليه قيادة العالم من الانبياء والمرسلين والأئمة عليهم السلام اجمعين .

الجانب الثالث :

في تطبيق هذه القاعدة على المهدي (ع) بعد ثبوتها بالادلة الاسلامية .. وبه نتبين دخالة الغيبة في التخطيط الالهي، بشكل اكيد وشديد ، لا يمكن التخلي عن افتراض في طريق كمال التطبيق في اليوم الموعود .

والمتحصل مما سبق ، هو انه عليه السلام يتكامل – بعد العصمة – خلال غيبته ، بعدة اسباب :

السبب الأول :

الالهام بالمعنى الذي قلنا بصحته ، ودلت الاخبار على وجوده .  فلئن كان آباؤه عليهم السلام يتكاملون في كل ليلة جمعة ، خلال عدد محدود من السنين ، فهو يتكامل خلال عدد غير محدود ، يصل إلى عدة مئات ، بل قد يصل إلى الآلاف من السنين .. من يدري ؟ .. ومعه تكون النتيجة أكبر وأضخم من النتائج التي وصل اليها آاؤه عليهم السلام في اثناء حياتهم .

فان قيل : بانه يلزم من ذلك كون الامام المهدي (ع) خيراً من آبائه ، وهو خلاف الادلة الدالة على ان الأئمة المعصومين من نور واحد ، وانهم متساوون في الفضل ليس فيهم أفضل سوى أمير المؤمنين (ع) وصي رسول الله (ص) .

قلنا يمكن الجواب على ذلك بجوابين :

الجواب الأول :

أنه لا خير في ذلك .  فليكن المهدي (ع) أفضل من آبائه ، باعتبار أن التخطيط الالهي منعقد بإيكال اليوم الإلهي الموعود دونهم .

صفحة (428)

وقد دلت على ذلك الروايات ، ولعل اوضحها الخبر السابق الذي اخرجه النعماني في الغيبة (1) عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام حين سئل : هل ولد القائم ؟ فقال : لا ولو ادركته لخدمته ايام حياتي .

وفي حديث آخر (2) عن الريان بن الصلت قال : للرضا عليه السلام : انت صاحب هذا الأمر ؟ فقال : انا صاحب هذا الأمر ، ولكني لست بالذي أملؤها عدلا كما ملئت جورا .  وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني .  وان القائم هو الذي اذا خرج كان في في سن الشيوخ ومنظر الشبان .. الحديث .

واما الادلة المشار اليها الدالة على تساوي الأئمة (ع) فيمكن ان تحمل على تساويهم في الامامة ، أو في قابليتهم للقيادة العالمية بغض النظر عن تكامل ما بعد العصمة .  كما يمكن ان يستثنى منها المهدي (ع) بالخصوص نظرا إلى هذه الادلة الاخرى .

الجواب الثاني :

انه لا يلزم مما افضلية المهدي (ع) على آبائه ، خلافا لما تخيله السائل ، ولما قلناه في الجواب الأول .

وذلك : لان نفس تلك الروايات دلت على ان كل ما يحصل عليه امام متأخر من الكمال ، يعطيه الله تعالى لكل الأئمة المتقدمين عليه ولرسول الله (ص) أيضاً وقد سبق أن سمعنا قول الإمام الباقر (ع) – في حديث- : أما أنه إذا كان ذلك عرض على رسول الله (ص) ثم الأئمة ثم انتهى الأمر إلينا .

وفي خبر آخر للكُليني في الكافي (3) عن أبيعبدالله (ع) انه قال : ليس يخرج شيء من عند الله عز وجل ، حتى يبدأ برسول الله (ص) ، ثم بامير المؤمنين صلوات الله عليه .  ثم بواحد بعد واحد ، لكي لا يكن آخرنا اعلم من اولنا .

_______________________

(1) ص 129 .  (2) أنظر الكافي (نسخة مخطوطة) .   (3) المصدر نفسه .

صفحة (429)

السبب الثاني :

لتكامل الامام المهدي (ع) ما يحدث في عصر الغيبة من الانحراف والفتن .

فانه موجب لتكامله من جهتين :

الجهة الأولى :

ما يواجهه عليه السلام شخصيا من الظلم والانحراف ، انطلاقاً من الاطروحة الثانية التي ذكرناها في القسم الأول من هذا التاريخ ، وهي اطروحة خفاء العنوان ، التي تقول : ان المهدي (ع) خلال غيبته يعيش كفرد عادي في المجتمع .. إذن فهو يواجه ما يواجهه الآخرون من أنحاء الظلم والانحراف .. فيفضل على الافراد الممحصين الناجحين من ناحيتين رئيسيتين :

الناحية الأولى :

الرصيد العظيم الذي يملكه عليه السلام ، في التفسير الصحيح وردّ الفعل الصائب تجاهه ، على حين لا يصل الفرد الاعتيادي إلى ما يقارب في اقصى تكامله خلال حياته .  واذا كان هذا الرصيد موجودا من اول الامر ، كان التكامل بالنسبة اليه اسرع واعمق انتاجا ، بشكل لا يقاس بالآخرين بطبيعة الحال .

الناحية الثانية:

طول الزمن ، وانحاء الظلم الكثيرة التي يواجهها المهدي (ع) خلال عمره الطويل . فلئن كان الفرد الاعتيادي يمكن ان يكون ممحصا خلال العشرات القليلة من السنين ، فكيف بمن يعيش في عالم التكامل عشرات العشرات من السنين .

وقد يخطر في الذهن : اننا ذكرنا فيا سبق ان تمحيص الفرد يؤثر فيه نتائج التمحيص للاجيال السابقة ، عن طريق قانون تلازم الاجيال ، فيغني ذلك عن الحياة الطويلة السابقة .

فنقول في جواب ذلك : اننا ذكرنا إلى جنب ذلك : ان قانون تلازم الاجيال لا يقتضي انتقال تجارب الاجيال السابقة إلى اللاحقة مئة بالمئة ، وان كان يشارك في ذلك مشاركة فعالة .  فكيف يقاس ذلك بالتجارب التي ينالها الشخص نفسه ، والتكامل الذي يحرزه .

صفحة (430)

على ان الفرد يرد إلى عالم التمحيص فجا تماما ، يحتاج إلى تلقي تجارب السابقين أولاً ، والزيادة عليها من تجارب نفسه ثانياً . وهذا ملغى لدى الشخص الذي أحرز الكمال بنفسه سلفاً والتفسير الصحيح للحياة ، مما يغنيه عن تجشم تلك المتاعب وقضاء الوقت الطويل فيها ... بل هو يقضي الوقت المتبقي في التصاعد في درجات جديدة عليا من الكمال .

الجهة الثانية :

أنه يمكن أن يقال على شكل الأطروحة المحتملة : إن معاصرة المهدي (ع) التاريخية الطويلة ، للأجيال ، توجب له الإطلاع المباشر على قوانين تطور التاريخ وتسلسل حوادثه وما يؤثر في المجتمعات البشرية ونفوس الأفراد من مؤثرات سلبية وإيجابية ، مما لا يمكن التوصيل إليه عن طريق آخر أصلاً ، كمراجعة التواريخ المسجلة أو معاصرة الحقبة الزمانية خلال حياة قصيرة .

فإن التاريخ أضيق وأعجز من أن ينقل إلينا تفاصيل الحوادث بشكل دقيق وعميق ، ولا يمكن أن نعيش من خلال نفس الحوادث المؤرخة بشكل موضوعي خالص...وقد سبق أن برهنا على ذلك في مقدمة تاريخ الغيبة الصغرى(1).

وأما الحقبة الزمانية المعاصرة لحياة الفرد الاعتيادي ، فهي أيضاً أضيق وأعجز من أن تطلعه على التاريخ البشري العام ... وإنما يستنتج الفرد منها أموراً بمقدار قابليته ومستوى تفكيره وحدود الزمان والمكان التي يعيشها .

فلا يقاس كل ذلك ، بمن عاصر التاريخ كله وعاش خلال تقلباته وانطلاقاته خلال عصر الفتن والإنحراف ، واستطاع أن يربط الأسباب بمسبباتها ... فإنه يستطيع أن يلم بقوانين التاريخ بنظرة أوسع واشمل ، مما ييسر له إلى حد بعيد وضع المخططات ذات التأثير الفعال في أي ميدان من ميادين الحياة ، بعد ظهوره ، بل وحتى في عصر غيبته ، بعد الذي عرفناه ، طبقاً لأطروحة خفاء العنوان ، من أن المهدي يعمل ـ في بعض الحدود ـ خلال غيبته، في مصلحة الإسلام والمسلمين .

ولا يبقى تجاه هذه الاطروحة من تساؤل، إلا ما دل من الأخبار على أن الإمـام متـى أراد أن يعلم أعلمه الله تعالى ذلـك(2).فإنه قد يقال : أنه لا حاجة إلى هذه الأطروحة بعد أن كان في إمكان الإمام المهدي (ع) أن يعلم بقوانين التاريخ تفصيلاً ، بل بحوادثه أيضاً و بمجرد أن يريد ذلك .

ـــــــــــــــــــ

(1)   أنظر ص25 وما بعدها إلى عدة صفحات .

(2)   أخرج الكليني في الكافي عدداً منها في باب بعنوان : أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا 

صفحة (431)

ويمكت الجواب على هذا التساؤل على عدة مستويات ، تذكر منها مستويين:

المستوى الأول :

أنه ورد في الأخبار أن الله تعالى قد يحجب الالهام عن الالمام (ع) متى شائع . فمن ذلك : ما أخرجه الكُليني في الكافي (1) بسنده عن الإمام الباقر (ع) أنه قال : يبسط لنا العلم فنعمل ، ويقبض عنا فلا نعمل . ومعه فمن المحتمل ـ على أقل تقدير ـ أن تكون بعض القوانين العليا أو الكلية للتاريخ ، يحجب الالهام بها عن الإمام المهدي (ع) لكي يعيشها في الحياة ،ويستنتجها عن طريق التجارب الحسية المباشرة لتطورات التاريخ .

وإذا كان الإطلاع المباشر اكثر رسوخاً في النفس ، من العلم النظري ، كانت المصلحة متعلقة لا محالة ، بتحويل المهدي (ع) على حوادث التاريخ مباشرة ، وحجب الالهام عنه ،بهذا الخصوص ، لكي يكون أكثر كمالاً ، وأسهل تطبيقاً لليوم الموعود .

المستوى الثاني :

إن هذه القاعدة : إذا أراد الإمام أن يعلم أعلمه الله ذلك ، التي نطقت بها الأخبار ، بالرغم من عمقها وسعتها ، وأفضلية الواجد لها على كل الآخرين . إلا أنه ـ مع ذلك ـ لا ينبغي المبالغة في نتائجها .

فإن فيها نقطة ضعف رئيسية ، وهي تعليقها على الإرادة ،فإن الإمام إذا أراد أن يعلم أعلمه الله تعالى ، وأما إذا لم يرد أن يعلم فإن إعلام الله تعالى له لا يتحقق . فإذا استطعنا أن نضم إلى هذه القاعدة أمرين آخرين استطعنا أن نعرف كيف أنه لا ينبغي المبالغة في نتائجها .

ــــــــــــــــــــ

(1)   انظر في الكافي ،باب : أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا .

صفحة (432)

الأمر الأول:

إن الإمام عليه السلام ، بالرغم مما يستدل عليه في الفلسفة من استحالة الغفلة عليه ... لا يمكن الالتزام بكونه ملتفتاً إلى كل الأمور في الكون دفعة واحدة. فإن ذلك من خصائص الله عز وجل وحده .ولا يقوم ذلك البرهان بإثباته.

إذن فالغفلة ، بهذا المعنى ضرورية الثبوت للإمام بلا إشكال. ومع الغفلة لا يمكن أن يريد أن يعلم . فإن إرادة العلم تتوقف على الالتفات لا محالة ، وبدونه لا معنى لهذه الإرادة.

فإذا لم يرد الإمام أن يعلم ، لا تنطبق هذه القاعدة بطبيعة الحال ، وإعلام الله تعالى إياه لا يتحقق .

الأمر الثاني :

المظنون جداً ، ارتباط هذه القاعدة بالموارد الجزئية ،والحوادث المتجددة ، ففي كل حادث معين إذا لم يجد الإمام (ع) حلاً لمشكلته وأراد أن يعلم ذلك أعلمه الله تعالى إياه . وأما شمول هذه القاعدة لعمومات واسعة ، كالعلم بكل شيء أو بكل الحوادث في الأرض أو بكل التاريخ البشري مثلاً ، فمن المستبعد جداً أن الإمام يطلب من الله تعالى العلم بذلك دفعة واحدة . والمدلول العام للقاعدة الذي يعطيه سياقها ، يأبى شمولها لمثل ذلك .

فإذا تمّ هذا الأمران ، كان من المتعين للمهدي (ع) حين تتعلق المصلحة بإطلاعه على القوانين العامة للتاريخ ، أن يعيش هذا التاريخ ، وينظر تفاصيل حوادثه وترابطها وتسلسلها ، لكي يستنتج ، هو بفكره الثاقب وبالالهامات المتتابعة في كل واقعة ، ما يمكن التوصل إليه من هذه القوانين.

السبب الثالث :

من أسباب تكامل الإمام المهدي (ع) ،في تكامل ما بعد العصمة ... خلال غيبته : ما يقوم به عليه السلام من أعمال وتضحيات اختيارية في سبيل الإسلام والمسلمين .

صفحة (433)

ويتم الاطلاع على ذلك بعد ثبوت مقدمتين سبق أن عرفناهما :

المقدمة الأولى :

إن الفعل الاختياري للفرد يسعى به إلى الكمال والأكمل ، حسب مرتبته السابقة من الكمال . وقد سبق أن سميناه في تكامل ما قبل العصمة بالتمحيص الاختياري . فإن كان قائداً عالمياً ، معصوماً ، كان الكمال الذي يحوزه بتضحياته التي تكبر وتتسع تبعاً لاتساع مسؤولياته ... عظيماً وجليلاً .

المقدمة الثانية :

إن الإمام المهدي (ع) كما قلنا في أطروحة خفاء العنوان السابقة ، يقوم بالعمل في مصلحة الإسلام والمسلمين ، ضن شرائط عرفناها .

ينتج من هاتين المقدمتين ، إن ما يقدمه المهدي (ع) من أعمال في سبيل الله والإسلام ، يكون سبباً في تكامله المستمر ، من الكامل إلى الأكمل ، وخاصة فيما يعود إلى القرب الالهي والرقيّ المعنوي .

فإن قال قائل : إن ما يقوم به من هذه الأعمال ، هينة وقليلة بالنسبة إلى منزلته العليا ... بحيث لا تكاد تسبب له التكامل .

قلنا في جوابه : أولاً : أننا لو سلمنا ضآلة هذه الأعمال ، بالنسبة إليه ، لا نستطيع أن ننفي تكامله بمقدارها .... وإن أوجبت له تصاعداً قليلاً في درجات الكمال ... بعد أن عرفنا أن التضحيات الاختيارية سبب للتكامل على أي حال

ثانياً : إن الأعمال التي يقوم بها المهدي (ع) ليست بالقليلة ولا الهينة ، كيف وقد يتوفق عليها حفظ المجتمع الإسلامي ، ودفع البلاء عن المسلمين . وقد سبق أن سمعنا في رسالته التي أرسلها إلى الشيخ المفيد ، برواية الطبرسي في الاحتجاج (1) : أنا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم ، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطملكم الاعداء .

فهذه الاعمال ، بالرغم من ضآلتها النسبية لو قيست بأعمال يوم الظهور ... إلا أنها ذات أثر عظيم في نفس الوقت ،في إيجاد التكامل . وما يناله من الكمال تابع للنتائج التي يصل إليها ، لا الأسلوب الذي يقوم به . كما هو الحال في كل فرد عامل في سبيل الحق ، بل في كل عمل على الإطلاق ، فإنه تقاس الأعمال بالنتائج لا بالمقدمات .

ـــــــــــــــــــــــ

(1)   ص 323 ، جـ 2 .

صفحة (434)

فهذه هي الأسباب الثلاثة التي تسبب تصاعد المهدي (ع) في درجات الكمال خلال غيبته الكبرى ، بحسب معرفتنا لا بنحو الحصر الكامل . وإذا كان مبدأ التكامل وأقل مرابته هو قابلية قيادة العالم ، فكيف بالتكامل المضاعف الكبير الجليل الذي يحرزه ... مما يكون له أهم الأثر في تعميق التطبيقات الحكيمة التي يقوم بها المهدي (ع) في اليوم الموعود .

ملحوظة :

تختص بهذه الأسباب الثلاثة ، الأطروحة الأمامية لفهم المهدي (ع) القائمة على الإيمان بوجوده وغيبته .

وأما الفهم الآخر ، القائم على ولادته في آخر الزمان و فكما لم يستطع أن يستوعب قابليته لقيادة العالم ، كما عرفنا .... لا يستطيع هذا الفهم ايضاً أن يقول بتكامله إلا بالمقدار القليل الذي يتكامل به الفرد المؤمن الاعتيادي خلال حياته .

فإذا ضممنا كلا الأمرين : انفصال المهدي عن الوحي حتى بالواسطة ، مما يحجب عنه قابلية القيادة العالمية ، وعدم تكامله الطويل خلال الزمان ... لزمنا افتراض أن المهدي (ع) حين يولد في آخر الزمان ليس أكثر من فرد من المخلصين الممحصين الذين عرفنا عدداً من خصائصهم  . وإذا كان القائد كذلك فكيف بالجنود ؟! ومعه يستحيل عليه ـ عادة ـ القيام بالمهمة الكبرى لليوم الموعود وتنفيذ الغرض الالهي الأكبر فيه .

إذن فهذا الفهم للمهدي (ع) مساوق مع إنكار اليوم الموعود من الناحية العملية ... وينحصر تنفيذ التخطيط الالهي لإيجاده ، بوجود الغيبة الطويلة لا محالة . ومن هنا تدخل الغيبة كجزء رئيسي في التخطيط الالهي الكبير .

هذه نهاية الكلام في الجانب الثلاث . وبه ينتهي الكلام عن المستوى الثاني في تكامل قابلية القيادة العالمية . وهو نهاية الكلام عن الجهة الرابعة في التخطيط الالهي الخاصة بإيجاد القائد .

وهو نهاية الفصل الأول عن شرائط الظهور .

صفحة (435)

الفصل الثاني 

 

في علامات الظهور

ونتكلم في هذا الفصل ضمن عدة جهات :

الجهة الأولى :

في تحديد المنهج العام الذي نسير عليه تجاه الروايات الدالة على تعداد علامات الظهور .

ويقع الكلام في ذلك ضمن عدة نقاط :

النقطة الأولى :

سبق أن ذكرنا تفصيلاً في القسم الثاني من هذا التاريخ ، المنهج العام الذي نسير عليه تجاه روايات التنبؤ بمستقبل الزمان بشكل عام سواء منها ما دل على علامات الظهور أو على أشراط الساعة أو على انحراف الزمان ، ونحوها من الروايات . فيكون ذلك المنهج شاملاً لهذا الفصل جملة وتفصيلاً . وقد سبق ذلك ،ولا حاجة إلى التكرار.

وعلينا الآن أن نضيف إلى ذلك أمرين نلخصهما في النقطتين التاليتين :

النقطة الثانية :

إن الروايات التي تدل على حدوث حوادث معينة في مستقبل الزمان ، على ثلاثة أقسام :

القسم الأول :

ما ورد مربوطاً بظهور المهدي (ع) بنص الرواية . كما هو الحال في الأعم الأغلب من أخبار المصادر الأمامية . حيث كرست كلها تقريباً لذلك و وقلَّ فيها التعرض لامارات الساعة التي تحدث بعد الظهور .

صفحة (436)

القسم الثاني :

ما ورد مربوطاً بالساعة  وقيام يوم القيامة ... وهو الأعم الأغلب من أخبار المصادر العامة ، حيث لم يربط بظهور المهدي (ع) منها إلا القليل نسبياً .

القسم الثالث :

ما ورد مهملاً من الناحيتين السابقتين ... بمعنى تكفل الرواية لبيان حدوث الحادثة من دون أن يفهم منها ارتباطها بالظهور وبقيام الساعة .

ولكل القسمين الأولين ، قسمان متشابهان :

أحدهما : ما دل على وقوع الحادثة قبل الظهور أو بعد قيام الساعة مباشرة .... بمعنى الفصل بينهما بأيام قليلة أو زمن قصير . كالذي ورد أن بين قتل النفس الزكية وبين ظهور المهدي (ع) خمسة عشر يوماً .... على ما سيأتي . أو ما ورد من أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق ... إذن فوجود شرار الخلق ، قبل قيامها بقليل .

ثانيهما : ما دل على وقوع الحادثة قبل الظهور أو قبل قيام الساعة ، بشكل يناسب وقوعها بفاصل زماني طويل . وليس في الرواية ما يدل على التقارب بينهما . كما ورد في بعض الروايات من قوله : لا تقوم الساعة حتى يحدث كذا وكذا . ومن قوله : لا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم ( يعني الظهور ) حتى يحدث كذا وكذا ... ونحو هذا من الكلام .

فما كان مؤقتاص ومضبوطاً من العلامات ، كما لو دل الخبر على وقوع الحادثة قبل الظهور أو قبل الساعة مباشرة.... فلا كلام في ذلك . فإنه يمكن العمل بها واعتبارها إثباتاً تاريخياً كافياً لو انطبق عليها التشدد السَّندي الذي سرنا عليه .

وما لم يكن موقتاً بمثل هذا التوقيت ، كان الظاهر انفصال الحادثة بزمان كبير عن الوقت المحدد : الظهور أو الساعة ... قد يبلغ مئات السنين أو الآلاف .

صفحة (437)

حتى أن عدداً من الحوادث التي نسمع التنبؤ بها ، قد حدثت بالفعل ،وقد حدث بعضها قبل عدة قرون ... ولم يحدث إلى الآن الظهور فضلاً عن الساعة . فما ورد مربوطاً بالمهدي (ع), بشكل مباشر أو غير مباشر ، مما حدث أو لم يحدث ، هو في حقيقته من علامات قيام الساعة أيضاً .... باعتبار ما قلناه من أن مفهوم العلامة ليس إلا الحادثة التي جعلت منبهاً لناس عند حدوثها إلى حدوث ما يليها ، وكاشفة عنه . ومن المعلوم أن الحادثة المتقدمة على الظهور والكاشفة عنه ، كاشفة عن قيام الساعة أيضاً . إذن فمن الصحيح أن تنسب علامات الظهور إلى الساعة ، تجعل علامات عليها . كما ورد بالفعل في العديد من الروايات .

وما ورد مربوطاً بالساعة بشكل غير مباشر ولا قريب ، يمكن لنا جعله علامة على الظهور ، بنفس اعتبار التقابل السابق . وكذلك ما ورد مهملاً من الارتباط بالظهور والساعة ، أن نجعله من علامات الظهور أيضاً . ولا يبقى من علامات الساعة الخاصة بها ، إلا ما يقع قبل قيامها بقليل ، بحسب الخبر الدال عليه . وفي مثله يتعين أن يكون واقعاً بعد الظهور أيضاً .

فإن قال قائل : فإن هذه الحوادث التي جعلناها علامة على الظهور ، لا يتعين فيها ذلك . فإنها كما يحتمل حدوثها قبل الظهور لتكون علامة عليه ، يحتمل حدوثها بعده ، فلا تكون علامة عليه .

نقول : هناك عدة قرائن تدلنا على تقديم الأعم الأغلب من الحوادث الواردة في الأخبار ، متقدمة على الظهور ، وتصلح أن تكون علامة عليه . وإن ورد في الأخبار مربوطاً بقيام الساعة ، أو مهملاً عن الربط .

القرينة الأولى :

وجود الدليل التاريخي على وقوع الحادثة التي تنبأت بها الرواية . فإن معنى ذلك تقدمها على العصر الحاضر وهو دليل على تقدمها على الظهور أيضاً . ومثاله التنبؤ بهلاك الدولة العباسية ، ووجود الحروب الصليبية ... على ما سنذكر  .

القرينة الثانية :

ارتباط الحادثة بعصر الفتن والانحراف ، كوجود الكذابين أو الدجال أوالحروف المنحرفة .وقد علمنا تقدم عصرالفتن على الظهور .... فيكون كل ما هو مرتبط بهذا العصر ، متقدم على الظهور أيضاً .

صفحة (438)

فإن قال قائل : فكيف علمنا بتقدم عصر الفتن على الظهور .... مع أن عدداً من الروايات السابقة الدالة على انحراف الزمان ، لم يكن مربوطاً بظهور المهدي (ع) بحسب صراحته ومدلوله المباشر .... وهو الأعم الأغلب من روايات العامة . فكيف نثبت تقدم عصر الفتن على الظهور بشكل مطلق .

قلنا : يمكن الجواب على ذلك ، في مستويين :

المستوى الأول :

إن تقدم عصر الفتن على الظهور ، أو عصر الظلم على العدل ، من واضحات الإسلام بل من واضحات كل من يؤمن باليوم الموعود والقاطع للظلم ، من أهل الأديان . إذن فكل ما دل على وجود الإنحراف ، فهو خاص بما قبل الظهور.

المستوى الثاني :

وجود عدد ضخم من الروايات تربط الفتن والإنحراف بما قبل الظهور ، بالصراحة ، والدلالة المباشرة ، فتكون هذه الروايات قرينة على أن المراد من الروايات الأخرى ، نفس هذا المضمون أيضاً . وقد سبق أن روينا كلا هذين الشكلين من الروايات في القسم الثاني من هذا التاريخ .

فإن قال قائل : فكيف نكون على يقين بأن مثل هذه الحوادث ناشئة من الإنحراف السابق على الظهور ... إذ لعلها من الحوادث الناشئة من الإنحراف السابق على قيام الساعة ، كما ورد في الأخبار ، بأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق (1) .

قلنا له : إن مثل هذا الاحتمال فاقد الأهمية بالمرة ، وذلك لإمكان الجواب على عدة مستويات .

المستوى الأول :

إن ما دل على قيام الساعة على شرار الخلق . لا يثبت طبقاً للتشدد السندي ، ولا يكفي للإثبات التاريخي . على ما سنذكر في التاريخ القادم (2) .

ــــــــــــــــــــــــ

(1)   انظر الصواعق المحرقة ، ص 98 ، وغيبة الشيخ الطوسي ، ص 218.

(2)   وهو الكتاب الثالث من هذه الموسوعة .

صفحة (439)

المستوى الثاني :

إن هذه الاخبارات الواسعة الكثيرة عن الفتن والإنحراف ، لا يحتمل أبداً أن تكون عائدة إلى ما قبل قيام الساعة. وإن السياق العام لهذه الروايات يأبى عن هذا الفهم تماماً ، كما هو واضح لمن راجعها .

مضافاً إلى أن الاتجاه العام لروايات التنبؤ بالمستقبل هو زيادة سرد الحوادث كلما كان الزمان المستقبل اقرب نسبياً وقلتها كان ذلك أبعد . ومن المعلوم أنعصر ما قبل الظهور أقرب بكثير من عصر ما قبل يوم القيامة . ومعه فمن غير المحتمل أن ترجع كل هذه الحوادث المروية إلى ذلك الزمان السحيق في البعد . بل يتعين رجوعه إلى عصر ما قبل الظهور بطبيعة الحال . وهو المطلوب . ويكفي لعصر ما قبل القيامة ، رواية واحدة أو اثنتان مثلاً ، تعربان عن أنها لا تقوم إلا على شرار الخلق .

المستوى الثالث :

إن هناك عدداً كبيراً من الروايات ، تربط حوادث الفتن والانحراف ربطاً مباشراً بما قبل الظهور . فتكون هذه الروايات قرينة على باقي الروايات .

أما الروايات التي تذكر الحادثة مهملة عن الربط ، فحملها واضح ،لانه م باب حمل المطلق على المقيد ، فكأن هذه الأخبار المهملة ذكرت الحادثة مربوطة بعصر ما قبل الظهور أيضاً .

وأما الروايات التي تربط نفس الحادثة بقيام الساعة ، وتجعلها من إماراتها . فباعتبار أن هذا الارتباط يناسب مع البعد الزمني الكبير كما عرفنا ، فيكون شاملاً لعصر ما قبل الظهور وما بعده . فيكون حدوث الحادثة ـ من زاوية هذه الروايات ـ في أي م العصرين محتملاً . فبدلالة ما دل على ارتباط الحادثة بعصر ما قبل الظهور ، يتعين الالتزام بوقوعها في العصر السابق على الظهور ، وينتفي احتمال وقوعها في العصر المتأخر عنه .

صفحة (440)

وبشكل برهاني آخر نقول : أننا إذا قلنا بتأخر مثل هذه الحادثة عن عصر الظهور ، فقد كذبنا بالروايات ، الدالة على تقدمها عليه ، وأخذنا بالروايات الدالة على تقدمها يوم القيامة . وإن قلنا بتقدم الحادثة على الظهور ، فقد أخذنا بكلا القسمين من الروايات ، فإن ما هو متقدم على الظهور متقدم على يوم القيامة بطبيعة الحال . والأخذ بقسم من الروايات أولى من تكذيب قسم منها . فيتعين القول بتقدم الحادثة على عصر الظهور ، أي الالتزام بوقوعها خلال عصر الغيبة الكبرى .

القرينة الرابعة :

قيام الدليل في كثير من الأحيان على تقدم الحادثة المعينة على بعض الحوادث المتقدمة على الظهور أوالمعاصرة له، فيكون ذلك الدليل بنفسه كافياً لإثبات وقوع تلك الحادثة المعينة قبل الظهور .

مثاله : ما ثبت في الروايات من تقدم وجود الدجال ، على نزول المسيح ، الذي هو بدوره معاصر مع الظهور . فيتعين أن يكون وجود الدجال متقدماً على الظهور ... إلى غير ذلك من الأمثلة .

فبهذه القرائن ونحوها يثبت أن الأعم الأغلب مما رواه العامة من الحوادث منسوبة ومربوطة بقيام الساعة ، هي في واقعها من علامات الظهور .

نعم لا يمكن تأسيس قاعدة عامة في ذلك ، بل لا بد من وجود إحدى هذه القرائن في كل مورد مورد وكل حادثة حادثة . وما لم تقم القرائن على تعيينه يبقى عصر وقوع الحادثة مجهولاً لا محالة .

النقطة الثالثة :

إن هذه القرائن التي ذكرناها لا تختص بتعيين زمن حدوث الحوادث ، بل تشمل ، بشكل وآخر ، سائر الخصائص والتفاصيل المعطاة في الروايات . إذ يمكن على الدوام جعل بعض الروايات قرينة على بعض ، لإثبات شيء أو نفيه ... وخاصة بعد الالتزام بالتشدد السندي الذي سرنا عليه .

صفحة (441)

الجهة الثانية :

في مفهوم العلامة وانقساماتها .

تتضمن العلامة ، كما سبق ، معنى الكشف والدلالة والآراءة بالنسبة إلى ما هي علامة عليه ... وهو الظهور فيما يهمنا الآن . وسنتكلم بعد قليل في سبب وجود هذا الكشف .

وتنقسم العلامات بهذا المفهوم ، إلى قسمين :

التقسيم الأول :

تقسيمها باعتبار ارتباطها بالتخطيط الالهي إلى قسمين :

أحدهما : الحوادث التي تكون مندرجة ضمن التخطيط الالهي . كحوادث الانحراف التي أصبحت علامات لظهور .

ثانيهما : الحوادث التي لا تكون مندرجة في هذا التخطيط ... بل تكتسب صبغة تكوينية مستقلة في وجودها عن الإنسان . كخسوف القمر في آخر الشهر ، وكسوف الشمس في وسطه ، ونحو ذلك مما ورد جعله علامة للظهور في الأخبار .

التقسيم الثاني :

تقسيمها من حيث القرب والبعد عن الظهور ، إلى قسمين :

أحدهما : ما كان قريباً إلى الظهور ، بحيث يمكن أن يعد من مقدماته الأخيرة . كقتل النفس الزكية ، كما ورد في الأخبار .

ثانيهما : ما يناسب ، بحسب دلالة الخبر الدال عليه ، مع الفاصل الزمني الطويل بينه وبين الظهور .

وإذا لاحظنا كلا التقسيمين ، كانت الاقسام أربعة:

الأول : ما كان مندرجاً في التخطيط الالهي وقريباً من الظهور كقتل النفس الزكية ، لو ثبت دليل نقله .

صفحة (442)

الثاني : ما كان مندرجاً في هذا التخطيط وبعدياً عن عصر الظهور . كوجود دولة العباسيين والحروب الصليبية .

الثالث : ما كان أمراً تكوينياً قريباً من الظهور ، كالكسوف والخسوف المشار إليه .

الرابع : ما كان أمراً تكوينياً بعيداً عن عصر الظهور ، كالذي ورد في الأخبار من حصول الفياضانات ووجود