الفصل الرابع
في مقابلاته عليه السلام خلال
غيبته الكبرى والمصالح والأهداف التي يتوخاها من ورائها
وينبغي أن ننطلق إلى الحديث عن
ذلك في ضمن جهتين رئيسيتين ، باعتبار انقسام الحديث ، تارة إلى
ما تقتضيه القواعد العامة من ذلك ، وأخرى إلى ما تدل عليه
الروايات الناقلة لتفاصيل المقابلات .
الجهة الأولى :
فيما تقتضيه القواعد العامة من
خصائص المقابلات :
ويقع الكلام في ذلك ، ضمن أمور
:
الأمر الأول :
في أنه هل يرى المهدي (ع) على
الدوام ، بحيث تستطيع أن تقابله وتحادثه متى سنح لك ذلك ، أو
لا .
يختلف الجواب على مثل هذا
السؤال ، نتيجة للأخذ بإحدى لأطروحتين الرئيسيتين السابقتين .
فإن رأينا صحة أطروحة خفاء الشخص ، كان الجواب بالنفي لا محالة
، ما لم تتعلق مصلحة خاصة وإرادة من قبل المهدي (ع) في الظهور
والمقابلة .
صفحة (89)
وقد سبق أن أشرنا أنه باء على
الأخذ بهذه الأطروحة يكون الشيء الدائم هو الاختفاء الإعجازي ،
وما هو الاستثناء هو الظهور الطبيعي المتقطع القليل وأما لو
أخذنا بأطروحة خفاء العنوان ، وهي التي اخترناها واستدللنا على
صحتها ، فهنا مستويات ثلاثة للمقابلة :
المستوى الأول :
مقابلة المهدي (ع) بشخصيته
الثانية ، حال كونه مجهول الحقيقة مغفولاً عنه بالمرة .
وهذا المستوى متوفر دائماً
للناس الذي يعايشونه في مجتمع أو الذين يصادفونه في أي مكان
كان . طبقاً لمفهوم هذه الأطروحة .
المستوى الثاني :
مقابلة المهدي (ع) بصفته
الحقيقية ، مع عدم الالتفات إلى ذلك إلا بعد انتهاء المقابلة .
وهذا المستوى هو الذي سارت
عليه المقابلات الاعتيادية المروية ، على ما سنسمع في الجهة
الثانية من هذا الفصل مشفوعاً بالتبرير النظري له .
المستوى الثالث :
مقابلة المهدي (ع) بصفته
الحقيقية ، مع الالتفات إلى ذلك في أثناء المقابلة . وهذا
المستوى قليل في روايات المشاهدة جداً ، باعتبار كونه مخالفاً
في الأغلب للمصلحة ، ومنافياً للغيبة التامة ، على ما سنسمع.
الأمر الثاني :
في كيفية المقابلة معه عليه
السلام .
ويختلف ذلك أيضاً باختلاف
الأطروحتين الرئيسيتين :
أما بناء على الأخذ بالأطروحة
الأولى ، فتحتاج المقابلة إلى عدة معجزات ، بعد أن عرفنا أن
مفهوم هذه الأطروحة يتضمن الاختفاء الإعجازي الدائم . ولا يمكن
أن تحدث المقابلة مع استمرار الاختفاء بطبيعة الحال ، إذن فلا
بد من حدوث عدة معجزات لإتمام الغرض من المقابلة .
المعجزة الأولى :
ظهوره بعد استمرار الاختفاء
بكل استثنائي ، اقتضته مصلحة خاصة . وهذا الظهور يقطع الحالة
الإعجازية الدائمة للاختفاء ، فيكون هو معجزة أيضاً .
صفحة (90)
المعجزة الثانية :
إقامة الحجة القاطعة على إثبات
حقيقته وأنه هو المهدي (ع) . بحيث يثبت ذلك ولو بعد انتهاء
المقابلة .
وهذه المعجزة ضرورية لإثبات
حقيقته ، بعد العلم أن الرائي جاهل بالمرة بشكل الإمام المهدي
(ع) وسحنته. ومن الواضح أنه لا يكفي للرائي مجرد إدعاء كونه هو
المهدي المقصود ، بل يحتاج لا محالة إلى إقامة الحجة بالمعجزة
لإثباته .
المعجزة الثالثة :
اختفاؤه بعد الظهور ، وعوده
إلى حالة الاختفاء الأولى بعد أن يكون قد أنجز المطلوب من
المقابلة .
فهذا ما تحتاجه المقابلة لو
صحت الأطروحة الأولى .
وأما لو أخذنا بالأطروحة
الثانية : أطروحة خفاء العنوان ، التي تقول : بأن الشيء الدام
بالنسبة إلى المهدي (ع) هو الظهور الشخصي مع خفاء العنوان ،
كما سبق أن أوضحناه ... فالمعجزة الأولى لا حاجة لها على
الإطلاق . بل حسب المهدي (ع) أن يقابل الفرد كأي إنسان آخر ،
وينجز ما هو المطلوب من مقابلته ، ويعرفه بحقيقته ، ولو بحسب
النتيجة ، أي ولو بعد المقابلة .
كما لا حاجة ، في الأعم الأغلب
إلى المعجزة الثالثة ، أعني الاختفاء بعد المقابلة . بل يكون
ذهاب المهدي (ع) بعد انتهائها طبيعياً ، ولو بتخطيط مسبق يقوم
به المهدي (ع) لأجل تنفيذ الذهاب بشكل لا يكون ملفتاً للنظر .
نعم ، لو وقع الإمام في ضيق
وحرج عند مقابلته ، بحيث تعرضت غيبته العامة إلى الخطر ، كان
لا بد له من الإخفاء الإعجازي ، وهو مطابق – في مثل ذلك –
لقانون المعجزات ، لأن في حفظ غيبته تنفيذاً لليوم الموعود .
وأما المعجزة الثانية ، وهي
التي تثبت بها حقيقته ... فهي مما لا بد منه في الأعم الأغلب
جداً من المقابلات . لما أشرنا إليه من أن الفرد حيث لا يعرف
المهدي بشخصه ولا يكفيه مجرد دعوى كونه هو المهدي (ع) ، كان لا
بد من إقامة الحجة لإثبات صدقه ، والحجة لا تكون إلا بالمعجزة
، ومن هنا كانت هذه المعجزة مطابقة لقانون المعجزات.
صفحة (91)
نعم ، قد يستغنى أحياناً عن
هذه المعجزة ، فيما إذا كان الشخص الرائي ممن يعرف المهدي (ع)
بشخصه وعنوانه. كما لو كان رآه في مرة سابقة وقامت الحجة لديه
على حقيقته ، ثم رآه ثانياً وعرفه ، فلا حاجة به إلى إقامة
الحجة تارة أخرى . ومعه يكون لقاؤه مع المهدي عليه السلام
طبيعياً جداً ، من دون أن تقع أي معجزة .
والمثال الواضح لذلك هو
السفراء الأربعة في الغيبة الصغرى . فإنهم يعرفون المهدي (ع)
بشخصه وعنوانه ، ويأخذون منه التوقيعات . ومثاله في الغيبة
الكبرى ما يظهر من بعض الروايات أن الخاصة من المخلصين يجتمعون
بالمهدي (ع) ويعرفونه ، على ما سيأتي . كما يظهر من بعض
الروايات أن السيد مهدي بحر العلوم كان كذلك أيضاً، على ما
سنسمع في أخبار المقابلات .
الأمر الثالث :
ماهي المصالح المتوخاة
والأهداف المطلوبة للمهدي عليه السلام من مقابلته للآخرين ،
بمقدار ما تهدينا إليه القواعد العامة . وسنسمع في الجهة
الثانية من هذا الفصل تفاصيل ذلك وتطبيقاته .
وما ينبغي أن يكون هدفاً له
عليه السلام من المقابلات ، هو قيامه بالمسؤولية الإسلامية ،
بأحد الأنحاء التي سبق أن ذكرناها في الفصل الثاني من هذا
القسم من التاريخ ... فيما إذا انحصر تنفيذها على المقابلة مع
الآخرين بالشخصية الحقيقية ، ولم يمكن القيام بها حال الاستتار
والجهل بالعنوان . وكانت الواقعة مشمولة للشروط التي ذكرناها
في ذلك الفصل لعمله الإسلامي المثمر في المجتمع ، سواء على
الصعيد الخاص أو الصعيد العام .
فقد يكون هدفه إنقاذ شخص من
ضرر وقع عليه أو إنقاذ مجتمع من تعسف ظالم عليه . أو هداية شخص
وتقويمه من الانحراف العقائدي أو الكفر أو الانحراف السلوكي ،
أو الدفاع عن شخص أو مجتمع ضد الانحراف ، أو نحو ذلك من
الأهداف التي كنا قد حملنا عنها فكرة فيما سبق ... مع توفر
شروط العمل فيها لا محالة .
صفحة (92)
الأمر الرابع :
في كيفية حضور الإمام المهدي
(ع) للمقابلة الصريحة ، مع الآخرين .
وإنما يثار التساؤل عن ذلك ،
باعتبار ما قد يخطر في الذهن من أنه إذا كان الشخص الذي يريد
المهدي (ع) مقابلته بعيداً عنه ، بحيث يحتاج إلى سفر طويل .
فما الذي يمكن له أن يفعله . وذلك بعد الالتفات إلى نقطتين :
النقطة الأولى :
إن بعد المسافة هو الغالب في
موارد عمل الإمام عليه السلام ، لأنها متفرقة على وجه البسيطة
. ومن هنا يضطر الإمام إلى السفر المتطاول دائماً لقضاء حوائج
الناس وحل مشاكلهم .
النقطة الثانية :
أنه قد يكون في كثرة الأسفار
خطر على غيبته ومظنة لانكشاف أمره ، وخاصة بعد أن فرض العمل عن
طريق المقابلة بالشخصية الحقيقية .
والجواب على ذلك يكون بإعطاء
عدة أساليب ممكنة للمقابلة ، وتذليل الصعوبة المشار إليها في
السؤال . مع الاعتراف أنه إذا لم يكن شيء منها ممكناً ، وكان
فيها خطر على غيبته ، فإن عليه السلام لا يمارس العمل ، لأن
العمل نفسه وإن فرض جامعاً للشرائط ، إلا أن الطريق إليه
متعذراً ومقدماته خطرة ، وإيجاد العمل بدون مقدماته ممتنع .
إذن فينسد باب العمل جزماً .
وتتلخص الأساليب المحتملة في
عدة وجوه تختلف باختلاف الموارد :
الوجه الأول :
أننا لا حاجة لأن نفترض كون
الشخص الذي يريد المهدي مقابلته بعيداً . بل يمكن أن يكون
قريباً ، يعيش في نفس المجتمع الذي يعيش المهدي (ع) فيه ...
فلا يحتاج إلى سفر أو مضي مدة . سواء كان المهدي (ع) يعيش في
ذلك المجتمع مختفياً ، طبقاً للأطروحة الأولى ، أو ظاهراً
مجهول العنوان ، طبقاً للأطروحة الثانية .
ومعه لا مجال للسؤال عن صعوبة
المقابلة بأي حال .
صفحة (93)
الوجه الثاني :
مجرد الصدفة ... وهو أمر محتمل
في بعض المقابلات ، فيما إذا صادف المهدي (ع) في بعض أسفاره
شخصاً أو أناساً محتاجين إلى العمل في سبيل إنقاذهم أو هدايتهم
... بشكل تتوفر فيه الشرائط .
وحمل جميع المقابلات على مجرد
الصدفة ، غير ممكن لكثرة المقابلات على مر التاريخ ، بحيث نعلم
أن عدداً مهماً منها كان نتيجة لتخطيط وتعمد من قبل المهدي (ع)
... إلا أن بعضها يمكن أن يكون قد حدث صدفة .
ومعه ، ففي مورد الصدفة لا
حاجة إلى السؤال عن كيفية تجشم السفر أو استلزامه لانكشاف
الغيبة . فإن المفروض إن السفر لم يكن لأجل المقابلة ، وإنما
كان لأهداف أخرى خطط فيها بقاء الاختفاء واستمرار الغيبة .
الوجه الثالث :
إن المهدي (ع) إذ يعلم وجود
مورد للعمل المثمر الحاصل على الشرائط في مكان بعيد عنه من
العالم ، ويكون الطريق إليه مأموناً بالنسبة إليه ، فإنه يقصده
قصداً ويسافر إليه عمداً بطريق طبيعي جداً ، ليقوم بالوظيفة
الإسلامية المقدسة في أنحاء المعمورة .
وهذا ممكن للغاية ، مع التخطيط
لدفع الأخطار المحتملة . حيث يكون للمهدي (ع) أن يسافر وأن
يرجع بشخصيته الثانية ، ولا يكشف حقيقته إلا للفرد المنوي
مقابلته .
ونحن بعد أن نلتفت إلى الوجوه
الأخرى ،لا نجد هذا الوجه هو الغالب في المقبلات ،لكي يستلزم
أن يكون المهدي(ع) مضطراً إلى السفر المتطاول المستمر في سبيل
قضاء حوائج الناس ، كما فهمنا من السؤال .
وعلى أي حال ، فهذين الوجهين
الثاني والثالث ، منسجمين أيضاً مع الأطروحتين الرئيسيتين ،
فإن مصادفة مورد العمل أو قصده سفراً يمكن أن يكون مع اختفاء
الشخص كما يمكن أن يكون مع خفاء العنوان .
صفحة (94)
الوجه الرابع :
اتخاذ المعجزة في قضاء الحاجة
أو العمل في سبيل هداية أو دفع ظلامة . سواء من ناحية سرعة
الوصول بشكل إعجازي إلى المناطق البعيدة من الأرض أو من أي
ناحية أخرى تحتاج إلى الإعجاز .
وهذا الوجه منسجم مع كلتا
الأطروحتين الرئيسيتين . ولكنه ، طبقاً لقانون المعجزات ،
منحصر بما إذا تضمن العمل في بعض الموارد إقامة الحجة على
الآخرين ، بإيجاد الهداية أو برفع بعض أشكال الظلم . ومن
البعيد أن نتصوره متحققاً في قضاء حاجة شخصية مهما كانت
الضرورة فيها قصوى ، ما لم يكن راجعاً إلى إقامة الحجة ، بنحو
من الأنحاء .
وهذه المعجزة التي نتحدث عنها
الآن ، هي غير تلك المعجزة التي يستعملها المهدي (ع) لإثبات
حقيقته للآخرين . ومن هنا قد يحتاج إلى كلتا المعجزتين ، وقد
يحتاج إلى إحداهما ، وقد يتكفل إنجاز كلا الغرضين: سرعة الوصول
والكشف عن حقيقته ، بمعجزة واحدة . كما قد لا يحتاج إلى شيء
منها أحياناً... ذلك باختلاف خصائص كل واقعة وكل شخص تطلب
مقابلته .
وبهذا ينتهي المقصود من بيان
ما تقتضيه القواعد في مقابلات المهدي (ع) ، فلا بد أن ننظر إلى
الأخبار الخاصة لنرى مقدار ما تثبته من المشاهدة ، وهل أنه
منسجم مع ما تمّ طبقاً للقواعد العامة أو لا .
الجهة الثانية :
في الأخبار الخاصة الدالة على
مشاهدة الإمام المهدي (ع) في غيبته الكبرى . وهي عدد ضخم يفوق
حد التواتر بكثير ، بحيث نعلم ، لدى مراجعتها واستقرائها ،
بعدم الكذب والوهم والخطأ فيها في الجملة . وإن كانت كل رواية
لو روعيت وحدها لكانت قابلة لبعض المناقشات على ما سوف يأتي .
والحاصل منها في اليد ، ما
يفوق المئة ، يذكر منها الشيخ المجلس في البحار(1) عدداً منها
، ويذكر منها الحدث النوري في النجم الثاقب مئة كاملة .
ــــــــــــــــــ
(1) الجزء الثالث عشر ، ص 143
وما بعدها .
صفحة (95)
وقد كتب أيضاً رسالة خاصة في
ذلك سماها "جنة المأوى" ألحقت بالجزء الثالث عشر من البحار ،
يذكر فيها تسعاً وخمسين حادثة وهناك على الألسن والمصادر ال
أخرى ما يزيد على ذلك بكثير .
على أننا سبق أن ذكرنا في
تاريخ الغيبة الصغرى(1) أنه يحتمل – إن لم يكن يطمئن أو يجزم –
بأن هناك مقابلات غير مروية أساساً ، وأن المهدي عليه السلام
يتصل بعدد من المؤمنين في العالم في كل جيل ، مع حرصهم على عدم
التفوه بذلك وكتمه إلا الأبد ، تحت عوامل نفسيه مختلفة شرحناها
هناك . بل من الممكن القول بأن المقابلات غير المروية أكثر
بكثير من المقابلات المروية .
وعلى أي حال ، فينبغي أن نتكلم
في ما وردنا من الأخبار ، من حيث تحميص أقسامها ، ومن حيث
معطيات مدلولها، في ضمن عدة أمور :
الأمر الأول :
في تمحيص هذه الروايات ،
ومعرفة أقسامها ، فأنها ليست على نسق واحد وأسلوب مطرد في
مقابلة المهدي عليه السلام ، بل يختلف الحال فيها اختلافاً
كبيراً . ومرد هذا الاختلاف إلى الاختلاف في ظروف الشخص الرائي
ومقدار وثاقته وضعفه وسنح الهدف الذي يستهدفه الإمام من وراء
المقابلة ، وطريقة التخطيط الذي يضمن به سلامته وإخفاء نفسه .
وبذلك تكاد تختلف كل رواية عن الأخرى ... وما يمكن أن يعنون من
الاختلافات هو ما نذكره في الأقسام التالية ، نذكره بنحو قابل
للتداخل وإمكان اندراج رواية واحدة في أكثر من قسم واحد :
القسم الأول :
ما كان منها متضمناً لإسناد
أكثر من معجزة واحدة للإمام المهدي عليه السلام : اثنتين أو
ثلاث ... وقد تصل إلى أربع .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر ص 647 وما بعدها .
صفحة (96)
وقد سبق أن ذكرنا أنه لا حاجة
إلى المعجزة إلا بمقدار إقامة الحجة ، ويكون الزائد أمراً
مستأنفاً لا يصدر عن الخالق الحكيم . ومعه لا بد من إسقاط
المعجزات الزائدة عن ذلك عن نظر الاعتبار ، ما لم نجد لها
وجوهاً للتصحيح ... وإن كان ذلك لا يسقط مجموع الرواية ولا
الدلالة على مقابلة الإمام المهدي ، لما ذكرناه من أن سقوط بعض
مدلول الرواية لا يقتضي سقوط الجميع .
إلا أننا لا نعدم وجوهاً
للتصحيح :
الوجه الأول :
أننا وإن قلنا أن المعجزة
منحصرة بمورد إقامة الحجة ، إلا أن ذلك كما يقتضي عدم زيادتها
على ذلك يقتضي عدم نقصها عن هذا الحد أيضاً . فلا بد من إقامة
المعجزة بنحو يقنع الفرد العادي ، وينتفي بها احتمال الصدفة
والتزوير، ولا تكون قاصرة عن ذلك . وأما لو كانت المعجزة
مختصرة وغير ملفتة للنظر ، فقد لا تحمل الفرد الاعتيادي على
الاقتناع .
ومعه فقد تمس الحاجة – أحياناً
– إلى ضم أكثر من معجزة واحدة إلى بعضها البعض ، لكي تحصل
القناعة . وهذا هو الذي وقع في عدد من أخبار المشاهدة التي نحن
بصدد الحديث عنها . وقد سبق أن سمعنا في تاريخ الغيبة الصغرى
كيف كان يقيم المهدي (ع) دلالتين منضمتين ، حيث يقول بعض
المؤمنين لأخيه المؤمن : لا تغتم فإن لك في التوقيع إليك
دلالتين : إحداهما : إعلانه إياك أن المال ألف دينار .
والثانية : أمره إياك بمعاملة أبي الحسين الأسدي لعلمه بموت
حاجز .
الوجه الثاني :
أن نفهم – ولو احتمالاً - : أن
الإمام المهدي (ع) له اهتمام خاص بالشخص الذي يقابله ، بحيث
يريد أن يقيم له حجة واضحة جداً . فيضم معجزة إلى معجزة ، حتى
يتحقق ذلك . ويكون ذلك واقعاً في طريق إقامة الحجة عليه ،
فينسجم مع قانون المعجزات .
الوجه الثالث :
أننا ذكرنا أنه قد يحتاج
المهدي (ع) أحياناً إلى أكثر من معجزة واحدة ، لكي تكون إحداها
للدلالة على حقيقته وتكون الأخرى للاختفاء الإعجازي لدى الحاجة
.
صفحة (97)
وهذا صحيح ، لولا ما قلناه من
أن الاختفاء يكون طبيعياً وغير ملفت للنظر على الأغلب ، وما
سوف نقوله من أن معجزة واحدة كافية لإيجاد كلا الأثرين :
أعني الدلالة على حقيقته
والاختفاء .
وعلى أي حال ، فلا بأس من تعدد
المعجزة في الحادثة الواحدة ، ولكن إن ثبت أنها مما لا مبرر
لها بحسب القواعد العامة ... فلا بد من طرحها عن مدلول الرواية
، وإن لم يكن طرحها ملازماً لطرح كل المدلول .
القسم الثاني :
ما كان منها مكرساً على قضاء
الحاجات الشخصية ، وهو الأعم الأغلب من أخبار المشاهدة . وأما
ما كان منها لقضاء حاجة عامة أو هداية مجتمع كامل أو إنقاذه من
الظلم ونحو ذلك ... فهو قليل الوجود في هذه الروايات ، على ما
سوف نشير إليه .
ونحن في فسحة واسعة – بعد كل
الذي عرفناه – من حيث إمكان ذلك ، وتعقل صحته ومطابقته مع
القواعد العامة. وذلك من أجل عدة وجوه :
الوجه الأول :
إن المهدي (ع) يكرس عمله
الاجتماعي المثمر العام ، بصفته مختفياً ، او بشخصيته الثانية
. وقد سبق أن حملنا فكرة كافية عن أسلوبه في ذلك . لأنه عليه
السلام يرى أن ذلك أضمن لسلامته ، ومن ثم يكون أفسح فرصة
لتعدده وكثرته وعمق تأثيره ، بدون أن يعرف أحد أن التأثير وارد
من قبل المهدي (ع) ليكون منقولاً عنه في أي رواية من الروايات
.
الوجه الثاني :
أن نحتمل – والاحتمال كاف في
أمثال هذه الموارد ، كما برهنا عليه في المقدمة – : إن الإمام
المهدي (ع) عمل أعمالاً عامة عديدة في خلال العصور بصفته
الحقيقية . ولكنه لم ينقل خبره إلينا إلا بهذا المقدار القليل
. وذلك : لأحد مانعين :
الأول : إن الإمام بنفسه يأمر
الآخرين بالكتمان ، أما لتوقف غيبته على ذلك ، إن لتوقف نفس
المخطط الإصلاحي عليه أحياناً . كما لو كان يتوقف على إقناع
أشخاص من غير قواعده الشعبية .
صفحة (98)
الثاني : إن العمل الشخصي
بطبيعته أكثر إلفاتاً للنظر وأجدر بالنقل والرواية من العمل
الاجتماعي العام ، في نظر أولئك الرواة غير الواعين الذي
ينظرون إلى الكون والحياة من زواياهم الخاصة ومصالحهم الضيقة .
وقد كان البشر ولا يزالون محافظين على هذا المستوى الواطئ ،
وسبقون كذلك إلى يوم ظهور المهدي (ع) وقيامه بالعدل التام .
ومن ثم كان العمل الاجتماعي
مهملاص في نظر الرواة ، وكان العمل الشخصي مؤكداً عليه عندهم
ومنقولاً بإسهاب في رواياتهم . ومن هنا لا نجد من الروايات
الدالة على عمل المهدي (ع) في الحقل العام إلا القليل.
الوجه الثالث :
أن نفهم – كما فهمنا فيما سبق
– إن عدداً من المظالم العامة والخاصة الموجودة في العالم على
مر العصور ، لا يتوفر فيها الشرط الأول من الشرطين اللذين
ذكرناهما وقلنا أن كل شيء يكون على هذا المستوى يجب إهماله
تنفيذاً للمخطط الإلهي في حفظ المهدي (ع) ليوم الظهور الموعود
.
الوجه الرابع :
أن نفهم – كما فهمنا فيما سبق
أيضاً – : إن عدداً من أنحاء الظلم العام الساري في المجتمع
على مر التاريخ ، لا يتوفر فيه الشرط الثاني من الشرطين
السالفين ... بمعنى كونه دخيلاً في تحقيق وعي الأمة وإدراكها
لمسؤولياتها الإسلامية تجاهواقعها وتجاه نفسها وربها ومستقبلها
. وهذا هو أحد الشروط الأساسية في تحقق ظهور المهدي عليه
السلام على ما سنعرف. إذن فالمهدي ، حرصاً على تحقق شرط الظهور
،لا يعمل على إزالة هذا الظلم العام.
وهذا بخلاف الحال في المظالم
الخاصة ، فأنها لو لوحظت منفردة لا تكاد تؤثر في وعي الأمة .
صفحة (99)
وعلى أي حال ، فما لا يكون
دخيلاً في وعي الأمة أو الفرد ، يمكن أن يسعى المهدي (ع) إلى
إزالته مع توفر سائر الشرائط فيه . وحيث كان عدم التأثير
متوفراً في الظلم الشخصي ، وغير متوفر في الظلم العام ، كان
عمل المهدي (ع) في إزالة الظلم الشخصي أكثر منه في إزالة الظلم
العام.
إذن ، فمن المنطقي جداص ، على
أساس هذه الوجوه الأربعة ، المتوفر واحداً منها أو أكثر في كل
مقابلة ، أن يصبح العمل العام للإمام المهدي (ع) أقل من العمل
الخاص ، أو أن تكون روايته أقل على أقل تقدير .
القسم الثالث :
من روايات المشاهدة ، ما لا
يظهر فيه الإمام المهدي (ع) على مسرح الحوادث بوضوح ، وذلك
بالنسبة إلى الراوي – على أقل تقدير – . بل يقوم الدليل القطعي
عند الراوي المتحدث أن شخصاً آخر رآه وعره أو رآه ولم يعرفه
إلا بعد ذهابه .
وهذا القسم يمثل بعض ما ذكره
الحاج النوري من الأخبار المئة في "النجم الثاقب" . وهو غير
مضر بكونه من أخبار المشاهدة . فإننا لا نعني من المشاهدة :
مشاهدة المتحدث عن نفسه والراوي عن رؤيته فقط ... بل مشاهدة أي
إنسان للمهدي (ع) . وهذا ما تضمن هذه الروايات الأعراب عنه .
القسم الرابع :
الروايات التي تدل على وجود
المهدي (ع) من دون أن يراه أحد ، لا بمعنى اختفائه اختفاء
شخصياً ، بل بمعنى أن الناس قد يتوسلون إلى المهدي (ع) بالنداء
والدعاء بأن يقضي حاجتهم ويتوسط إلى الله عز وجل في تذليل
مشكلاتهم ، فتقضى حاجتهم وتحل مشاكلهم ، أما بشكل طبيعي
اعتيادي ، وأما بشكل لم يكن متوقعاً لصاحب المشكلة أساساً ،
بحيث يضطر إلى الإذعان والجزم بكونه حاصلاً نتيجة لدعاء المهدي
(ع). وبذلك يثبت وجوده عليه السلام ، وعنايته بمن يتوسل إلى
الله عز وجل في حل مشكلاته .
وهذا القسم يمثل بعض أخبار
المشاهدة ، وهو موجود على مر التاريخ بالنسبة إلى الكثير من
المضطرين والمحتاجين . فإن الإمام بقربه إلى الله تعالى وكماله
لديه يكون مستجاب الدعوة ، فيمكنه أن يستعمل دعاءه في قضاء
حوائج الآخرين ، حين يرى المصلحة في ذلك .
صفحة (100)
وهذا هو أبعد طريق عن الشبهة
والخطر بالنسبة إليه ، كما هو واضح . كما أنه يكون عملاً من
الأعمال المنتجة بصفته ذو تأثير حقيقي في الخارج . وإنما يسقط
الدعاء من كونه عملاً منتجاً فيما إذا كان بعيداً عن الإخلاص
وعن إدراك حقيقة المسؤولية ، ومن ثم يكون بعيداً عن الإجابة
فلا يكون منتجاً .
القسم الخامس :
الأخبار التي تدل على أنه شارك
في إقامة الحجة على افرد ، بعض ما رآه في المنام أيضاً ،
مضافاً إلى الحوادث التي عاشها في اليقظة .
وهذا الأمر ليس بالبعيد مع
اقتران خصيصتين :
الأولى : إذا كانت إقامة الحجة
على مستوى المعجزة .
الثانية : أن يكون لبعض ما رآه
أثر في عالم اليقظة ، ولم تكن الحادثة مقتصرة على المنام وحده
.
وكلا الخصيصتين مجتمعتان في
الأخبار المندرجة في هذا القسم مما سطر في المصادر أو شوهد
بالوجدان أو سمع بالنقل . ومعه تندرج هذه الأخبار فيما يدل
بالدلالة القطعية على وجود المهدي (ع) ، وإن لم تندرج في أخبار
المشاهدة .
وأود أن أشير في المقام إلى
أنه ليس هناك أي دليل عقلاً ولا شرعاً على بطلان كل الأحلام
جملة وتفصيلا . نعم ، لا شك في أكثرها زائل ولا حقيقة له ،
وإنما هو ناشئ عن نوازع نفسية لا شعورية لدى الفرد . ولكن مما
لا شك فيه وجود الأحلام المطابقة للواقع ، والتي يجد الفرد
تطبيقها في عالم اليقظة بنحو أو بآخر ، وإنكار ذلك مكابرة
واضحة على الوجدان ، وأنت حر بإعطاء أي تفسير لذلك عدا الصدفة
المحضة التي يقطع بعدمها نتيجة للكثرة الكاثرة من الأحلام
الصادقة على مر التاريخ .
فإذا اقترن الحلم بأمر زائد
على مجرد المطابقة للواقع ، كان – ولا شك- من قبيل المجزات ،
كما لو دعا لك شخص في المنام فشفيت في اليقظة أو وعدك بتحقق
أمر فتحقق ، أو أخبرك بشيء لم تكن تعلمه ، وكان حاصلاً حقيقة .
ومع ذلك لا نريد أن نثمن تلك
الروايات التي تقتصر على مجرد المنام ، فان مثل ذلك غير موجود
في أخبار المشاهدة على الاطلاق . وإنما يوجد قسم منها تشارك
اليقظة والنوم في إيجاد المعجزة للدلالة على حقيقة المهدي. وهو
من أوضح الدلائل على صقد المنام .
صفحة (101)
وعلى أي حال ، فهذا القسم قليل
العدد في روايات المشاهدة . ولو قدر لنا إسقاط المنام عن نظر
الاعتبار، لكان لنا في ما حدث في اليقظة حجة وكفاية .
القسم السادس :
الأخبار الدالة على الحاج
النوري في ذلك روايتين ، كان المهدي (ع) في احداهما بصورة
"سيد" يعرفه الراوي ويعرف كونه جاهلاً واطئ الفهم والثقافة.
وقد فهم كونه هو المهدي (ع) لما ذلكر من أمور علمية مع إنكار
ذلك الشخص أنه كان هو القائل لذلك (1) . وكان المهدي (ع) في
الثانية في صورة "شيخ" يعرفه الراوي (2) .
وهاتان الروايتان ، ونحوهما ما
يثبت تشكل الامام المهدي (ع) في سحنته وجسمه أشكالاً مختلفة ،
بحيث من الممكن انطباقها على أشخاص بعينهم ... يختلف حسابهما
بالنسبة إلى الأطروحتين الرئيسيتين السابقتين :
أما أطروحة خفاء الشخص ، فهي
وإن لم تقتض ذلك علىوجه التعيين ، لامكان أن يراه الرائي عند
ارتفاع خفائه بشكل موحد في كل المرات . ولكن قد يتخيل من يقول
بهذه الأطروحة : بأن حال المهدي (ع) وغيبته ، لما كانت مبتنية
على المعجزات ، كما هو مفروض هذه الأطروحة ، فمن الممكن أن
تتوسع في المعجزات إلى كثير من خصوصيات الامام (ع) وأموره ،
حتى فيما يرتبط بشكله وسحنته ... ما دام الله تعالى قادراً على
كل شيء .
ولكن الواقع ، أننا إذا سرنا
في هذا التصور عدة خطوات ، لواجهنا انحرافاً خطيراً وفهماً
خاصاً باطلاً للتصورات والقواعد الاسلامية ، لسنا بصدد تفصيله
.
ــــــــــــــــــ
(1) النجم الثاقب ، ص 368 وما
بعدها . (2) المصدر ص 373 .
صفحة (102)
هذا ويراد بالسيد والشيخ من
كان بزي رجال العلم الديني الاسلامي .غير أن السيد من كان من
العلويين منهم والشيخ منهم من لم يكن كذلك .
والصحيح هو ما قلناه في تأسيس
الأطروحة الثانية ،من قانون المعجزات ،وإن كون الله تعالى
قادراً على كل شيء، لا يقتضي إيقاعه للمعجزات بعدد كبير وبدون
مبرر واضح . بل لابد من اقتصاره على مورد إقامة الحجة ،
وتربية البشر .
فإذا تمّ ذلك ، عرفنا أننا
نعترف بإمكان ما قيل من تغير شكل الإمام-موقتاً – عند انحصار
إقامة الحجة على ذلك أو توقف مستقبله الموعود عليه .غلا أن ذل
كمما لا يكاد يوجد له مصداق أو تطبيق في أي مورد ن لما سبق أن
عرفناه من إمكان إيجاد المقابلة وإنهائها بشكل طبيعي ، أو
بإيجاد معجزة واحدة هي الاختفاء عند الضرورة ، مع الحفاظ على
شكله الذي هو قوام شخصيته بين الناس . وإذا أمكن ذلك ، انتفت
الحاجة إلى تغير الشكل بالمعجزة ، وإذا انتفت إليها الحاجة لم
يكن لوجودها سبيل ، بحسب قانون المعجزات .
وينفي هذا المضمون أيضاً ، ما
سبق أن سمعناه من أن عدداً من الأفراد يعرفون الإمام المهدي
(ع) في غيبته الصغرى وفي غيبته الكبرى ، بشكل وسحنة موحدة
بالرغم مما قد يتغير من زيه وملبوسه.
القسم السابع :
من أخبار المشاهدة ما دل على
مشاهدة المهدي (ع) في العراق أو وسطه وجنوبه على وجه خاص .
وهذا يشمل الأعم الأغلب من أخبار المشاهدة .
ومع ، فقد يخطر في الذهن : أن
هذا الاختصاص بمنطقة معينة من العالم مما لا يناسب الوظيفة
الإسلامية التي عرفناها للمهدي طبقاً للأطروحة الرئيسية
الثانية ... من تنفيذ عدد من مصالح المسلمين وحل مشاكلهم ، مما
هو مستجمع للشرائط السابقة ، وخاصة مما يمت إلى قواعده الشعبية
ومواليه بصلة . ومن المعلوم أن عمله في خصوص العراق ،يجعل هناك
ضيقاً في نشاطه لا عن المسلمين فقط ،بل عن قواعده الشعبية في
غير العراق أيضاً، فكيف نستطيع أن نفسر هذه الأخبار .
والجواب عن ذلك يكو من عدة
وجوه :
الوجه الأول :
إن الأخبار المثبتة لمشاهدته
عليه السلام في غير العراق، لا قصور فيها من حيث الدلالة على
قيام المهدي بوظيفته الاسلامية في تلك البلاد . على ما سنسمع
فيما يلي من البحث مفصلاً .
صفحة (103)
الوجه الثاني :
أننا ينبغي أن نلتفت إلى ما
قلناه من أن هناك عدداً ضخماً من المشاهدات غير المروية، قد
يفوق العدد المروي منها .
إذن ، فمن المحتمل أن يكون عدد
مهم من المشاهدات واقع خارج العراق ، ولم تسنح الظروف – التي
أشرنا إلى بعضها – بنقل أخبارها إلينا .
كما ينبغي أن لا ننسى ما قلناه
من أن المهدي عليه السلام يعمل الأغلب من أعماله بشخصيته
الثانية وبصفته فرداً عادياً في المجتمع ، ومثل هذه الأعمال
تحصل ولا يردنا خبرها بطبيعة الحال . أو قد يصلنا الخبر ولا
نعرف انتسابها إلى المهدي (ع) بحقيقته .
ومعه فالمهدي يمكنه أن يعمل في
سائر البلاد التي يصل اليها ، سكناً أو سفراص ، من دون أن يثير
حوله أي استفهام أو أن يصل إلى الآخرين عنه أي خبر .
الوجه الثالث :
إن غاية ما تدل عليه هذه
الأخبار ، هو أن غالب سكنى المهدي (ع) هو في العراق . ومن
المعلوم أن عمل الفرد يكثر في محل سكناه عنه في المناطق الأخرى
.وخاصة فيما إذا كان يجد من بعض الأسفار صعوبة وخطراً علىنفسه
أو إثارة للاستفهام عن حقيقته .
واختياره عليه السلام العراق
للسكنى ، ممكن وقريب ، ولا ينافي أياً من الأطروحتين
الرئيسيتين . وخاصة بعد أن كان هو بلد سكناه غالباً في غيبته
الصغرى – كما عرفنا- . وفيه مساكن ومدافن جملة من آبائه
الطاهرين عليهم السلام . وكان مركزاً لعدد مهم من الأعمال
الاسلامية الكبرى في صدر الإسلام كواقعة كربلاء وغيرها .
وسنعرف أيضاً في الكتاب الثالث من هذه الموسوعة أن العراق
والكوفة على الخصوص، ستكون هي المنطلق الأساسي ، بعد ظهور
المهدي (ع) لفتح العالم كله والعاصمة الرئيسية للدولة
الإسلامية العالمية المهدوية .
صفحة (104)
وهنا يمكن أن يخطر في الذهن
سؤالاتن ، لا بد من عرضهما مع محاولة الجواب عليهما :
السؤال الأول :
أنه لماذا كان العراق هو مركز
الثقل في كل هذه الأعمال الكبرى ، ولم يكن غيره بهذه الصفة .
مع العلم أننا نؤمن بتساوي البشر عامة والمسلمين خاصة وبتساوي
المناطق واللغات تجاه التشريع الإسلامي والعدالة الإلهية . فما
هو الوجه في ذلك ؟
والجواب عن ذلك : أن العراق لم
يحتل هذا المركز المهم ، من أجل عنصرية معينة ، وإنما له من
الصفات الواقعية التي تجعله المنطلق الوحدي في العالم لكل تلك
الأعمال الكبرى .
ويمكن تلخيص خصائصه الرئيسية
بما يلي :
الخصيصة الأولى :
إن العراق من الناحية
الجغرافية ، يعتبر في وسط البلاد الإسلامية في عصر الغيبة ،
ابتداءً بالهند وأندونيسيا وانتهاءً بمراكش وغرب أفريقيا
عموماً .
الخصيصة الثاية :
إن العراق مسكن للقواعد
الشعبية التي تؤمن بوجود المهدي (ع) وغيبته .
الخصيصة الثالثة :
إن العراق سيصبح الأرض التي
تتمخض عن عدد غير قليل من القواد الرئيسيين للمهدي (ع) بعد
ظهوره ، كما سيتضح من الكتاب الثالث من هذه الموسوعة ، بخلاف
البلاد الإسلامية الأخرى ، فأنها تتمخض عن عدد قليل .
والسر في ذلك : ليس هو أفضلية
العراق ككل على غيره ، وإنما ذلك باعتبار ما يمر به الشعب هناك
من مآسٍ ومظالم أكثر من غيره من الشعوب المسلمة ، وسنعرف في ما
يلي من هذا التاريخ أن زيادة الظلم يتمخض عن كثرة الإخلاص
والمخلصين .
صفحة (105)
وبهذه الخصائص الثلاث ، يكون
العراق ذا موقع أهم من الناحية الإسلامية من كثير من البلاد
الإسلامية الأخرى : نعم ، ينبغي أن لا ننسى الجزء الأكبر من
بلاد فارس فإنها أيضاً تتصف بنفس الخصائص . وحيث كانت مجاورة
للعراق أمكن تعميم المنطقة بخصائصها إليها .
السؤال الثاني :
إن روايات المشاهدة وإن دلت
على سكنى المهدي (ع) في العراق ، إلا أن هناك أموراً أخرى تدل
على خلاف ذلك ، تكون معارضة مع هذه الروايات . فكيف نجمع
بينهما .
الأمر الأول :
ما سبق أن ذكرناه طبقاً
للأطروحة الرئيسية الثانية ، من أن خير وجه متصور يخطط المهدي
(ع) لكي يبعد الأنظار عن نفسه والالتفاف إلى حقيقته ، هو أن
يسكن في كل جيل مدينة إسلامية غير التي كان يسكنها وقلنا أنه
لعله يسكن في كل خمسين سنة في مدينة من العالم الإسلامي .
ولكن الواقع أن هذا لا يعارض
سكناه الغالبة في العراق خلال التاريخ ، وسكناه في عدد من مدن
العراق أيضاً . فلا يكون معارضاً مع ما دلت عليه روايات
المشاهدة .
الأمر الثاني :
الرواية السابقة التي دلت على
اختياره المدينة المنورة للسكنى .
الأمر الثالث :
ما سمعناه من اختياره البراري
والقفار وشعاب الجبال محلاً للسكن ، كما دلت عليه رواية علي بن
مهزيار.
والجواب على كلا هذين الأمرين
، من وجهين :
الوجه الأول :
أننا سبق أن وجدنا المبررات
الكافية لرفض الأخذ بكلا هاتين الروايتين ، ومعه ، فلا تكون
معارضة ما دلت عليه روايات المشاهدة .
صفحة (106)
الوجه الثاني :
إن ما يدل عليه غالب روايات
المشاهدة هو سكنى المهدي في غالب العصور المتأخرة في العراق ،
ومعه ففي الإمكان افتراض سكناه في البراري والقفار . وخاصة بعد
أن علمنا أن الحاجة إلى الانعزال والحماية قد ارتفعت بالمرة عن
شخص المهدي عليه السلام ، في العصور المتأخرة .
فهذه هي جملة الأقسام في أخبار
المشاهدة ، مع تمحيصها . ونكرر تارة أخرى أن كل رواية بمفردها
، قد تكون قابلة للمناقشة إلا أن العلم الحاصل من المجموع غير
قابل للمناقشة ، ويكون نافياً للكذب والخطأ والوهم … ولو في
بعضها على أقل تقدير .
الأمر الثاني :
من الكلام عن أخبار المشاهدة .
إن هناك إيراداً عاماً يمكن أن
يرد على هذه الأخبار لو لوحظت النظرة الإسلامية العامة إلى
المجتمع .
وحاصل هذا الإيراد : أننا لا
نكاد نجد في أخبار المشاهدة ، في الغيبة الكبرى ، توجيهاً
عاماً واعياً يقوله الإمام عليه السلام لأحد ممن يقابله ، سواء
كان الغرض قضاء حاجة عامة أو قضاء حاجة خاصة .
مع أن يتبادر إلى التصور أن ما
يفعله الإمام (ع) في أثناء المقابلة ، هو أن يربي من يقابله
ويثقفه بالثقافة العامة الإسلامية الصحيحة ، ويلخص له في عدة
كلمات القضايا الإسلامية المهمة التي تنير له الطريق وتحثه على
السير القويم . والمشاركة في بناء المجتمع المسلم بناء صالحاً
واسع الأثر بعيد النتيجة .
مع ان هذا لم يحدث ، إذ لو كان
قد حدث لنقل في الأخبار ، مع أنه تكاد أن تكون خالية عنه ، ولو
كان قد حدث لأصبح الفرد من أفضل الصالحين ، وأوسع العاملين ،
ولرأينا آثاراً اجتماعية مهمة مترتبة على أعمال الذين شاهدوا
المهدي (ع) ، وتابعيهم بإحسان ، مع أن ذلك لم يحدث !
صفحة (107)
فلماذا لم يقل المهدي (ع) مثل
هذه التوجيهات ، وإذا كان قاله ، فلماذا لم ينقل إلينا ، أو لم
يظهر أثره في المجتمع المسلم .
ونحن إذا استطعنا الجواب على
ذلك ، فقد سرنا قدماً جديدة في تحديد سياسة الإمام المهدي (ع)
تجاه الآخرين ممن قابلوه ، وممن لم يقابلوه أيضاً .
ويتم الجواب على ذلك ضمن عدة
نقاط :
النقطة الأولى :
أننا عرفنا أن المهدي (ع) يعمل
– مع اجتماع الشرائط – العمل النافع بصفته فرداً اعتيادياً في
المجتمع . وفي مثل ذلك يكون له أن يقول ما يشاء ويفعل ما يريد
ويمهد لتكميل الأفراد والمجتمعات ، من دون أن تعرف هويته
الحقيقية . وربما كان الكثير ممن برزوا في العالم الإسلامي
علماً وعملاً ، كانوا قد سمعوا التوجيه من المهدي (ع) بدون أن
يعرفوه على الإطلاق .
النقطة الثانية :
إن المهدي (ع) قد يجتمع
بالخاصة من المؤمنين به ، وهو ما سبق أن تصورناه بصفته أطروحة
محتملة ، وتدل عليه بعض الأخبار أيضاً ، على ما سنسمع ،
وباجتماعه معهم ، بالشكل الذي يعرفوه بحقيقته ، ينفتح لهم
المجال الواسع لتلقي التعليمات منه عليه السلام ، والخوض في
مناقشة المسائل الاجتماعية والاسلامية على صعيد واسع وواعٍ .
ثم هم يطبقونه في حياتهم العملية ، من دون أن ينقلوا من هذا
القبيل .
فإن كفى ذلك في قناعتنا في
كفاية هذه التوجيهات ، عما نتوقعه من أخبار المشاهدة ، فهو
المطلوب . وإن تنزّلنا عن هذه النقطة ، أمكننا الانتقال إلى ما
يلي :
النقطة الثالثة :
إن المعهود من ديدن النبي (ص)
، والأئمة عليهم السلام ، هو إعطاء كل مقام مقاله ، وعدم
المبادرة إلى البيان من دون سؤال . وإذا سألهم سائل عن بعض
الحقائق العبادية أو الاجتماعية أو الكونية ، نظروا إلى مقدار
مستوى السائل من حيث الثقافة ، وأعطوه من الجواب بمقدار ما
يفهمه ويستطيع هضمه وتمثيله نفسياص وعقلياً . ولم يكونوا
يحملونه جواباً يحوي من الحقائق ما لا يطيقه كاهله أو لا يسيغه
عقله .
صفحة (108)
بل أن هذا الدين غير خاص بقادة
الإسلام ، بل عام لكل عالم عندما يسأله جاهل ، وكل اختصاصي
عندما يسأله عامي. فليس من المحتمل أن يجيب انشتاين بكل تفاصيل
نظريته النسبية ، أو ببعض دقائقها ، لو سأله عنها شخص ، وإنما
يكتفي في الإعراب عنها ، بإعطاء بعض العموميات .
وهذا هو المراد الجوهري ، مما
ورد شرعاً وعرفاً ، من قولهم : خاطب الناس على قدر عقولهم .
وهو أمر واضح في الأذهان في غاية الوضوح .
ومعه ، فلا ينبغي أن نتوقع من
المهدي (ع) أن يسير بغير هذا الديدن الذي سار عليه آبؤه عليهم
السلام . فهو لا محالة يقدر المستوى العقلي والثقافي للفرد قبل
أن يوجه توجيهه أو يذكر كلامه .
فإذا علمنا أنه عليه السلام
كان يواجه الناس لأغراض حل مشاكلهم العامة والخاصة ، بغض عن
مستوياتهم الثقافية ، وعلمنا أن كثيراً من كان يواجههم ذو
مستوى في الوعي والثقافة الإسلامية العامة واطئ إلى حد كبير
... لم نكن نتوقع – مع هذا – أن يذكر المهدي توجيهاً أو
إرشاداً خارجاً عن حدود قضاء الحاجة وتذليل المشكلة ، مما يكون
له آثار أخرى في المجتمع والحياة .
وهذه هي القاعدة الأساسية التي
تفسر هذا الجانب من سياسة الإمام عليه السلام ، تجاه الآخرين .
النقطة الرابعة :
أننا لو غضضنا النظر عما قلناه
في النقطة الثالثة ،وفرضنا أن المهدي (ع) يوجه البيانات إلى من
يراه بشكل واسع، بقطع النظر عن مستواه الثقافي والفكري ...
فنحن – مع ذلك – لا ينبغي أن نتوقع من هذه التوجيهات أن تصنع
لنا الأبطال والمشاهير في العلم والعمل ... كما تخيل السائل
الذي نناقشه الآن .
صفحة (109)
فإننا نعرف سلفاً أن المقابلة
تكون قصيرة دائماً ، وغير مكرر على الأغلب ، ومكرسة – بطبيعة
الحال – لأجل حل مشكلة معينة . إذن ، فماذا يبقى للتوجيهات
العامة المتصوورة للإمام المهدي (ع) من الزمان ، إلا أقل
القليل . فلو فرض أن الإمام عليه السلام اغتنم هذه الفرصة ،
وتكلم مع الفرد مقدار ربع ساعة أو نصف ساعة على أكبر التقادير
، فإن هذا الكلام مهما كان مركزاً وكاملاً وعميقاً ، لا يمكن
أن يصنع من الفرد العادي بطلاً من الأبطال ، أو شهيراً من
المشاهير ، من الزاوية الإسلامية الحقة . فإن الأمر لا يخلو من
أحد فرضين لا ثالث لهما . وهما : أن المهدي (ع) إما أن يريد
تربية من يقابله وتثقيفه بشكل المعجزة ، وإما أن يريد ذلك بنحو
طبيعي .
أما طريق المعجزة فهو منسد
أساساً ، لعدم كون هذه المعجزة واقعة في طريق إقامة الحجة ،
بعد فرض إيمان الفرد بالإسلام ، فلا يقتضي قانون المعجزات
وجودها . على أنها لو وجدت للزم منها الجبر الباطل على ما هو
يبرهن عليه في محله من بحوث العقائد في الإسلام .
وأما تربيته وتثقيفه بالطريق
الطبيعي ، فمثل هذه التربية مما لا يمكن وجوده في زمان يسير ،
وإنما يحتاج الإنسان في تكامله إلى زمان طويل وتجربة واسعة
وتربية بطيئة حتى يتكامل وينضج نضجاً واقعياً . ولا يمكن أن
يكون كلام الإمام (ع) – حتى لو فهمه واستوعب حقائقه – إلا خطوة
واحدة في طريق تكامل الإنسان . ويبقى بينه وبين رفعته الحقيقية
خطوات وخطوات .
على أن الكلام المركز القصير
الذي فرضناه في السؤال ، مما يتعذر على الفرد العادي فهمه
ويحول تركيزه وعمقه دون استيعابه . وأما إذا لم يكن مركزاً
وعميقاً لم يكن منتجاً للنتائج المتوقعة في السؤال .
إذن ، فيتعين على المهدي (ع) –
في حدود هذه النقطة الرابعة – أن يعرض عن التوجيهات صفحاً ،
لعدم جدواها إلا بطريق إعجازي ، لا يمكن تحققه طبقاً لقانون
المعجزات .
النقطة الخامسة :
أننا نحتمل – على الأقل – أن
هذه التوجيهات العامة لو تكررت وأثرت لكان لها أبلغ الأثر في
تغيير التاريخ الإسلامي بل التاريخ البشري ، وفاقاً لما قاله
السائل ، بعد التنزل عن النقاط السابقة .
صفحة (110)
وهذا التغيير المتوقع ، مما لا
يحتوي على مصلحة ، لأنه يؤخر يوم الظهور ويفوت شرطه الأساسي ،
وهو مرور الأمة بأزمنة الظلم والجور ، حتى تتكامل عن تجربة
وحنكة وقوة إرادة ، لا عن استخذال وتكاسل . ومعه فلا يمكن أن
يقوم المهدي (ع) بذلك ، وإنما يقتصر على التوجيهات الصغيرة
التي لا تبلغ هذا المستوى .
إذن ، فبلحاظ أي واحدة من هذه
النقاط ، فضلاً عن مجموعها ، يكون من المنطقي أن نتصور خلو
أخبار المشاهدة من التوجيهات العامة الواعية ، واقتصارها على
ما هو المقصود من المقابلة ، ليس إلا .
مضافاً إلى أننا نعرف أن
الرواة إذا كانوا من الخاصة المخلصين المتقبلين لتوجيهات
المهدي (ع) ، فإنهم يحذفونها عند نقل الواقعة احتراماً لها
وصوناً لمدلولها عن الانتشار ... كما يظهر من بعض روايات
المشاهدة . واذا لم يكونوا من أولئك الخاصة ، فإنهم إما أن
يحذفوا التوجيهات لعدم الاهتمام بها ، وإما أنهم ينقلونها
بالمعنى الذي فهموه ، فتبدو لنا بشكل ممسوخ ذو طابع شخصي ضيق ،
ولا تكاد تكون من التوجيهات العامة ، إذا عرضت بهذا الشكل .
هذا ، فيما إذا سلمنا ، ما
افترضناه في السؤال من أن التوجيهات العامة لم ترد في روايات
المشاهدة ... هذا وإن كان صحيحاً بشكل عام . ولكننا لا نعدم
سماع ذلك أحياناً ، حين يجد المهدي (ع) مصلحة في التوجيه ، في
الحدود الممكنة . وقد نستطيع أن نحمل فكرة عن ذلك فيما يلي من
هذا الفصل .
الأمر الثالث :
هل أن مشاهدات المهدي عليه
السلام على حقيقته ، في غيبته الكبرى ،يحتاج إلى درجة عالية من
الإيمان والوثاقة، كما يميل إليه بعض الباحثين ، أو لا يحتاج .
صفحة (111)
لاشك أن تلك الدرجة العليا ،
كانت شرطاً في مشاهدة صاحب الأمر المهدي (ع) في غيبته الصغرى
... كما عرفنا في تاريخها ، حيث لم يكن أبوه الإمام العسكري
(ع) يطلع أحداً عليه إلا من الموثوقين الخاصين ، وكذلك كان
ديدن المهدي (ع) بعد وفاة أبيه . ما عدا حوادث قليلة جداً ظهر
عليه السلام للمنحرفين من أصحابه لمصالح معينة ، وبشكل مأمون
النتيجة(1) .
وأما في عصر الغيبة الكبرى ...
فلا شك أن الأغلب هو اختصاص المقابلة بالخاصة الموثوقين . كما
لا شك في أن الإمام المهدي (ع) قد يخص بعض الموثوقين ، بأكثر
من مقابلة واحدة ، ولعلها تصل إلى عدد مهم من المقابلات لدى
عدد منهم .
كما لا شك في أن المصالح
الإسلامية ، قد تقتضي ظهوراً للمنحرفين ، إذا كان بنحو مأمون
النتيجة .
ومعه ، فينبغي أن يقال : أن
نفس النسبة التي رأيناها في الغيبة الصغرى ، تتكرر بشكل أو آخر
، في الغبية الكبرى أيضاً ، بين الموثوقين والمنحرفين . وهذا
كله واضح لا غبار عليه ... لا بحسب القواعد العامة ، ولا بحسب
أخبار المشاهدة ، إذ أن المنقول من المقابلات مع غير الموثوقين
، مشابه لهذه النسبة تقريباً .
ولكن الذي ينبغي أن نلتفت إليه
، هو وجود فرق أساسي ما بين حال المهدي (ع) في غبيته الصغرى
وحاله في غيبته الكبرى ، فهو في الكبرى أكثر أمناً وأبعد عن
التفات الأذهان إليه فتفتح له فرصة أكبر في مقابلات الناس ،
بما فيهم غير الموثوقين والمنحرفون أيضاً . مع الالتزام بتخطيط
معين يضمن عدم الاطلاع على حقيقته إلا بعد الفراق .
وهذا واضح ، بعد أن عرفنا من
مضادرة السلطات له في الغيبة الصغرى ، وهناك قسم من الناس
يعرفونه ويعرفون والده ، وخاصة في القسم الأول من تلك الفترة .
وأما في الغيبة الكبرى ، فقد ابتعدت الأنظار عنه، وخفي شكله
بالمرة عن سائر البشر ، وأيست السلطات عن مطاردته ، بل أنكرت
وجوده تماماً . وكل ذلك يكون في مصلحة حرية تنقلاته ومقابلاته
، كما هو واضح .
ومن هنا نكاد نشخص بوضوح ، أن
نسبة مقابلاته مع غير الموثوقين ، أكثر إلى حد واضح من نسبتها
في الغيبة الصغرى . وأما المنحرفون ، فالمقابلة معهم أقل من
ذلك العدد بكثير ،ولا تكون إلا فيما إذا توقف عليه غرض كبير،
ولم يمكن تنفيذه عن طريق المقابلة مع أحد الموثوقين أو غير
المنحرفين .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر تاريخ الغيبة الصغرى
، ص 469 وص 5.6 وما بعدها .
صفحة (112)
الأمر الرابع :
في التخطيطات التي يضعها
المهدي (ع) لأجل ضمان عدم التفات الرائي إلى حقيقته في أثناء
المقابلة .
فإن المقابلة ، قد تقتضي ،
بحسب المصلحة ، أن يكشف المهدي عن حقيقته في أثنائها . وقد
يكون الرائي عارفاً له من مقابلة سابقة ، كما قد يحصل
للموثوقين الخاصين . وقد تقتضي المقابلة أن لا يعرفه الرائي
إلا بعد المفارقة، فيما إذا لم يكن بتلك الدرجة العليا من
الوثاقة ، فضلاً عما إذا لم يكن موثوقاً أو كان منحرفاً .
ففي مثل ذلك يحتاج المهدي (ع)
إلى التخطيط بنحو يدع الرائي غافلاً عن حقيقته إلى حين الفراق
، على أن يفهم بعد ذلك أن الذي كان قد رآه ... هو المهدي (ع) .
وأساليب التخطيط الذي كان
يضعها المهدي (ع) في سبيل ذلك ، بحسب ما ورد في أخبار المشاهدة
، عديدة، يمكن تلخيصها فيما يلي :
الأسلوب الأول : إبداله لزيه
وواسطة نقله :
فنراه كثيراً ما يكون مرتدياً
العقال العربي ، على اختلاف الأشكال ، فتارة نراه بزي
البدو(1)وثانية بزي مهيب لطيف(2) وثالثة بزي فلاح يحمل
مسحاته(3) ورابعة بزي سيد جليل من رجال الدين(4) .
ــــــــــــــــــ
(1) النجم الثاقب ، ص 241 .
(2) المصدر نفسه ، ص 359 . (3) المصدر نفسه ، 343 .
(4) المصدر نفسه ، ص 273 . .
صفحة (113)
كما أن واسطة نقله قد تكون هي
الجمل في عدد من المرات(9) كما قد تكون هي الفرس(1) وقد يكون
هو الحمار(2)، كما قد يواكب الرائي ماشياً(3) وقد لا تحتاج
المقابلة إلى سير وانتقال(4) .
كما قد يأتي إلى المقابلة ،
فارساً حاملاً رمحاً عند الحاجة(5) ، كما قد يبدو متكلماً
بلهجة البدو مستعملاً نفس كلماتهم(6) . وثالثة يبدو متكلماً
بلهجة اللبنانيين(7) ورابعة باللغة الفارسية(8) .
وقد نعرف ، سيراً مع الأطروحة
الثانية : أطروحة خفاء العنوان : أن الأزياء والهيئات التي
يقابل بها المهدي (ع) من يريد إخفاء حقيقته عليه أثناء
المقابلة ... ليس شيء منها هو الذي يكون عليه في حياته
الاعتيادية بشخصيته الثانية ، لوضوح وجود احتمال كبير في
انكشاف حقيقته ، لو ظهر لأحدهم في نفس المجتمع الذي يعيش فيه .
إذن فلا بد للمهدي (ع) أن يخطط للمقابلة بابدال زيه لا محالة ،
قبلها ، ضماناً على الحفاظ على سره وخفاء عنوانه .
الأسلوب الثاني :
إقامته للمعجزة التي تكون دالة
على حقيقته ، بنحو لا تكاد تكون ملفتة للنظر في أثناء المقابلة
، بل لا يكاد يعرف الرائي أنها معجزة أصلاً إلا بعد الفراق ...
حين يستذكرها ويحسب حسابها فيعرف أن ذلك العمل لا يمكن أن يقام
به إلا بنحو إعجازي .
ــــــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه ، ص 357 .
(2) المصدر نفسه ، ص 343 . (3) المصدر نفسه ، ص 280 . (4)
المصدر نفسه ، ص 228 .
(5) المصدر ، ص 370 . (6)
المصدر ، ص 358 . (7) المصدر ، ص 235 . (8) المصدر ، ص 344
.(9) انظر – مثلاً – المصدر السابق ، ص 342
صفحة (114)
ويتجلى ذلك بوضوح في عدد من
الروايات ، بقطع المسافة الطويلة بزمان قصير ، المسمى بطيّ
الأرض براً أحياناً وبحراً أخرى . ومن المعلوم أن حساب طول
المسافة إنما يكون بعد قطعها . ولعل أوضح الروايات في ذلك ، ما
فهمه الرواي بعد فراق المهدي (ع) من أن الطريق الذي مشى فيه في
زمان قصير نسبياً ، لا يمكن لأحد أن يسير فيه إلا بأضعاف تلك
المدة ، ومن المتعذر أن ينجو أحد من السباع والوحوش في ذلك
الطريق ، ولكنه نجا منها ووصل في زمان قليل(1) .
الأسلوب الثالث :
ابتعاده عن الرائي في أثناء
الحادثة ، وقبل انتهاء حاجته ، وإيكال إنهائها إلى غيره ... هو
أما نفس صاحب الحاجة كما في بعض المقابلات(2) وقد يكون هو خادم
الإمام عليه السلام(3) ، وقد يكون هو شخص آخر عابر للطريق(4).
الأسلوب الرابع :
تجنب كل ما من شأنه إلفات
النظر إلى حقيقته ، كالإشارة إلى عنوانه صراحة أو كناية ، أو
إقامته لمعجزة كبيرة واضحة ملفتة للنظر ، كما هو واضح من عدد
من روايات المقابلات . بل قد يتجنب الجواب لو سئل عن اسمه
ومكانه ، ولا يجيب بما يدل على حقيقته .
الأسلوب الخامس :
وقوع الرائي والرائين أو
إيقاعهم ، في ظروف وقتية خاصة ، بحيث يرتج عليه باب السؤال عن
حقيقة المهدي واسمه وبلدته . وهذا واضح من عدد من الروايات ،
فإن الرائي قد يكون مهتماً بحاجته جداً(5) أو مذهولاً نتيجة
لالتفاته إلى معجزة واضحة أوجدها المهدي (ع)(6)، أو مشغولاً
بنفسه كالصلاة أو المرض أو ضيق البال ونحو ذلك. ولا يخفي أن
نفس تلك الغفلة التامة التي يكون بها الناس تجاه رؤية المهدي
(ع) ، تلك الغفلة التي لا يمكن ارتفاعها إلا تحت تأثير قوي ...
هي من أكبر الظروف ، بل أكبرها على الاطلاق ، مما يقتضي عدم
معرفة الرائي بالمهدي (ع) في أثناء المقابلة ... إلا بعد أن
يحسب حسابه بعد الفراق .
ــــــــــــــــــ
(1) المصدر ، ص 239 . (2)
المصدر ، ص 238 . (3) المصدر ، ص 306 .
(4) المصدر ، ص 241 . (5)
المصدر ، ص 242 . (6) المصدر ، ص 282 .
صفحة (115)
فهذه هي الأساليب العامة
للتخطيط الذي يتخذ المهدي (ع) بعضها . حينما لا يجد من المصلحة
معرفته في أثناء مقابلته . وهناك بعض الأساليب الخاصة المبعثرة
في الروايات ، مما لا يمكن أدراجه تحت ضابط عام، ويطول بنا
المقام في تعدادها .
الأمر الخامس :
في الأغراض والمقاصد العامة
التي يقصدها المهدي (ع) من عمله خلال المقابلة . وتؤجل التعرض
للمقاصد الخاصة إلى الأمر السادس الآتي .
والمقصود من الأغراض العامة ،
ما يكون مستهدفاً لأثر إسلامي اجتماعي أكبر من الأفراد وأوسع .
وهو الذي قلنا أنه قليل التحقق بالنسبة إلى العمل الفردي الخاص
، وذكرنا السبب في ذلك .
وستكون الفرصة خلال هذ الأمر
الخامس وما بعده مفتوحة للاطلاع المختصر على تفاصيل بعض
المقابلات، بالشكل الذي يناسب المقام . ولا نكون مسؤولين عن
سرد القصص بتفاصيلها فليرجع فيها القارئ إلى مصادرها .
وتنقسم الأغراض والأهداف
العامة في أعمال الإمام المهدي (ع) في غيبته الكبرى ، إلى عدة
أقسام :
الهدف الأول :
إنقاذ الشعب المسلم من براثن
تعسف وظلم بعض حكامه المنحرفين ، وخاصة فيما يعود إلى قواعده
الشعبية من الخير والسلامة .
فمن ذلك ما قام به الإمام
المهدي من إنقاذ شعبه في البحرين ، من تعسف حاكميه الذين تنص
الرواية على كونهم من عملاء الاستعمار ومن المنصوبين من قبل
المستعمرين(1) .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر تفاصيل هذه الحادثة
في النجم الثاقب ، ص 314 وما بعدها . وفي البحار ، جـ 13 ، وص
149 .
وفي منتهي الأمال ، جـ 2 ، ص
316 وما بعدها .
صفحة (116)
حيث كان للوزير في تلك البلاد
، وهو بمنزلة رئيس الوزراء في عالم اليوم ... مكيدة كبيرة كادت
أن تؤدي إلى إرهاب القواعد الشعبية للإمام المهدي (ع) إرهاباً
غريباً بمعاملتهم معاملة الكفار الحربيين من أهل الكتاب ...
أما بأن يدفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ، أو أن تقتل رجالهم
وتسبى نساؤهم وأطفالهم . وقد كان للإمام المهدي (ع) اليد
الطولى في كشف هذه المكيدة ودفع هذا الشر المستطير .
الهدف الثاني :
إنقاذ الشعب المسلم من براثن
الأشقياء والمعتدين ، وعصابات اللصوص المانعين عن الأعمال
الإسلامية الخيِّرة .
فمن ذلك(1) : عمل الكبير الذي
قام به المهدي عليه السلام من فتح الطريق إلى كربلاء المقدسة ،
أمام زوار جده الإمام الحسين عليه السلام ، في النصف من شعبان
.
وكانت عشيرة "عنيزة" تترصد لكل
داخل إلى كربلاء وخارج منها ، وتتعهده بالسلب والنهب ، فكان
الطريق إليها موصداً يخافه الناس . فلولا قيادة المهدي (ع)
للزائرين في الطريق إلى كربلاء وتهديده لعشيرة عنيزة بالموت
والدمار إذا حاولت الاعتداء ، لامتنع الناس عن الذهاب إلى
زيارة الإمام سيد شباب أهل الجنة عليه السلام ، ولتعطل هذا
الشعار الإسلامي الكبيرة . فمرحى للألطاف الكبرى التي يسبغها
المهدي (ع) على أمته .
وكان ذلك خلال حكم الدولة
العثمانية للعراق . وكان من قوادهم يومئذ : كنج محمد آغا وصفر
آغا ... كما تنص الرواية على ذلك ، ولكنها – مع الأسف – تهمل
التعرض إلى التاريخ المحدد للحوادث .
إلفات نظر الآخرين إلى عدم
تحقق شروط الظهور الموعود . والتأكيد على أن الأمة لم تبلغ إلى
المستوى المطلوب من الوعي والشعور بالمسؤولية الذي تستطيع معه
أن تحمل عاتقها الآثار الكبرى في اليوم الموعود . ومعه فلا بد
من أن يتأجل الظهور حيث الدلالة على قيام المهدي بوظيفته
الاسلامية في تلك البلاد . على ما سنسمع فيما يلي من البحث
مفصلاً .
ـــــــــــــــــ
(1) راجع تفصيل ذلك في النجم
الثاقب ، ص 370 ومنتهى الأمال ، جـ 2 ، ص 326 .
صفحة (117)
إلى اليوم الذي يتحقق فيه هذا
الشرط مهما تمادى الزمن وطالت المدة . وليس لأحد أن يقترح
تقديمه أو يعين تاريخه ، سوى الله عز وجل .
وقد حصل التأكيد على هذا
المفهوم الصحيح الواعي من قبل المهدي (ع) ، على ملأ من الناس
في رواية أرويها عن ابي دام ظله ، لم أجدها في المصادر
المتوفرة . ومن هنا أجد من الضروري أن أروي تفاصيلها باختصار ،
لكي يتضح تماماً المعنى المقصود من هذه الرواية .
وذلك : إن الناس في البحرين ،
في بعض الأزمنة ، لمقدار إحساسهم بالظلم وتعسف الظالمين ...
تمنوا ظهور إمامهم المهدي (ع) بالسيف ظهوراً عالمياً عاماً ،
لكي يجتث أساس الظلم لا من بلادهم فحسب بل من العالم كله .
فاتفقوا على اختيار جماعة من
أعاظمهم زهداً وورعاً وعلماً ووثاقة ، فاجتمع هؤلاء واختاروا
ثلاثة منهم ، واجتمع هؤلاء واختاروا واحداً هو أفضلهم على
الإطلاق ، ليكون هو واسطتهم في الطلب إلى المهدي بالظهور .
فخرج هذا الشخص المختار ، إلى
الضواحي والصحراء ، وأخذ بالتعبد والتوسل إلى الله تعالى وإلى
المهدي (ع) بأن يقوم بالسيف ويظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً ،
كما ملئت ظلماً وجوراً . وقضى في ذلك ثلاثة أيام بلياليها .
فلما كانت الليلة الأخيرة ،
أقبل شخص وعرفه بنفسه أنه هو المهدي المنتظر ، وقد جاء إجابة
لطلبه . وسأله عن حاجته ، فأخبره الرجل بأن قواعده العبية
ومواليه في أشد التلهف والانتظار إلى ظهوره وقيام نوره . فأوعز
إليه المهدي (ع) أن يبكر في غد إلى مكان عام عينه له ، ويأخذ
معه عدداً من الغنم في الطابق الثاني على السطح ، ويعلن في
الناس أن المهدي (ع) سيأتي في ساعة معينة ، عليهم أن يجتمعوا
في أرض ذلك المكان . وقال له المهدي (ع) أيضاً : أنني سأكون
على السطح في ذلك الحين .
وامتثل الرجل هذا الأمر ، وحلت
الساعة الموعودة ، وكان الناس متجمهرين في المكان المعين على
الأرض، وكان المهدي (ع) مع هذا الرجل وغنمه على السطح .
صفحة (118)
وهنا ذكر المهدي (ع) اسم شخص
وطلب من الرجل أن يطل على الجماهير ويأمره بالحضور . فامتثل
الأمل وأطل على الجمع ونادى باسم ذلك الرجل ... فسمع الناس
وصعد الرجل على السطح . وبمجرد وصوله أمر المهدي (ع) صاحبنا أن
يذبح واحداً من غنمه قرب الميزاب ، فما رأى الناس إلا الدم
ينزل من الميزاب بغزارة . فاعتقدوا جازمين بأن المهدي (ع) أمر
بذبح هذا الرجل الذي ناداه.
ثم نادى المهدي (ع) بنفس
الطريقة رجلاً آخر ، وكان أيضاً من الأخيار الورعين . فصعد
مضحياً بنفسه واضعاً في ذهنه الذبح أمام الميزاب ، وبعد أن وصل
إلى السطح نزل الدم من الميزاب . ثم نادى شخصاً ثالثاً ورابعاً
. وهنا أصبح الناس يرفضون الصعود ، بعد أن تأكدوا أن كل من
يصعد سيراق دمه من الميزاب . وأصبحوا يفضلون حياتهم على أمر
إمامهم .
وهنا التفت المهدي (ع) إلى
صاحبنا وأفهمه بأنه معذور في عدم الظهور ما دام الناس على هذا
الحال .
فمن هنا نفهم بوضوح ، كيف أن
المهدي (ع) استهدف إفهام الأمة بشكل عملي غير قابل للشلك ،
بأنها ليست على المستوى المطلوب من التضحية والشعور بالمسؤولية
الإسلامية . وكشف أمامها واقعها بنحو أحسه كل فرد في نفسه وأنه
على غير استعداد لإطاعة أمر إمامه (ع) إذا كان مستلزماً لإراقة
دمه . وإذا كانت الأمة على هذا المستوى الوضيع لم يمكنها بحال
أن تتكفل القيام بمهمام اليوم الموعود بقيادة المهدي (ع) .
وستأتي البرهنة التامة على صحة
هذا الشرط ، من شرائط الظهور ، في القسم الثالث من هذا الكتاب
.
الهدف الرابع :
إرجاعه عليه السلام للحجر
الأسود إلى مكانه من الكعبة .
فأن القرامطة بعد أن قلعوه
أثناء هجومهم على مكة المكرمة عام 317 للهجرة(1) ، ونقلوه إلى
هجر ، وكان ذلك إبان الغيبة الصغرى .
ــــــــــــــــــ
(1) الكامل ، جـ 6 ، ص 204 .
صفحة (119)
كما عرفنا من تاريخها(1) بقي
الحجر لديهم ثلاثين عاماً(2) أو يزيد . وأرجعوه إلى مكة عام
339(3) أو عام 337(4) كان المهدي (ع) هو الذي وضعه في مكانه
وأقره على وضعه السابق ، كما ورد في أخبارنا (5) .
قال الراوي : لما وصلت إلى
بغداد في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة عزمت على الحج وهي السنة
التي رد القرامطة فيها الحجز في مكانه إلى البيت . كان أكثر
همي الظفر بمن ينصب الحجز ، لأنه يمضي في أنباء الكتب قصة أخذه
، فأنه لا يضعه في مكانه إلا الحجة في الزمان.كما في زمان
الحجاج وضعه زين العابين عليه السلام في مكانه (6).
وأوضح الرواي بأن الناس فشلوا
في وضعه في محله ، زكلما وضعه انسان اضطرب الحجز ولم يستقم .
فأقبل غلام أسمر اللون حسن الوجه فتناوله فوضعه في مكانه ،
قاستقام كأنه لم يزل عنه . وعلت لذلك الأصوات .
ثم أن المهدي عليه السلام ،
خرج من المسجد ولاحقه الرواي طالباً منه حاجة, فقضاها له ،
وأقام الدلالة ساعتئذ على حقيقته.
وهذه خقيقة تمثل فجوة تاريخية،
سكت عنها التاريخ العام، وقد ملأتها أخبارنا الخاصة بكل وضوح .
وهو أمر لا يمكن نفيه إلا بنفي فكرة غيبة المهدي عليه السلام
من أصلها . وهو خلاف ما هو المفروض في هذا التاريخ .
ــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الغيبة الصغرى ، ص
356 . (2) تاريخ الشعوب الإسلامية ، جـ 2 ، ص 75 . (3)
الكامل ، جـ 6 ، ص 235 .
(4) الخرايج والجرايح ، ص 72
. (5) المصدر والصفحة وانظر منتخب الأثر ، ص 406 .
(6) انظر قصة وضعه (ع) للحجر
الأسود في الخرايج والجرايح ، ص 29 .
صفحة (120)
نعم ، يبقى في الذهن سؤالان
حول ذلك لا بد من عرضهما ومحاولة الجواب عليهما :
السؤال الأول :
أنه من أين ثبت أن الحجر لأسود
لا يضعه في محله إلا الحجة في الزمان، كما ادعاه الراوي ؟
والواقع أننا لم نجد رواية
تتكفل هذا المدلول الواسع . ولكننا إذا استعرضنا التاريخ
المعروف ، لم نجد واضعاً للحجر إلا من الأنبياء والأولياء .
فإبراهيم عليه السلام هو الذي وضع الحجر حين بنىالكعبة ووضع
أسس البيت العتيق.ورسول الله صلى اله عليه وآله هو الذي وضع
الحجر قبل نبوته حين بنيت الكعبة في الجاهلية واختلفت القبائل
فيمن يضع الحجر والحادثة معروفة ، ومروية في التاريخ (1) .وحين
أخرب الحجاج بن يوسف الكعبة المقدسة في صرغه مع عبد الله بن
الزبير 000 أعادوا بناءها من جديد ، وكان واضع الحجر هو الإمام
زين العابدين (2) .
وهذا الراوي في الرواية التي
نناقشها ، ينسب وجو مثل هذه القاعدة العامة ، أعني أن الحجر
الأسود لا يضعه إلا الحجة في الزمان 000 ينسبها إلى الكتب ،
وظاهره كونها مسلمة الصحة ، فلعله كانت هناك ادلة أكثر واوثق
قد بادت خلال التاريخ والله العالم بحقائق الأمور .
السؤال الثاني :
لو ثبتت هذه الفكرة كقاعدة
عامة ، وصادق أن زال الحجز الأسود من مكانه في بعض عصور الغيبة
الكبرى، فكيف يتسنى للمهدي (ع) إرجاعه ، وهو حجة الزمان، إلا
بانكشاف أمره وارتفاع غيبته واطلاع الناس على شخصه .
والجواب على ذلك : أن أهم ما
يمكن أن يكون ساتراً لشأنه وصائناً لسره حين وضعه الحجز، هو
عدم معروفية هذه الفكرة لدى الناس وعدم اشتهارها بينهم، بل
وعدم قيام دليل واضح عليها، كما سمعنا. ولغله من أجل ذلك لم
يصدر في الشريعة الإسلامية مثل هذا الدليل الواضح على ذلك.
ولعلك لاحظت من خلال هذه الرواية التي نناقشها أن الذي عرف هذه
الفكرة هو واحد من الآلاف المحتشدة بما فيهم العلماء والكبراء.
ومن هنا استطاع أن يشخص في واضع الحجر كونه هو المهدي (ع) .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر- مثلا – الكامل ، جـ
2، ص 29. (2) انظر الخرايج والجرايح – ص 29 .
صفحة (121)
ومعه، فانطلاقاً مع خط
الأطروحة الثانية : أطروحة خفاء العنوان ، يمكن أن نفترض أن
الإمام عليه السلام في عصر غيبته ، يضع الحجر الأسود مع عمال
البناء، ويكون آخر من يثبته ،ويبقى مجهول الحقيقة على طول الخط
، بل قد يكون معروفاً بشخصيته الثانية باسم آخر كفرد عادي في
المجتمع . فيرى الرائي أن هذه الفكرة العامة قد انخرمت ، في
حين أنه ليس واضع الحجر إلا ( المهدي) لو انكشف الستر وظهرت
الحقيقة .
الأمر السادس :
في الأهداف والمقاصد الخاصة ،
التي يقصدها الإمام (ع) خلال مقابلاته. مما يمت بالنفع – بشكل
رئيسي ومباشر- إلى شخص معين أو أشخاص قلائل . سواء كان له –
بشكل غير مباشر-نفع اجتماعي ملحوظ أو لم يكن .
والأهداف المندرجة تحت هذا
العنوان متعددة وأمثلتها كثيرة ، نكتفي لكل منها بمثال واحد.
الهدف الأول :
هداية الشخص وتقويمه ، وضمه في
النتيجة إلى الشعب المسلم الذي يؤمن بالمهدي(ع) ... بعد إجراز
نيته والعزم على إتباع الهدى إن ظهر لديه .
مثاله: ذلك الشخص الذي ذهب
لشراء السمن من الاعراب في أطراف الخلة ، فتخلف عن القافله
وتاه في الصحراء. فكان مما قال في نفسه: أنني كنت أسمع من أمي
أنها تقول: إن لنا إماماً حياً يكنى بأبي صالح يرشد التائهين
ويغيث الملهوفين ويعين الضعفاء.
ثم أنه عاهد الله تعالى أنه إن
استغاث به وأنجاه ، أن يتبع دين أمه . قال الراوي: ثم أنني
ناديته واستغثت به . وفجأة رأيت شخصاَ يسير معي وعلى رأسه
عمامة خضراء لونها كلون هذا - وأشار إلى الحشيش المزروع على
النهر ... وأشار لي إلى الطريق . وقال لي : أنك ستصل بسرعة إلى
قرية كل أهلها من الشيعة . فقلت له : يا سيدي ألا تأتي معي إلى
هذه القرية .
صفحة (122)
فقال : لا ، لأن ألف شخص في
أطراف البلاد يستغيثون بي ، ولا بد أن أنجيهم(1) .
الهدف الثاني :
انتصاره لأحد طرفي الجدل عند
وقوع الجدل بين اثنين ، واقتضاء المصحلة الانتصار لأحد الطرفين
.
مثاله : أن صديقين مسلمين
مختلفين في المذهب ، وقع بينهما جدل مذهبي طويل ، في أحد
المساجد بهمدان . ولم يستطع أحدهما أن يقنع الآخر مدعاه .
فاقترح أحدهما أن يجعلا بينهما أول رجل يدخل المسجد حكماً .
وخاف الآخر من هذا الاقتراح ، لأن أهل همدان كانوا على مذهب
صاحبه ، لكنه قبل بالشرط تحت ضغط المجادلة والمباحثة .
وبمجرد أن قررا هذا الشرط ،
دخل المسجد شاب تظهر على سيماه آثار الدلالة والنجابة ،وتظهر
عليه معالم السفر. فتقدم إليه صاحب الاقتراح وأظهر له مذهبه ،
واستدل عيه بعدة أدلة . وأقسم عليه بقسم مؤكد أن يظهر عقيدته
بالنحو الذي عليه الواقع . فقرأ هذا الشاب بيتين من الشعر أظهر
فيهما عقيدته بنحو لا يقبل الشك ، ثم غاب عن الأنظار . وكانت
هذه هي المعجزة التي تثبت حقيقته وصحة مذهبه أيضاً. فاندهش
الآخر من فصاحته وبلاغته ، واعتنق المذهب الذي انتصر له المهدي
(ع)(2) .
الهدف الثالث :
حله لبعض المسائل المعضلة التي
قد يشكل حلها على فطاحل العلماء .
مثاله : أن المحقق الأردبيلي ،
وهو من أعظم العلماء تحقيقاً وورعاً حتى لقب بالمقدس الأردبيلي
أيضاً .. أشكلت عليه مسائل ، فخرج في جوف الليل سائراً من
النجف إلى مسجد الكوفة حيث لاقى المهدي (ع) في محراب أمير
المؤمنين عليه السلام هناك ، وسأله عن مسائلة وعرف جوابها ،
وعاد(3) .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر النجم الثاقب ، ص 346
. (2) المصدر ، ص 331 .
(3) المصدر ، ص 334 ومنتهي
الآمال ، جـ 2 ، ص 319 .
صفحة (123)
الهدف الرابع :
أخباره ببعض الأخبار السياسية
المهمة في زمانها ، قبل أن يعرفها الناس ، نتيجة لضعف وسائل
الإعلام في ذلك العصر .
مثاله : أن المهدي (ع) دخل في
مجلس درس السيد مهي القزويني في الحلة ، فلم يعرفوه ، بالطبع ،
واستمع إلى درسه . وحين انتهى الدرس ، سأله السيد المشار إليه
: من أين جئت إلى الحلة . فقال : من بلد السليمانية . فقال
السيد : منذ كم خرجت منها . فقال : في اليوم السابق . ولم أخرج
منها حتى دخل فيها نجيب باشا فاتحاً ، وقد أخذها بقوة السيف .
وأزال عنها أحمد باشا الباباني الذي كان متمرداً . وأجلس محله
أخاه عبدالله باشا . وكان أحمد باشا المذكور قد خرج على طاعة
الدولة العثمانية ، وادعى السلطنة لنفسه .
قال السيد : وكان والدي في
السليمانية ، فبقيت متفكراً . ولم يكن قد وصل خبر هذا الفتح
إلى حكام الحلة . ولم يحل في خاطري أن أسأله أنك كيف قلت : أني
وصلت إلى الحلة وخرجت بالأمس من السليمانية . على حين أن بين
السليمانية والحلة ، أكثر من عشرة أيام للراكب المجد .
قال : ثم ضبطنا تاريخ ذلك
اليوم الذي أخبر فيه بفتح السليمانية ، ثم وصلت أنباء هذه
البشارة إلى الحلة بعد عشرة أيام من ذلك اليوم وأعلنها حكام
الحلة ،وحيوا الخبر بضربات المدفع ،كما كانوا يعملون عادة في
أخبار الفتوحات(1).
أقول : من هنا نفهم أهمية هذا
الخبر لدى سلطات العثمانيين في الحلة . ونعرف المصلحة المهمة
التي تترتب على إيصال المهدي (ع) لهذا الخبر خلال مدة كانت في
ذلك العصر إعجازية .
الهدف الخامس :
نصحه للآخرين ورفعه لمعنوياتهم
، وتوجيههم التوجيه الصالح ، بعد أن كانوا قد مروا في بعض
الحالات الصعبة والمشكلات المحزنة بالنسبة إليهم .
ــــــــــــــــــ
(1) النجم الثاقب ، ص 367 وما
بعدها .
صفحة (124)
مثاله : ما قاله بعض الرواة من
مقابلته للمهدي (ع) في بعض طرقات الحلة – وقد عرف حقيقته بعد
ذلك – ، فسلم عليه فرد عليه السلام ، وقال له فيما قال : لا
تغتم بما ورد عليك من الخسران وذهاب المال في هذا العام . لأنك
شخص يريد أن يمتحنك الله تعالى بالمال ، فرآك تؤدي الحق ، وما
هو الواجب عليك من الحج . وأما المال هو عرض زائل يأتي ويذهب .
قال الراوي : وكنت قد خسرت في
هذا العام خسراناً لم يطلع عليه أحد ، وسترته خوفاً من شهرة
الانكسار الموجبة لتلف التجارة . فاغتممت في نفسي ، وقلت :
سبحان الله ، شاع خبر انكساري بين الناس حتى وصل إلى الغرباء .
ولكنني قلت في جوابه : الحمد لله على كل حال .
فقال : إن ما فاتك من المال
سوف يعود عليك بسرعة بعد مدة ، وتعود إلى حالك الأول ، وستؤدي
ديونك . قال الراوي : فسكت مفكراً في كلامه(1) .. إلى آخر
الحديث .
الهدف السادس :
مساعدته المالية للآخرين :
مثاله : أن جماعة من أهل
البحرين عزموا على ضيافة جماعة من المؤمنين ، بشكل متسلسل في
كل مرة عند واحد منهم . وساروا في الضيافة ، حتى وصلت النوبة
على أحدهم ، ولم يكن لديه شيء . فركبه من ذلك حزن وغم شديد ،
فخرج من أحزانه إلى الصحراء في بعض الليالي ، فرأى شخصاً ...
حتى ما إذا وصل إليه قال له : اذهب إلى التاجر الفلاني – وسماه
- ، وقل له : يقول لك محمد بن الحسن : ادفع لي الاثنا عشر
اشرفياً التي كنت نذرتها لنا . ثم اقبض المال منه واصرفه في
ضيافتك .
ــــــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه ، ص 366 وما
بعدها .
صفحة (125)
فذهب ذلك الرجل إلى ذلك التاجر
، وبلغ الرسالة عن ذلك الشخص . فقال له التاجر : أقال لك محمد
بن الحسن ، بنفسه . فقال البحراني : نعم . فقال التاجر : وهل
عرفته ؟ قال : لا . فقال : ذاك صاحب الزمان عليه السلام ، وكنت
نذرت هذا المال له . ثم أنه أكرم هذا البحراني وأعطاه المبلغ
وطلب منه الدعاء(1) الخ الحديث .
الهدف السابع :
شفاؤه لأمراض مزمنة بعد أعجز
عنها الأطباء ، وأخذت من صاحبها مأخذها العظيم .
مثاله : ما روي(2) عن السيد
باقي عطوة العلوي الحسني: أن أباه عطوة كان لا يعترف بوجود
الإمام المهدي (ع)، ويقول : إذا جاء الإمام وأبرأني من هذا
المرض أصدق قولكم . ويكرر هذا القول . فبينما نحن مجمتعون في
وقت العشاء الأخيرة صاح أبونا فأتيناه سراعاً . فقال : الحقوا
الإمام ، في هذه الساعة خرج من عندي . فخرجنا فلم نر أحداً .
فجئنا إليه ، وقال : أنه دخل
إليّ شخص ، وقال : يا عطوة ! فقلت : لبيك ، من أنت ؟ قال : أنا
المهدي قد جئت إليك أن أشفي مرضك . ثم مد يده المباركة وعصر
وركي وراح . فصار مثل الغزال . قال علي بن عيسى : سألت عن هذه
القصة غير ابنه فأقر بها .
فانظر إلى المهدي (ع) كيف يقرن
شفاءه للمرضى بإقامة الحجة على وجوده وإمامته ، بحيث لم يبقى
لمنكرها أي شكل أو جدال .
الهدف الثامن :
هدايته للتائهين في الصحراء
والمتخلفين عن الركب إلى مكان استقرارهم وأمنهم . وقد يقرن ذلك
بإقامة الحجة على الرائي للتوصل إلى هدايته ، كما سمعنا في
الهدف الأول . وأمثلته كثيرة ، نذكر الآن واحداً منها :
هو أن شخصاً ذهب إلى الحج مع
جماعة قليلة عن طريق الإحساء . وعند الرجوع كان يقضي بعض
الطريق راكباً وبعضه ماشياً . فاتفق في بعض المنازل أن طال
سيره ولم يجد مركوباً . فلما نزلوا للراحة والنوم ، نام ذلك
الرجل وطال به المنام من شدة التعب ، حى ارتحلت القافلة بدون
أن تفحص عنه .
ــــــــــــــــــ
(1) المصدر ، ص 306 وما بعدها
.
(2) انظر ينابيع المودة ، ط
النجف ، ص 548 وكشف الغمة ، جـ 3 ، ص 287 ، وكتاب المهدي ، ص
145 ، ومنتهى الآمال جـ 2 ، ص 310 .
صفحة (126)
فلما لذعته حرارة الشمس استيقظ
، فلم ير أحداً ، فسار راجلاً ، وكان على يقين من الهلاك ،
فاستغاث بالإمام المهدي عليه لاسلام ، فرأى في ذلك الحال رجلاً
على هيئة أهل البادية راكباً جملاً .وقال له : يا فلان ،
افترقت عن القافلة ؟ فقال : نعم . فقال : هل تحب أو أوصلك
برفاقك ؟ قال فقلت : نعم ، والله . هذا مطلوبي وليس هناك شيء
سواه . فاقترب مني وأناخ راحلته ، وجعلني رديفاً له ، وسار .
فلم نسر إلا قليلاً حتى وصلنا إلى القافلة .
فما اقتربنا منها ، قال :
هؤلاء رفقاؤك . ووضعني ، وذهب(1) .
الهدف التاسع :
تعليمه الأدعية والأذكار ذات
المضامين العالية الصحيحة ، لعدد من الناس .
وأمثلة ذلك كثيرة ، مما يفهم
منه اهتمام الإمام عليه السلام بالأدعية ، لا بصفتها تمتمات لا
تسمن ولا تغني من جوع ، بل بصفتها نصوصاً ذات معان توجيهية
تربوية ، ومسائل صالحة واعية ، سائرة في طريق الله تعالى .
ومن المعلوم أن أسلوب الدعاء
أقرب إلى جوالتكتم والحذر ، من أي شيء آخر ، باعتبارها الوسيلة
المعترف بمشروعيتها عموماً ، في الاتصال بالله عز وجل ، ولا
يمكن لأي سلطة من السلطات المحاسبة على ذلك . ومن هنا رأينا
الإمام زين العابدين عليه السلام قد اتخذ في تربية الأمة أسلوب
الدعاء ، وضمن أدعيته أعلى المفاهيم وأجل الأساليب .
وكذلك سار الإمام المهدي (ع)
في هذا الطريق ، وانتهج نفس المنهج فيما انتهجه من أعمال .
فكان أن علم عدداً من الأفراد عدداً من الأدعية . من أهمها
"دعاء الفرج" الذي يطلع الفرد على واقعه السيىء في عصور الفتن
والانحراف ، ويفهمه أمله المنشود ويربطه بالله تعالى ارتباطاً
عاطفياً إيمانياً وثيقاً ، إذ يقول: اللهم عظم البلاء وبرح
الخفاء وانقطع الرجاء وانكشف الغطاء وضاقت الأرض ومنعت
ــــــــــــــــــ
(1) انظر النجم الثاقب ، ص 241
.
صفحة (127)
السماء . وإليك يا رب المشتكى
وعليك المعول في الشدة والرخاء . اللهم فصل على محمد وآل محمد
، وأولى الأمر الذين فرضت علينا طاعتهم فعرفتنا بذلك منزلتهم .
ففرج عنا بحقهم فرجاً عاجلاً قريباً كلمح البصر ، أو هو أقرب
... الخ الدعاء(1) .
الهدف العاشر :
حثه على تلاوة الأدعية الواردة
عن آبائه المعصومين عليهم السلام ، بما فيها من مضامين عالية
وحقائق واعية تربوية وفكرية .
وأوضح أمثلته : ذلك الرجل الذي
انقطع عن ركبه في ليل عاصف وماطر بالثلج ، إذ رأى أمامه
بستاناً وفيه فلاح بيده "مسحاة" يضرب بها الاشجار ليسقط عنها
الثلج .
قال الراوي : فجاء نحوي ووقف
قريباً مني ، وقال : من أنت ؟ فقلت : ذهب رفاقي وبقيت لا أعلم
الطريق ، وقد تهت فيه . فقال لي بالفارسية : صل النافلة حتى
تجد الطريق . قال : فاشتغلت بالنافلة . وبعد أن فرغب من
التهجد، جاء وقال : ألم تذهب ؟ فقلت : والله لا أعرف الطريق .
فقال : اقرأ الجامعة(2) . وأنا لم أكن حافظاً للجامعة ، وإلى
الآن لست حافظاً لها بالرغم من زياراتي المكررة للعتبات
المشرفة . ولكنني قمت من مكاني وقرات الجامعة بتمامها عن ظهر
قلب .
ثم ظهر تارة أخرى ، وقال : ألم
تذهب ، ألا زلت موجوداً . فلم أتمالك عن البكاء ،وقلت : نعم ..
لا أعرف الطريق. فقال : اقرأ عاشوراً(3) . قال الراوي : وأنا
غير حافظ لعاشورا ، وإلى الآن لست حافظاً لها . ولكنني وقفت
واشتغلت بالزيارة ، فقرأتها بتمامها عن حفظ .
ــــــــــــــــــ
(1) المصدر