الأمر الثاني :

أننا نفهم مما قلناه الآن : إن رواية ابن عباس بل جميع هذه الروايات تشارك في التخطيط الالهي من ناحية أسبابها ومن ناحية نتائجها .

أما من ناحية أسباب صدور هذه الرويات ، فباعتبار علم النبي (ص) والأئمة (ع) بالتخطيط الالهي ، وما سوف يقتضيه على طول الخط التاريخي الطويل . ومن ثم نراهم يخبرون بهذا الجانب من التخطيط ، كما أخبروا بجوانب أخرى ، في الأخبار السابقة كروايات التمحيص ... وغيرها .

وأما من ناحية نتائجها ، فلما تتوخاه هذه الأخبار من إتمام الحجة ، والتنبيه من الغفلة ، وإيجاد شرط الظهور بإعلاء درجة الإخلاص في الأجيال المعاصرة للانحراف .

الأمر الثالث :

إن بعض هذه الأخبار ، تكون قرينة مبينة بالنسبة إلى البعض الآخر . إذ بالرغم من أن جملة منها لا يتضح منها كون الانحراف المخبر به حاصلاً في عصر الغيبة الكبرى على التعيين . إلا أن خبر نور الإبصار وخبر إكمال الدين ، قرن تلك الحوادث بما قبل ظهور المهدي (ع) ومع اتحاد الحوادث نعرف أن المراد من جميع الأخبار هو ذلك .

كما أنه قرنت هذه الحوادث في خبر " الخرايج والجرايح " بما قبل ظهور الدجال ، فإذا علمنا بالقطع واليقين بأن ظهوره سابق على ظهور المهدي (ع) ،كما تدل عليه الروايات الآتية المروية من قبل الفريقين . إذن نفهم بوضوح أن هذه الحوادث سابقة أساساً على ظهور المهدي (ع) . وهو معنى حصولها في فترة الغيبة الكبرى ، كما هو واضح .

واقترانها بما قبل قيام الساعة ، في بعض هذه الأخبار ، لا يكون مضراً بما فهمناه ، باعتبار ما قلناه فيما سبق ، من أن السابق على الظهور سابق على قيام الساعة . وليس من الضروري أن تكون أشراط الساعة واقعة قبلها مباشرة .

وسيأتي التعرض إلى تفصيل ذلك في القسم الثالث من هذا التاريخ .

صفحة (273)

الأمر الرابع :

مقصود النبي (ص) والأئمة (ع) هو اطلاع الأمة على الانحراف الأساسي الذي يستفحل في المجتمع ، فيبتعد به عن العدل الإسلامي ، بكل تفاصيله ، بما فيه التعاليم الإلزامية والتوجيهات الإستحبابية والأخلاقية . فإن العدل الكامل لا يتحقق إلا باتباع كل التعاليم واجبها ومستحبها وعباديها وأخلاقيها . ويتحقق الانحراف بالخروج على أي منها .

 ومن ثم نسمع من هذه الأخبار و وقوع الإنحراف عن المستحبات ، كترك الصدفة المستحبة وتحلية المصاحف وزخرفة المساجد ، وإطالة المنارة فيها ، ونحو ذلك .

الأمر الخامس :

إن عدداً من الحوادث الواردة في هذه الروايات ، تتضمن أموراً يمكن أن تقع على وجه إسلامي صحيح ، كما يمكن أن تقع على وجه باطل منحرف . ونعرف بالطبع ـ من وقوعها في كلام النبي (ص) أو الإمام (ع) وهو بصدد تعداد الحوادث المنحرفة ، أنها منحرفة ، وواقعة على شكلها الباطل .

مثال ذلك : تشييد البناء ،فإنه إن وقع من الفرد بعد تطبيق كل الأنظمة المالية في الإسلام ،وعلى الوجه الشرعي الصحيح ، لم يكن فيه حزازة . بل قد يتضمن مصلحة عامة في كثير من الأحيان . ولكنه إن وقع على خلاف ذلك كان عصياناً وانحرافاً في نظر الإسلام .

الأمر السادس :

إن ما تتضمنه هذه الأخبار ، أمور راجحة وصحيحة شرعاً ، إلا أنها إذا اقترنت بسلوك منحرف أو اتجاه فاسد ، اكتسبت معنى منحرفاً سيئاً ،بمعنى أن مجموع فعل الفرد لا يكون محموداً ،بل يكون ممثلاً لحظ الانحراف لا محالة.

صفحة (274)

مثال ذلك : قوله : إذا ازدحمت الصفوف واختلفت القلوب . فإن ازدحام الصفوف للصلاة الجامعة أو لغرض آخر كالوعظ أو تشييع جنازة أو نحو ذلك، أمر مطلوب وراجح في الإسلام..ولكنه إذا افترن بتفرق القلوب وتشتت الأهواء والنوازع، لم يكن دالاً على قوة ولا على وعي وإرادة، ومن ثم يكون مذموماً مقيتاً.

ومثاله الآخر: إن الرجل يجفو والديه ويبر صديقه. فإن بر الصديق وإن كان أمراً عادلاً راجحاً على الأغلب، إلا أنه إذا اقترن بجفاء الوالدين دل على خبث النية وانحراف والاتجاه. ويدل على أن الصداقة لم تنعقد على أساس الإسلام بل على أساس المصالح الضيقة والأعمال المنحرفة، إذ لو لم يكن كذلك، لما جفا الفرد والديه.

وهكذا... قس على هذه الأمثلة ما سواها.

الأمر السابع:

يراد ببعض التعابير في هذه الأخبار معناها الكنائي أو الرمزي، لا المعنى الحقيقي  المفهوم من اللفظ لأول وهلة. ومعه لا حاجة إلى تخيل حدوث هذه الأمور بطريق إعجازي، بل يمكن أن يكون حدوثها طبيعياً اعتيادياً.

فمن ذلك قوله: لبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب. فإن المراد هو التعبير عن دماثة الظاهر وخبث الباطن وشراسة الطبع. وهذا واضح.

ومن ذلك: قوله: يذاب قلب الؤمن في جوفه، كما يذاب الملح في الماء، لما يرى من المنكر، فلا يستطيع أن يغيره.

فإن المراد التعبير من شدة أسفه ووجده لما يرى من العصيان ومخالفة العدل الإلهيي، وهو غير قادر على رفعه أو تغييره، بسبب عمق ظروف الإنحراف.

ومن ذلك قوله: إن عندها يؤتى بشيء من المشرق وبشيء من المغرب يلون ( أي يحكمون ) أمتي.

فإن أفضل تفسير لذلك: هو المبادئ المادية التي جلبت إلى بلاد الإسلام من الغرب تارة ومن الشرق أخرى. ويمارس الحكام المنحرفون الحكم طبقاً لأحدهما أو لكليهما في بعض الأحيان.

صفحة (275)

والظاهر من التعبير الوارد في الرواية: اشتراك كلا الشيئين في ولاية الأمة. ولم يحدث ذلك في التاريخ إلا في السنوات المتأخرة التي عشناها ونعيشها، حين أصبح الحكام في شرقنا الإسلامي يمثلون الشرق الملحد والغرب المشرك معاص، ويعبرونهما معاً مثلاً أعلى قدوة تحتذي، لو قيست بمبادئ الإسلام وتعاليمه، في رأيهم الخاطئ.

ومن ذلك: قوله: يتكلم الرويبضة. فإن المراد به – كما فسره صلى الله عليه وآله في نفس الحديث – : كل رجل يتكلم في أمر العامة، لم يكن يتكلم قبل ذلك.

وإن أفضل فهم لهذه العبارة، هو هو أن يقال: أنه عاش المجتمع المسلم عدة قرون، لا يتكلم باسم العامة ولا يدير  شؤونهم إلا أشخاص صادرون عن الدين بشكل وآخر، كالخلفاء والقضاة والفقهاء. حتى ما إذا ورد تيار الحضارة الحديثة إلى العالم الإسلامي، أباح جماعة من المنحرفين لأنفسهم أن ينطقوا باسم العامة أو باسم الشعب وينظروا في أمره ويديروا شؤونه، من دون أن يكون لهم أي حق حقيقي سوى السيطرة التي اكتسبوها بالقوة والحديد والنار على الناس. وأصبحالتكلم باسم الشعب شعاراً راسخاً يقتنع به الكثيرون، بالرغم من أنه يمثل انحرافاً حقيقياً عن الإسلام الذي يوجب تكلم الحاكم باسم الله لا باسم الشعب.

ولعل التعبير بالروبيضة يشعرنا بوجود تيار رابض أو كامن بين أبناء الإسلام دهراص من الزمن، أنتج في نهايته هذه النتيجة.

وهذه أمر صحيح، بعد الذي نعرفه من التاريخ الحديث، من أن الاستعمار استطاع أولاً السيطرة الثقافية والعقائدية على عقول عدد كبير من أبناء هذه البلاد، مما أنتج في نهاية الخط، سطرتهم على الحكم وممارستهم الأساليب لكافرة في إدارة بلاد الإسلام. فكانت تلك السيطرة اعداداً كامناً لإيجاد هذا الحكم في نهاية المطاف.

وهذا يبرهن أيضاً على صحة ما في هذه الأخبار، مما قد تكلمنا عنه فيما سبق، من أن الأمراء يصبحون كفرة والوزراء فجرة وذوي الرأي فيهم فسقة.

صفحة (276)

الأمر الثامن:

أشرنا في منهج الفهم الدلالي للروايات، إلى أنه قد يرد فيها تعابير يختلف مصداقها ويتطور على مر العصور، وإن فهم الناس المعاصرون لصدور النص، مصدقاً معيناً، بل وإن صرح لهم بمصداق معين جرياً على قانون مخاطبتهم على قدر عقولهم، كما سبق. وقلنا أنه لا بد من التوسع في الفهم، وتطبيق التعبير على كل مصداق متطور، خاصة بعد اليقين بأن النبي (ص) أو الإمام (ع) يقصد المصداق الذي يحدث في الزمان الذي يتكلم عنه، لا الذي يحدث في الزمان الذي يتكلم فيه. ومن المعلوم اختلاف المصداقين إلى حد بعيد، طبقاً لتطور الزمان وتغير الأحوال.

فإذا استوعبنا ذلك استطعنا أن نطبقه في كثير من تعابير هذه الأخبار.

فمن ذلك: قوله: وتركب ذات الفروج السروج. فإن السرج وإن كان هو ما يوضع على الفرس، وقد ركبته النساء في التاريخ أحياناً، وتحققت النبوءة. وهو ما فيه الكفاية للمكتفي.

إلا أننا يمكن أن نجد مصاديق أخرى لذلك على مر العصور... فيما إذا فهمنا من السروج كل مركوب يختص بالرجل في نظر الإسلام. بمعنى أن ستعماله بالنسبة إلى المرأة ملازم عادة مع التبرج والخروج على الآداب الإسلامية، تماماص كما هو الحال في ركوب الفرس...فكذلك ركوب الدراجة الهوائية أو البخارية أو سياقة السيارة أو الطائرة أو الباخرة... ونحو ذلك.

ومن ذلك: قوله: وتظهر القينات والمعازف. وقوله: واتخذت المغنيات. فإنه بالرغم من أن ذلك قد حدث فعلاً منذ عصر الأمويين إلى ما بعده بعدة قرون. إلا أننا يمكن أن نفهم منه ما هو الأعم والأشمل  لينطبق على ما تذيعه وسائل الإغلام الحديثة من حفلات غنائية وما تبثه من أساليب خلاعية لا أخلاقية على شاشة السينما والتلفزيون وعلى أمواج الراديو، فإنها لا تختلف في مضمونها وحقيقتها عن تلك الحفلات القديمة إلا في اجتماع السامعين والمشاهدين مع المغنين في مجلس واحد. كما لا تختلف في مقدار انحرافها عن الإسلام وعصيانها لتعاليمه.

الأمر التاسع:

إن هناك أموراً وردت في كلام النبي (ص) – في الخبر الطويل لابن عباس – لم يكن يقهم منها معاصروه إلا معنى غامضاً غائماَ، بمقدار ما ترشد إليه قواميس اللغة. ولكن قد أثبتت العصور الأخيرة، بما عاشت من تجارب، مدى أهميتها الكبرى وأثرها البالغ في المجتمع.

صفحة (277)

فمن ذلك: ما يصفه (ص) من موقف الحكام المنحرفين تجاه الشعب المسلم بقوله: إن تكلموا قتلوهم وإن سكتوا استباحوهم. فإن مثل هؤلاء الحكام يستغلون نقاط الضعف في الأمة على طول الخط، ويختطون معهم خطة العسف والقهر، لايختلف في ذلك الحكم الفردي الدكتاروي عن الحكم المبدئ المنحرف القائم على غير الإسلام.

فأول ما يواجهون به الأمة: منعها عن الحرية الفكرية والسياسية وصراحة الرأي، فإن ( تكلموا قتلوهم ) أو هددودهم بالعقاب الأليم. فإن استسلم الناس وسكتوا ( استباحوهم ) واستغلوا واستحلوا خيراتهم وسيطروا على مواردهم ومصادرهم.

ومن ذلك: ما ذكره (ص) من حصول كثرة الطلاق. على حين لم يكن يحدث في دولته من الطلاق إلا النذر القليل بنسبة ضئيلة جداً. لما كان الزوجان يلتزمانه فيما بينهما من تطبيق العدل الإسلامي، ونبذ الأنانية.

وأما حين يبتعد المجتمع عن أحكام الله عز وجل، وتتعقد حياته تعقيداً منحرفاً، تبدأ الأسر بالتفسخ والبيوت بالانفصام، وتكثر حوادث الطلاق حتى بعد وجود الذرية.

وقد أثبت العلم الإجتماعي الحديث، أن كثرة الطلاق تدل على حدوث عنصر أو عناصر، غير مرغوبة في الحياة الإجتماعية، وأنه يؤدي بدوره إلىعدة آثار سيئة مما يضطر الحكومات على طول الخط إلى رصد المبالغ الضخمة للملاجئ ونحوها لكي تحوي الأطفال المتسيبين الفاقدين للمربى والكفيل.

ومن ذلك قوله: وتفشو الفاقة. فإن انتشار الفقر يكون بأحد سببين، كلاهما ناتج عن سوء التنظيم الاقتصادي.

السبب الأول:

الرأسمالية أو الاستقطاب المالي عند عدد قليل من الناس، وبقاء الآخرين على حالة الضعف والفاقة، محكومين من قبل أرباب المال من حيث أوضاعهم

صفحة (278)

السياسية والاقتصادية والإجتماعية... بل حتى من حيث النواحي الإخلاقية والعقائدية في كثير من الأحيان. فإن المتمولين هم المسيطرون على تربية الناشئة وتثقيف الشعب، مضافاً إلى نفوذهم في البلاد.

السبب الثاني:

انخفاض المستوى الاقتصادي لدى جميع أفراد المجتمع، بقلة الدخل العام والواردات الشخصية. وقد تواجه مثل هذا الضعف الاقتصادي نتيجة لبعض الأزمات، أو سوء التصرف من قبل الحاكمين.

والسبب الأول هو الأغلب في المجتمعات، والأشد ضراراً عليها في المدى البعيد. وخاصة إذا عممنا مفهوم الطبقية المالية إلى المجتمع الزراعي والصناعي معاً. وقد نشأ هذا الوضع في المجتمعات الإسلامية، نتيجة لتناسي العدل الإسلامي وانحساره عن عالم التطبيق الإجتماعي. وكان من أوضح نتائجه أن تفشو الفاقة وينتشر الفقر.

الأمر العاشر:

ليس شيء مما ذكر في هذه الروايات، لم يتحقق في خلال التاريخ الإسلامي. ومن المستطاع القول بأن كل الصفات المعطاة فيها، موجودة بشكل وآخر، على طول تاريخ الإنحراف إلى العصر الحاضر، وستبقى نافذة المفعولن ما دام مجتمع الظلم والفتن موجوداً، إلى حين قيام الإمام المهدي (ع) بدولة الحق.

ولا نستطيع الدخول في تفاصيلهت وتكرار مداليلها بأكثر مما قلناه وإنما ذلك موكول إلى القارئ، إن شاء أن يراجع النصوص فاهماً لها انطلاقاً من الأساس الإسلامي الصحيح.

وبهذا ينتهي الكلام في الجهة الثانية من الناحية الثانية من هذا الفصل.

*     *     *

عرض على المنهج السندي:

وإذا عرضنا هذه الأخبار على المنهج السندي الذي التزمناه، من رفض الأخذ بخبر الواحد في هذا المجال، ما لم تقم على صحته قرائن خاصة أو تحصل فيه استفاضة أو تواتر... فإنه ينتج صحة الأعم الأغلب من هذه الأخبار. وإن كان كل واحد منها بمفرده خبر واحد، قد يوسم بالضعف.

صفحة (279)

فإن عدداً من هذه الأخبار قامت القرائن القطعية على صحته... يمكن أن نحمل فكرة عنها فيما يلي:

القرينة الأولى:

تحقق الحوادث التي أعربت عنها في التاريخ كما سمعنا، فإننا ذكرنا أن ذلك من القؤائن على صدق الخبر.

القرينة الثانية:

إن بعضها وارد في مورد معارضة الجهاز الحاكم، الذي كان مسيطراً في عصر صدور هذه الأخبار أو عصر تسجيلها. كقوله (ص): يكون أقوام أمتي يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها. فإنه كان على هذا ديدن عدد من الخلفاء الأمويين والعباسيين... يسمونها: الطلي أو الختج أو الفقاع... ويفتون بجواز الشرب ما لم يصل إلى حد الإسكار.

القرينة الثالثة:

إن عدداً منها مسجل في المصادر، قبل أن يشعر مؤلفوها أو رواتها بحدوث تلك الأحداث أساساً. وإنما حدثت بعد ذلك نتيجة لتزايد ابتعاد المجتمع عن الإسلام. كما هو واضح لمن استقرأ عدداً من الحوادث المنقولة، وقد استعرضنا بعضها عند محاولة فهمنا لهذه الأخبار

يضاف إلى هذه القرائن: أن جملة من مضامين هذه الأخبار دل عليه عدد منها، ولم تختص بخبر واحد أو خبرين. وقد اعتبرنا في المنهج السندي ذلك من المرجحات.

ولعلك لاحظت معي تكرر الحوادث في الأخبار التي سمعناها. إن هذه الحوادث المكررة هي مقصودنا في المقام.

كما أن بعضها مستفيض أو متواتر لفظاً، وهو الخبر القائل بأن المهدي (ع) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. فإنه مروي من قبل الفريقين بأعداد كبيرة، منها ما ذكرناه ومنها ما لم نذكره. وقد ذكر الشيخ الصافي في منخب الأثر أنه مروي بما يزيد على المئة والعشرين طريقاً.

صفحة (280)

وأما ما لم يكن محتوياً على هذه القرائن والصفات من الأخبار، فمقتضى التشدد السندي الذي سرنا عليه... رفضه، وإيكال علمه إلى أهله.

كالخبر الذي رواه النعماني في الغيبة(1)، المعرب عن حصول اثنتي عشرة رواية مشتبهة. وقد سبق. أو ما رواه ابن ماجة(2) من ( أن بين يدي الساعة دجالين كذابين قريباً من ثلاثين، كلهم يزعم أنه نبي ). لو حملنا النبوة على معناها الإصطلاحي وهو الرسالة عن السماء. وفي البخاري(3) يقول: كلهم يزعم أنه رسول الله. فإن هذه الأرقام لا تثيت. وإن وجد في التالريخ حقاً عدد ممن يدعي الإمامة أو النبوة.

*     *     *

الجهة الثالثة:

في الأخبار الدالة على صلاح الزمان وتحسن الوضع العام فيه... بشكل يشمل بإطلاقه تحسن المجتمع خلال عصر الغيبة الكبرى.

وقد ذكرنا بعد ( منهج التمحيص الدلالي ) أقسام الأخبار الدالة على صلاح الزمان وحسنه، وقلنا أنه لا بد من حمل مطلقاتها على مقيداتها، على النحو الذي سبق.

وأود في هذا الصدد، أن أورد عدة من هذه النصوص وأذكر الوجه الحق في تمحيصها.

ولم نجد من الرواة الإماميين من روى مثل ذلك، بل أن أخبارهم مطبقة على تدهور الزمان وفساده خلال عصر الغيبة الكبرى. وإنما هي أخبار قليلة وردت في مصادر العامة.

ــــــــــــــــــــ

(1)   انظر ص 247 وما بعدها. (2)   أنظر السنن، جـ 2 ، ص 1304. (3)   أنظر الصحيح ، جـ 9 ، ص 74.

صفحة (281)

فمنها: ما أخرجه البخاري(1) عن رسول الله (ص) أنه قال: تصدقوا! فسيأتي على الناس زمان يمشي الرجل بصدقته، فلا يجد من يقبلها.

وفي حديث آخر(2) يعد به عدداً من أشراط الساعة، ويقول فيه:

وحتى يكثر فيكم المال، فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي عرضه عليه: لا أرب لي به.

وأخرج مسلم(3) عن رسول الله (ص): تصدقوا، فيوشك الرجل يمشي بصدقته، فيقول الذي أعطيها: لو جئتنا بالأمس قبلتها، فأما الآن فلا حاجة لي بها. من يقبلها.

وأخرج أيضاً(4): لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال، فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبل صدقته. ويدعى إليه الرجل، فيقول: لا أرب لي فيه.

إلا أن مثل هذه الأخبار، لها محامل ممكنة، وعليها اعتراضات. فإن صحت المحامل فهو المطلوب، وإلا وردت عليها الاعتراضات.

أما المحامل، فهي عدة تقييدات يمكن أن نوردها عليها:

التقييد الأول:

أن نخص هذه الأخبار، بما بعد ظهور المهدي (ع)، فيكون مدلولها طبيعياً وصحيحاً، وموافقاً مع الأخبار الكثيرة  المتواترة الدالة على تزايد الخير والرفاه في زمن ظهور المهدي (ع)، على ما سنسمع في التاريخ القادم(5).

وربما يصلح قرينه على هذا التقييد، قوله: لو جئتنا بالأمس قبلتها، يعني قبل الظهور،وأما الآن – يعني بعد الظهور – فلا حاجة لي بها.

ـــــــــــــــ

(1)   أنظر الصحيح، جـ 9 ، ص 73 – 74. (2)   المصدر ، ص 74. (3)   أنظر الصحيح، جـ 3 ، ص 84.

(4)   المصدر والصفحة. (5)   وهو الكتاب الثلث من هذه الموسوعة.

صفحة (282)

ومعه، لابد من رفع اليد عن ظهور قوله: يوشك الرجل... في قرب حدوث ذلك، بجعل الأخبار الثلاثة الأخرى قرينة عليه.

وهذا التقييد وإن كان حملاً،يمكن أن يصح في سائر هذه الخبار، إلا أن واحداً منها يأباه – بظاهره -،  وهو الحديث الثاني الذي نقلناه عن البخاري، فإنه اقترن فيه الأخبار بكثرة المال بالأخبار عن حدوث حوادث عديدة سيئة كالفتن والهرج، وغيرهما على ما سنسمع. مما عرفنا اختصاص حدوثه في عصر الغيبة الكبرى دون عصر الظهور. إلا أن هذا الإيراد، يمكن أن يتوجه كأشكال على هذا الخبر نفسه، لا على هذا التقييد الأول.

التقييد الثاني:

أن نقول: إن أقصى ما تدل عليه هذه الأخبار، هو أن الناس لا يقبلون الصدقة. وما أن منشأ ذلك هو كثرة المال فلا دليل عليه. فقد تكون له مناشئ أخرى كالتعفف أو التنفر من الصدقة الإسلامية بسبب الإنحراف، أو غير ذلك من الأسباب.

إلا أن هذا التقييد، ولإن أمكن انطباقه على الرواية الأولى، ولكن من المتعذر انظباقه على الباقي. للتصريح فيها بأنه: لا حاجة لي فيه أو لا أرب لي فيه... وهو ظاهر بوضوح بأن رفض الصدقة ناشئ من الغنى زكثرة المال. وخاصة مثل قوله: لو جئتنا بالأمس قبلتها، أما الآن فلا حاجة لي بها... باعتبار أنه كان بالأمس فقيراً وأما اليوم، فهو غني.

وحيث نفترض بطلان كل هذه المحامل، يتعين كون المراد كثرة المال عند جميع أفراد المجتمع المسلم خلال عصور الغيبة الكبرى.

صفحة (283)

ومعه ترد الاعتراضات التاليه

الاعتراض الأول:

إن هذه الأخبار معارضة بما دل على تفاقم الخطب وزيادة الشر كلما تقدم الزمان.

فمن ذلك: ما أخرجه البخاري(1) عن رسول الله (ص) أنه قال: أصبروا! فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه. حتى تلقوا ربكم. والمراد بلقاء الله تعالى موت الأفراد، لا حصول القيامة، لكي لا بشمل عصر ما بعد الظهور. ولو شمله الإطلاق، ان مقيدأً بالأدلة القطعية الدالة على حصول الرفاه الحقيقي العادل يومئذ.

وعلى أي حال، فتفاقم الخطب، المستمر خلال عصر الغيبة الكبرى، ينافي حصول الرفاه فيه.

الاعتراض الثاني:

إن هذه الأخبار – بشكل عام – منافية مع طبيعة الشياء، وفلسفة تسلسل الأمور من أسبابها.

فإنه بعد الوضوح وكثرة الأخبار الدالة على وجود الانحراف والفتن والأمراء الكفرة والوزراء الفسقة، وغير ذلك من الظواهر والحوادث التي سمعناها... كيف يمكن أن يكثر المال ويعم الرفاه ويتعدد الإغنياء، إلى حد يصبح كل أفراد المجتمع المسلم من الموسرين. فإن هذا مما لا يمكن أن يتمخض عند الإنحراف، وما لم تصل إليه أي من النظم والقوانين الوضعية، لا يمكن وصولها إليه في المستقبل... ما لم ينزل القانون الإسلامي العادل الكامل إلى حيز التنفيذ.

ومن الطريف الذي لم نفهم له وجهاً: أن رواية واحدة للبخاري تقرن بين عدد من الحوادث السيئة المنحرفة وبين كثرة المال، حيث نراه يقول فيما يقول: وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن، ويكثر الهرج وهو القتل. وحتى يكثر المال... إلى أن يقول: وحتى يتطاول الناس في البنيان.

ـــــــــــــــــ

(1)   أنظر الصحيح، جـ 9، ص 61 – 62.

صفحة (284)

وحتى يمرالرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه... الحديث(1).

واحتمال: أن ذلك باعتبار اختلاف الأزمنة، لا باعتبار زمان واحد، مناف لظاهر الخبر باقتران الحوادث، ومناف مع ظاهر الأخبار الأخرى الدالة على بقاء الانحراف طيلة زمان الغيبة الكبرى.

الاعتراض الثالث:

إن هذه الأخبار منافية ومعارضة مع ما دل على شيوع الفاقة وازدياد الفقر، كما سمعنا في حديث ابن عباس... وهو الأنسب مع طبيعة تطور الحوادث، والأوفق مع سائر الروايات.

وعلى أي حال، فمع أخذ هذه الاعتراضات بنظر الاعتبار، تسقط هذه الروايات عن إمكان الأخذ بها، وخاصة بعدما التزمناه من التشدد من التشدد السندي، حيث دلت القرائن على نفيها وعدم حدوث ما دلت عليه. ومعه لا يبقى دليل على تحسين الوضع خلال عصر الغيبة الكبرى. بل نبقى آخذين بالأقسام السابقة من الأخبار الدالة على حدوث الإنحراف وتزايده خلال هذا العصر. وهو الموافق للوجدان وطبائع الأشياء.

نعم، حمل هذا القسم من الخبار، على أنها تتحدث عن عصر ما بعد الظهور... أمر ممكن. وبه تخرج عن محل الاستدلال.

وبهذا ينتهي الكلام في الناحية الثانية من هذا القسم الثاني من هذا التاريخ. وبه ينتهي هذا الفصل كله.

ــــــــــــــ

(1) أنظر الصحيح، جـ 9، ص 74.

صفحة (285)

الفصل الثالث

في التكليف الاسلامي خلال عصر الغيبة الكبرى

وما يقتضيه هذا التكليف من سلوك المستوى الفردي والاجتماعي ، وما يقتضيه من استعداد نفسي وثقافي على كلا المستويين .  وفض من يتبع هذا التكليف الاسلامي ، وحال من يعصيه ويخرج عليه .  وعرض ذلك انطلاقاً من القوعد العامة في الاسلام من ناحية ومن الأخبرا الخاصة الواردة في هذا الصدد من ناحية أخرى .

ويقع الكلام في هذا الفصل ، ضمن عدة جهات ، بمقدار ما هو المطلوب من التكاليف في الاسلام ، وما قد يترتب على ذلك من نتائج .

الجهة الأولى :

من التكاليف المطلوبة إسلامياً حال الغيبة : الاعتراف بالمهدي عليه السلام كإمام مفترض الطاعة وقائد فعلي للأمة، وإن لم يكن عمله ظاهراً للعيان ، ولا شخصه معروفاً .

وهذا من الضروريات الواضحات ، على المستوى الامامي ، للعقيدة الاسلامية ، الذي أخذناه في هذا التاريخ أصلاً مسلماً وأجنا البرهان عليه إلى حلقات قادمة من هذه الموسوعة .

فانه الامام الثاني عشر لقواعده الشعبية ، وهو المعصوم الطاعة الحي منذ ولادته إلى زمان ظهوره .  وقد عرفنا في تاريخ الغيبتين الصغرى والكبرى ، الأعداد الكبيرة من الأخبار الدالة على ذلك ، وفلسفة دخله في التخطيط الالهي  ومقدار تأثير الإمام عليه السلام في العمل في صالح الأمة الاسلامية عموعاً ، وقواعد الشعبية خصوصاً .  كما عرفنا مقدار تأثير وجوده في رفع معنويات قواعده وتمحيص إخلاصهم وتحسين أعمالهم .

صفحة (287)

وحسب الفرد المسلم أن يعلم أن إمامه وقائده مطلع على أعماله وملم بأقواله ، يفرح للتصرف الصالح ويأسف للسلوك المنحرف ، ويعضد الفرد عند الملمات ... حسب الفرد ذلك لكي يعي موقفه ويحدد سلوكه تجاه إمامه ، وهو يعلم أنه يمثل العدل المخص وإن رضاه رضاء الله ورسوله ، وإن غضبه غضب الله ورسوله.

كما أن حسب الفرد أن يعرف أن عمله الصالح ، وتصعيد درجة إخلاصه ، وتعميق شعوره بالمسؤولية تجاه الاسلام والمسلمين ، يشارك في تأسيس شرط الظهور ويقرب اليوم الموعود .  إذن فـ(الجهاد الأكبر) لكل فرد تجاه تفسه يحمل المسؤولية الكبرى تجاه العالم كله ، وملئه قسطاً وعدلاً كما ملئ ظلماً وجوراً .  فكيف لا ينطلق الفرد مجاهداً عاملاً في سبيل إصلاح نفسه وإرضاء ربه . 

ومن ثم نرى النبي (ص) يؤسس أساس هذا الشعور في الرد المسلم ويقرن طاعة المهدي (ع) بطاعته ومعرفته-على المستوى العملي التطبيقي – بمعرفته .  فان معرفة النبي (ص) بصفته حامل مشعل العدل إلى العالم ، لا يكون بالاعتراف التاريخي المجرد بوجوده ووجود شريعته ، بل بالمواظبة التامة على الالتزام بتطبيق تعاليمه والأخذ بإرشاداته وتوجيهاته ، وإلا كان الفرد منكراً للنبي (ص) على الحقيقة ، وإن كان معترفاً بوجوده التاريخي .

وحيث أن أفضل السوك الاسلامي وأعدله إنما يتحقق تحت إشراف القائد الكبير المهدي (ع) إذن تكون أحسن الطاعة لنبي الاسلام وأفضل تطبيقات شريعته ، هو ما كان بقيادة المهدي (ع) وما بين سمعه وبصره . إذن صح أن معرفة المهدي (ع) – على المستوى السلوكي التطبيقي – معرفة للنبي (ص) . وإنكاره على نفس المتسوى انكار له .

ومن ثم نسمع النبي (ص) يقول : من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني(1) . _______________________________

(1) انظر الاكمال المخطوط . ومنتخب الاثر ص 492.

صفحة (288)

ونراه يقول : القائم من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي ، وشمائله شمائلي ، وسنته سنتي .  يقيم الناس على ملتي وشريعتي ، ويدعوهم إلى كتاب ربي عز وجل .  من أطاعه فقد أطاعني ، ومن عصاه فقد عصاني ، ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني ، ومن كذبه فقد كذبني ، ومن صدقه فقد صدقني ... الحديث(1) .  إلى غير ذلك من الأخبار الواردة بهذا المضمون عنه (ص) وعن أثمة الهدى (ع) .

وهذا الكلام من النبي (ص) وإن كان منطبقاً على المعتقد الامامي في المهدي (ع) ، إلا أنه بنفسه قابل للتطبيق على المعتقد العام لأهل السنة والجماعة في المهدي إذا استطعنا الفاء فكرة الغيبة عن كلامه (ص) ، فانهم عندذ يتفقون مع الامامية في مضمون الحديث جملة وتفصيلا . إذ من المقطوع به والمتسالم عليه بين سائر المسلمين أن المهدي (ع) هو الرائد الأكبر في عصره لتطبيق الاسلام ، فهو يقيم الناس على ملة رسول الله (ص) ويدعوهم إلى كتاب الله عز وجل .  ومن الطبيعي مع اتحاد الاتجاه والأطروحة ، أن تكون طاعة المهدي (ع) طاعة للنبي (ص) وعصيانه عصياناً له ، وتكذيبه تكذيباً له وتصديقه تصديقاً له .

كما أنه من الحتم أن يكون انكار ظهور المهدي (ع) وقيامه بالسيف لاصلاح العالم ، إنكاراً لرسالة النبي (ص) ورفضاً لجهوده الجبارة في بناء الاسلام ، كيف لا ... وظهور المهدي (ع) هو الأمل الكبير لرسول الله (ص) في أن تسود شريعته في العالم ، وتتكلل مساعيه وتضحياته بالنصر المبين .  بعد أن لم تكن الشروط وافية والظروف مواتية لحصول هذا النصر في عصره ، كما أوضحناه فيما سبق .

بل يكون إنكار المهدي (ع) في الحقيقة إنكاراص للغرض الأساسي من خلق البشرية والحكمة الالهية من وراء ذلك، مما قد يؤدي إلى التعطيل الباطل في الاسلام .

________________________

(1) انظر الاكمال المخطوط : باب من انكر القائم.

صفحة (289)

فانه بعد أن برهنا أن الغرض من خلق البشرية هو إيجاد العبادة الكاملة في ربوع المجتمع البشري بقيادة الإمام المهدي (ع) في اليوم الموعود ... إذن يكون إنكار المهدي مؤدياً إلى نتيجة من عدة نتائج كلها باطلة كما يلي:  النتيجة الأولى :

إن خلق البشرية ليس وراءه هدف ولا غاية .  وهذا منفي بنص القرآن القائل : ﴿وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون﴾ .  وبالبرهان العقلي الفلسفي القائل بضرورة وجود العلة الغائية والهدف ، من وراء كل فعل اختياري ، وبخاصة إذا كان الفاعل حكيماً لا نهائياً ... رب العالمين .

النتيجة الثانية :

إن الغرض من الخليفة وإن كان موجوداً ، إلا أنه ليس هو إيجاد المجتمع الصالح العابد ، بل هو أمر آخر لا نعلمه !! .  وهذا مخالف لنص القرآن وصريحه في الآية السابقة .  وخلاف ما تسالمت عليه الأديان السماوية من الايمان بمصير البشرية إلى الخير والعدل في نهاية المطاف .

النتيجة الثالثة :

إن هذا الغرض الالهي وإن كان ثابتاً ، إلا أنه ليس من الضروري نزوله إلى حيز التطبيق ، بل يمكن أن يبقى نظرياً على طول الخط .

وهذا من غرائب الكلام ، فان معنى ذلك تخلف الحكيم عن مقتضى حكمته ، ونقضه لغرضه ، وهو مستحيل عقلاً ، كما ثبت في الفلسفة .  وليس معنى تنفيذ هذا الغرض إلا إيجاده في الخارج .

النتيجة الرابعة :

إن هذا الغرض ، يحدث في الخارج ، إلا أنه لا يحتاج إلى قائد ، بل يمكن أن يتسبب الله تعالى إلى إيجاده تلقائياً ، ومعه لا حاجة إلى افتراض وجود المهدي (ع) .

وهذا لا معنى له ، لأنه يتضمن انكاراً لما اعترفت به الأديان كلها وتسالمت عليه من وجود القائد في اليوم الموعود .مضافاً إلى أنه يتضمن أيضاً إنكاراً لطبيعة الأشياء ، فان الأمة بدون القائد ليست إلا أفراداً مشتتين مبعثرين ، لا يمكنهم أن يحفظوا أي مصلحة تتعلق بالمجموع ، ما لم يرجع الأمر إلى الاستقطاب القيادي والتوجيه العام المركزي ... وهذا واضحة في كل أمة على مدى التاريخ .

واحتمال : قيام المعجزة لايجاد هذا الغرض الأقصى ، بدون قائد ، فقد سبق أن عرضنا فكرته وناقشناها .

صفحة (290)

النتيجة الخامسة :

إن تنفيذ هذا الغرض يحتاج إلى قائد ، ولكنه غير منحصر المهدي (ع) ، بل يستطيع أن يقوم به الكثيرون .

وهذا زعم عجيب ، إذ لا نقصد بالمهدي (ع) إلا القائد المطبق للغرض الإلهي .  بعد أن غضضنا النظر عن الاعتقاد الإمامي بشخصه ، إذن فيكون إنكاره إنكاراً لتنفيذ ذلك الغرض الأساسي كلياً .  وأما من حيث قابلية القيادة ، وأنها هل تختص بشخص واحد أو هي ممكنة للعديدين .  فهذا ما سنعرض له في الكتاب الآتي من هذه الموسوعة .

إذن ، فيتعين الاعتراف بوجود المهدي (ع) منفذاً للغرض الالهي الكبير . ولا تختص نتيجة هذا البرهان بالمسلمين، فضلاً عن الامامية منهم .  وإنما هي واضحة على مستوى كل الأديان السماية .

                                                *  *  *

الجهة الثانية :

إن من التكاليف المطلوبة في عصر الغيبة : الانتظار .

وننطلق إلى الحديث عن ذلك ضمن عدة نقاط :

النقطة الأولى :

في مفهوم الانتظار .

إن المفهوم الاسلامي الواعي الصحيح للانتظار ، هو التوقع الدائم لتنفيذ الغرض الالهي الكبير ، وحصول اليوم الموعود الذي تعيش فيه البشرية العدل الكامل بقيادة وإشراف الإمام المهدي عليه السلام .

وهذا المعنى مفهوم إسلامي عام تشترك فيه المذاهب الكبرى في الاسلام ، إذ بعد إحراز هذا الغرض الكبير وتواتر أخبار المهدي عن رسول الإسلام (ص) بنحو يحصل اليقين بمدلولها وينقطع العذر عن انكاره أمام الله عز وجل .  وبعد العلم باناطة تنفيذ ذلك الغرض بإرادة الله تعالى وحده ، من دون أن يكون لغيره رأي في ذلك ، كما سبق .  إذن فمن المحتمل في كل يوم أن يقوم المهدي (ع) بحركته الكبرى لتطبيق ذلك الغرض ، لوضوح احتمال تعلق إرادة الله تعالى به في أي وقت .

صفحة (291)

لا ينبغي أن تختلف في ذلك الأطروحة الامامية لفهم المهدي (ع) عن غيرها ... إذ على تلك الأطروحة ، يأذن الله تعالى له بالظهور بعد الاختفاء ، وأما بناء على الأطروحة الأخرى القائلة ، بان المهدي (ع) يولد في مستقبل الدهر ويقوم بالسيف ، فلاحتمال أن يكون الآن مولوداً ، ويوشك أن يأمره الله تعالى بالظهور .

وهذا الاحتمال قائم في كل وقت .  بل أن لمعنى الانتظار مفهوماً أعم من الإسلام وأقدم .  أما قدمه فلما ذكرناه من تبشر الأنبياء باليوم الموعود ، فالبشرية كانت ولا زالت تنتظره ، وإن تحرفت شخصية القائد وعنوانه على ما ذكرناه . وستبقى تنتظره ما دام في الدنيا ظلم وجور . وأما عمومه فباعتبار التزام سائر أهل الأديان السماوية به، مع غض النظر عن الاسم .

وهذا بنفسه ، ما يجعل المسؤولية في عهدة كل مؤمن كل مؤمن بهذه الأديان ، وخاصة المسلم منهم .  في أن يهذب نفسه ويكملها ويصعد درجة اخلاصه وقوة إرادته ، لكي يوفر لنفسه ولاخوانه في البشرية شرط الظهور في اليوم الموعود . 

النقطة الثانية :

لا يكون الفرد على مستوى الانتظار المطلوب ، إلا بتوفر عناصر ثلاثة متقرنة :

عقائدية ونفسيةوسلوكية .  ولولاها لا يبقى للانتظار أي معنى إيماني صحيح ، سوى التعسف النفسي المبني على المنطق القائل : إذهب أنت وربك فقاتلا ، أنَّا ههنا قاعدون ... المنتج لتمني الخير للبشرية من دون أي عمل إيجابي في سبيل ذلك .

العنصر الأول :

الجانب العقائدي ... ويتكون برهانياً من ثلاثة أمور :

الأمر الأول :

الاعتقاد بتعلق الغرض الالهي بإصلاح البشرية جميعاً ، وتنفيذ العدل المطلق فيها في مستقبل الدهر .  وان ما تعلق به الغرض الالهي والوعد الرباني في القرآن لا يمكن أن يختلف .  وقد سبق أن عرفنا برهانه .

صفحة (292)

الأمر الثاني :

الاعتقاد بأن القائد المظفر الرائد في ذلك اليوم الموعود ، هو الإمام المهدي (ع) ، كما تواترت بذلك الأخبار عند الفريقين ، بل بلغت ما فوق حد التواتر .  وقد علمنا أن ذلك ضروري الثبوت .

الأمر الثالث :

الاعتقاد بأن المهدي القائد هو محمد بن الحسن العسكري (ع) ... الأمر الذي قامت ضرورة المذهب الامامي .  وقامت عليه الأعداد الضخمة من أخبارهم ... ووافقهم عليه جملة من مفكري العامة وعلمائهم كابن عربي في الفتوحات المكية .  والقندوزي في ينابيع المودة والحمويني في فرائد السمطين ، والكنجي في البيان ...وغيرهم .

والمعتقدون بهذه الأمور ، وان كانوا على بعض الاختلافات ، إلا أننا ذكرنا في فصل (التخطيط الالهي) ان الأمرني الأولين يرجعان إلى الثالث في نتائجهما وتطبيقاتهما ، فيمكن الاعتقاد بها جميعاً بدون أي تناف أو اختلاف .

العنصر الثاني :

الجانب النفسي للانتظار .  ويتكون من أمرين رئيسيين :

الأمر الأول :

الاستعداد الكامل لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة عليه ، كواحد من البشر ، على أقل تقدير ، إن لم يكن من الدعاة اليها والمضحين في سبيلها .

الأمر الثاني :

توقع البدء بتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة أو بزوغ فجر الظهور في أي وقت ... لما قلناه من أنه منوط بإرادة الله تعالى ، بشكل لا يمكن لغيره التعيين أو التوقيت .  ومن المحتمل أن يشاء الله تعالى ذلك في أي وقت .  مضافاً إلى الأخبار الدالة على حصوله فجأة بغتة ، وسنروي طرفاً منها فيما يأتي .

وهذا الشعور يمكن أن يوجد في نفس الفرد المؤمن باليوم الموعود ، طبقاً لأي من الأمور الثلاثة في العنصر الأول، وطبقاً لمجموعها أيضاً .  ويكون شعوراً طيباً على نفسه مرضياً لضميره ، باعتبار ما يتضمنه من شعور بالاخلاص تجاه نفسه ومجتمعه وأمته ... وهي الجهات التي سوف ينتشلها اليوم الموعود من المشاكل والظلم .

صفحة (293)

وإذا تم لدى الفرد الشعور بهذين الأمرين في نفسه ، فقد تم لديه العنصر الثاني ، واستطاع أن يتقبل بسهولة ورحابة صدر العنصر الآتي .

العنصر الثالث :

الجانب السلوكي للانتظار .

ويتمثل بالالتزام الكامل بتطبيق الأحكام الالهية السارية في كل عنصر ، على سائر علاقات الفرد وأفعاله وأقواله ، حتى يكون متبعاً للحق الكامل والهدى الصحيح ، فيكتسب الارادة القوية والاخلاص الحقيقي الذي يؤهله للتشرف بتحمل طرف من مسؤوليات اليوم الموعود .

وهذا السلوك ضروري وملزم لكل من يؤمن باليوم الموعود ، على أي من المستويات السابقة ، فضلاً عن مجموعها .  وبخاصة المسلمين الذين قام البرهان لديهم بأن المهدي (ع) يطبق أطروحته العادلة الكاملة متمثلة في أحكام دينهم الحنيف .

وأما المسلم الامامي الذي يعمل بأن قائده معاصر معه ، يراقب أعماله ويعرف أقواله ، ويأسف لسوء تصرفه ... فهو مضافاً إلى وجوب اعداد نفسه لليوم الموعوم ، يجب أن يكون على مستوى المسؤولية في حاضره أيضاً ، وفي كل أيام حياته ، لكي لا يكون عاصياً لقائده متمرداً على تعاليمه .  وهذا الاحساس نفسه ، يسرع بالفرد إلى النتيجة المطلوبة ، وهو النجاح في التمحيص ، والاعداد لليوم الموعود .

وإذا كان الفرد على هذا المستوى الرفيع ، استطاع أن يحرز الخير ، على مستويات أربعة .

المستوى الأول :

إحراز الخير لنفسه في دنياه وآخرته .  أما في آخرته ، فباعتبار رضاء الله عز وجل .  وأما في دنياه ، فباعتبار أمرين : أحدهما : السلوك العادل الذي يتخذه الفرد والمعاملة الصالحة والعلاقات الجيدة التي يعامل بها الآخرين .  وثانيهما : أنه يصبح على مستوى المسؤولية لتحمل مواجهة القيادة في اليوم الموعود ، إذا بزغ فجره .

صفحة (294)

المستوى الثاني :

إحراز الخير لأمته ، باعتبار أنه إذ يعد نفسه الاعداد الصالح ، فانه يشارك في تهيئة شرط اليوم الموعود ، بمقدار تكليفه وقدرته ، فيكون قد تسبب إلى الخير كل الخير لأمته .

المستوى الثالث :

إحراء الخير لا لأمته فحسب ، بل للبشرية جمعاء .  فان الخير الناتج من إيجاد شرط الظهور ، عام لكل البشر ، والمشاركة في إيجاده مشاركة في إيجاد العدل الكامل السائد في اليوم الموعود .

وهذه المستويات الثلاثة ، مما تقتضيه العقائد الاسلامية العامة المشتركة بين سائر المذاهب ... بل مما يقضيه الاعتراف باليوم الموعود ، في أي دين من الأديان .

المستوى الرابع :

إن الفرد بمساهمته في  إيجاد شرط الظهور ، يساهم في إرضاء إمامه المهدي (ع) وجلب الراحة إليه ... بالنسبة إلى الشعور بزيادة المؤمنين وقلة العاصين ، والمشاركة الحقيقية في الإعداد للهدف الكبير .

وهذا المستوى خاص بالأطروحة الامامية لفهم المهدي (ع) .

فهذه هي الجهات الأساسية التي يجب أن يتخذها الفرد ، لكي يكون على المستوى الاسلامي المطلوب للانتظار .

                                                *  * *

النقطة الثالثة :

في حث فكرة المهدي (ع) على العمل .

صفحة (295)

اتضح مما ذكرناه في النقطتين الاسبقتين ، وغيرهما ، ما هو الحق في الجواب على الشبهة القائلة : بأن انتظار الإمام المهدي (ع) سبب للتكاسل عن الاصلاح وترك العمل الاجتماعي ، وعدم معارضة الظلم والظالمين ، اعتماداً على اليوم الموعود والاصلاح المنشود .

أو انطلاقاً من الاعتقاد بأن المهدي (ع) لا يظهر حتى تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً ، إذن فيجب الظلم والجور وترك العمل استعجالاً لظهور المهدي (ع) .

ويتم النظر في جواب هذه الشبهة على مستويات ثلاثة ، باعتبار أن الأوساط التي تمر هذه الفكرة بين ظهرانيهم على ثلاثة أقسام رئيسية ، تتخذ عند كل واحد منهم طابعاً معيناً ، ونتيجة خاصة تختلف عن الآخرين .

المستوى الأول :

أوساط المنكرين للمهدي (ع) على الأساس المادي ، أو ما يمت إليه بصلة .

أولئك الذي لا يجدون دليلاً على مدعاهم إلا بمجرد الاستبعاد والتشكيك ، فهم يحاولون ان يقنعوا أنفسهم بما يدعون ولعلهم يستطيعون إبعاد المهدويين عن مهدويتهم وتشكيكهم في معتقدهم !!.

ليت شعري : أن المادية سبق أن قالت : بأن الدين أفيون الشعوب ومخدرها .

فكيف بالاعتقاد بالمهدي الذي هو بعض فروعه .

وقد أجاب الالهيون : - ومعهم الحق – بأن الدين كان ولا يزال أساس الثورات والمعارضات والمطالبة بإقامة الحق والعدل على مدى التاريخ ، وأكبر مثير للعواطف الانسانية على طول الخط .  ونظرة واحدة إلى تاريخ البشرية مع شيء من الموضوعية والتجرد تثبت ذلك .  وقد قلنا وسنقول في العقيدة المهدوية مثل ذلك على سيأتي عن قريب .

المستوى الثاني :

أوساط المؤمنين بالمهدي (ع) الذين يتصفون بصفتين مهمتين :

الأولى : التقاعس عن العمل أساساً ، وتقديم المصلحة الخاصة على المصالح العامة عموماً .

صفحة (296)

الثانية : إن المفاهيم الاسلامية تنطبع في أذهانهم بشكل ناقص وخاطئ ، بشكل تصلح تبريراً للواقع الفاسد ، أكثر من أي شيء آخر . وتنطلق الشهبة في هذه الأوساط من الاعتقاد الذي ذكرناه بأن المهدي (ع) لا يظهر حتى تمتلئ الأرض جوراً وظلماً ، كما ورد في الحديث المتواتر عن النبي (ص) ، إذن يفهمون من ذلك : أنه يجب توفير الظلم والجور ، وترك العمل ضده ، استعجالاً لظهور المهدي (ع) .

المستوى الثالث :

مستوى  الأوساط التي تعتقد بأن العمل الاسلامي ضد الظلم والظالمين ، غير موثر بأي حال .

وهؤلاء هم اليائسون الذين سيطرت هيبة الانحراف وهيمنة الظلم السائد في البشرية على نفوسهم ، فاعتقدوا بعدم جدوى أي شيء من الاصلاح أو الأمر بالمعروف في هذا المجتمع الفاسد .  ومن ثم اضطروا إلى السكون وترك العمل ، انتظاراً لظهور المهدي (ع) ليكون هو الرائد الأول في اصلاح العالم .

فهذه هي أهم الشبه التي تعيش في أذهان بعض المتسويات ، ويمكن أن نعتمد على معارفنا السابقة في مناقشة هذه الأفكار .  وذلك انطلاقاً من وجوه ثلاثة :

الوجه الأول :

إن مشاركة الفرد والمجتمع في إيجاد شرط الظهور ، لا يكون إلا بالعمل الجاد المنتج لرفع درجة الاخلاص والشعور بالمسؤولية ، ليكون في إمكان المخلصين المشاركة في مهام هداية العالم عند الظهور .

وقد عرفنا كيف وقع ذلك كقضية رئيسية في التخطيط الالهي لليوم الموعود ، وان عنصر التمحيص والاختبار في ظروف العالم والانحراف ، هو العنصر الأكبر في إيجاده .

الوجه الثاني :

ما عرفناه من أن هيجب على الفرد أن يجعل نفسه على مستوى رضاء الامام المهدي (ع) قبل ظهوره وبعده .  ولن يكون كذلك إلا إذا كان متمثلاً للأحكام الاسلامية بدقة ، سواء ما كان منها على المستوى الشخصي أو على المستوى الاجتماعي .  ولن يحرز رضاء الامام بطبيعة الحال، بالاقتصار على الجانب الشخصي من أحكام الاسلام، لأن في ذلك عصياناً للأحكام الاجتماعية والاصلاحية .  وهو ما لا يرضاه الله تعالى ولا رسوله ولا المهدي .

صفحة (297)

إذن فالاعتقدا بوجود القائد الرائد ، باعث أي باعث على العمل الاجتماعي والاصلاحي .  ولا يكاد يوجد هذا الباعث بدون هذا الاعتقاد إلا بشكل ضئيل .

وأنما انصرف عموم الناس عن العمل نتيجة لتناسيهم قائدهم وتغافلهم عن مسؤولياتهم تجاهه .

الوجه الثالث :

أننا لو غضضنا النظر – جدلاً – عن الوجهين السابقين ، وفرضنا أن الاعتقاد بوجود المهدي (ع) ليس له أي أثر في الحث على العمل الاجتماعي المثمر .  فهو – على أي حال- ليس موجباً للمنع عنه والحث على تركه .  فلو وجد هناك دافع آخر للعمل ، أمكن أن يؤثر أثره بكل وضوح ، ويعمل عمله في العقول والقلوب المخلصة .

والسر في ذلك واضح على الصعيد الاسلامي ، كل الوضوع.  باعتبار أن الأحكام الاسلامية الموجودة في الكتاب والسنة ، كانت ولا زالت معروفة وسارية المفعول، ولا زال الناس مسؤولين عن تطبيقها وامتثالها لك تفاصيلها .  ومن الواضح أن الاعتقاد بوجود المهدي (ع) لا يرفعها ولا يخصصها لضرورة الدين واجماع المسلمين .  وليس على الفرد المسلم الذي يريد الاطاعة والامتثال ، إلا أن يراجع الأحكام الاسلامية ليعرف ما فيها من جوانب شخصية وجوانب عامة ... لكي يطبقها على حياته الخاصة والعامة ، ويباشر العمل الاجتماعي العام طبقاً للتكليف الاسلامي بالجهاد أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو مكافحة الظلم .  وهذا لا ينافي بحال ، عمل الفرد على صعيد عام ، تارة أرى فيما بعد الظهور ، لو حدث اليوم الموعود خلال حياته .

وأما الفرد الذي يسير في طريق الانحراف ، ويبيع دينه بدنياه ، ويقدم مصلحته الخاصة وشهواته على كل اعتبار ، فهو من الطبيعي أن لا يكون الاعتقاد بالمهدي (ع) دافعاً له على العمل ، بعد أن لم يكن الاعتقاد بالاسلام نفسه دافعاً له .  وهذا تقصير في الفرد وليس قصوراً في الفكرة كما هو واضح .  

*  *  *

صفحة (298)

وأود أن أشير في هذا الصدد إلى ملاحظات ثلاث ، لعلها تلقي بعض الضوء على أهمية العم لالاسلامي ، في عصر ما قبل الظهور :

الملاحظة الأولى :

أننا برهنا خلال عرضنا للتخطيط الإلهي : أن ما يرفع درجة الاخلاص في الأمة ويوجد شرط الظهور ، هو العمل ضد الظلم فعلاً .  ومعه ينبغي أن يمر الفرد فعلاً في ظروف الظلم والانحراف ، لكي يعمل ضده ، حتى يتصاعد إخلاصه وتقوى إرادته .

ومن هنا نعرف أن الفرد الذي يهرب بنفسه من ظروف الظلم ، أو أن المجتمع الذي يعيش في الرفاه النسبي بعيداً عن هذه الظروف. فانه لن يعمل ولن يستطيع الوصول إلى حد الوعي والاخلاص المطلوب .  ولو وصل إلى شيء، فإنما يصل إليه ببطء شديد ، ويكون ضحلاً وقليلاً .

كما أن الأمة إذا شاع بين ظهرانيها الظلم والتعسف ،وكانت راضية به مستخذية تجاهه ،لا يوجد العمل فيها ضده، ولا التفكير لرفعه أو التخفيف منه .

إذن فسفو تكون أمة خائنة يتسافل إخلاصها وينمحي شعورها بالمسؤولية ، وتحتاج في ولادة ذلك عندها من جديد إلى زمان مضاعف ودهر طويل و ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾(1) .  وليت شعري كيف يكون هؤلاء على مستوى إصلاح البشرية كلها في اليوم الموعود،وهم قاصرون عن إصلاح مجتمعهم الصغير؟!!.

إذن فالتفكير الجدي والعمل هو الأساس لتصعيد درجة الاخلاص والشعور بالمسؤولية والمران على الصمود والتضحية هو الشرط الأساسي لتكفل مهمة اليوم الموعود .  فمن السخف ما قيل : بأن الاعتقاد بوجود المهدي (ع) داعف على الاستخذاء وترك العمل .

الملاحظة الثانية :

إن تصعيد درجة الاخلاص ، قد يكون قائماً على أساس الاضطرار وقد يكون بالاختيار .

_________________

(1) الرعد 13/11 .

صفحة (299)

أما قيامه على أساس الاضطرار(1) ، فهو الأمر العام الذي يقتضيه التمحيص الالهي ، بشك لرئيسي .  فان الأفراد في حبهم لذاتهم وتفضيلهم للراحة ، لا يميلون-عادة- إلى العمل الاجتماعي العام ، لما فيه من شعور بالجهد والمسؤولية .

ومن ثم فهم لا ينطلقون نحو إلا تحت وطأة من الاضطرار والشعور بالضغط والاحراج .  ومن ثم كان لابد في حملهم على العمل  العام من إيكالهم إلى الظروف الصعبة الظالمة .  ومن ثم انعقد التخطيط الإلهي على حمل الأمة على العمل الاضطراري بهذا المعنى ، لأجل تحقيق مصالحها الكبرى في يوم الظهور .

وأما قيام الاخلاص والوعي على أسشاس الاختيار ،فباندفاع المكلف إلى العمل أزيد من مقدرا الاضطرار والاحراج، بمجرد شعوره بالمطلوبية الاسلامية له ،الزاماً أو استحباباً ... بأ، يكون على الدوام معارضاً للظلم داعياً إلى الحق، هادياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة .

صحيح ، ان الاندفاع إلى ذلك ، يحتاج إلى درجة كبيرة من الوعي والاخلاص وقة الارادة ، لا يتوفر إلا للقليل ... إلا أنه –على أي حال-ليس هو المستوى المطلوب توفره في المشاركة في قيادة العالم كله في يوم الظهور .  وإنما يكون العمل الاختياري أو ما نسميه بالتمحيص الاختياري مضافاً إلى التمحيص الاضطراري ، سبباً لإيجاد مثل هذا المستوى الرفيع .

ومن الواضح ما لهذا التمحيص الاختياري ، من أثر بليغ في التصعيد السريع ، بشكل أعظم بكثير مماينتجه التمحيص الاضطراري ... وفي التعجيل بإيجاد شرط الظهور ، بمقدار ما تقتضيه الظروف الثقافية والفكرية التي يعيشها الفكر الاسلامي ، في أي عصر .

إذن ، فما قيمة هذه الشبهة التي تقول بأن الاعتقاد بالمهدي (ع) يمنع عن العمل الاجتماعي الاصلاحي ، ولله في خلقه شؤون .

________________________

(1) لا ينبغي الخلط بني الاضطرار وبين الاكراه .  فان الاضطرار يمثل حاجة مع انحفاظ الارادة معها ، كمن يبيع دراه من أجل دين كبير عليه .  والاكراه لا تنحفظ معه إرادة كمن باع تحت وطأة التهديد بالقتل ، او تحت الضرب الشديد مثلاً .  ولكل منهما "اختيار" يقابله . 

 

صفحة (300)

الملاحظة الثالثة:

في فهم الحديث النبوي.

أننا بعد أن عرفنا التخطيط الإلهي لليوم الموعود، نستطيع أن نفهم قوله (ص): يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

فالظلم والجور، في عصر ما قبل الضهورن جزء من هذا التخطيط، لإيجاد الشرط االثاني للظهور، وهو توفير قوة الإدارة والإخلاص في الأمة بشكل عام. وقد عرفنا أن هذا يحدث في نسبة ضئيلة من اليشر، ويكون الباقي على مستوى الانحراف والفساد.

إذن، فالأرض تمتلىء ظلماً وجوراً، لكن لا بالجبر والإكراه، من قبل الله تعالى أو من غيره، وإنما باعتبار انصراف الأعم الأغلب من الناس إلى مصالحهم واندحارهم تجاه تيار الخوف والإغراء. وهو لا ينافي توفر شروط الظهور وترسخه في الناس، متمثلاً في تلك النسبة الضئيلة عدداً الضخمة أهمية وإيماناً وإرادة.

وامتلاء الأرض ظلماً، أمر خارج عن اختيار الفرد بوجوده الشخصي، وإنما هو ناتج عن الطبيعة البشرية بشكل عام، المتوفرة في المجتمع الناقص. ويكون تكليف الفرد إسلامياً منحصراً شرعاً في تصعيد درجة إخلاصه وقوة إرداته، عن طريق مكافحة الظلم والعمل على كفكفته ورفعه. ولكي يتوفر تدريجياً شرط الظهور.

وليت شعري، إن شرط الظهور، هو هذا المستوى اٌيماني، وليس هو كثرة الظلم وامتلاء الأرض جوراً، كما يريد البعض أن يفكروا. لوضوح أن الأرض لو امتلأت تماماً بالظلم وانعدم منها عنصر الإيمان، لما أمكن إصلاحها عن طريق القيادة العامة. بل يكون منحصراً بالمعحزة التي برهنا على عدم وقوعها، أو إرسال نبوة جديدة، وهو خلاف ضرورة الدين من أنه لا نبي  بعد رسول الإسلام.

وإنما تتضمن فكرة اليوم الموعود، سيطرة الإيمان على الكفر، بعد سيطرة الكفر على الإيمان... مع وجود كلا الجانبين. وهو قول الله تعال بالنسبة إلى المؤنين: ﴿ ليستخلفهم في الأرض وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً ﴾ وقوله (ص): يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.

صفحة (301)

النقطة الرابعة:

للبحث عن الانتظار-: في اختلاف مفهومه باختلاف عصور الدعوة الإلهية.

سبق أن برهنا أن إيجاد اليوم الموعود، هو الغرض الأساسي من إيجاد البشرية... وقد خطط الله تعالى لإيجاده منذ فجر الخليقة، ولازال هذا التخطيط سارياً إلى حين تحقق نتيجته النهائية وغرضه الأصيل.

وقد كان انتظار البشرية لليوم الموعود، موجوداً، منذ بلغ الأنبياء السابقون عليهم السلام البشرية عن وجوده... إلا أن الانتظار اكتسب صيغاً متعددة بتعدد أزمنة تطور البشرية نحو ذلك الغد المنشود. فإن البشرية قد مرت – بهذا الاعتبار – بأربعة أو مراحل:

المرحلة الأولى:

فترة ما قبل الإسلام. وقد كان الناس خلالهما يفهمون من كل نبي يبلغهم عن اليوم الموعود، أمرين مقترنين: أولهما: الإهمال من التاريخ وإيكاله إلى إرادة الله تعالى محضاً. وثانيهما: أن هذا النبي يبلغهم عنه، ليس هو القائد المذخور لهذه المهمة، وإنما سيوجد في المستقبل البعيد شخص آخر يكون مطلعاً بها، وقائداً للبشرية من خلالهما.

إذن، فالانتظار لم يكن حاملاً لنفس المفهوم الذي يحمله في عصر الغيبة الكبرى... فبينما نرى أن صيغته الأخيرة هي: توقع حدوث اليوم الموعود في كل حين، على ما سبق... نرى أن صيغته يومئذ كانت تتضمن العلم بعدم حدوثه السريع، والاكتفاء بالاعتقاد بأن هذا مما سيحدث جزماً في المستقبل البعيد.

والناس في تلك العهود، وإن لم يكونوا ملتفتين إلى سر ذلك، إلا أننا عرفنا باطلاعنا على تفاصيل التخطيط الإلهي. حيث عرفنا أم كلا شرطي اليوم الموعود، لم يكونا متوفرين في تلك الفترة. فلم تكن البشرية على مستوى فم الأطروحة العادلة الكاملة من ناحية، ولم تكن علة مستوى الإخلاص وقوة الإرادة المطلوب توفرها في قيادة اليوم الموعود.

صفحة (302)

المرحلة الثانية:

فترة ما بعد الإسلام إلى بدء الغيبة الصغرى... حيث كانت البشرية قد تلقت عن الله عز وجل أطروحتها العادلة الكاملة. وبذلك توفر أحد الشرطين السابقين.

إلا أن معنى الانتظار لم يكن يختلف – مع ذلك – اختلافاً جوهرياً عما سبق. بمعنى أن الأمل في ذلك الحين لم يكن منعقداً على حدوث اليوم الموعود بغتة وفي أي وقت. بل كان المفهوم هو تحققه في المستقبل البعيد أيضاً. غاية الفرق عن المرحلة السابقة، هو إحراز المسلمين: أن اليوم الموعود سوف يكون طبقاً لأطروحتهم ودينهم، دون غيره.

وهذا واضح جداً، لو لاحظنا طرق التبليغ عن ذلك اليوم من قبل النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع) بعده. أما بالنسبة إلى النبي (ص) فيكفينا اخباراته عن المهدي (ع) وأنه من ولده وعترته وأنه من ذرية فاطمة عليه السلام، وأنه يوجد فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وأنه من ولد الحسين (ع) وإن صفته كذا وكذا... إذن فقائد اليوم الموعود ليس هو شخص النبي (ص)، ولن يقوم النبي (ص) بهذه المهمة الكبرى، خلال حياته. كما عرفنا فلسفة ذلك فيما سبق.

إذن فالانتظار في عهد النبي (ص) كان مقترناً باليقين بعدم حدوثه الفوري في ذلك الحين.

ويبقى الانتظار في عصر الأئمة عليهم السلام، حاملاً لنفس هذا المفهوم. ويمكن أن نستفيد ذلك من عدة أشكال من الأحاديث التي كانوا عليهم السلام يعلنون بها فكرة المهدي (ع) أمام الناس.

كقولهم (ع) أن المهدي هو السابع من ولد الخامس منهم(1) أو قول الإمام الباقر عليه السلام، والله ما أنا بصاحبكم. قال الراوي: فمن صاحبنا؟ قال: انظروا من تخفي على الناس ولادته فهو صاحبكم(2). فهو إذ ينفي عن نفسه أنه المهدي (ع) نعرف أن اليوم الموعود لن يتحقق ما دام في الحياة على أقل تقدير.

________________________

(1) أنظر مثلاً منتخب الأثر ص 212 . (2)  أنظر إكمال الديم المخطوط.

صفحة(303)

وكقولهم: كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام ولا علم، يبرأ بعضكم من 

بعض... الحديث(1). إذن فما دام أئمة الهدى عليهم السلام معروفين ومتصلين بالناس، فالمهدي غير موجود، ومن ثم فهو لن يقوم بالسيف لإنجاز اليوم الموعود.

وكذلك إذا لاحظنا أخبار التمحيص، التي تنفي الظهور قبل مرور الناس بهذا القانون. كقوله (ع): إن هذا الأمر ريأتيكم إلا بعد يأس. ولا والله حتى تميزوا. ولا والله حتى تمحصوا، ولا والله لا يأتيكم حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد. وقد سبق. إذن فاليوم الموعود لن يتحقق ما دام الناس غير ممحصين.

وكذلك إذا لاحظنا الأخبار الدالة على حدوث علامات الظهور، مما لم يتحقق في عصر الأئمة (ع) السابقين، كالصيحة والخسف، وغيرها مما سيأتي. فإنه ما لم توجد هذه العلامات، لايظهر المهدي (ع)، على ما سوف نوضحه في القسم الثالث من هذا التاريخ.

إذن، فالمسلمون في زمن النبي (ص) والأئمة (ع) لم يكونوا ينتظرون ظهور المهدي (ع) على الفور، وإن كانوا قد بلغوا بشكل أكيد وشديد عن ظهوره في مستقبل الزمان.

أقول: هذا من الناحية النظرية صحيح. إلا أننا نجد من الناحية العملية، أن هذه الفكرة صادقة في زمن النبي (ص). وأما في زمن الأئمة (ع)، فلا تخلو هذه الفكرة من إشكال.

فإننا نجد أن توقع ظهور المهدي (ع) في ذلك الزمن كان كبيراً. سواء في ذلك القواعد الشعبية الامامية، أو غيرهم. أم غير الامامين فواضح طبقاً لفهمهم لفكرة المهدي (ع). إذ أن ولادته وقيامه بدولة الحق، ممكن بعد النبي (ص) مباشرة فصاعداً.

وأما الاماميون، فقد دلت الأخبار على وجود هذا التوقع فيهم... بما فيها أخبار التمحيص نفسها حيث يقول الإمام (ع) فيها: إن هذا الأمر لا يأتيكم إلا بعد يأس... أو يقول: هيهات هيهات... لا يكون الذين تمدون إليه أعناقكم حتى تمحصوا(2) .

_________________

(1) نفس المصدر. (2) أنظر غيبة النعماني ص

صفحة (304)

وروي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ما تستعجلون بخروج القائم، فوالله ما لباسه إلا الغليظ ولا طعامه إلا الجشب... الحديث(1).

وروي عن إبراهيم بن هليل قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: جعلت فداك، مات أبي على هذا الأمر، وقد بلغت من السنين ما قد ترى. أموت ولا تحبرني بشيء؟! فقال: يا أبا إسحاق، أنت تعجل!  فقلت: أي والله أعجل وما لي أعجل، وقد بلغت من السن ما قد ترى؟ فقال: يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتى تميزوا وتمحصوا وحتى لا يبقى فيكم إلا الأقل... الحديث(2).

وهذه الأخبار واضحة جداً في اتوقع والانتظار الفوري، حتى أن أبا إسحاق لم يتصور أن يكبر سنه ولما يظهر المهدي بعد.

وكذلك إذا نظرنا إلى الأخبار الدالة على وجود توقعات من الأئة (ع) بأشخاصهم بأن يقوموا بدور المهدي (ع). كالخبر السابق عن الإمام الباقر (ع):والله ما أنا بصاحبكم... الحديث. وما روي عن حمران بن أعين قال سألت أبا جعفر (ع) فقلت له: أنت القائم؟... الحديث(3). وفي حديث آخر عنه قال قلت لأبي جعفر الباقر عليه السلام: جعلت فداك أني قد دخلت المدينة وفي حقوقي هميان فيه ألف دينار، وقد أعطيت الله عهداً أن أنفقها ببابك ديناراً ديناراً أو تجيبني فيما أسألك عنه. فقال: يا حمران سل تجب ولاتبعض دنانيرك. فقلت: سألتك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآلة، أنت صاحب هذا الأمر والقائم به. قال: لا. قلت: فمن هو بأبي أنت وأمي. فقال: ذاك المشرب حمرة... الحديث(4). وفي حديث آخر(5) عن الريان بن الصلت قال: قلت للرضا عليه السلام: أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: أنا صاحب هذا الأمر ولكني لست بالذي أملؤها عدلاً كما ملئت جوراً. وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني. وإن القائم هو الذي إذا خرج كان في سن الشيوخ ومنظر الشبان... الحديث.

الى أحاديث أخرى من هذا القبيل.

_____________________

(1) غيبة النعماني ص 122.(2)  نفس المصدر ص 111. (3)  غيبة النعماني ص 115.

(4)  المصدر ص 144 – 155.(5)  إعلام الورى ص 407.

صفحة ( 305)

وكذلك إذا نظرنا إلى الخبر القائل: سئل أبو عبد الله عليه السلام: هل ولد القائم؟ فقال: لا. ولو أدركته لخدمته أيام حياتي(1).

إذا نظرنا إلى هذه الأخبار،نجد مفهوم الانتظار، ومزيد الاهتمام بظهور المهدي(ع)... ناشئاً من سبب رئيسي واحد، هو إبهام فكرة المهدي في أذهانهم والجهل بتفاصيلها، حتى أن حمران بن أعين والريان بن صلت، وهما من أحلة أصحاب الأئمة (ع) كانا لا يزالان لا يعرفان من هو القائم على التعيين، وقد مضى من صدر الإسلام أكثر من مئة سنة.

وقد كانت لهذه الأحاديث وغيرها مما صدر من الإيضاحات والتفاصيل عن هذه الفكرة، من الأئمة المعصومين عليهم السلام، أكبر الأثر في جلاء الفكرة لدى قواعدهم الشعبية وارتفاع ابهامها تدريجاً، حتة اننا نرى الآن بوضوح طبقاً للتخطيط الإلهي أنه لم يكن بالإمكان القيام بدور المهدي (ع) في ذلك العصر، لعدم توفر أحد شرائط الظهور. ومن ثم لم يكن المهدي (ع) مولوداً، ولم يكن أحد من الأئمة السابقين هو المهدي القائم بالأمر بأي حال.

وقد كان لهذا الإبهام، في غير الأوساط الامامية، أثراً سلبياً أحياناً، إذ فسح المجال للعديدن في أن يستغلوا تبشير النبي (ص) بالمهدي (ع) فيدّعون المهدوية لأنفسهم. ولا ننسى بهذا الصدد أن الرشيد العباسي لقب ولده بالمهدي، عسى أن يتوهم الناس أنه المهدي المنتظر.

وقد سمعنا في تاريخ الغيبة الصغرى(2)، كيف أن جماعة القراطمة في الشرق الأدنى وجمعاً غفيراً في الشمال الإفريقي قد آمنوا بمهدوية محمد بن عبيد الله العلوي جد الفاطميين، الذين حكموا مصر بعد ذلك.

_____________________

(1) المصدر ص 129. (2) أنظر ص 353 وما بعدها.

صفحة (306)

المرحلة الثالثة:

- لعصور الانتظار-: عصر الغيبة الصغرى، لمن يؤمن بها، وهم القواعد الشعبية الامامية.

وفيها – كما عرفنا في تاريخها – كان الإمام المهدي (ع) موجوداً يقود قواعده الشعبية في الخفاء. ولاشك أن الناس كانوا ينتظرون ظهوره في أي وقت. باعتبار ما يحسونه من ظلم ومطاردة وتعسف من قبل الحاكمين. وهم يعلمون علم اليقين بوجوده وإطلاعه على الأوضاع الشاذة التي يعيشها المجتمع، ويعلمون أنه المذخور لإزالة الظلم من العالم كله غافلين – بطبيعة الحال – عن اقتصاء التخطيط الإلهي تأجيل ذلك، لعدم توفر أحد شرائط اليوم الموعود.

ولو دققنا النظر، لم نجد في رفع هذا الجو الفكري من الناس، مصلحة. بل كانت المصلحة تقتضي إيكالهم إلى انتظارهم التلقائي الارتكازي، وعدم التعرض إلى تصحيحه أو تكذيبه. لأنه على أي حال، يزيد من الربط العاطفي للقواعد الشعبية المهدوية، بإمامها وقائدها. لوضوح أن الأمل فيه كلما كان أقوى كان هذا الارتباط أبلغ وأكبر.

بل أن هناك من الأخبار ما يدل على أن الإمام المهدي (ع) نفسه كان يذكي هذه العاطفة ويؤكد قرب الظهور. وقد ذكرناها في تاريخ الغيبة الصغرى وناقشناها(1).

وقد يخطر في الذهن: أنه كان يمكن للناس في تلك الفترة، أن يطلعوا على الخبار الدالة على توقف ظهور المهدي (ع) على التمحيص، أو الأخبار الدالة على حدوث علامات الظهور... لكي يعرفوا أن الظهور لم يكن ليقع في تلك الفترة، بعد وضوح أن التمحيص لم يكن حاصلاً، والعلامات لم تكن حادثة.

ويمكن أن يناقش ذلك بعدة أحوبة، أوضحها: أن الفرد الاعتيادي يحتمل تحقق التمحيص المطلوب، في عصره، كما يحتمل حدوث علامات الظهور في المستقبل القريب. ومن ثم يحتمل أنه لم يبق بينه وبين الظهور إلا زمن قصير. وهذا الاحتمال كاف في إذكاء أوراء الجو النفسي والفكري للانتظار.

ـــــــــــــ

(1) أنظر ص 548 وما بعدها.

صفحة (307)

المرحلة الرابعة:

فترة الغيبة الكبرى، التي لا زلنا نعيشها.

وقد قلنا أن الانتظار فيها يحمل معنى توقع الظهور، وقيام اليوم الموعود في أي وقت وفي كل يوم. لكونه منوطاً بإرادة الله تعالى لاغير. كما ورد في بان المهدي (ع) الذي أعلن به انتهاء السفارة وبدء الغيبة الكبرى، حيث قال: فلا ظهور إلا بإذن الله تعالى ذكره(1). ولما ورد أنه يوم الظهور يحدث فجأة أو بغتة، كلما سمعنا من مكاتبة المهدي (ع) للشيخ المفيد. وغيرها من الروايات التي سوف نذكرها.

نعم يمكن أن تلاحظ أنه في فترة بدء الغيبة الكبرى، كان هناك من الدلائل على عدم فورية الظهور، حيث نسمع من بيان انتهاء السفارة نفسه قوله عليه السلام: فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بإذن الله تعالى ذكره. وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب... الحديث(2). وطول الأمد يستدعي مضي عدة سنوات، بل عدة عشرات، لا بد من انتظار انتهائها، قبل توقع الظهور الفوري.

إلا أن مفهوم طول امد، يختلف باختلاف تصور الأفراد، ومقدار وعيهم العقلي والثقافي والإيماني. فقد لا يحتاج حين يسمعه الفرد العادي لأول مرة أكثر من عدة سنوات، وبخاصة من إناطة الظهرو بإذن الله تعالى مع ما يراه الفرد من قسوة القلوب فعلاً وامتلاء الأرض جوراً. فكان في الإمكان – بحسب الجو النفسي السائد يومئذ – أن يبدأ مفهوم الانتظار الفوري بعد عدة سنوات من تاريخ هذا البيان. ولم يكن أهل ذلك العصر بحاجة إلى أن يدركوا أن المراد من طول الأمد ما يزيد على الألف عام بقليل أو بكثير، كما ندركه الآن.

فإن قال قائل: إن الانتظار للظهور الفوري، ينافي ما جعل من علامات وشرائط للييوم الموعود، فإنه لا يكون إلا عند حصول تلك الأمور. فالانتظار للظهور الفوري إنما يصح بعد حصولها، وأنا قبل ذلك فينبغي أن يعود مفهوم الانتظار إلى الشكل الذي قلناه في صدر الإسلام من العلم بحصول اليوم الموعود مع اليقين بعدم الظهور الفوري.

ـــــــــــــــ

(1) أنظر تاريخ الغيبة الصغرى ص 634، وغيبة الشيخ الطوسي ص 243. (2)  نفس المصدرين والصفحتين.

صفحة (308)

وهذا الإشكال مشابه لما أوردناه في المرحلة الثالثة: عصر الغيبة الصغرى. وجوابه نفس الجواب، وملخصه: أن العلامات يحتمل وقوعها في أي وقت ويحتمل أن يتبعها ظهور المهدي (ع) بزمان قصير. وأما شرائط الظهور، فيحتمل اكتمالها ونجازها في أي وقت أيضاً. وقلنا بأن وجود هذا الاحتمال في نفس الفرد كاف في إيجاد الجو النفسي للانتظار الفوري.

فإن قال قائل: بأن ما عرفناه شرطاً رئيسياً للظهور، مما هو غير متحقق لحد الان، هو حصول التمحيص والامتحان للناس، ونحن نجد بالوجدان أن عدداً كبيراً من الناس إن لم يكن جميعهم أو أكثرهم، غير ممحصين، ولاتصل نتائج اختباراتهم إلى نهايتها.

قلنا: أنه يمكن الجواب على ذلك بوجهين:

الوجه الأول:

إن هذا الكلام يتضمن جهلاً بمعنى التمحيص والاختبار، فإن المراد منه ليس هو تمحيص الأفراد كأفراد خلال أعماهم القصيرة، لكي نتوقع أن يصل كل فرد خلال حياته إلى النتائج النهائية للتمحيص.

بل المراد تمحيص الأمة أو البشرية في أمد طويل، بشكل منتج لتمحيص الأفراد، في نهابة المطاف. ويتم ذلك عن طريق ما نسميه " بقانون الترابط بين الأجيال " فإن كل جيل سابق يوصل ما يحمله من مستوى فكري وثقافي إلى الجيل الذي يليه. ويكون على الجيل الآخر، أن يأخذ بهذا المستوى قدماً إلى الأمام. ثم أنه يعطي نتائجه إلى الجيل الذي بعده وهكذا...

وكذلك الحال بالنسبة إلى نتائج التمحيص، فإن كل جيل يوصل إلى الجيل الذي يليه، ما يحمله من مستوى في الإيمان والإخلاص... فيصبح الجيل الجديد، قد وصل بالتلقين إلى نفس الدرجة – تقريباً – من التمحيص التي وصلها الجيل السابق. ثم أن الجيل الآخر بدوره سيمر بتجارب وسيقوم بأعمال معينة وسيصادف ظروف الظلم والإغراء، فيتقدم في سلم التمحيص درجة أخرى، وهذكا.

وبقانون تلازم الأجيالن سيأتي على الأمة زمان، يكون الجيل الذي فيها، قد انتج التمحيص الإلهي فيه نتيجته المطلوبة. حيث ينقسم المجتمع إلى قسمين منفصلين: إلى من فشل في التمحيص فاختار طريق الضلال محظاَ. وهم الأكثرالذين يملأون الأرض جوراً وظلماً... وإلى من نجح فيه فاختار طريق الهداية والإخلاص محضاً. وبوجود هذه المجموعة يتحقق شرط الظهور.

صفحة (309)

إذن، فكيف يمكننا أن ندعي العلم بعدم تمحيص أكثر الناس، كما قلناه في السؤال. مع أن النتيجة المطلوبة حاصل في الأعم الأغلب منهم. وهذا واضح بالنسبة إلى كل البشر الكفرة والمنحرفين، فإن التمحيص قد أنتج تطرفهم إلى جهة لضلال. كما أنه واضح بالنسبة إلى عدد من المؤمنين المخلصين، حيث تطرفوا إلى جهة الهدى والإيمان. هذه هي نتيجة التمحيص.

نعم، قد تتعلق الإرداة الإلهية، بتأكيد التمحيص وتشديده أكثر مما هو عليه الآن، متوخية تعميق إخلاص المخلصين، لكي يكونوا بحق على المستوى المطلوب لقيادة العالم في اليوم الموعود.

وعلى أي حال، فيبقى شرط الظهور محتمل الإنجاز في أي وقت، فلا يكون منافياً مع مفهوم الانتظار الفوري.

الوجه الثاني: إن التمحيص الدقيق المأخوذ في التخطيط الإلهي، لايجب أن ينتج نتيجة واضحة فعلية كاملة، بالنسبة إلى كل البشر وإنما اللازم هو ان يصل إلى هدفه، وهو إيجاد شرط الظهور.

بيان ذلك: أن التمحيص يكون على مستويين:

المستوى الأول:

ما يكون من موقف كل فرد تجاه مصالحه وشهواته. وهذا التمحيص موجود بوجود البشرية ووجود مفاهيم الحق والعدل والمعلنة بين الناس. ولا ينقطع إلا بانتهاء البشرية. لايختلف في ذلك عصر الغيبة عن عصر الظهور. فإن عصر الظهور ينتج إيضاح الحق وسيطرته على العالم. ولكنه لايقوم بتبديل الغرائز والشهوات.

المستوى الثاني: ما يكن من قبل الفرد تجاه تيارات الظلم واضطهاد الظالمين. وهو تمحيص خاص بما قبل الظهور، لعدم وجود الظلم والظالمين بعده. وهذا هو العنصر المهم الذي أسسه التخطيط الإلهي لتحقيق شرط الظهور.

صفحة (310)

وشرط الظهور لو كان هو حصول النتيجة في كل البشرن لكان حصولها ضرورياً قبل الظهور، كما قال السائل... ولكن شرط الظهور ليس بهذه السعة، وإنما هو حصول عدد من ذوي الإخلاص القوي والإرادة الماضية، بمقدار كاف لزو العالم والسيطرة على البشرية بأطروحة الحق.

وحينما يحصل هذا المقدار من الناس، تكون نتيجة التمحيص الكاملة، قد تمخضت بالنسبة إليهم، بإحرازهم درجة الإخلاص العليا. كما تكون قد تمخضت بالنسبة إلى آخرين في التطرف نحو الإنحراف والفساد.

وأما البشر الآخرون، فلا مانع أن يصلوا إلى بعض درجات التمحيص ويقفوا. وتبقى الدرجات العليا من مواقفهم وردود فعلهم غامضة غبر ممحصة. وهذا كما هو ثابت بالنسبة إلى أغلب البشر قبل نهايات الغيبة، كذلك يمكن أن يكون ثابتاً بالنسبة إلى بعضهم عند أول الظهور أيضاً.

ولكننا – بهذا الصدد – يجب أن نتذكر الدرجات الثلاث، للإخلاص، التي قلناها... ولكها نتيجة للتمحيص وإن اختلفت مراتبها ومداليلها. وما قلناه قبل أسطر وإن كان صحيحاً في درجة الإخلاص العليا، فإنه لايحصل إلا في عدد معين البشر، قد تشكل أكثر البشر في الجيل المعاصر للظهور. ويكون الظهور بنفسه ظرفاً جديداً تتفتح فيه مواهب العديد من الناس على النحو الموجه المطلوب. على ما سوف نسمع في التاريخ القادم.

وعلى أي حال، فمن المحتمل على الدوام وفي أي وقت، أن يكون العدد الطافي لغزو العالم قد تحقق، وإن شرط الظهور قد توفر. فيكون الظهور عبلا هذا التقدير – فورياً أو قريباً جداً. واحتمال تحقق الشرط كاف في احتمل فورية الظهور. ومعه يكون مفهوم الانتظار  الفوري، موجوداً خلال عصر الغيبة الكبرى.

*  *   *

صفحة (311)

الجهة الثالثة:

من التكاليف المطلوبة في عصر الغيبة الكبرى: الإلتزام بالتعاليم الإسلامية الحقة النافذة المفعول فيما قبل الظهور.

وهذا من واضحات الشريعة، فإن مقتضى شمول تعاليمها وعمومها لكل الأجيال،وجوب إطاعتها وتطبيقها على واقع الحياة في كل الأجيال. سواء ما كان على مستوى العقائد والمفاهيم، لأو ما كان على مستوى الأحكام.

ويقابل هذا الوضوح احتمالان رئيسيان:

الاحتمال الأول:

أن ينجرف الفرد مع النيارات المعادية للإسلام، ويتبع عقائدها وأحكامها، ويعبرها نافذة عليه، ويدع أوامر الإسلام ونواهيه، بل وعقائده في سبيلها.

وهذا النحو من السلوك واضح الفساد من وجهة نظر الإسلام. وحسبنا منه أنه مستلزم للعصيان الإسلامي والرسوب في التمحيص الإلهي.

ومعنى فساد هذا الوجه، هو أن العقائد الوحيدة الصحيحة والأحكام الوحيد النافذة في كل العصور، هي عقائد الإسلام وأحكامه. وأما ما يغزو المجتمع المسلم من عقائد غريبة وأحكام وضعية، فلا تعتبر حقاً ولا واجبة الامتثال.

الاحتمال الثاني:

أن المهدي بعد ظهوره – على ما سنعرف في التاريخ القادم – سوف يصدر قوانين جديدة، ويعطي للإسلام تفاصيل وتطبيقات جديدة. فقد يكون من المحتمل أن تكون تلك الأحكام والقوانين سارية المفعول خلال الغيبة الكبرى أيضاً. مما ينتج أن يكون الاقتصار على امتثال الأحكام السابقة على الظهور، غير كافية.

إلا أن هذا الاحتمال غير موجود البتة: لليقين بأمرين:

الأمر الأول:

إن أحكام ما بعد الظهور لن تكون ذات أثر (رجعي) بحيث تشمل الزمن السابق عليها.

فإن الإمام المهدي (ع) إنما يصدر قوانينه الجديدة بناء على مصالح وأسباب تتحقق بعد الظهور، وليس لها في عصر الغيبة الكبرى عين ولا أثر.

صفحة (312)

الأمر الثاني:

أننا – على أي حال – نجهل تلك الأحكام بالمرة، والجهل بالحكم بهذا الشكل، سبب طاف للمعذورية عن امتثاله أمام الله تعالى ورسوله (ص)، بحسب قواعد الإسلام.

إذن، فتكون الأحكام الإسلامية الصادرة المعلنة، منذ عصر الرسالة، نافذة المفعول، بكل تفاصيلها وخصائصها،من دون معارض ولاناسخ، ويجب على الفرد إطاعتها وامتثالها. وهو واضح من وجهة النر الإسلامية.

وهذا هو المراد من عدد من الأخبار على اختلاف مضانيها، تأمر المسلم بالبقاء على ما كان عليه من عقيدة وتشريع... بالرغم من تيار الفن وشبهات الانحراف.

أخرج ابن ماجة(1) عن رسول الله (ص) أنه ذكر التكليف في عصر الفتن فقال: تأخذون بما تعرفون وتعدون ما تنكرون. وتقبلون على خاصتكم وتذرون أمر عامتكم.

والمراد بهذا الحديث الشريف، بعد فهمه على أساس القواعد الإسلامية العامة... وهو وجوب الأخذ بما قامت عليه الحجة من أحكام الإسلام أو عقائده. بمعنى أنه متى دل الدليل الصحيح على كون شيء معين هو حكم إسلامي أو عقيدة إسلامية، وجب الأخذ به، بمعنى لزوم العمل عليه إن كان حكماً ووجوب الاعتقاد به إن كان عقيدة. وأما ما كان محالفاً لذل، فيجب رفضه واعتباره انحرافاً وفساداً.

وأما الذين يشخصون ذلك، ويفهمون ما هو الحكم الإسلامي من غيره، وما هو الدليل الصحيح وما هو الفاسد، فليس هم العامة أو الجمهور الذين ينعقون مع كل ناعق يميلون مع كل ريح... فإنهما – لا محالة – تؤثر فيهم موجات الانحراف وتغريهم المصالح والشهوات. فيحب الاعراض عنهم كوجهين وقادة وأصحاب رأي. وإنما توكل هذه المهمة إلى المختصين بالنظر إلى الأدلة الإسلامية واستنتاج الأحكام، والمفكرين الذين اتبعوا أنفسهم في تحقيق وتدقيق العقائد والمفاهيم والأحكام.

ــــــــــــــ

(1) أنظر السنن ص 1308 جـ 2.

صفحة (313)

وبهذا بريد النبي (ص) أن يلفت نظر الفرد المسلم إلى وجوب الإلتفاف حول هؤلاء الخاصة من العلماء الذين يطلعونه على الحق ويبعدونه عن الباطل، وينقذونه من تيار الفتن، ويحرزون له النجاح في التمحيص الالهي الكبير.

ومثل هذا الحديث عدة أخبار، رواها الصدوق في إكمال الدين(1) عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام. ففي أحد الأخبار يقول (ع): إذا أصبحت وأمسيت لاترى إماماً تأتم به ( يعني عصر الغيبة الكبرى ) فأحبب من كنت تحب وأبغض من كنت تبغض، حتى يظهره الله عز وجل.

وفي حديث آخر: تمسكوا بالأمر الأول حتى تستبين لكم. وفي حديث ثالث: فتمسكوا بما في أيديكم حتى يتضح لكم الأمر. وفي حديث رابع: كونوا على ما أنتم عليه حتى يطلع عليكم نجمكم (يشير إلى ظهور المهدي (ع)).

والأمر الأول الذي في اليد، هو أحكام الإسلام وعقائده الصحيحة النافذة المفعول في هذه العصور. ومعنى التمسك به تطبيقه في واقع الحياة، سلوكاً وعقيدة ونظاماً.