الفصل الخامس

 

في مراسلة المهدي (ع) للشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد البغدادي قدس سره 

فقد تفرد الطبرسي في الاحتجاج بذكر كتابين أرسلهما الإمام المهدي (ع) إلى الشيخ المفيد ، يتضمنان بعض المطالب الصحيحة الواعية ، وبعض التنبؤات الرمزية على ما سنذكر .

وينبغي أن نتحدث عن هاتين الرسالتين ضمن عدة نواحٍ :

الناحية الأولى :

فيما ينبغي أن نعامل به هاتين الرسالتين ، بحسب القواعد العامة ،من حيث سندهما تارة ومن حيث مداليلهما أخرى. ومن هنا يقع الكلام في أمرين :

الأمر الأول :

في سند هاتين الرسالتين .

والملاحظ في هذا الصدد أن الطبرسي ذكرهما بدون سند ، ولم نجدهما في المصادر المتأخرة عنه فضلاً عن المتقدمة عليه . فهما روايتان مرسلتان وغير قابلتين للإثبات التاريخي من هذه الناحية .

إلا أن الذي يرجح الأخذ بهما عدة أسباب :

السبب الأول :

إرسال الطبرسي لهما إرسال المسلمات ، مما يدل أنه كان معتقداً بصحة سندهما ، وربما يكون قد حذفه لمدى شهرته ووضوحه ، كما فعل في كثير من روايات كتابه ، وإن كانت مصادر هذه الإسناد قد تلفت في العصور المتأخرة عنه . وهذا السبب يعطي ظناً كافياً بصحة السنة ، وإن كان لا يبلغ حد الإثبات التاريخي .

صفحة (137)

السبب الثاني :

تضمن الروايتين ، على ما سنسمع لتوجيهات عالية وتنبؤات صادقة . بحيث لو كنا علمنا بها قبل وقوع الحوادث المذكورة فيها ، لجزمنا بعدم إمكان صدورها إلا عن المهدي (ع) .

السبب الثالث :

إن المصلحة العامة تقتضي صدور هذه الرسائل ، في أول زمان الغيبة الكبرى ، وذلك لإحراز مصلحتين :

المصلحة الأولى :

إعطاء المهدي (ع) لقواعده الشعبية القواعد العامة والمفاهيم الأساسية التي ينبغي أن يعرفها الناس وتكون سارية المفعول خلال عصر الغيبة الكبرى . بحيث لولاها لكان من المحتمل أن يُساء التصرف في الدين ، وينغلق باب الوصول إلى الأهداف المطلوبة في الإسلام .

ومن الطبيعي أن يكون إبلاغ هذه القواعد والمفاهيم ، موقوتاً في أول الغيبة الكبرى ، لئلا يمر زمان كبير والناس غافلون عن مثل هذه التوجيهات .

المصلحة الثانية :

إعطاء المهدي (ع) القيادة الرئيسية من الناحية الإسلامية بيد العلماء الصالحين ، بعد أن انسحب هو منها من الناحية العملية ، وانتهى السفراء الخاصون أيضاً . فكان أهم العلماء الصالحين في ذلك العصر ، هو الشيخ المفيد، ومن هنا وجّه الرسالة إليه ، ليكون هو – بصفته عالماً صالحاً – المنطلق الأول لانتشار التعاليم العليا والتوجيهات الرئيسية .

صفحة (138)

وهذا خط كان قد بدأه الإمام العسكري (ع) حين أرسل لابن بابويه رسالة يعبر عنه بقوله : يا شيخي يا أبا الحسن. كما سبق أن سمعنا في تاريخ الغيبة الصغرى(1) .

وحيث نعلم أن الأسلوب الطبيعي لإيجاد هاتين المصلحتين ، منحصر بطريق المراسلة ، كما كان عليه الحال خلال الغيبة الصغرى ، يكون الظن عندئذ بصدور الظن أن هاتين الروايتين يصلحان للإثبات التاريخي ، بالرغم من الإرسال الذي يتصفان به .

الأمر الثاني :  في مداليل هاتين الرسالتين :

ينقسم مدلولهما – بشكل رئيسي – إلى قسمين :

القسم الأول :

التوجيهات العامة التي يذكرها الإمام لقواعده الشعبية ، وكلها صحيحة ومتينة ، ما عدا أمور قليلة لا تخلو من المناقشة ، على ما سوف نشير . ولا يضرنا ذلك حتى لو أنكرنا صحة هذه الأمور ، فإن إنكار البعض لا يقتضي إنكار الكل ، كما سبق أن أكدنا عليه .

القسم الثاني :

التنبؤات بوقوع حوادث قريبة أو بعيدة بالنسبة إلى زمن صدور الرسالة . ويغلب على عبارات هذه التنبؤات، شكل الرمزية والغموض والكلية في المدلول ، بحيث يصعب تشخيصها علينا ، ونحن بهذا البعد الكبير ، وما لم نجده فالواقع الذي نحسه هو أن من قرأه في ذلك الزمن فهمه حق فهمه ، وخاصة وهو يعيش الحوادث ، التي أشار إليها المهدي في كتابه .

والرسالتان ، كما عرفنا ، غير خاصة بالشيخ المفيد ، وإن كان هو المرسل إليه ، وإنما هي عامة لكل الخواص من المؤمنين بالمهدي (ع) . ومعه لا تكون الحوادث المذكورة في الخطاب خاصة بالسنين التي عاشها الشيخ المفيد ، بل لعل عدداً من الحوادث كانت سوف تحصل بعد وفاته ، وبذلك ينفتح لنا مجال واسع للتعيين التاريخي للحوادث .

ــــــــــــــــــ

(1) انظر : ص 196 منه .

صفحة (139)

الناحية الثانية :

في بيان تاريخ صدور هذين الخطابين من حيث الزمان والمكان ، ونحو ذلك .

أما الرسالة الأولى فقد وصلت في أخواخر شهر صفر عام 410 ، أي قبل ثلاثة أعوام تقريباً من وفاة المرسل إليه الشيخ المفيد الذي توفي عام 413(1) .

والرسالة الأخرى مؤرخة في عام 412 أي قبل وفاته بعام واحد . ويكون قد مر ما يزيد على الثمانين عاماً بقليل على وفاة الشيخ علي بن محمد السمري ،السفير الرابع .. أي على انتهاء الغيبة الصغرى وبدء الغيبة الكبرى عام 326(2) .

وذكر موصل الكتاب الأول : أنه يحمله من ناحية متصلة بالحجاز(3) . فنعرف من ذلك أن المهدي (ع) كان في ذلك الحين في نواحي الحجاز ، وقد أرسل هذه الرسالة من هناك بيد بعض خاصته .

والرسالة الثانية مؤرخة في غرة شوال(4) من العام المشار إليه . وقد وصلت يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة في نفس العام(5) أي أنها بقيت في الطريق ، إلى المرسل إليه ثلاثة أشهر إلا سبعة أيام .

وكلا الخطابين مكتوبان بإملاء المهدي (ع) وخط غيره من بعض ثقاته ، كما يظهر من الرسالة الأولى ، وتنص عليه الرسالة الثانية . ولكنهما معاً مذيلان بأسطر قليلة بخط الإمام نفسه ، يشهد فيها بصحة هذا الكتاب ، ويأمر الشيخ المفيد بإخفاء الرسالة تاماً عن كل أحد . ولكن عليه أن يكتب عنها نسخة ليطلع عليها الموثوقين من أصحابه أو يبلغه لهم شفاها ليعملوا بما فيه .

ــــــــــــــــــ

(1) الكامل ، جـ 7 ، ص 313 .  (2) انظر تاريخ الغيبة الصغرى ، ص 413 .  (3) الاحتجاج ، جـ2 ، ص 318 .

(4) المصدر ، ص 325 .  (5) المصدر ، 324 .

صفحة (140)

الناحية الثانية :

في بيان نبذة عن الظروف التاريخية التي صدر في غضونها هذان الخطابان . بحسب ما دلنا عليه التاريخ الإسلامي العام . فإن ذلك مما سنحتاجه لدى الخوض في تفسير ما ذكره الخطاب من التنبؤات .

ويمكن تلخيص الكلام في هذه الظروف التاريخية في عدة نقاط :

النقطة الأولى :

كانت البلاد الإسلامية في ذلك الحين تعاني التفكك والتفسخ المؤسف ، في أواخر عهد البويهيين في بلاد فارس ، ورجوع أمرهم إلى القتال بين أمرائهم وقوادهم ، وبينهم وبين الأتراك الحاكمين لخراسان وما وراء النهر ، بعد الدولة السامانية .

وكان أمر الأندلس قد آل إلى التفرق والانحلال عام 407(1) . وأما مصر فقد استقل بها العلويون "الفاطميون" أولاد المهدوي الإفريقي . وكان أن توفي الحاكم بأمر الله عام 411 وولي بعده ابنه الظاهر(2). وتكاد مصر أن تكون أكثر البلاد استقراراً بأيديهم .

وأما الشمال الإفريقي ، فقد آل إلى التفرق وتنابذ الأمراء بعد أن غادره المعز لدين الله إلى مصر عام 341(3) حيث أسس الدولة الفاطمية فيها . وكان في الشمال الإفريقي حرب عام 406 ، تكشفت عن فوز أميرها باديس ، وخلفه بعده موته في نفس العام ابنه المعز(4) حتى مات عام 413(5) .

ــــــــــــــــــ

(1) الكامل ، جـ 7 ، ص 290 .  (2) المصدر ، ص 304 .  (3) الكامل ، جـ 6 ، ص 341 .

(4) المصدر ، جـ 7 ، ص 279 .  (5) المصدر ، ص 313 .

صفحة (141)

وأما بغداد ، فلا زالت منذ عام 381 بيد القادر بالله العباسي . وكان قد رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في المنام قبل خلافته ، وهو يقول له : هذا الأمر صائر إليك، ويطول عمرك فيه ، فأحسن إلى ولدي وشيعتي(1).

وكانت نقابة العلويين هناك قد صارت إلى الشريف المرتضى علم الهدى ، بعد وفاة نقيبها محمد بن الحسين الشري الرضي عام 406(2) .

حتى مكة لم تنج من الاغتشاش ، ففي عام 414 في النفر الأول يوم الجمعة ، قام رجل من مصر بإحدى يديه سيف مسلول وفي الأخرى دبوس وضرب الحجر الأسود ثلاث ضربات بالدبوس . وقال : إلى متى يعبد الحجر الأسود ومحمد وعلي ، فليمنعني مانع من هذا ، فإني أريد أن أهدم البيت . فخاف أكثر الحاضرين وتراجعوا عنه ، وكاد يفلت.فثار به رجل فضربه بخنجر فقتله وقطعه الناس واحرقوه . وقتل ممـن اتهم بمصاحبته جماعة واحـرقوا(3) .

ولم تنج بغداد من اختلاط الأمور ، عام 416 بيد السراق والعيارين(4) وعام 417 بيد الأتراك حتى أحرقوا المنازل والدروب(5) .

النقطة الثانية :

كان أثر هذه الفتن سارياً إلى الحج نفسه ، فقد كان يعاني الحجاج صعوبات جمة ، إلى حد قد ينقطع الحج بالكلية ، كما حدث عام 401(6) وعامي 410 و 411(7) وعام 416(8) وعام 417(9) وعام 418(10) على التوالي .

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ، ص 149 .   (2) المصدر ، ص 281 .   (3) الكامل ، جـ 7 ، ص 314 .  (4) المصدر ، ص 423 .

(5) المصدر ، ص 325 .  (6) المصدر ، ص 256 .  (7) المصدر ، ص 310 . (8) المصدر ، ص 324 .

(9) المصدر ، ص 327 .  (10) المصدر ، ص 330 .

صفحة (142)

وكانت هناك سعايات حسنة عام 412 لأجل سلامة الحجاج(1) من قبل صاحب خراسان محمد بن سبستكين الملقب بيمين الدولة .

النقطة الثالثة :

أنه كانت تقع حوادث مؤسفة بين أهل الإسلام من المذاهب المختلفة .

والسبب الرئيسي في ذلك : هو أن الحكم كان محسوباً على الشيعة منذ تأسيس الدولة البويهية في فارس والعراق والدولة الحمدانية في حلب . وكان البويهيون هم المسيطرون على استخلاف الخليفة واستيزار الوزير . وكانوا يعطون لأهل مذهبهم الحرية الكاملة في إقامة شعائرهم والقيام بأعيادهم ومآتمهم . وكان هذا يحدث أثراً سيئاً لدى ذوي المذاهب الإسلامية الأخرى ، ولم يكن لديهم حكم مباشر ليتوقعوا من الحاكمين أن يحولوا دون هذه المظاهر .

فكان الشعب نفسه هو الذي يحاول أن يحول دون ذلك ، وخاصة حين يجد من الشيعة اندفاعاً طائفياً مؤسفاً، اغتناماً لفرصة الحرية المعطاة لهم . فكانت أيام المناسبات العامة تشهد حرباً عامة بين أهل الإسلام . ولعمري لو كان كال فريق منهم يشعر بمسؤوليته الإسلامية وإخوته الدينية ، لما عمل ما عمل ، ولما صدر منه ما صدر ، ولله في خلقه شؤون .

ولم يكن أهل المذاهب الأخرى ، ليجدوا الفرصة المواتية ، حال قوة الدولة البويهية وجبروتها . وإنما انفسح لهم المجال بشكل واضح في الفترة التي نؤرخ لها ، باعتبار ما آل إليه أمر البويهيين من التفرق والانحلال .

ولسنا نريد أن نطيل في وصف الحوادث . وحسبنا أن نعرف ، أنه قد حدث في بغداد في يوم عاشوراء عام 406 حوادث مؤسفة(2) ،وفي العام الذي يليه في واسط(3) وفي شمال إفريقيا حيث قتلت جميع الشيعة،كما ذكر التاريخ(4).

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ، ص 310 .  (2) الكامل ، جـ 7 ، ص 281 .  (3) المصدر ، ص 295 . (4) المصدر ، ص 294 .

صفحة (143)

وكذلك في بغداد في عام 408 أيضاً(1) واشتد عام 409 وحتى أدى إلى نفي أبي عبدالله النعمان الشيخ المفيد من بغداد(2) . وتكرر مثل ذلك في الكوفة عام 415(3) وفي بغداد أيضاً عام 422(4) .

النقطة الرابعة :

كانت الطبيعة أيضاً تشارك في الحوادث ، وكأنها تظهر الأسف على الظلم الساري على الأرض .

ففي عام 401 انقض كوكب كبير لم ير أكبر منه . وفيها زادت دجلة إحدى وعشرين ذراعاً ، وغرق كثير من بغداد والعراق(5) .

وفي عام 406 وقع بالبصرة وما جاورها وباء شديد ، حتى عجز الحفارون عن حفر القبور(6) وفيها نزل في حزيران مطر شديد في بلاد العراق وكثير من البلاد(7) .

وفي رمضان من عام 417 انقض كوكب عظيم استنارت له الأرض ، فسمع له دوي عظيم (8) .

وفي العام الذي يليه سقط في العراق جميعه بَرَد يكون في الواحدة رطل أو رطلان ، وأصغره كالبيضة ، فأهلك الغلات ، ولم يسلم منها إلا القليل(9) .

وفي نفس العام في آخر تشرين الثاني ، هبت ريخ باردة في العراق جمد منها الماء والخل وبطل دوران الدواليب في جدة(10) .

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ، ص 299 .  (2) المصدر ، ص 300 .  (3) المصدر ، 316 .  (4) المصدر ، ص 355 . (5) المصدر ، ص 256 .

(6) المصدر ، ص 281 .  (7) المصدر والصفحة .  (8) المصدر ن ص 327 .  (9) المصدر ، ص 330 .  (10) المصدر والصفحة .

صفحة (144)

وفي عام 421 سقط في البلاد بَرَد عظيم ، وكان أكثر في العراق فقلعت شجراً كباراً من الزيتون من شرقي النهروان وألقته على بعد من غربيها . وقلعت نخلة من أصلها وحملتها إلى دار بينها وبين موضع هذه الشجرة ثلاث دور ، وقلعت سقف المسجد الجامع ببعض القرى(1) .

الناحية الرابعة :

في استعراض نص الرسالة الأولى :

"للأخ السديد والولي الرشيد الشيخ المفيد أبي عبدالله محمد بن محمد بن النعمان ، أدام الله أعزازه ، من مستودع العهد المأخوذ على العباد .

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد ، سلام عليك أيها الولي المخلص في الدين ،المخصوص فينا باليقين .فأنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأل الصلاة على سيدنا ومولانا ونبينا محمد وآله الطاهرين .

ونُعلمك – أدام الله توفيقك لنصرة الحق ، وأجزل مثوبتك على نطقك عنا بالصدق - : أنه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة وتكليفك ما تؤديه عنا إلى موالينا قِبَلَك ، أعزهم الله بطاعته ، وكفاهم المهم برعايته لهم وحراسته . فقف – أيدك الله بعونه على أعدائه المارقين من دينه – على ما أذكره وأعمل على تأديته إلى من تسكن إليه بما نرسمه إن شاء الله .

نحن وإن كنا ناوين(2) بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين ، حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين . فأنا نحيط علماً بأنبائكم ولا يعزب عنا شيء من أخباركم ، ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً ، ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون .

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ، ص 343 .   (2) في المصدر : ناوين بالنون الموحدة والظاهر كون ثاوين بالثاء المثلثة .

صفحة (145)

أنا غير مهملين لمراعاتكم ، ولا ناسين لذكركم ، ولولا ذلك لنزل بكم الأواء , وأصطلمكم الأعداء . فاتقوا الله جل جلاله ، وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم ، يهلك فيها من حم أجله ويحمى عنها من أدرك أمله . وهي إمارة لأزوف حركتنا ومبّاثتكم بأمرنا ونهينا . والله متم نوره ولو كره المشكرون .

اعتصموا بالتقية ، من شب نار الجاهلية ، يحششها عصب أموية ، يهول بها فرقة مهدية . أنا زعيم بنجاة من لم يرم فيها المواطن وسلك في الطعن منها السبل المرضية .

إذا حل جمادي الأولى من سنتكم هذه ، فاعتبروا بما يحدث فيه ، واستيقظوا من رقدتكم لما يكون في الذي يليه .

ستظهر لكم في السماء آية جلية ، ومن الأرض مثلها بالسوية . ويحدث في أرض المشرق ما يحزن ويقلق. ويغلب من بعد على العراق طوائف عن الإسلام مرّاق ، تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق . ثم تنفرج الغمة من بعد ببوار طاغوت من الأشرار ، ثم يستر بهلاكه المتقون الأخيار .

ويتفق لمريدي الحج من الآفاق ما يأملونه منه على توفير عليه منهم واتفاق . ولنا في تيسير حجهم على الاختيار منهم والوفاق ، شأن يظهر على نظام واتساق .

فليعمل كل أمرءٍ منكم بما يقربه من محبتنا ، ويتجنب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا ، فإن أمرنا بغتة فجأة ، حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من عقابه ندم على حوبة .

والله يلهمكم الرشد ، وبلطف لكم في التوفيق برحمته .

وبعده يلي توقيع الإمام المهدي (ع) في ذيل الكتاب ، كما أشرنا إليه في الجهة الثانية من هذا الفصل(1) .

ــــــــــــــــــ

(1) انظر الاحتجاج ، جـ 2 ، ص 323 .

صفحة (146)

الناحية الخامسة :

في شرح المفاهيم والتنبؤات الرئيسية التي وردت في هذا الخطاب . ويمكن إعطاء تفاصيل ذلك ، ضمن عدة نقاط :

النقطة الأولى :

قوله (ع) : قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة .

فإن المهدي (ع) لا يقوم بالعمل إلا بإدن الله تعالى ، وحيث صدر الإذن بإرسال هذا الكتاب ، فقد تصدى المهدي لإرساله .

ولفهم هذا الإذن أطروحتان :

الأولى : صدور الإذن المباشر من قبل الله عز وجل في كل واقعة واقعة . ذلك الإذن المستفاد بالإلهام ونحوه من مراتب العلوم التي يختص بها الإمام المعصوم (ع) كما دلت عليه بعض الأخبار .

الثانية : الإذن الإلهي المستفاد من بعض القواعد العامة التي يعرفها المهدي عليه السلام ، ويستطيع تطبيقها في كل مورد . تلك القواعد التي نعبر عنها باقتضاء المصلحة الإسلامية لشيء من الأشياء . فإذا أحرز المهدي (ع) ، وجود المصلحة في المراسلة مثلاً ، فقد أحرز وجود الإذن الإلهي بالعمل على طبق تلك المصلحة . ومعه يكون سبب الإذن، هو وجود المصلحة ليس إلا ، من دون إذن مباشر ، كما قالت الأطروحة الأولى .

وترجيح إحدى الأطروحتين على الأخرى موكول إلى القارئ .

النقطة الثانية :

قوله عليه السلام : أعزهم الله بطاعته .

وهو تنبيه إلى استلزام الخروج عن طاعة الله تعالى للذل والصغار ، واستلزام الالتزام بها للعز والشرف . فيجب الخروج من ذل معصية الله والدخول في عز طاعة الله تعالى .

وذلك واضح جداً بحسب مفاهيم الإسلام ، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين . والخضوع لله تعالى هو الخضوع للحق من ناحية ، وخضوع مجانس لما خضع له الكون كله وهو القدرة الأزلية والحكمة اللانهائية ، وكلا الأمرين عدل وحق ن بمنطق العقل الصحيح .

صفحة (147)

على أن الخضوع لله عز وجل ، بمعنى الالتزام بأوامره ونواهيه وقصر السلوك عليها ، يغني الفرد عن اتباع سائر مصادر التشريع البشرية المنحرفة التي على الانزلاق إلى مهاوي الباطل ، وعلى رأسها المصالح الشخصية والقوانين الوضعية ... فيكون الفرد متعالياً عنها عزيزاً منيعاً من جهتها .

على حين  أن البعد عن الالتزام بتعاليم الله العادلة ، يستلزم – لا محالة – وجود فراغ في السلوك ، يملؤه الفرد بأساليب الانحراف ، فيكون خاضعاً لمقتضياته ، وذليلاً أمامها . وهو معنى ذلة معصية الله عز وجل .

وهناك أكثر من معنى آخر ، لمعنى العزة في طاعة الله عز وجل ، لا حاجة إلى الإطالة ، بسبب بيانه .

وعلى أي حال ، فهذا هو المراد بقوله : أعزهم الله بطاعته . وبقوله : ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم منذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً ، ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون .

فإن السلف الصالح كان عزيزاً بطاعة الله تعالى والالتزام بتعاليمه ، وكان شاسعاً – أي بعيداً – عن معصية الله عز وجل . وكان ملتزماً بالعهد الذي قطعوة أمام ربهم بالطاعة ، بصفتهم مسلمين إليه عارفين بأهمية تعاليمه .

فلما اتجه الخلف إلى ما كان السلف مبتعداً عنه ، وهو المعصية ومخالفة التعاليم الإسلامية ، أصبحوا أذلاء أمام مقتضيات الانحراف والمصالح الخاصة ، وبالتالي أمام أعداء الحق والإسلام . فأصبحوا مقصرين تجاه دينهم وعهد ربهم وأمتهم وأنفسهم .

ومن هنا نشعر – من وراء التعبير – بالمرارة والأسف الذي يعتلج في نفس الإمام المهدي (ع) من هذا الانحراف .

النقطة الثالثة :

قوله : نحن وإن كنا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين ، حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين .

صفحة (148)

وهذا البعد عن مساكن الظالمين ، لا ينافي أياً من الأطروحتين الرئيسيتين ، وكأن في هذا امتثالاً للأمر الذي ذكره المهدي لعلي بن مهزيار عن والده عليه السلام في أنه يسكن أقاصي الأرض وقفارها . وهو في ذلك المكان النائي يمكن أن يكون مختفي الشخص طبقاً لأطروحة خفاء الشخص ، أو ظاهر الشخص ، طبقاً لأطروحة خفاء العنوان .

وإذا كان مناسباً مع كلا الأطروحتين لم يكن نافياً لأي منهما ، ولا معيناً لإحداهما . وإن كان لا يخلو – على كلا الأطروحتين – من بعض المناقشات ، التي لا مجال للدخول في تفاصيلها .

وهذا الصلاح الذي يشير إليه في هذه العبارة ، يمت في الحقيقة إلى أصل الغيبة بصلة ، لا إلى مجرد النأي في المكان ،وإنما أخذ ذلك في السياق استطراقاً إلى الإشارة إلى مفهوم الغيبة نفسه . ومعه فالصلاح الذي رآه الله تعالى للمهدي وللمؤمنين به ، إنما هو في الغيبة نفسها . وهذا ما سيأتي تفصيله في القسم الثاني من هذا التاريخ.

النقطة الرابعة :

بيانه عليه السلام أنه يعيش على مستوى الأحداث ، يحيط علماً بكل الأنباء وتصله جميع الأخبار . حين قال: فأنا نحيط علماً بأنبائكم ، ولا يعزب عنا شيء من أخباركم .

صفحة (149)

وهناك لإمكان اطلاعه على الأخبار ، عدة أطروحات :

الأطروحة الأولى :

أنه عليه السلام يعلم بالأخبار ويطلع على أفعال الناس ، عن طريق الإلهام الإلهي ، أو الطريق الإعجازي الميتافيزيقي . ويؤيد ذلك ما دل على أن أعمال البشر أجمعين برها وفاجرها تعرض على الإمام في كل يوم وليلة ، ليرى فيها رأيه . وهو قوله تعالى : }فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون| ، وهم الأئمة عليهم السلام ، على ما نطقت به هذه الروايات(1) .

ويمكن أن يؤيد ذلك بمفهوم اجتماعي إسلامي ، وحاصله : ضرورة كون الإمام مؤيداً بالإلهام ، وذلك انطلاقاً من ثلاث مقدمات :

المقدمة الأولى :

إن الله تعالى حين ينيط مهمة معينة بشخص ، لا بد أن يجعل فيه القابلية الشخصية لتنفيذها والقيام بمتطلباتها . ومن الواضح عدم إمكان إيكال المهمة إلى شخص قاصر عنها أو عاجز عن تنفيذها .

المقدمة الثانية :

إن الله تعالى أوكل إلى النبي (ص) أولاً وإلى خلفائه المعصومين ثانياً ، قيادة العالم ، بحيث لو سمنحت الظروف لأي واحد منهم أن يقوم بالفتح العالمي الكامل لوجب عليه ذلك ، ولباشر القيادة العالمية بنفسه .

إذن ، فكل واحد من المعصومين قائد عالمي معد – من الناحية النظرية على الأقل – للقيام بمهمته الكبرى. ومعه لا بد – طبقاً للمقدمة الأولى – أن يكون لكل واحد منهم القابليات الكافية للقيادة العالمية ، والقيام بمثل هذه المهمة العظيمة .

المقدمة الثالثة :

إن القيادة العالمية تتوقف عن الإلهام ، لا محالة . فإن قيادة العالم شيء في غاية الدقة والعمق والتعقيد . ونحن نرى أن الدول لا زالت تحكم جزءاً من العالم بهيئات كبيرة وأفراد كثيرة ، وتنظيمات دقيقة وقوانين صارمة ، ومع ذلك فهي كثيرة الفشل في أعمالها وأقوالها . فكيف من يحاول قيادة العالم بمجموعه ، بحيث ترجع المقاليد العامة للحكم إلى شخصه فقط ، من الناحية الفكرية والعملية معاً .

ومعه ، فهذه المهمة لا يمكن تنفيذها ، إلا بوجود الإلهام للقائد العالمي . وحيث أن المهدي (ع) هو أحد الأئمة المعصومين ، طبقاً للمذهب الإمامي ، وقد ثبت بالضرورة كونه هو القائد العالمي في يوم العدل الموعود طبقاً لضرورة الدين الإسلامي ، بل كل الأديان السماوية ... إذن فيتعين كونه مؤيداً بالإلهام من قبل الله عز وجل . وإذا كان مؤيداً بالإلهام من قبل الله عز وجل . وإذا كان مؤيداً بالإلهام ، فلا غرابة من اطلاعه على أعمال العباد وكونه على مستوى الأحداث .

وهذه الأطروحة ، منسجمة مع كلتا الأطروحتين الرئيسيتين السابقتين .

ــــــــــــــــــ

(1) انظر هذه الأخبار في الكافي لثقة الإسلام الكليني، باب: عرض الأعمال على النبي(ص) والأئمة عليهم السلام.

صفحة (150)

الأطروحة الثانية :

أننا إذا غضضنا النظر عن الأطروحة الأولى ، وقلنا أن الإمام مؤهل طبيعياً لقيادة العالم من دون أي عنصر ميتافيزيقي . وكنا ملتزمين – كما هو الحق – بالأطروحة الرئيسية الثانية : أطروحة خفاء العنوان ...

إذن يثبت أن المهدي (ع) يعيش في المجتمع بشخصيته الثانية ، يتصل بالناس ويتكلم معهم ويفحص عن أخبارهم . من دون أن يخطر في بال أحد أنه هو المهدي المنتظر (ع) . بل قد يستطيع أن يخطط لاستقصاء تفاصيل الأخبار من سائر بلدان العالم وزواياه !

الأطروحة الثالثة :

إذا غضضنا النظر عما في الأطروحة الأولى من ثبوت الإلهام للإمام ، وعما في الأطروحة الثانية من معيشته وسكناه في صميم المجتمع . وأخذنا بما دل عليه هذا الخطاب ,ودلت عليه رواية ابن مهزيار ،من بُعد المهدي (ع)، عن المجتمعات ، وانفراده في السكنى بعيداً عن الناس .

 

إذن ، فمن الممكن للمهدي (ع) أن يعرف أخبار الناس عن طريق خاصته الذين يرونه ويعرفونه ،وهم في كل جيل، ثلاثون أو أكثر ، فيخطط عن طريقهم للاطلاع على أخبار أي مجتمع في العالم شاء .

وهذه الأطروحة تناسب مع كلا الأطروحتين الرئيسيتين . أما مناسبتها مع أطروحة خفاء العنوان فواضحة ، إذ يفترض – بعد كل ما سلف – أن المهدي (ع) ظاهر بالشخص ولكنه غير معروف الحقيقة ، وهو منعزل عن المجتمعات والجماعات ، لا يعرفه ولا يتصل به إلا خاصته . ومعه فيمكن للمهدي (ع) الحصول على الأخبار عن طريق هؤلاء الخاصة ، أو عن طريق وروده المجتمعات .

صفحة (151)

أحياناً بدون أن يكون ملفتاً للنظر أو مثيراً للانتباه ، ليستطلع من الأخبار ما يشاء أو يحادث من يريد كما يريد ، ثم يرجع إلى مسكنه متى أراد .

وأما مناسبة هذه الأطروحة ، مع أطروحة خفاء الشخص ، فلعدم اختفائه الشخصي عن خاصته ، وإن كان مختفياً عن سائر الناس . ومن الواضح أن خاصته غير مختفين عن الناس ، فيكونون هم همزة الوصل بين الناس وبينه ، في نقل أخبارهم إليه ، ونقل أخباره إليهم إذا لزم الأمر .

وعلى أي حال ، فكل واحدة من هذه الأطروحات الثلاث ، تبرهن إمكان أن يكون المهدي (ع) حال غيبته على مستوى الأحداث الاجتماعية ومواكبتها خبراً خبراً . وللقارئ أن يختار أياً من هذه الأطروحات شاء ، وإن كنت أعتقد بصعوبة التصديق بالأطروحة الثالثة باستقلالها ، لابتنائها على تنازلات غير صحيحة ، وغض النظر عن أمور واقعية .

النقطة الخامسة :

إن المهدي عليه السلام ، لمدى لطفه بنا ، وشعوره بالمسؤولية تجاهنا ،هو غير مهمل لمراعاتنا ولا ناس لذكرنا، ولولا ذلك لنزل بناء الأواء – وهو الشر – واطلمنا الأعداء ، أي استأصلونا وأبادونا . فجزاه الله عنا خير جزاء المحسنين .

فمن هنا يظهر بوضوح ، ما للمهدي عليه السلام من تأثير كبير في صلاح حال قواعده الشعبية وراحتهم وأمانهم ، بالمقدار الممكن له في غيبته . بل أنهم لمدينون له بالحياة ، إذ لولا أياديه الفاضلة ومساعيه الكاملة ، لما بقي لقواعده الشعبية وجود ، ولأبيدوا عن آخرهم تحت ضربات الأعداء المهاجمين ، وما أكثرهم في كل جيل .

وهذا التأثير من قبل المهدي (ع) يعتبر من أهم مسؤولياته الإسلامية حال غيبته ، كما عرفنا .

وهذا التأثير يكون واضحاً جداً بناء على الأخذ بأطروحة خفاء العنوان ، سواء قلنا بأن المهدي (ع) يعيش في المجتمعات أو قلنا أنه يعيش خارجاً عنها ... إذ على أي حال يستطيع القيام بالعمل المناسب عند الحاجة ، أما بنفسه أو بواسطة خاصته ، بالشكل الذي يستطيع به أن يحول بين الشر وبين وقوعه .

أحياناً بدون أن يكون ملفتاً للنظر أو مثيراً للانتباه ، ليستطلع من الأخبار ما يشاء أو يحادث من يريد كما يريد ، ثم يرجع إلى مسكنه متى أراد .

وأما مناسبة هذه الأطروحة ، مع أطروحة خفاء الشخص ، فلعدم اختفائه الشخصي عن خاصته ، وإن كان مختفياً عن سائر الناس . ومن الواضح أن خاصته غير مختفين عن الناس ، فيكونون هم همزة الوصل بين الناس وبينه ، في نقل أخبارهم إليه ، ونقل أخباره إليهم إذا لزم الأمر .

وعلى أي حال ، فكل واحدة من هذه الأطروحات الثلاث ، تبرهن إمكان أن يكون المهدي (ع) حال غيبته على مستوى الأحداث الاجتماعية ومواكبتها خبراً خبراً . وللقارئ أن يختار أياً من هذه الأطروحات شاء ، وإن كنت أعتقد بصعوبة التصديق بالأطروحة الثالثة باستقلالها ، لابتنائها على تنازلات غير صحيحة ، وغض النظر عن أمور واقعية .

النقطة الخامسة :

إن المهدي عليه السلام ، لمدى لطفه بنا ، وشعوره بالمسؤولية تجاهنا ، هو غير مهمل لمراعاتنا ولا ناس لذكرنا، ولولا ذلك لنزل بناء الأواء – وهو الشر – واطلمنا الأعداء ، أي استأصلونا وأبادونا . فجزاه الله عنا خير جزاء المحسنين .

فمن هنا يظهر بوضوح ، ما للمهدي عليه السلام من تأثير كبير في صلاح حال قواعده الشعبية وراحتهم وأمانهم ، بالمقدار الممكن له في غيبته . بل أنهم لمدينون له بالحياة ، إذ لولا أياديه الفاضلة ومساعيه الكاملة ، لما بقي لقواعده الشعبية وجود ، ولأبيدوا عن آخرهم تحت ضربات الأعداء المهاجمين ، وما أكثرهم في كل جيل .

وهذا التأثير من قبل المهدي (ع) يعتبر من أهم مسؤولياته الإسلامية حال غيبته ، كما عرفنا .

وهذا التأثير يكون واضحاً جداً بناء على الأخذ بأطروحة خفاء العنوان ، سواء قلنا بأن المهدي (ع) يعيش في المجتمعات أو قلنا أنه يعيش خارجاً عنها ... إذ على أي حال يستطيع القيام بالعمل المناسب عند الحاجة ، أما بنفسه أو بواسطة خاصته ، بالشكل الذي يستطيع به أن يحول بين الشر وبين وقوعه .

صفحة (152)

وأما لو أخذنا بأطروحة خفاء الشخص ، فيكون تأثيره في خير المجتمع المسلم – مع غض النظر عن الافتراضات الفلسفية أو العرفانية – محتاجاً إلى تفسير لمنافاة خفاء الشخص مع الاختلاط بين الناس ، كما هو واضح . ويمكن الانطلاق إلى ذلك من أحد طرق :

الطريق الأول :

الدعاء . فإن الدعاء المستجاب عمل اجتماعي صحيح ، كما سبق أن عرفنا .

الطريق الثاني :

العمل بواسطة خاصته الذين يرونه ويعرفونه ،ويراهم الناس ويعرفونهم ،وإن جهلوا حقيقة وساطتهم للمهدي (ع).

الطريق الثالث :

عمله شخصياً بين الناس ، مع افتراض ارتفاع خفاء الشخص عند الحاجة إلى العمل . فيعود خفي العنوان، إلى حين انتفاء العمل .

النقطة السادسة :

قوله : فاتقوا الله جل جلاله ، وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم ، يهلك فيها من حم أجله ويحمى عنها من أدرك أمله

أمرهم بتقوى الله سبحانه ، ومظاهرته – أي المهدي نفسه – بمعنى معاونته على انتياشهم أي إخراجهم وإنقاذهم من فتنة قد أنافت أي أشرفت عليهم . يهلك فيها من حم أجله ، يعني حل قوت موته ، ويحمي فيها من أدرك أمله ، وهو البقاء في الحياة .

وليست هذه الفتنة التي توجب الهلاك ، إلا ما كان يقع من حوادث دامية مؤسفة بين أهل المذاهب الإسلامية.

وإن من أهم المهام التي يستهدفها المهدي (ع) الحيلولة دون وقوع هذا الشر ودفع هذا العداء ، ولذا نسمعه يأمر قواعده الشعبية بأن يعينوه في إنجاز عمله وإيصاله إلى نتيجته وأخذهم بزمام المبادرة إلى القيام بما توجبه عليهم مسؤوليتهم من سلوك وما تقتضيه التعاليم من أعمال ، حتى ينجوا من الهلكة ومن الدخول في هذه الفتنة .

صفحة (153)

النقطة السابعة :

قوله : اعتصموا بالتقية . من شب نار الجاهلية ، يحششها عصب أموية ، يهول بها فرقة مهدية(1) .

وهذا هو المنهج الذي يخطط المهدي (ع) للتخلص من هذه الفتنة ، وهو مكون من فقرتين :

الفقرة الأولى :

الالتزام بالتقية ، بمعنى الاحتياط للأمر واتقاء وقوع الفتن والشر . ومن أهم أساليبه عدم مجابهة أهل المذاهب الإسلامية الأخرى بما يغيضهم ويثير حفيظتهم ، حرصاً على جمع كلمة المسلمين ، وسيادة الأمن في ربوع مجتمعهم .

وليس الأمر بالتقية جديداً أو مستحدثاً منه عليه السلام ، بعد أن كان قد ورد عن آبائه المعصومين عليهم السلام التأكيد عليه . كقولهم (ع) : التقية ديني ودين آبائي ... ومن لا تقية له لا دين له ... وغير ذلك(2). فمخالفة هذا الأمر بشكل يوجب الضرر ، مع عدم وجود مصلحة إسلامية مهمة في إحداثه ،يعتبر من أشد المحرمات في الإسلام.

ومن ثم نرى المهدي (ع) يعبر عن هذه الفتن بنار الجاهلية ، بمعنى أنها تمثل انحرافاً أساسياً عن الإسلام. ويكون من يثيرها من قواعده الشعبية ، مساعداً على هلاك إخوانه المؤمنين .

ــــــــــــــــــ

(1) الظاهر أن قوله : من شب نار الجاهلية ، مبتدأ محذوف الخبر ، أو شرط محذوف الجزاء لوضوحه ، تقديره . فهو عاص أو معاند نحوهما .

(2) انظر أخبار التقية في وسائل الشيعة للشيخ الحر العاملي ن جـ 2 ، ص 545 وما بعدها .

صفحة (154)

الفقرة الثانية :

الالتزام بالهدوء ، والخلود إلى السكينة وضبط الأعصاب ، وعدم التعرض المباشر إلى القلاقل الحادثة . طبقاً لقوله تعالى : }وإذا مروا باللغوة مروا كراماً{(1) .

ولذا نراه يقول : أنا زعيم – أي كفيل وضامن – بنجاة من لم يرم فيها المواطن ، يعنى مواطن الهلاك ، وتجنب الاشتراك الفعلي في القلاقل . وسلك في الطعن منها ، يعنى الفتن ، والاحتجاج على وقوعها ، السبل المرضية في الإسلام بالاعتراض الهادئ وإبداء الرأي الموضوعي الصحيح .

ومن هاتين الفقرتين ، نفهم رأي الإمام عليه السلام ، في هذه الفتن ، ومرارته وأسفه منها ، واعتراضه على مسببيها من أهل الإسلام ، بما فيهم بعض قواعده الشعبية .

النقطة الثامنة :

قوله عن هذه الفتن : وهي إمارة لأزوف حركتنا ، ومبائتكم بأمرنا ونهينا . والله متم نوره ولو كره المشركون .

ولا نستطيع أن نفهم من ذلك ، بطبيعة الحال ، أنه عليه السلام سوف يظهر بعد هذه الفتن فيملاً الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت ظلماً وجوراً . لأن ذلك لم يحدث ، فلا يمكن أن يكون الإعراب عن حدوثه مقصوداً للمهدي (ع). على أن مقتضى القواعد العامة التي عرفناها ، عدم إمكان الظهور في ذلك العصر لعدم توفر شرائطه ومن أهمها كون الأمة على مستوى التضحية الحقيقية في سبيل الإسلام وقيادة العالم كله بالعدل الكامل ... وهو ما لم يكن متوفراً يومئذ بكل وضوح . وسيأتي في القسم الثاني من هذا التاريخ مزيد توضيح لذلك .

ومن هنا احتاجت هذه العبارة من الرسالة إلى تفسير .

وما يمكن أن يكون فهماً كافياً لها ، طبقاً لأطروحة خفاء العنوان ، أحد تفسيرين :

التفسير الأول :

أن يكون المراد من الحركة ، انتقاله من العزلة إلى المجتمعات ، ومن البراري والجبال إلى المدن . باعتبار ما دلت عليه الرسالة نفسها من الاعتزال ، وما قلناه من أن ذلك – لو صح – فهو خاص ببعض الفترات الأولى من الغيبة دون الفترات المتأخرة . ومعه يكون من المحتمل أن يكون المهدي (ع) عازماً على رفع اليد عن الاعتزال في ذلك العصر .

ــــــــــــــــــ

(1) سورة الفرقان 25 / 72 .

صفحة (155)

وإذا ورد المجتمعات ، عاش فيها بشخصيته الثانية لا محالة . وعلى أي حال ، تكون فرص العمل بالنسبة إليه أوسع وأثر أعماله أعمق . ولعل هذا هو المراد من قوله : ومباثتكم بأمرنا ونهينا ... يعني أعطاؤه التوجيهات ، لكن لا بصفته الحقيقية ، بل بشخصيته الثانية .

وهذا التفسير محتمل على أي حال ، لولا ما قد يوجد في التفسير الآتي من مرجحات .

التفسير الثاني :

أن يكون المراد من الحركة ظهوره وقيامه في اليوم الموعود . لكن بشكل لا يراد ظهوره في عصر إرسال هذا الكتاب ، ليكون أخباراً غير مطابق للواقع .

بل يكون المراد ظهوره عليه السلام بعد تلك الفتن ولو بزمان طويل . وهو معنى جعل تلك الفتن من علامات الظهور ، وسنعرف في القسم الثالث من هذا التاريخ ، أنه لا ضرورة لافتراض أن تكون العلامة قبل الظهور مباشرة ، بل من العلامات ما يكون سابقاً على الظهور بكثير . ويكون هذا من ذاك .

وقد يرد إلى الذهن في مناقشة ذلك : أن هذا مخالف لظاهر عبارة الرسالة ، فأنه يقول :وهي إمارة لأزوف حركتنا، ولا يقال : أزف الشيء إلا قرب زمان حدوثه . فكيف يمكن افتراض زمان طويل .

والجواب على ذلك : أننا يمكن أن نفهم من التن المشار إليها كإمارة على أزوف الحركة ، مفهوماً عاماً تشمل كل الانحرافات والمظالم في عصر الغيبة الكبرى ، ومن المعلوم أن هذه المظالم لا تنتهي إلا عند الظهور ، إذن فيكون انتهاؤها إمارة مباشرة للظهور . والله العالم بحقائق الأمور .

صفحة (156) 

النقطة التاسعة :

قوله : إذا حل جمادي الأولى من سنتكم هذه ، فاعتبروا بما يحدث فيه ، واستيقظوا من رقدتكم لما يكون في الذي يليه . وهو شيء لم نستطع أن نتبينه من التاريخ ، وهو لم يحص من الحوادث إلا القليل . نعم : سوى بعض الحوادث "الطبيعية" التي سنشير إليها في النقطة القادمة .

 

النقطة العاشرة :

قوله : ستظهر لكم في السماء آية جلية ، ومن الأرض مثلها بالسوية .

وظاهر سياق التعبير ، كون هذه الآيات تظهر في جمادي الأولى أيضاً من نفس العام ، وهو سنة 401 للهجرة .

أما ما حدث في الأرض ، فقد حدثنا التاريخ أنه في النصف من جمادي الأولى من هذا العام فاض البحر المالح وتدانى إلى الأيلة ودخل البصرة بعد يومين(1) .

وأما ما حدث في السماء ، فهو ما سمعناه من تتابع سقوط النيازك الضخمة ، المعبر عنها في لغة المؤرخين بالكواكب ... ويحدث عند سقوطها صوت شديد وضوء كثير ، كالذي حدث عام 417 ، كما سمعنا فيما سبق .

وهو وإن لم يكن في نفس عام إرسال الخطاب ، إلا أننا قلنا بأن هذا الخطاب ، حيث أنه موجه لمجموع القواعد الشعبية المهدوية ، إذن فمن الممكن أن يتأخر الحادث الموعود عدة سنوات لكونها قليلة بالنسبة إلى عمر الأمة الطويل .

فإن قال قائل : أن هذا مخالف لظهور العبارة الذي فهمناه من السياق وهو حدوث الآيات السماوية والأرضية في جمادي الأولى من نفس العام ، وهو عام 410 .

يكون الجواب عليه : أننا بين أحد أمرين : الأول : رفع اليد عن هذا الظهور ، في حدود الآية السماوية ، فأنه يكفي في صدق السياق كون الآية الأرضية واقعة في نفس الموعد . والثاني : أن نفترض أن جمادي الأول في نفس العام وقعت فيه آية سماوية غير منقولة في التاريخ .

ــــــــــــــــــ

(1) هامش الكامل ، جـ 7 ، ص 303 .

صفحة (157)

النقطة الحادية عشر :

قوله : ويحدث في أرض المشرق ما يحزن ويقلق .

ولسنا نعاني كثيراً في فهم ذلك ، إذا عرفنا أن هذا الكتاب ورد العراق ، إلى الشيخ المفيد قدس الله روحه ، فالمراد بالمشرق – إذن – ما كان في شرق العراق ، وهو إيران نفسها ... دولة البويهيين ومركز ثقلهم يومئذ . وكانت تعاني منذ زمن الحروب والحوادث الكثيرة المتكررة التي أوجبت شيئاً فشيئاً تفكك الدولة البويهية ، وضعفها وسيطرة السلاجقة عليها في نهاية المطاف .

على أننا لو راقبنا التاريخ القريب من صدور هذا الكتاب ، لرأينا أن همدان تعاني من الحروب عام 411(1)      وعام 414(2) . ومن المعلوم أن الحروب على الدوام مصدر للقلق والحزن ، لأنها تكون على طول الخط على حساب الشعب البائس . فإذا لم تكن الحرب عادلة ولم يكن للشعب فيها نصيب حقيقي ، كان ذلك ظلماً كبيراً وجوراً عظيماً .

النقطة الثانية عشرة :

قوله : ويغلب من بعد على العراق طوائف عن الإسلام مراق ، تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق . ثم تنفرج الغمة بدار طاغوت من الأشرار ، ثم يستر بهلاكه المتقون الأخيار .

يعني يسيطر بعد الحوادث السابقة من قلاقل طائفية وآيات سماوية وأرضية ، يسيطر على العراق أقوام خارجين عن تعاليم الإسلام . وفي ذلك تعريض واضح بالسلطان طغرل بك أو ملوك السلاجقة ، وتابعيه ، فإن بعد أن انتهى من تقويض دولة البويهيين في إيران بعد حروب مدمرة ، قصد العراق فدخل بغداد عام 447(3) .

ــــــــــــــــــ

(1) الكامل ، جـ 7 ، ص 307 .   (2) المصدر ، ص 313 .   (3) المكامل ، جـ 8 ، ص 70 .

صفحة (158)

وترتب على دخوله فيها قلاقل وحروب مؤسفة وعم الخلق ضرر عسكره وضاقت عليهم مساكنهم ، فإن العساكر نزلوا فيها ، وغلبوهم على أقواتهم وارتكبوا فيها كل محذور(1) .

وأما قلة الأرزاق وغلاء الأسعار ، فحدث عنها ولا حرج ... إذ نسمع التاريخ يخبرنا أنه قد كثر الغلاء وتعذرت الأقوات وغيرها من كل شيء ، وأكل الناس الميتة ، ولحقهم وباء عظيم ، فكثر الموتى بغير غسل ولا تكفين ، فبيع رطل اللحم بقيراط وأربع دجاجات بدينار . وسفرجلة بدينار ورمانة بدينار ، وكل شيء كذلك(2) .

وبقي هذا الغلاء عدة سنوات ، بل استمر في التصاعد ... ففي عام 449 زاد الغلاء ببغداد والعراق ... وأكل الناس الميتة والكلاب وغيرها ، وكثر الوباء حتى عجز الناس عن دفن الموتى ، فكانوا يجعلون الجماعة في الحفيرة(3) .

أما الخليفة في بغداد ، فكان يعيش جواً آخر بعيداً عن الغلاء والوباء . فقد أكرم طغرل بك إكراماً عظيماً ومكنه من بلاده تمكيناً أسبع عليه صفة الشرعية ، حين قال له : إن أمير المؤمنين شاكر لسعيك حامد لفعلك مستأنس بقربك. وقد ولاك جميع ما ولاه الله من بلاده ورد عليك مراعاة عباده ، فاتق الله فيما ولاك واعرف نعمته عليك في ذلك واجتهد في نشر العدل وكف الظلم وإصلاح الرعية .

فقبل الأرض ، بين يدي الخليفة . وأمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه . فقام إلى موضع لبسها فيه وعاد وقبل يد الخليفة ووضعها على عينيه وخاطبه الخليفة بملك المشرق والمغرب ، وأعطي العهد وخرج .

وأرسل إلى الخليفة خدمة كثيرة منها خمسين ألف دينار وخمسين مملوكاً أتراك من أجود ما يكون ومعهم خيولهم وسلاحهم إلى غير ذلك من الثياب وغيرها(4) فانظر إلى ترف الحكام وبؤس المحكومين ، وتسامح الخليفة بدماء المسلمين وأموالهم حين ولى عليهم هذا الظالم العنيد .

ـــــــــــــــــ

(1) المصدر ، ص 77 .  (2) المصدر ، ص 79 .  (3) المصدر ، ص 81 .  (4) المصدر ، ص 80 .

صفحة (159)

فقد كان طغرل بك – بحسب ما وصفه التاريخ - : ظلوماً غشوماً قاسياً ، وكان عسكره يغصبون الناس أموالهم وأيديهم مطلقة في ذلك نهاراً وليلاً(1) حتى توفي عام 544(2) .

فمن هنا نرى بوضوح ، انطباق الأوصاف على طغرل بك وعسكره وذويه . فإنهم "طوائف عن الإسلام مراق" باعتبار ما ارتكبوه من المحرمات الصريحة الموجبة للخزي والفضيحة . وقد ضاقت "بسوء فعالهم على أهله الأرزاق" كما سمعنا . إذ من المعلوم كيف تنحدر البلاد إلى وضع اقتصادي رديء ، تحت ظل الحروب والقلاقل .

وقد انكشفت الغمة من بعد ، ببوار – يعنى بموت – "طاغوت من الأشرار" وهو طغرل بك نفسه . وقد أدخل هلاكه السرور على قلوب المتقين الأخيار .

ونفهم معنى انكشاف الغمة بموته ، إذا التفتنا إلى التاريخ وعلمنا أنه لم يحدث مثل هذا الغلاء والوباء بغد طغرل بك طيلة حكم الدولة السلجوقية .

النقطة الثالثة عشرة :

قوله : يتفق لمريدي الحج من الآفاق ما يأملونه منه على توفير عليه منهم واتفاق . ولنا في تيسير حجهم على الاختيار منهم والوفاق ، شأن يظهر على نظام واتساق .

وهذه نبوءة صادقة بتسهيل الحج بعد صعوباته التي سمعناها ، وانحلال مشاكله . فيتحقق للحجاج من كل البلاد ما يأملونه من الأمن والسهولة .

وتصديق هذه النبوءة واضح جداً في التاريخ . فإنه بالرغم من أنه استمر منع الحج حقبة من السنين ، إلا أنه لم ينقل بعد عام 419 أي منع للحج ، مما يدل على أن الطرق قد توفرت للحجاج . فقد تحققت النبوءة بعد عشرة أعوام من صدورها .

ــــــــــــــــــ

(1) المصدر ، ص 95 .  (2) المصدر ، ص 94 .

صفحة (160)

وأما حدوث ذلك بمساعي المهدي (ع) وجهوده ، فهو بمكان من الإمكان ، طبقاً لما عرفناه من مسؤولية العمل الإسلامي للإمام المهدي خلال غيبته ، بناء على أطروحة خفاء العنوان. فإذا دل الكتاب على تأثر عمل الإمام في سهولة الحج ، فلا بد من تسجيل ذلك تاريخياً ، لو صلح هذا الكتاب للإثبات التاريخي . ودلالة الكتاب على هذا واضحة حين يقول : ولنا في تيسير حجهم ... شأن يظهر على نظام واتساق .

النقطة الرابعة عشرة :

قوله : فليعمل كل امرئ منكم بما يقرب به من محبتنا ، ويتجنب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا ، فإن أمرنا بغتة فجأة ، حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من عقابه ندم على حوبة .

أمر عليه السلام كل فرد من قواعده الشعبية ، بأن يفعل ما يقربه من محبة إمامه ورضاه ، ويترك ما يقربه من كراهته وسخطه . وهذا معنى واضح ولطيف ، فإن رضى المهدي (ع) رضا الله تعالى ، وكلما يقرب للمهدي (ع) فهو يقرب إلى الله ... وذلك بالشعور بالمسؤولية تجاه أحكام الإسلام ، والاستجابات الصالحة تجاه الأحداث ... كما أن سخط المهدي سخط الله تعالى ، وكلما يبعد عنه يبعد عن الله تعالى .

ويعطي المهدي (ع) لذلك تعليلاً مهماً حين يقول : فإن أمرنا بغتة فجأة ، حين لا تنفعه توبة الخ .

والمضمون العام لذلك ، هو : أن الفرد المؤمن بظهور المهدي (ع) المتوقع له في كل حين ، بغتة وفجأة ، يجب أن ينزه نفسه عن المعاصي ويقصر سلوكه على طاعة الله عز وجل ، ليكون على المستوى المطلوب عند الظهور. وحيث كان الظهور محتملاً دائماً ، فيجب أن يكون الفرد على هذه الصفة دائماً .

وأما إذا بقي الفرد عاصياً منحرفاً سلوكياً أو عقائدياً ، ولم ينزه نفسه في أثناء الغيبة ، ولم يتب إلى الله تعالى ... فسوف لن تنفعه توبته أو ندمه بعد ذلك . وسيعاقبه الإمام المهدي (ع) بعد ظهوره على ما اقترفه من ذنوب ، على كل حال ، وسكيون عقابه في ذلك المجتمع الإسلامي العظيم خزياً أبدياً له . وبما أن الظهور محتمل على الدوام ، إذن فالبدء بعقاب المذنبين محتمل على الدوام ، فإذا أراد الفرد أن يحول دون هذا الاحتمال ، فما عليه إلا أن يرتدع عن الذنوب ، ويكمل نفسه من العيوب .

صفحة (161)

الناحية السادسة :

في استعراض نص الرسالة الثانية التي رواها الطبرسي(1) مرسلاً عن الإمام المهدي (ع) . ولها من قيمة الإثبات التاريخي ما ذكرناه للرسالة الأولى .

بسم الله الرحمن الرحيم

سلام الله عليك أيها الناصر للحق الداعي إليه بكلمة الصدق . فأنا نحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو ، آلهنا وآله آبائنا الأولين . ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين ، وعلى أهل بيته الطاهرين .

وبعد : فقد كنا نظرنا مناجاتك ، عصمك الله بالسبب الذي وهبه الله لك من أوليائه وحرسك به من كيد أعدائه . وشفعنا ذلك الآن من مستقر لنا بنصب في شمراخ من بهماء صرنا إليه آنفاً من غماليل ألجأنا إليه السباريت من الإيمان . ويوشك أن يكون هبوطنا إلى صحصح من غير بعد من الدهر ولا تطاول من الزمان. ويأتيك نبوءنا بما يتجدد لنا من حال ، فتعرف بذلك ما نعتمده من الزلفة إلينا بالأعمال . والله موفقك لذلك برحمته .

فلتكن حرسك الله بعينه التي لا تنام أن تقابل لذلك فتنة تسبل النفوس قوم حرثت باطلاً لاسترهاب المبطلين، يبتهج لذمارها المؤمنون ، ويحزن لذلك المجرمون .

وآية حركتنا من هذه اللوثة ، حادثة بالحرم المعظم من رجس منافق مذمم ، مستحل للدم المحرم ، يعمد بكيده أهل الإيمان ، ولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم والعدوان . لأننا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء . فليطمئن بذلك من أوليائنا القلوب وليثقوا بالكفاية منه ، وإن راعتهم بهم الخطوب ، والعاقبة بجميل صنع الله سبحانه تكون حميدة لهم ما اجتنبوا المنهى عنه من الذنوب .

ــــــــــــــــــ

(1) انظرها في الاحتجاج ، جـ 2 ، ص 324 ، ط النجف .

صفحة (162)

ونحن نعهد إليك أيها الولي المخلص المجاهد فينا الظالمين , أيدك الله بنصره الذي أيد به السلف من أوليائنا الصالحين . أنه من اتقى ربه من أخوانك في الدين وأخرج مما عليه إلى مستحقه كان آمناً من الفتنة المبطلة ومحنها المظلمة المضلة . ومن بخل منهم بما أعاده الله من نعمته على من أمره بصلته ، فأنه يكون خاسراً بذلك لأولاه وآخرته .

ولو أن أشياعنا – وفقهم الله لطاعته – على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم ، لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا ، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا . فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا تؤثره منهم . والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وصلاته على سيدنا البشير النذير محمد وآله الطاهرين وسلم .

وكتب في غرة شوال من سنة اثنتي عشرة وأربعمائة .

نسخة التوقيع باليد العليا صلوات الله على صاحبها : هذا كتابنا إليك أيها الولي الملهم للحق العلي ، بإملائنا وخط ثقتنا . فاخفه عن كل أحد ، واطوه ، واجعل له نسخة يطلع عليها من تسكن إلى أمانته من أوليائنا شملهم الله ببركتنا إن شاء الله . الحمد لله والصلاة على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين .

الناحية السابعة :

في استعراض المهم مما تتكفل هذه الرسالة بيانه . ويمكن أن يتم ذلك في ضمن عدة نقاط .

النقطة الأولى :

إن الرسالة ذات سياق عام واضح متعمد ، في الصدور من جهة عليا إلى جهة أدنى منها . وهي في ذلك أوضح من الرسالة الأولى إلى حد كبير .

صفحة (163)

وهي بهذا تنحو منحى القرآن الكريم الذي أكد على هذه الجهة بوضوح ، في عدد من آياته كقوله تعالى : }ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين}(1) . وقوله:}إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات}(2) . وقوله: }وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل}(3) . إلى غير ذلك .

فالاثنينية بين المتكلم والسامع محفوظة بكل وضوح ، وارتفاع المتكلم على السامع ملحوظ بكل جلاء . وهذا ثابت في هذه الرسالة أيضاً ، مع بعض الفروق بين سياقها والسياق القرآني ، لا تخفى على الأديب .

وهذا الإيحاء يعطي زخماً نفسياً معيناً ، لا مناص منه حين يراد السيطرة على السامع من الناحية العاطفية والفكرية . كيف وإن السامع في كلا هذين الحالين ، يعترف بارتفاع المتكلم عليه بكل خشوع .

النقطة الثانية :

في تعيين محل سكنه عليه السلام ، عند إرسال هذه الرسالة .

حيث نرى المهدي (ع) – لو صحت الرواية – يعين مستقره أي مسكنه بنصب في شمراخ من بهماء . والنصب هو الشيء المنصوب . والشمراخ رأس مستدير طويل دقيق في أعلى الجبل . والبهماء مأخوذ من المبهم وهو المكان الغامض الذي لا يعرف الطريق إليه .ومعه يكون المراد – والله العالم – أنه عليه السلام يسكن في بيت منصوب على قمة جبل مجهولة الطريق .

ثم يقول : صرنا إليه آنفاً من غماليل , يغتي أنه انتقل إلى هذا المسكن الجديد ، منذ مدة ، من غماليل يعني من منطقة كان يسكنها قبل ذلك ، توصف بهذا الوصف . فإن الغماليل جمع غملول وهو بالضم الوادي ذو الشجر أو غمام أو ظلمة أو زاوية(4) .وقد تلاحظ معي أن كلا الدارين ذات خفاء وغموض ، وقابلة لاختفاء الفرد في أنحائها بشكل وآخر .

ــــــــــــــــــ

(1) الحافة 69 / 44 – 45 . (2) الإسراء 17 / 75 .  (3) آل عمران 3 / 144 .  (4) القاموس المحيط ، جـ 4 ، ص 26 .

صفحة (164)

ثم يذكر سبب انتقاله إلى المسكن الجديد ، بأنه "ألجأنا إليه" إلى المسكن الجديد "السباريت من الإيمان" . والسباريت جمع سبرات وسبروت وسبريت : الأرض التي لا نبات فيها وقيل لا شيء فيها . ومنها سمي المعدم سبروتاً(1) . ومعه يكون لهذه العبارة تفسيران محتملان .

التفسير الأول :

أن نقرأ "الإيمان" بكسر الهمزة ، فيكون المراد أن الفقراء أو الفارغين من الإيمان هم الذين ألجاوه إلى اختيار مسكنه الجديد . حيث اقتضت المصلحة نتيجة لتصرفاتهم المنحرفة ، أن يزداد المهدي (ع) بعداً عن الناس وخفاء في المسكن ، فاختار جبلاً ذو قمة خفية ليجعله مسكناً .

التفسير الثاني :

أن نقرأ همزة "الإيمان" بالفتحة ، فيكون جمع يمين – ضد اليسار – ويكون المراد بالسباريت : الأرض الخالية من الزرع الموجودة في يمين الطريق . ولعله طريق الحج أو طريق إحدى المدن . وقد ألجأه إلى تركها إلى المسكن الجديد قلة الزرع فيها وصعوبة العيش عليها .

ثم يخبر المهدي (ع) بأنه على وشك الانتقال إلى مسكن آخر ثالث . فأنه سيهبط من قمة الجبل إلى صحصح ، وهي الأرض المستوية "من غير بعد من الدهر ولا تطاول من الزمان" بل في فترة قريبة وأمد قصير . وهنا لا يجب أن نفترض أن هذه الأرض خالية من النبات والزرع ، كتلك الأرض .

ومن هذا السياق نعرف أن المهدي (ع) يختار مكانه بعيداً عن المجتمعات ، على الدوام . ولعل في هذا امتثالاً للأمر الذي نقله المهدي (ع) عن أبيه (ع) في رواية ابن مهزيار ، وقد سبقت الإشارة إليها أكثر من مرة . وهذا لا ينافي أطروحة خفاء العنوان إذ قد يكون المهدي (ع) ظاهراً بالشخص مختفياً بالعنوان ساكناً الأماكن المنعزلة في العالم . وقد سبق أن عرفنا أن هذا أكثر وضوحاً وإمكاناً في أول

ــــــــــــــــــ

(1) انظر المصدر ، جـ 1 ، ص 149 وغيره .

صفحة (165)

الغيبة ، وأما ما بعد ذلك فالحاجة إليه منتفية ، بل قد يكون مخالفاً لبعض تطبيقات تكاليفه عليه السلام .

وبالرغم من تصريحاته عن مكانه، إلا أننا لا نجد أنه قد ذكره على وجه التعيين، وإنما ذكر – في الحقيقة – عنواناً كلياً يمكن انطباقه على كل قمة وكل واد . ولم يصل في الوضوح إلى حد لو بحث الإنسان عن مكانه لوجده .

ونلاحظ بوضوح أن المهدي (ع) يعين مكانه بعبارات لغوية قديمة تكاد تكون مندرسة الاستعمال ... لا يريد أن يسوقها مساقاً واضحاً ، حتى لا يفهمها من يطلع عليها ، إلا إذا كان من خاصة الناس في العلم والاطلاع . وهذه خطوة إلى تلافي بعض احتمالات الخطر المحتملة الوقوع على تقدير الاطلاع على هذا الخطاب .

وعلى أي حال نرى المهدي (ع) يعد الشيخ المرسل إليه ، بأن يوصل إليه أنباءه فيما يتجدد له من حال . ولعل المراد المباشر لذلك ، هو إخباره بانتقاله إلى المكان الجديد في الصحصح ، ولكن العبارة أعم من ذلك، تشمل كل ما يريد الإمام المهدي (ع) تبلغيه إلى الشيخ المفيد ، مما يتخذه من رأي أو يذهب إلأيه من مكان ، بمقدار المصلحة والإمكان .

ومن هنا قال له : فتعرف بذلك ما نعتمده من الزلفة إلينا بالأعمال . يعنى أن مواصلتك بالمراسلة ستطلعك على الأعمال نحمدها ونعتبرها صالحة ومقربة إلينا . فهذه العبارة واضحة الدلالة على عزم الإمام المهدي (ع) على تكرار المراسلة مع الشيخ المفيد ، ولعل ذلك قد حدث ولم يصلنا خبره ، ولعله لم يحدث لأن الشيخ توفى بعد هذه الرسالة بعام واحد .

النقطة الثالثة :

فلتكن حرسك الله بعينه التي لا تنام أن تقابل لذلك فتنة ، تسبل نفوس قوم حرثت باطلاً لاسترهاب المبطلين، يبتهج لذمارها المؤمنون ، ويحزن لذلك المجرمون .

وهو توجيه عام من المهدي (ع) إلى الشيخ المفيد وغيره من إخوانه في كل جيلٍ ... بأن يقابل أي يقف ضد الفتنة التي تسبل أي تستبيح نفوس قوم حرثت باطلاً ، أي خاضت غمار الباطل في أرض صالحة لذلك . وهي إنما تستبيح نفوسهم في انصهارهم فيها ، وسيرهم مع تيارها .

صفحة (166)

وإنما يكون على المفيد أن يقف ضد الفتنة ، من أجل استرهاب المبطلين وتخويفهم لأجل ردعهم عن الباطل وصرفهم إلى طريق الحق . وقوله : لذلك . أي باعتبار ما نعتمده من الزلفة إلينا من الأعمال .

فيكون المراد لزوم العمل لكفكفة الظلم وردع الفتن التي تؤسس الأراضي الصالحة لنمو المفسدين والمجتمعات المنحرفة التي تربي المنحرفين . ليكون ذلك من الأعمال الصالحة التي يعتبرها ويحمدها بصفتها من أعظم المقربات إلى الله ، وأحسن التطبيقات للعدل الإسلامي .

وإنما سمي الظلم فتنة ، باعتبار أنه محك الامتحان الإلهي لنفوس البشر وإيمانهم ، لكي يمحصوا به ويميزوا ، فيحيى من حيى عن بينة ويهلك من هلك عن بينة . وقد ذكرنا أن هذه الفتن والظلم ، كما توجب قوة انحراف المنحرفين توجب الظلم مما يوجب تزايد قوة الإرادة والوعي لدى المؤمنين المخلصين ويصعد معنوياتهم ، مما يعجل بتحقيق شرط الظهور . ومن هنا نرى المهدي (ع) يأمر الشيخ المفيد وسائر إخوانه من الأجيال ، بهذا الجهاد الإيماني الكبير .

ومن هنا نفهم ان الفتنة المذكورة في هذا التعبير ، ليست إشارة إلى حادثة تاريخية معينة حتى نبحث عنها في التاريخ العام ... كما عملنا في الرسالة السابقة . وإنما هي عبارة عن الانحراف العام الذي يصيب المجتمع على مر الأجيال خلال عصر الغيبة الكبرى ، ذلك الانحراف الذي يزيله المهدي (ع) بعد ظهوره .

ثم أن المهدي (ع) في رسالته يذكر : أن الجهاد ما يؤثره من استرهاب المبطلين وردعهم عن باطلهم ... يبتهج لذمارها – أي لدفعها ومحاربتها –(1) المؤمنون ويحزن لذلك المجرمون .

ــــــــــــــــــ

(1) كما هو أحد معاني الذمار في اللغة ، وهو الحث على الحرب والدعوة إليها قد استعمل هنا مجازاً .

صفحة (167)

النقطة الرابعة :

إعطاء المهدي (ع) علامة من علامات ظهوره وإمارة من إمارات حركته .

وهي : أنه ينتج من هذه اللوثة – وهو تعبير عن الفتنة – حادثة عظيمة مؤسفة وجرم كبير ، من رجس منافق مذمم ، مستحل للدم المحرم . يعمد – أي يتعمد – بكيد أهل الإيمان ، ولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم والعدوان .

والمراد : أنه ينتج من هذه الفتنة التي يعيشها المجتمع ، أن أحد المنحرفين المنافقين ، يريد أن يتعمد إلى أهل الإيمان بالكيد والضرر ، فيغتال أحد المؤمنين ، بهذا القصد . وبالرغم من أن هذا المؤمن سوف يذهب إلى ربه ، إلا أن القصد الأساسي لذلك المجرم سوف لن يتحقق ، وسيبقى المؤمنون على أمنهم واستقرارهم نتيجة للطف المهدي (ع) ودعائه لهم بدفع الشر ، ذلك الدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء .

ونتيجة لذلك يقول المهدي (ع) في رسالته : فلتطمئن بذلك من أوليائنا القلوب ، وليثقوا بالكفاية منه ، وان راعتهم بهم الخطوب ...

ولهذه الفقرة ، معنى آخر محتمل ، يختلف قليلاً عما ذكرناه ، وهو أن لا تكون الحادثة الموعودة من قبل الظالمين، هي حادثة قتل ، وإنما هو تخطيط اجتماعي ، لا يقاع المؤمنين في الضرر الضيق ، يقوم به شخص منافق مذمم، مستحل للدم المحرم . ولا يكون استحلاله للدم في هذه الحادثة بالتعيين ، بل المراد أن من شأنه ذلك أو له فيه سوابق . إلا أن هذا التخطيط ، سوف لن يصل إلى هدفه ، نتيجة لدعاء المهدي (ع) .

وعلى أية من المعنيين ، لم نستطع أن نتبين الحادثة المشار إليها في هذه الفقرة ... من التاريخ العام أو الخاص . فإن ما أكثر الشهداء المغتالين في سبيل الله تعالى كالشهيد محمد بن مكي الملقّب بالشهيد الأول والشهيد زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني والقاضي نور الله التستري الملقب بالشهيد الثالث في ألسنة البعض ... وغيرهم ... وما أكثر المؤامرات الفاجرة التي تحاك ضد المجتمع المؤمن ، ولا يكون فشلها إلا بدعاء الإمام عليه السلام وعمله. 

صفحة (168)

وقد سبق أن قلنا أن الدعاء النافذ المستجاب ، يعتبر من أحسن الأعمال النافعة الخيرة على الصعيدين الفردي والاجتماعي ، ومن أبعدها أثراً وأفضلها نتيجة .

وبذلك ينجو المؤمنون من المكائد ، فليطمئنوا وليثقوا بدعاء إمامهم – كما أمر إمامهم – ، فإن عاقبتهم ستكون إلى خير ... إذا التزموا بالسلوك الصالح والعمل الصحيح .

النقطة الخامسة :

إيصاؤه عليه السلام بالإصلاح الشخصي للنفس ، الذي هو الحجر الأساس لإصلاح المجتمع ، ولنجاة الفرد والمجتمع من الفتن المظلمة المضلة ، ونجاحه المؤزر في الامتحان الإلهي الكبير . وبدون ذلك يكون الفرد قد خسر أساسه الإيماني الصحيح ، وانحرف انحرافاً حاداً يخسر به دنياه وآخرته .

ومن هنا نرى المهدي (ع) يؤكد على وجوب دفع الحقوق المالية الإسلامية إلى مستحقيها ، ومن أمر الله تعالى بصلته وهم الفقراء والمحتاجون . وإنما خصها بالذكر لعلمه عليه السلام بأن قواعده الشعبية تؤدي – عادة – الفرائض الإسلامية العملية كالصلاة والصوم والحج ... فلم يبق لهم من الفرائض ، إلا الحقوق المالية التي قد تشح بها بعض النفوس ، وتحتاج في أدائها إلى تضحية أكبر .

قال عليه السلام : أنه من اتقى ربه من إخوانك في الدين وأخرج مما عيه إلى مستحقيه ، كان آمناً من الفتنة المبطلة ومحنها المظلمة المضلة . ومن بخل منهم بما أعاده الله من نعمته على من أمره بصلته ، فأنه يكون خاسراً بذلك أولاه وآخرته .

ومن هنا نفهم أن الأداء الكامل للفرائص الإسلامية ، هو المحك في النجاة عن الانحراف الجارف الذي يودي بالكثيرين خلال عصر الغيبة الكبرى . والسر الأساسي في ذلك : هو أن أداء الفرائص كاملة ، مع الارتداع عن جميع المحرمات ، مضافاً إلى أنه يمثل السلوك الشخصي الصالح ، فإنه – بما يوجبه للفرد من صبر وتضحية على مستوى معين من المصاعب في سبيل الله عز وعلا – يحدث في الفرد قوة في الإرادة والتحمل في مجابهة التيار الظالم وما يستلزمه من إغراء ومخاوف . مما يوجب نجاته منها وبعده عنها ، ومن ثم نجاحه في الامتحان الإلهي الكبير , وبذلك يحرز سعادته في الدنيا والآخرة . وبخلاف ذلك ، سوف يكون فاشلاً في الامتحان الإلهي "خاسراً بذلك أولاه وآخرته" .

صفحة (169)

مضافاً إلى نقطة أخرى في دفع الحقوق المالية ، هي : أن خير ما ينقذ القواعد الشعبية المهدوية في المجتمع المنحرف ، وأحسن تخطيط يمكن به كفكفة جماح ما يفرض عليهم من قبل الظالمين من حصار اقتصادي واجتماعي ... هو أن يكفل بعضهم بعضاً ويحمل بعضهم همّ بعض ، وذلك بالالتزام بدفع الحقوق الإسلامية المالية التي فرضها الله تعالى ، فأنها كافية لتنفيذ هذه الكفالة ووافية بهذا الضمان . وبهذه الحقوق – أيضاً – يمكن وضع البرامج الاجتماعية الوقتية لدفع ظلم أو لتربية جيل أو لقضاء بعض الحاجات .

النقطة السادسة :

إيصاؤه بالإصلاح العام الذي هو أكبر وأهم من الإصلاح الشخصي ، والذي به يتحقق شرط الظهور ، ويجعل الأمة على مستوى المسؤولية التي يؤهلها للتيمن بلقاء الإمام المهدي عليه السلام ، وتحمل مسؤوليات ظهوره .

وهذا الإصلاح العام ، يعبر في حقيقته عن ضرورة اجتماع أشياعه – وهم أتباعه – ... عقلاً وقلباً ... عقيدة وعاطفة وسلوكاً ، في الوفاء بالعهد المأخوذ عليهم ، في إطاعة أوامر الإسلام ونواهيه ، وامتثال قادة الإسلام ومتابعتهم . ومن الواضح أن هذا الاجتماع على الطاعة هو أوسع وأهم من الطاعة الفردية ، وأكثر انتاجاً بشكل غير قابل للمقايسة . وهو الذي يمثل العمل المشترك لتبليغ الإسلام وتطبيقه ، والجهاد المشترك ضد أنحاء الظلم والطغيان والعدوان .

وهذا الاشتراك والتضامن ، لهو أقوى الأسباب لتحقق الإرادة لدى الأفراد ، ولتربية الوعي والشعور بالمسؤولية فيهم ... وهو الشرط الأساسي للظهور ...

ومن ثم نرى المهدي (ع) يرتب على هذا الاجتماع أثره الحقيقي ، ويستنتج منه نتيجته الطبيعية ... فإنه لو كان متحققاً : "لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا ، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا" . تلك السعادة الناتجة من العدل الكامل الذي يتكفل المهدي (ع) تطبيقه على العالم كله .

صفحة (170)

"على حق المعرفة وصدقها منهم بنا" . وهذه العبارة تدل على أطروحة خفاء العنوان ، التي اخترناها ، باعتبار أن المهدي (ع) خلال غيبته معروف بالشخص مجهول الهوية والحقيقة ، وإنما هو معروف بشخصيته الثانية . وأما بعد الظهور فتصبح المعرفة حقاً وصدقاً ، يعني سوف يعرف الناس شخصه وحقيقته وانطباع العنوان على الشخص بوضوح .

ولو كانت أطروحة خفاء الشخص صادقة ، لكانت هذه العبارة في غير محلها ، ولكفت البشارة بحدوث المشاهدة بعد انعدامها عند الظهور .

"فما يحبسنا عنهم" أي يؤخر الظهور "إلا ما يتصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره عنهم" من المعاصي والتقصيرات وعدم الشعور بالمسؤولية الإسلامية .

وهذا يدل على أمرين مهمين ، سبقت الإشارة إليهما ، ولكن يكون في هذا الكلام من المهدي (ع) زيادة في الاستدلال عليهما :

الأمر الأول : كون المهدي (ع) مطلعاً على الأخبار مواكباً للأحداث يشعر بآلام وآمال أمته وقواعده الشعبية.

الأمر الثاني : إناطة الغيبة بذنوب الناس وعصيانهم . فمتى لم يكن هناك ذنب ، لم يكن للغيبة سبب ، فتتحول إلى الظهور . وهو معنى ما قلناه من أن الفرد إذا كان عالياً في الوثاقة كاملاً في تطبيق الإسلام ، فإن المهدي (ع) لا يحتجب عنه مرة أو مراراً ، بل قد يكون ذلك على الدوام ، كما سبق أن فصلناه .

صفحة (171)

القسم الثاني

 

في تاريخ الإنسانية في عصر الغيبة الكبرى

فيما يرجع إلى الحوادث والصفات التي تكون للإنسانية عامة أو للمجتمع المسلم أو للقواعد الشعبية الإمامية خاصة. من حيث مقدار تمسكهم بالدين وما يترتب على ذلك من نتائج ... وما هو تكليفهم الواعي الصحيح أثناء الغيبة الكبرى .

وينقسم الكلام في هذا القسم إلى ثلاثة فصول رئيسية :

أولها : في تمحيص الأخبار الواردة في هذا الصدد ، وفرزها عما سواها من حيث المورد والمفهوم ... وإعطاء القواعد العامة في فهمها .

وثانيها : فيما دلت عليه الأخبار من حوادث وصفات للناس ، تخص مقدار تمسكهم بالدين وبتعاليم الإسلام.

وثالثهما : فيما هو التكليف الواعي للناس خلال عصر الغيبة الكبرى .

صفحة (173)

الفصل الأول

 

في تمحيص الأخبار التي نريد الاستشهاد بها في هذا القسم ، وتمييزها عما سواها من حيث المورد والمفهوم ، وإعطاء القواعد العامة في فهمها . وذلك قبل الدخول في سر تفاصيلها في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى

وينبغي أن يقع الكلام حول ذلك في عدة جهات :

الجهة الأولى :

في تمحيص هذه الأخبار ، وتشخيص حاجتنا في الاستدلال بها .

فإننا إذ نريد أن نعرف المستوى الديني ، لأي مجتمع ، في أي عصر ، نرجع – عادة – إلى تاريخ ذلك العصر لاستعراض ما فيه من حوادث وآثار تدل على ما كان عليه المجتمع من مستوى ديني وشعور بالمسؤولية الدينية . وهذا طريق صحيح ، لو استطاع التاريخ أن يسعفنا بما نحتاجه من حقائق ومستمسكات .

ولكن ما نعرفه – عادة – من تأريخ ، يتصف بالنقص – حتماً – بما لا يقل عن ثلاث جهات :

الجهة الأولى :

إسقاطه لبعض الحوادث التاريخية ، وعدم التعرض لها ، بأي دافع من الدوافع ... وتاريخنا الإسلامي مليء بمثل هذه الفجوات .

الجهة الثانية :

عدم الموضوعية في شرح الحادثة . ووجود الاحتمال على أقل تقدير – في أن يكون المؤرخ قد غير منها شيئاً لكونه يميل عقائدياً أو عاطفياً مع أحد الأشخاص التاريخيين دون الآخر .

صفحة (175)

الجهة الثالثة :

عدم التعرض لحوادث المستقبل . وهذا ضروري الوقوع في كل تاريخ ، لأن المستقبل مجهول ، إلا بنحو الحدس أو علم الغيب .

أما الجهتين الأولى والثانية ، فيمكن دفع تأثيرهما والحد من ضررهما ، إلى حد كبير ، لدى المقارنة بين مصادر التواريخ وأقوال المؤرخين ، حتى يحصل للفرد البحث وثوق وقناعة بحصول الحادثة أو عدم حصولها . وخاصة بعد استيعاب سائر وجهات نظر المؤرخين ومذاهبهم .

وأما الجهة الثالثة : فيستحيل – عادة – مَلْؤُهَا في التاريخ الاعتيادي للبشر أياً كانوا ... فيبقى المستقبل المجهول ، فجوة تاريخية شاغرة أمام الناظر يحار في تشخيصها وترتيبها .

وهنا ينفتح وجه الحاجة إلى الروايات التي نحن بصددها ، فإنها تتنبأ عن حوادث المستقبل مروية عمن لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وعن خلفائه المعصومين عليهم السلام ... بطرق متواترة لا يقبل مجموعها التشكيك ... وإن كانت كل رواية منها ظنية على أي حال ، وقابلة للمناقشة أحياناً . كما سمعنا مثل ذلك في أخبار المشاهدة ، مع فرق مهم هو أن الروايات الواردة في المقام أضعاف روايات المشاهدة ، على ما سنعرف صورة منه في الفصل الآتي .

على أن جملة منها يحتوي على التنبؤ بحوادث قد حدثت فعلاً خلال الزمان ، على ما سنعرف ، وقد صدر التنبؤ بها قبل حدوثها بزمن طويل ... وهو شاهد على صدقها وصدق قائلها وعلى ارتباط القائل بالله عز وجل بشكل وآخر ، فإن كل علم غيب لا بد أن يكون مستقى من علام الغيوب .

 

صفحة (176)

ومعه فتكون هذه الروايات ، صالحة لملء الفجوات التاريخية التي أهملها التاريخ ، أو لم يكون موضوعياً تجاهها. ولكنها – على أي حال – تحتوي على بعض المصاعب ، لا بد من استعراضها ، واستعراض ما يمكن أن يكون منهجاً لتذليل تلكم المصاعب .

مصاعبها :

تتلخص المصاعب في نقطتين رئيسيتين ، من حيث أن الطعن تارة يتوجه إلى السند أي إلى وثاقة الرواة وصدقهم . ويتوجه إلى الدلالة ، أي إلى ما نفهمه من النص المروي تارة أخرى .

النقطة الأولى :

فميا يرجع إلى السند . ولئن كانت القاعدة العامة في الروايات هي التأكد من وثاقة الراوي والتزامه الصدق في المقال قبل قبول روايته ... فإن الروايات التي نحن بصددها أشد خطراً في هذا المجال ، من أشكال الروايات الأخرى. من حيث أن احتمال الوضع والتحريف أكثر بكثير مما هو في سائر الروايات . وذلك باعتبار عدة أمور :

الأمر الأول :

احتمال الوضع . فإن الكاذب قد يخشى الوضع عندما يخاف الافتضاح ، عند وضوح عدم مطابقة روايته للواقع . وخشية الافتضاح متوفرة – عادة – في سائر موارد الروايات ، إلا أنها في روايات التنبؤ أقل منها في غيرها من عدة نواحٍ :

الناحية الأولى :

إن هذه الروايات تتنبأ عن حوادث مغرقة في المستقبل السحيق الذي لا يمكن أن تتأكد من صدقه الأجيال . ومعه تبقى الرواية محتملة الصدق دهراً طويلاً جداً ، أكثر مما يطمع به الكاذب . وفي كل جيل إن لم تحدث الحادثة الموعودة يقال : لعلها في الأجيال القادمة ، ومعه يبقى كذب الرواي سراً غير قابل للكشف .

الناحية الثانية :

إن جملة من هذه الروايات – على ما سنسمع – ذو بيان رمزي وعبارات ذات درجة كبيرة من السعة والإبهام ، بحيث يمكن أن تنطبق العبارة على عدة حوادث محتملة . ومعه فيقول كل جيل : لعل المقصود هذه الحادثة ولعل المقصود حادثة أخرى آتية ... ويبقى الكذب سراً غير قابل للكشف .

صفحة (177

الناحية الثالثة :

إن جملة من هذه الروايات ، يحتمل – على أقل تقدير – أن تكون قد وضعت بعد حدوث الحوادث ، ونسبت إلى قائل سابق على الحدوث . ومعه قد يجدها الفرد الباحث مطابقة للواقع ، مع أنها مكذوبة . ومن الطبيعي أن يكون شعور الكاذب بمطابقة روايته للواقع ما يهوّن لديه خوف الافتضاح إلى حد كبير .

الأمر الثاني :

النقل بالمعنى . وهذا ليس محتملاً فحسب ، بل هو معلوم التحقق في كثير من الأخبار .

والنقل بالمعنى ، لا يكاد يكون مضراً في الروايات الاعتيادية ، كالروايات المتعرضة إلى الفقة والفلسفة ... فإن اللفظ أو مرادفه ، والجملة ومثيلتها ، يعطيان معنى متشابهاً إلى حد كبير ... واحتمال اختلاف المعنى يكون ملغى ومدفوعاً إذا كان الراوي معلوم الضبط والوثاقة .

وأما في روايات التنبؤ بالمستقبل ، فليس الأمر فيها على هذا الغرار . فأنها تصدر في الأعم الأغلب عن قائلها : النبي (ص) أو غيره رمزية غير واضحة المعنى ، بحيث يحتاج فهمها إلى تدقيق . ومن المعلوم أن التعبير عن اللفظ الرامز بلفظ آخر يمسخه مسخاً ويغير معناه تغييراً كلياً أو يكاد .

وهذا الاحتمال لا يدفعه العلم بالوثاقة والضبط في الراوي ، بعد جواز النقل بالمعنى شرعاً ، واحتمال عدم فهم الراوي للمعنى المرموز إليه ، كي يختار المرادف الصحيح لألفاظ الراوية .

الأمر الثالث :

احتمال الإسقاط من ألفاظ الرواية في أثناء تناقلها من قبل الرواة .

فإن القواعد العامة في سائر الروايات ، تقتضي إلغاء هذا الاحتمال ، باستظهار كون الراوي ناقلاً لجميع الألفاظ ، أو لجميع ما يتعلق بالمضمون الواحد من قرائن وخصوصيات . إذا كان الراوي ثقة ، إذ لو كان قد أسقط بعض ذلك لكان قد أخل بنقله وبوثاقته في نهاية المطاف . ومعه تكون وثاقته دليلاً على أنه نقل إلينا كل ما يتعلق بالمضمون المعطى في الرواية .

صفحة (178)

إلا أن ذلك ليس بذي فائدة في روايات التنبؤ بالمستقبل ، وذلك من ناحيتين :

الناحية الأولى :

إذا احتملنا وجود قرينة لفظية أو غيرها ، لم يفهم الراوي كونها قرينة مغيرة للمعنى أو مؤثرة فيه ، فحذفها . والراوي الثقة إنما يتعهد نقل ما يفهم تأثيره من القرائن بطبيعة الحال ، دون غيرها . ومعه ل