الفصل الثالث

 

في الحياة الخاصة للمهدي (ع)

وكل ما يعود إلى شخصه عليه السلام من الأمور حال غيبته الكبرى

ويمكن الكلام عن ذلك في ضمن عدة أمور :

الأمر الأول :

هل الإمام المهدي (ع) متزوج وله ذرية أم لا .

ويمكن بيان ذلك على مستويين ، باعتبار ما تقتضيه القواعد العامة ، أولاً ، وما تقتضيه الأخبار الخاصة ثانياً .

المستوى الأول : فيما تقتضيه القواعد العامة المتوفرة لدينا .

وهذا مما يختلف حاله على اختلاف الأطروحتين الرئيسيتين اللتين عرضناهما فيما سبق .

أما الأطروحة الأولى : أطروحة خفاء الشخص ، فهي – بغض النظر عن الأخبار الخاصة الآتية – تقتضي أن لا يكون المهدي متزوجاً ، وأن يبقى غير متزوج طيلة غيبته . ولا غرابة في ذلك ، فإن كل ما ينافي غيبته ويعرضه للخطر يكون وجوده غير جائز ، فيكون زواجه غير جائز ، لوضوح منافاته مع غيبته ولزومه لانكشاف أمره . إذ مع خفاء شخصه لا يمكنه الزواج بطبيعة الحال عادة . أما مع ظهوره وانكشاف أمره ، فهو المحذور الذي يجب تجنبه ويخل بالغرض الأسمى من وجوده .

صفحة (61)

وأما افتراض أنه ينكشف لزوجته فقط ، بحيث تراه وتخالطة من دون كل الناس ، فهو وإن كان ممكناً عقلاً، إلا إنه بعيداً كل البعد عن التطبيق العملي بحيث نقطع بعدم إمكانه . فإن هذه الزوجة يجب أن تكون قبل زاوجها من خاصة الخاصة المأمونين الموثوقين إلى أعلى الدرجات ، بحيث لا يكون في مقابلتها إياه واطلاعها على حقيقته أي خطر . ومثل هذه المرأة تكاد تكون منعدمة بين النساء ، إن لم تكون معدومة فعلاً ... فضلاً عن أن يجد في كل جيل امرأة من هذا القبيل .

إذن فبقاؤه طيلة غيبته أو في الأعم الأغلب منها بدون زواج ، ضروري لحفظه وسلامته إلى يوم ظهوره الموعود، فيكون ذلك متعيناً عليه .. لو أخذنا بالأطروحة الأولى .

وأما على الأطروحة الثانية : أطروحة خفاء العنوان ، فكل هذا الكلام الذي رأيناه يكون بدون موضوع . فإن المهدي (ع) وإن كان من المتعذر عليه إيجاد الزواج بصفته الحقيقية ، لما قلناه من عدم وجود المرأة الخاصة المأمونة بالنحو المطلوب . ولكن زواجه بصفته فردا ًعادياً في المجتمع ، أو بشخصيته الثانية ، ممكن ومن أيسر الأمور ، بحيث لا تطلع الزوجة على حقيقته طول عمرها . فإن بدا التشكيك يغزو ذهن المرأة في بعض تصرفاته أو عدم ظهور الكبر عليه بمرور الزمان ... أمكن للمهدي (ع) أن يخطط تخطيطاً بسيطاً لطلاقها وإبعاجها عن نفسه ، أو مغادرة المدينة التي كان فيها إلى مكانٍ آخر ، حيث يعيش ردحاً آخر من الزمن ، وقد يتزوج مرة أخرى .. وهكذا .

وإذا أمكن زواجه ، أمكن القول بتحققه ، وإن الإمام المهدي عليه السلام متزوج في غيبته الكبرى بالفعل . وذلك لأن فيه تطبيقاً للسنة المؤكدة في الإسلام والأوامر الكثيرة بالزواج والحث العظيم عليه والنهي عن تركه ، والمهدي أولى من يتبع السنة الإسلامية . وبخاصة إذا قلنا بأن المعصوم لا يترك المستحب ولا يفعل المكروه مهما أمكن ، والتزمنا بعصمة المهدي (ع) كما هو الصحيح . فيتعين أن يكون متزوجاً ، بعد أن توصلنا إلى إمكان زواجه وعدم منافاته مع احتجابه .

وإذا سرنا مع هذا التصور ، أمكن أن نتصور له في كل جيل ، أو في أكثر الأجيال ذرية متجددة تتكاثر بمرور الزمن، ولكنها تجهل بالمرة بأنها من نسل الإمام المهدي (ع) ، لأن لا يكشف حقيقته أمام زوجته وأولاده الصلبيين، فكيف بالأجيال المتأخرة من ذريته .

صفحة (62)

إلا أن أمامنا شيئاً واحداً يحول بيننا وين التوسع في هذا الافتراض ، إن لم يكن برهاناً على انتفاء الذرية أصلاً . وهو : إن وجود الذرية ملازم عادة لإنكشاف أمره والاطلاع على حقيقته . فإن السنين القليلة بل العشرين والثلاثين منها قد تمضي مع جهل زوجته وأولاده بحقيقته ، كما أنه يمكن التخلص من الزوجة حين يبدو عليها بوادر الالتفات . ولكن كيف يمكن التخلص من الذرية ؟! فإنهم أو بعضهم – على أقل تقدير – يكونون أحرص الناس على مشاهدة أبيهم وملاحقته أينما ذهب . ومعه يكون دائماً تحت رقابتهم ومشاهدتهم . ومن ثم لا يمكنه الحفاظ على سره العميق زماناً مترامياً طويلاً . فإنهم بعد مضي الخمسين أو السبعين عاماً ، سوف يلاحظون بكل وضوع عدم ظهور امارات المشيب والشيخوخة على والدهم ، وأنه بقي شاباً على شكله الأول . ومن ثم يحتملون على الأقل كونه هو المهدي (ع) ، أو أنه فرد شاذ لا بد من الفحص عنه والتأكذ من حقيقته .. وبالفحص ومداومة السؤال ، لا بد أن يتوصلوا إلى الاحتمال على أقل تقدير . وهذا مناف مع غيبته وكتمان أمره . وأما لو بقيت ذريته تراقبه ، ولو بشخصيته الثانية ، عدة أجيال ، فيكون انكشاف أمره بمقدار من الوضوح .

وأما افتراض أنه يعيش مع زوجته وأولاده ، ويظهر عليه المشيب فعلاً ، ثم أنه يختفي ويتحول شكله إلى الشباب تارة أخرى عن طريق المعجزة ، لكي يستأنف حياة زوجية جديدة .. وهكذا .. فهو افتراض عاطل ترد عليه عدة اعتراضات أهمها منافاته مع قانون المعجزات ، فإن زواج المهدي ووجود الذرية لديه لا يمت إلى الهداية الإلهية بصلة ، لكي يمكن أن تقوم المعجزة من أجله .

إذن فلا بد من الالتزام بعدم وجود الذرية للمهدي (ع) بالنحو المنافي لغيبته . أما بانعدام الذرية على الإطلاق ، أو بوجود القليل من الذرية التي تجهل حال نسبها على الإطلاق ، كما يجهله الآخرون ، ولعلنا نصادف بعضاً منهم ، ولكن إثبات نسبه في عداد المستحيل .

فالمتحصل من القواعد العامة ، هو أن المظنون أن يكون الإمام المهدي (ع) متزوجاً بدون ذرية . لا لنقص فيه بل ولا في زوجته ، بل لإشاءة الله تعالى ذلك ، أو تعمد المهدي (ع) له ، احتفاظاً بسره ومحافظة على أمره .

صفحة (63)

المستوى الثاني : فيما تدل عليه الأخبار من وجود الزوجة والأولاد للمهدي (ع) . ونحن نواجه بهذا الصدد شكلين أو طائفتين من الأخبار :

الشكل الأول :

الأخبار الدالة على زواجه ووجود الذرية له، بنحو مجمل من حيث كون ذلك حاصلاً في زمان الغيبة أو بعد الظهور، ومن حيث كونه بعنوانه الواقعي أو بشخصيته الثانية . وسنعرف فيما يأتي أنه لا بد من تخصيص هذه الأخبار ، فيما بعد الظهور ، أو في حال الغيبة بشكل لا يكون سبباً لانكشاف أمره وانتفاء غيبته .

الشكل الثاني :

الأخبار الدالة على زواجه ووجود الذرية له فيغيبته الكبرى . وهي ثلاث روايات :

الأولى : ما رواه الحاج النوري قدس سره في النجم الثاقب عن كتاب الغيبة للشيخ الطوس وكتاب الغيبة للنعماني . قال : رويا بطريق معتبر عن المفضل بن عمر ، قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : إن لصاحب هذا الأمر غيبتين ، إحداهما تطول حتى يقول بعضهم : مات . وبعضهم يقول : قتل . وبعضهم يقول : ذهب . فلا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره ، إلا المولى الذي يلي أمره(1) .

الثانية : رواية كمال الدين الإنباري ، التي ينذكر مضمونها في الأمر الرابع الآتي(2) .

الثالثة : رواية زين الدين المازندراني ، وهي مشابهة للرواية الثانية ، من عدة نواحٍ ، على ما سنرى في الفصل الآتي(3) .

ــــــــــــــــــ

(1) النجم الثاقب ، ص 224 وغيبة الشيخ ، ص 102 . (2) النجم الثاقب ، ص 217 .

(3) المصدر ، ص 284 ، وانظر البحار ص .......

صفحة (64)

إلا أن شيئاً من هذه الروايات ، لا يصح الاستدلال به ، بمعنى أنه ، لو تمت من ناحية السند ، لا تكاد تثبت أكثر وأوسع مما اقتضته القواعد العامة التي عرفناها على المستوى الأولي .

أما الرواية الأولى ، فلا تصح لعدة وجوه :

الوجه الأول :

أنه لا دليل على وجود ذكر الولد في هذه الرواية . فإن كلا من الشيخ الطوسي والشيخ النعماني يرويانها بنص واحد، إلا أن الشيخ الطوسي قال : لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره(1) . والشيخ النعماني روى : من ولي ولا غيره(2) . ومع تهافت نسخ الرواية فيما هو محل الشاهد ، لا يمكن المصير إلى الاستدلال بها .

الوجه الثاني :

أنه على تقدير الاعتراف بوجود كلمة الولد في الرواية ، فإنها لا تكاد تدل على أمر زائد على ما اقتضته القواعد بناء على الأطروحة الثانية ، فإنه يمكن أن يكون للإمام المهدي (ع) ذرية لا تعرف حقيقة أبيها ، بمقدار لا يصل الأمر إلى انكشاف أمره وذيوع سره ، كما سبق أن عرفنا . أو يكون المهدي (ع) قد حصل في بعض الأجيال ، على زوجة موثوقة عرفت حقيقته وصانت سره وسترته عن ذريته .

أما وجود ولد أو ذرية يعاشرونه ويعرفونه ، فهو منفي بنص الرواية ، كما هو منفي بمقتضى القواعد .

ثالثا : أننا نتحمل على الأقل ، أن المراد بقوله : لا يطلع على موضوعه أحد من ولده ولا غيره .. المبالغة في بيان زيادة الخفاء . بمعنى أنه حتى لو كان له ولد أطلع على حقيقته فضلاً عن غير الولد . وهذا بمجرده لا يكون دليلاً على وجود الولد فعلاً ، كما هو واضح . واحتمال هذا المعنى يكفي لإسقاط الاستدلال بالرواية ، فإنه إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال .

ـــــــــــــــــ

(1) غيبة الشيخ ، ص 102 .  (2) غيبة النعماني ، ص 89 .

صفحة (65)

وأما الروايتان الأخيرتان ، التي سنسمعهما ، فالمقدار المشترك من مدلوليهما ، هو أن المهدي (ع) ساكن خلال غيبته الكبرى في بعض الجزر المجهولة من البحر الأبيض المتوسط .. متزوج وله ذرية . وقد أسس هناك مجتمعاً إسلامياً نموذجياً مكوناً من أولاده والأخيار من أتباعهم وأصحابهم . وهو يعيش في ذلك المجتمع محتجباً ، في الوقت الذي يتولى الرئاسة العامة أولاده وذريته .

وسيأتي التعرض إلى تفاصيل المضمون بمقدار الحاجة ، مع إيضاح نقاط الضعف فيه . ويكفينا في حدود محل الاستدلال المناقشة من ناحيتين :

أولاً : إن كلا الروايتين لا تكادان تصحان أساساً ، لابتنائهما على الأساس الذي تقوم عليه الأطروحة الأولى، كما سنوضحه عند التعرض إلى تفاصيلها . وهو أساس سبق أن أقمنا البرهان على بطلانه .

ثانياً : أنه على تقدير صحتهما ، فهما لا يدلان على شيء زائد مما اقتضته القواعد العامة . فإن غاية ما تدلان عليه هو افتراض أن الإمام المهدي (ع) قد وجد في بعض الأجيال إمرأة صالحة موثوقة عرفته وسترت أمره وحجبته عن ذريته . وقد علم ذريته بانتسابهم إليه من دون أن يروه أو يعرفوا مكانه . وبالجملة يكفي في صدق هاتين الروايتين وقوع الزواج للمهدي (ع) مرة واحدة خلال الأجيال ، وهو مما لم تنفه القواعد العامة ، كما هو معلوم .

إذن فلم نجد من الروايات ، ما يصلح للاستدلال به على مضمون زائد على ما عرفناه في القواعد العامة .

الأمر الثاني :

في مكان المهدي (ع) في غيبته الكبرى .

سبق أن سمعنا في تاريخ الغيبة الصغرى(1) ، أن المهدي (ع) قال لمحمد بن إبراهيم بن مهزيار حين قابله: يا ابن المازيار ! أبي أبو محمد عهد إلي أن لا أجاور قوماً غضب الله عليهم ولعنهم ولهم الخزي في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم . وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلا وعرها ، ومن البلاد إلا عفرها ... الخ كلامه.

ــــــــــــــــــ

(1) انظر ص 582 وغيرها .

صفحة (66)

وهو دال على تعيين مكان المهدي (ع) في البراري والقفار النائية .. سواء في ذلك عصر غيبته الصغرى ، وعصر غيبته الكبرى . وسواء أخذنا بأطروحة خفاء الشخص أو أطروحة خفاء العنوان . فإنه منسجم مع كلتا الأطروحتين.

إلا أننا ذكرنا أن هذا وإن كان محتملاً في نفسه ، إلا أنه مناف مع أعداد من الروايات الدالة على وجوده بكثرة في أماكن أخرى . أهمها روايات المشاهدة في الغيبة الصغرى وأخبار المشاهدة الكبرى .. إلا على بعض الفروض النادرة أو الإعجازية التي نحن في غنى عن افتراضها ، والمهدي (ع) في غنى عن اتخاذها، فإن المعجزة لا تقع إلا عند توقف إقامة الحجة عليها ، كما سبق .

فإذا تجاوزنا هذه الرواية يبقى الكلام في تشخيص مكان المهدي (ع) تارة بحسب القواعد العامة التي تقتضيها الأطروحتان الرئيسيتان ، وأخرى بحسب الأخبار الخاصة التي يمكن الاستدلال بها في هذا الصدد .

أما الأطروحة الأولى : أطروحة خفاء الشخص .. فهي تقتضي الجهل المطبق بمكانه عليه السلام ، إلا ما يكون عند مشاهدته حين تقتضي المصلحة لذلك .

وأما الأطروحة الثانية : أطروحة خفاء العنوان ، فقد سبق أن أوضحنا إمكان أن يعيش الإمام المهدي (ع) في أي مكان شاء ويذهب إلى أي مكان يريد ، من الحواضر أو البوادي من البر أو البحر أو الجو ، من دون أن يلفت إلى نفسه نظراً أو يكشف سراً . كما اوضحنا أنه لا ينبغي أن نتصور له مكاناً واحداً مستمراً أو غالباً طيلة غيبته ، لأن ذلك ملازم عادة لالتفات الناس إلى حقيقته وانتقاء غيبته .. بل هو – لا محالة – يوزع سكناه بين البلدان ، لكي يبعد عن نفسه الشكوك .

وأما بحسب الروايات الخاصة ، فنواجه منها عدة أخبار :

الأول : خبر المفضل بن عمر ، السابق الذي يقول فيه : لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره .

الثاني : رواية كمال الدين الإنباري ، التي أشرنا إليها .

الثالث : رواية زين الدين المازندراني ، السابقة .

صفحة (67)

وتشترك هاتان الروايتان في بيان أن المهدي (ع) يسكن في بعض الجزر المجهولة في البحر الأبيض المتوسط . وكأن في هذا تطبيقاً لما ورد في رواية ابن مهزيار من أنه لا يسكن في الجبال إلا وعرها ومن البلاد إلا عفرها ، وأن لا يجاور قوماً غضب الله عليهم ولعنهم !

وقد سبق أن ذكرنا ، وسيأتي أيضاً ، بأن هاتين الروايتين مبتنيتان على الأساس الذي تبتني عليه الأطروحة الأولى، ومعه تكون باطلة وغير معتبرة جملة وتفصيلاً .

الرابع : ما ورد عن أبي بصير عن الإمام الباقر (ع) إنه قال : لا بد لصاحب هذا الأمر من عزلة ، ولا بد في عزلته من قوة . وما بثلاثين من وحشة . ونعم المنزل طيبة(1) .

ويشترك هذا الخبر مع الخبر الأول في الدلالة على انعزال الإمام المهدي (ع) وبعده عن الناس ، ويتعارضان من حيث أن الأخير يثبت أن جماعة من الناس في كل جيل يعرفون المهدي ويتصلون به ويرفعون عنه الوحشة ، وهذا ما ينفيه الخبر الأول بوضوح حيث يقرر عدم إطلاع أحد على موضعه حتى ولده ، إلا المولى الذي يلي أمره . ويستقل الخبر الأخير على تعيين مكان المهدي (ع) في طيبة ، وهي مدينة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله .

فهذه نقاط ثلاث ، ينبغي أن يقع الكلام عنها ، ويحسن من أجل ضبط السياق ، أن نبدأ بالأخيرة .

النقطة الأولى :

حول ما دل عليه خبر أبي بصير من سكنى المهدي في مدينة الرسول (ص) .

وهذا أمر ينافيه ما ورد في خبر إبن مهزيار من اختصاص مكان المهدي (ع) في البراري والقفار . كما ينافي ما ورد في أخبار المقابلات في الغيبتين الصغرى والكبرى ، كما ذكرنا ، من وجود المهدي (ع) في أماكن أخرى من العالم . ومع هذه المنافاة لا تكاد تكون رواية أبي بصير قابلة للإثبات أو الاستدلال .

ــــــــــــــــــ

(1) غيبة الشيخ الطوسي ، ص 102 .

صفحة (68)

ولو غضضنا النظر عن ذلك ، لم نجد أن سكناه المدينة مناف للقواعد العامة التي عرفناها .. سواء أخذنا بأطروحة خفاء الشخص أو بأطروحة خفاء العنوان . أما على أطروحة خفاء الشخص ، فمن الممكن أن نفترض سكناه حال خفائه في المدينة نفسها ، بدون لزوم أي إشكال أو صعوبة .

وأما على أطروحة خفاء العنوان ، فينبغي أن نخص هذه السكنى بما إذا لم تستلزم إنكشاف أمره أو إلتفات الناس إلى سره . لما سبق أن عرفناه من أن يعود إلى سكناها بين جيل وجيل أو نحو ذلك ، بحيث لو راجعنا المعدل العام لزمان الغيبة الكبرى ، رأينا مكانه الأغلب هو المدينة المنورة . وقد سبق أن عرفنا أن مثل هذا الأسلوب في سكنى المدن لا يكون مظنة للإنكشاف .

ولعل هذا الأنسب بحال المهدي (ع) واتجاهه ، من حيث أنه يود مجاورة قبر جده الأعظم رسول الإنسانية (ص) ، والقرب إلى مكان الج ليستنى له القيام به كل عام . وبخاصة وإن أغلب سكان المدينة المنورة في أغلب أجيال التاريخ الإسلامي ، إن لم يكن كلها ، من المنكرين لوجوده أصلاً .. وهو مما يسهل له الحفاظ على خفاء عنوانه ودوام غيبته .

النقطة الثانية :

فيما تختلف فيه الروايتان من المضمون ، حول أن المهدي (ع) هل يعاشر بعض الناس أولاً .

وعند الموازنة بين الأمرين ، لا بد من عرضهما على القواعد العامة اليت عرفناها . وسوف تختلف نتيجة الموازنة طبقاً للأطروحتين الرئيسيتين السابقتين : أما لو أخذنا بأطروحة خفاء الشخص ، فسوف يرجح الأخذ برواية المفضل بن عمر . وإن لم تكن مطابقة لها تماماً لدلالة الرواية على انكشاف المهدي (ع) للمولى الذي يلي أمره ، وهو يُنافي الالتزام الكامل بهذه الأطروحة . وأما لو أخذنا بأطروحة خفاء العنوان، فسوف يرجح الأخذ برواية أبي بصير ، وإن لم تكن مطابقة لها تماماً لدلالة الرواية على انحصار العارفين بالمهدي (ع) والمعاشرين له بثلاثين ، في كل جيل ، بحيث لولاهم لكان في وحدة موحشة .

صفحة (69)

وهذا ما يستغنى عن إفتراضه بناء على هذه الأطروحة . إذ يمكن للمهدي (ع) أن يعاشر أي شخص كما عرفنا . نعم، يمكن أن يكون للثلاثين خصيصة الاطلاع على حقيقته ، وهو أمر لطيف ، إلا أنه لا يستلزم عدمهم وجود الوحدة الموحشة على أي حال .

النقطة الثالثة :

فيما تشترك فيه الروايتان من النص على اعتزال المهدي (ع) عن الناس .

وهذا يمكن حمله على أحد وجهين :

الوجه الأول : أن يفسر بالاعتزال النسبي ، يعني إعتزاله بصفته الحقيقية ، وإن كان مرتبطاً بالناس بصفته فرداً عادياً في المجتمع . وهذا الوجه قريب من أطروحة خفاء العنوان . إلا أنه مخالف لكلتا الروايتين في ظاهرهما ، كما يتضح لمن قرأهما .

الوجه الثاني : أن يعترف بعزلته عليه السلام ، بشكل مطلق . وهذا أقرب إلى أطروحة خفاء الشخص ، فإنها تستلزم العزلة المطلقة . ولكنه لا ينافي الأطروحة الأخرى لإمكان أن يرى المهدي (ع) حال انعزاله من دون أن تعرف حقيقته .

إلا إننا عرفنا أنه لا حاجة إلى افتراض مثل هذه العزلة مع خفاء العنوان . إن لم تكن بنفسها ملفته للنظر والتساؤل عن حقيقة هذا الفرد المنعزل وعن سبب انعزاله ، مما يثير حوله الانتباه .

فإذا لم يصح الوجه الأول ، كما لم يصح الوجه الثاني انطلاقاً من أطروحة خفاء العنوان ، الصحيحة ، لم يمكن القول بصحة المضمون المشترك بين الروايتين ، وإن كان مدعماً برواية ابن مهزيار أيضاً .

صفحة (70)

الأمر الثالث :

ما ورد من تسمية أولاده وسكنهم وأعمالهم .

تنص رواية الإنباري المشار إليها ، إن للحجة المهدي (ع) عدة أولاد في

الجزر المجهولة في البحر الأبيض المتوسط .

أحدهم : طاهر بن محمد بن الحسن . وهو يحكم إحدى تلك الجزر المسماة بالزاهرة(1) .

ثانيهم : قاسم بن محمد بن الحسن . هو يحكم الجزيرة المسماة بالرائقة(2) .

ثالثهم : إبراهيم بن صاحب الأمر . وهو يحكم بلدة هناك تسمى بالصافية(3) .

رابعهم : عبد الرحمن بن صاحب الأمر . وهو يحكم بلدة باسم طلوم(4) .

خامسهم : هاشم بن صاحب الأمر . وهو يحكم بلدة باسم عناطيس(5) .

وكلهم يحكمون تحت الإشراف العام لأبيهم صاحب الأمر المهدي (ع) .

وإن لم تدل الرواية على أنهم يرونه ويجتمعون به أولاً .

وحيث أن الحادثة المروية بهذه الرواية مؤرخة بتاريخ القرن السادس الهجري(6) ، فيكون قد مضى على ولادة الإمام المهدي (ع) حوالي الأربعمائة سنة . ولا نحتمل طول عمر أولاده ولا زوجته بالشكل الخارج عن الطبيعي من أعمار الآخرين من الناس . إذن ، فلو صحت الرواية ، يتعين أن يكون قد تم زواجه ووجود أولاده في مثل ذلك العصر . وقد سبق أن ذكرنا أن ذلك إنما يتم فيما لو كان المهدي (ع) قد وجد امرأة موثوقة في أعلى درجات الإخلاص ، بحيث تعرفه وتساعده على إخفاء نفسه حتى على أولاده ، وإن كانت قد لا تخفي عنهم انتسابهم إليه .

أما زواجه في العصور المتقدمة على ذلك ، أو العصور المتأخرة عنه ، أو وجود ذرية له فيها ، فلا تتعرض له الرواية . فيبقى محولاً على متقضى القواعد السابقة .

ــــــــــــــــــ

(1) النجم الثاقب ، ص 220 – 221 .  (2) نفس المصدر ، ص 222 .  (3) و (4) و (5) المصدر والصفحة .

(6) المصدر ، ص 217 .

صفحة (71)

وأما صحة هذه الرواية ، فقد سبقت الإشارة إلى عدم صحتها ، وسيأتي تفصيل ذلك الأمر الآتي :

وأما رواية المازندراني المشابهة لها في المضمون ، فهي مؤرخة في القرن السابع الهجري .. تدل على وجود عدة جزائر في البحر الأبيض أيضاً أكبرها المسماة بـِ (الخضراء) يحكمها نائب خاص عن الإمام المهدي (ع) ، يسمى بمحمد ويلقب بشمس الدين ، وهو من ذرية المهدي ، وبينهما خمسة آباء(1) . لكن لا يتضح انتسابه إلى أي من الأولاد السابقين .

ولعل هناك شي من البعد في تسلسل خمسة أجيال خلال قرن من الزمن ، إلا بتقدير تعدد زواجه أو سرعة تناسل أولاده .

والظاهر من هذه الرواية عدم وجود أولاد المهدي (ع) المباشرين بل من بعدهم أيضاً ، وإلا لما أصبح حفيده الخامس حاكماً هناك ، دونهم . وخاصة وإن الرواية تنص على أن آباءه أفضل منه ، بقرينة عدم مشاهدته للإمام (ع) ، وأما أبوه فقد سمع صوته ولم ير شخصه ، وأما جده فقد رأى شخصه وسمع صوته(2) . وكلما كان الفرد أقرب ارتباطاً بالمهدي (ع) دل ذلك على زيادة في فضله وإخلاصه .

وحساب هذه الرواية ، من حيث أصل صحتها واعتبارها ، موكول إلى الأمر الرابع الآتي .

ــــــــــــــــــ

(1) البحار ، جـ 13 ، ص 146 .  (2) المصدر والصفحة السابقة .

صفحة (72)

الأمر الرابع :

تأسيس المهدي (ع) في غيبته الكبرى مجتمعاً إسلامياً نموذجياً .. أو عدم صحة ذلك .

يدل على تأسيسه لمثل هذا المجتمع ، الروايتان المشار إليهما فيما سبق للإنبار والمازندراني .. وتنفيه سائر القرائن الأخرى من عقلية ونقلية على ما يأتي . 

ونود أن ندرس فيما يلي الخصائص العامة الفكرية والاجتماعية والعلمية والسياسية لهذا المجتمع النموذجي ، وما أنتجته هذه الخصائص فيه من مستوى من الرفاه والازدهار في الزراعة والتجارة .

ولا يخفى أننا بعد أن نناقش في أصل هاتين الروايتين وصحتهما ، فسوف لن تبقى لهذه الخصائص قيمة من وجهة نظر إسلامية موضوعية ، إلا باعتبارها صحيحة في نظر الراوي وبحسب فهمه الخاص . وإنما ندرسها الآن بصفتها ممثلة لوجهة نظر بعض المسلمين تجاه شكل المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية عامة والنظام المهدوي خاصة . وسننطلق بعد ذلك إلى تطبيقه على القواعد والأدلة الإسلامية الحقة .

تتفق الروايتان : على أن هناك مدن كبيرة وكثيرة على ساحل البحر ، ربما كانت في بر إحدى القارات ، وربما كانت في جزائر ضخمة في أحد البحار . وتنص رواية المازندراني على أنه هو البحر الأبيض المتوسط . وإن هذه الجزائر هي السبب في تسميته البحر الأبيض لأنها محاطة ماء أبيض صاف كماء الفرات يختلف لونه عن لون سائر ماء البحر ، إذا وردت فيه سفن الكفار والمحاربين غرقت بقدرة الله تعالى وبركة الإمام المهدي عليه السلام.

وتشكل هذه المجموعة رقعة مهمة من الأرض ، لأن إحدى المدن تبعد عن الأخرى بمقدار مسير إثني عشر يوماً أو خمسة عشر يوماً ، بحراً أو براً ، بوسائط النقل التي كانت سائدة يومئذ في القرنين السادس والسابع الهجريين .

وهي مسافة تكون بالتقريب مثل ما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة في الحجاز أو بين البصرة وبغداد في العراق. وبالرغم من سعة هذه المساحة ، فإنه مليئة بالبساتين والقرى ، التي قد تصل إلى ألف ومائتي قرية لكل مدينة . ومعه يمكن تقدير سكانها بما لا يقل عن عشرة ملايين من البشر . فتكون بذلك دولة متوسطة الحجم ، يمكن أن تشكل المجتمع النموذجي الإسلامي على أحسن طراز .

صفحة (73)

وتتصف هذه المجموعة بالجمال الطبيعي والرفاه الاقتصادي إلى حد بعيد ، بحيث تخون اللغة لسان الراوي في وصفه. ويكفينا من ذلك أن أكثر دورها مبنية بالرخام الشفاف ، ويحيط كل مدينة مئات المزارع والبساتين ذات الهواء الطلق والفواكه العديدة .

وتنص رواية الإنباري بأن الذئاب والغنم يعيشون في هذه المزارع بصداقة وألفة . وأن السباع والهوام مطلقو السراح ما بين الناس ، من دون أن يضروا أحداً أو يوجبوا حادثاً أو مرضاً .

وتشتمل المدن على أسواق كثيرة فيها من الأمتعة المعروضة ما لا يوصف ولا يتناهى . وفيها حمامات كثيرة . وفيها مسجد أعظم يجتمع الناس لإقامة الصلاة . وتوجد حول المدينة أسوار وقلاع وأبراج عالية من جهة البحر ، لأجل أن تزداد منعة وقوة .

وأما دين الشعب الساكن في هذه البلاد ، فهو الإسلام على المذهب الإمامي الإثنا عشري .

وأما أخلاقهم الكريمة ، فحدث عنها ولا حرج ، يصفها الإنباري بأنها أحسن أخلاق على وجه الأرض . فهم في الأمانة والتدين والصدق بلا مثيل ، وكلامهم خال من اللغو والغيبة والسفاهة والكذب والنميمة . ويؤدون الحقوق المالية الشرعية . وتسود معاملاتهم روح الثقة وحسن الظن إلى حد يقول البائع للمشتري: زن لنفسك وخذ ، فإن أخذك لحقك غير متوقف على وجودي . وبمجرد أن يعلن المؤذن دخول وقت الصلاة ، يترك الناس أعمالهم ويتوجهون رجالاً ونساءً إلى أدائها .

وتتصف مجتمعات هذه المدن بالتضامن والألفة ، فإذا احتاجت بعض الجزر أو المدن إلى مساعدة ، أو كانت خالية من الزراعة ، أرسلت إليها الميرة والبضائع الكثيرة ، من المدن الأخرى الحافلة بالخير والبركات، تبرعاً دون مقابل.

صفحة (74)

ويحكم هذه المجتمعات حاكم واحد ، كما في رواية المازندراني ، أو عدة حكام ، كما في رواية الإنباري ... منصوبين من قبل الإمام المهدي عليه السلام ، بحيث يعتبر أهم حاكم نائباً خاصاً له عليه السلام . ومن ثم فهو يقيم صلاة الجمعة ، لتحقق شرط وجوبها ، وهو وجوبها ، وهو وجود الإمام المعصوم أو نائبه الخاص .

وهو الذي يقيم صلاة الجماعة في كل وقت ، وهو الذي يفتي الناس بالمسائل الشرعية ، ويقضي بينهم . بل تنص رواية المازندراني أنه يدرس العلوم العربية وأصول الدين والفقه الذي تلقاه عن صاحب الأمر المهدي عليه السلام. وهو الذي يجادل عن المذهب إن لزم الأمر ، ويكون جداله حاداً وصريحاً ، ويكون هو الظاهر في الجدال على خصمه على طول الخط . وله من الكرم وحسن الضيافة الشيء الكثير .

وقد سبق أن عرفنا أسماء عدد من حكام تلك البلاد . وقد كان منهم خمسة من أولاد المهدي (ع) نفسه ، في رواية الإنباري ، وواحد من أحفاده في رواية الشيء المازندراني .

يطاع الحاكم هناك من قبل شعبه إطاعة تامة ، وله فيهم الكلمة النهائية ، وله في قلوبهم المهابة والوقار . وقد يخبر بما ينبغي أن يكون جاهلاً به عادة ، كاسم الشخص المسافر الطارئ على البلاد ، فيكون هذا آية صدقه وأساس حكمه . وليس هو اخباراً بالغيب وإنما يرويه عن الإمام المهدي (ع) ولو بالواسطة ، والإمام المهدي (ع) عالم بتعاليم الله عز وجل إياه ، بالإلهام أو نحوه . ومن هنا يقول الرواي : فقلت : ومن أين تعرفني باسمي واسم أبي ؟ قال : أعلم أنه قد تقدم إليّ وصفك وأصلك ومعرفة اسمك وشخصك وهيئتك واسم أبيك رحمه الله(1) . وإنما تقدم ذلك إليه من المهدي عليه السلام .

والمهدي (ع) يسكن في تلك المجتمعات نفسها بنحو منعزل لا يراه حتى الحكام أنفسهم بالرغم مما يتصفون به من إخلاص ووثاقة . وإذا خرج إلى الحج أو إلى أي مكان آخر ، فإن يعود إليها تارةً أخرى .

ــــــــــــــــــ

(1) البحار ، جـ 13 ، ص 140 .

صفحة (75)

وهو يعطي تعليماته للحاكم عن طريق المراسلة ، فيما يحتاجه من البت في أمور الناس من المحاكمات وغيرها ، كما تنص على ذلك رواية المازندراني . وبذلك يكون له الإشراف المباشر على سائر هذه الدولة النموذجية ، ويبقى ذكره فيها حياً وقانونه نافذاً . وتتربى الأجيال على الإخلاص له وانتظار فرجه ، وهو أمر عام بين سائر أفراد الشعب هناك إلى حد لا يكادون يقسمون إلا به في كلامهم الاعتيادي .

فهذا هو الوصف العام لهذا المجتمع النموذجي الذي دلت عليه هاتان الروايتان . إلا أنهما لا يمكن أن يكون لهما جانب من الصحة على الإطلاق . وذلك لوجود عدة اعتراضات نذكر منها ثلاثة رئيسية :

الاعتراض الأول :

إن الكرة الأرضية الآن ، بل فيما قبل الآن مرت بعدة قرون ، قد عرفت شبراً شبراً ومسحت متراً متراً ، واطلع الناس على خفاياها وزواياها . وبالرغم من ذلك لم يجد أحد تلك المناطق ولا اطلع على وجود تلك الجزائر والمدن. ولو كانت موجودة لعرفت يقيناً ، ولكانت من أهم العالم الإسلامي . إذن فهي غير موجود قطعاص .

وأما الزعم بأنها برمتها مختفية عن الأنظار ، كما هو حال المهدي نفسه ، لو صحت أطروحة خفاء الشخص ... فهو ما حاول بعض الباحثين أن يقوله(1) مستشهداً بسعة قدرة الله تعالى ، وبما روي من أن رسول الله (ص) كان أحياناً يختفي عن كفار قريش في أثناء صلاته .

إلا أن هذا الاستدلال يثبت الإمكان العقلي لاختفاء هذه المدن ، ولكنه لا يثبت وقوعه فعلاً . ونحن نعترف بسعة قدرة الله تعالى على ذلك وما هو أهم منه وأوسع . إلا أننا ننفي وقوع ذلك خارجاً ، ونثبت الفرق بين اختفاء المهدي (ع) والنبي (ص) من ناحية ، واختفاء هذه البلدان من ناحية أخرى .

فإن اختفاء المهدي (ع) والنبي (ص) إنما يتحقق لتوقف حياتهما عليه تلك الحياة المذخورة لهداية الناس وإكمال الحجة عليهم ، فيتكون الاختفاء مطابقاً مع قانون المعجزات ، وهو أنه مهما توقف إكمال الحجة على المعجزة أوجدها الله جزماً ، وخرق بها النواميس الطبيعية ، ولا توجد المعجزة في خارج هذا الحد . وبذلك سبق أن نفينا الأطروحة الأولى ، لعدم احتياج المهدي (ع) في سلامته إلى الاختفاء الدائم .

ــــــــــــــــــ

(1) انظر النجم الثاقب ، ص 227 .

صفحة (76)

وأما بالنسبة إلى بلد أو مجتمع مسلم ، يختفي اختفاء شخصياً برمته ، كما يدعي هذا الباحث ... فليس الأمر فيه أن إقامة الحجة أو إكمالها متوقف على وجود المعجزة . فإن المفروض أن أفراد المجتمع قد اعتنقوا الإسلام وأخلصوا له وتمت حجته عليهم . فأي حجة تبقى بعد ذلك لنحتاج إلى المعجزة . وإنما المفروض أن سلامته من الأعداء متوقف على اختفائه ... إلا أن ذلك مما لا يعرف في الإسلام ، وهو خارج عن القانون العام لإقامة المعجزات . إذن فالمعجزة غير متحققة ، فلو كان موجوداً لكان ظاهراً لا محالة . ولو كان ظاهراً لكان معروفاً . وحيث أنه غير معروف ولا ظاهر ، إذن فهو غير موجود .

ولو صح اختفاء مجتمع ملسم لسلامته من الاعتداء ، لصح اختفاء مجتمعات مسلمة كثيرة تعرضت للغارات العديدة على مر التاريخ . على أن ذلك لم يحدث . ولو كان قانون المعجزات يوجب حدوث ذلك ، لحدث على أي حال .

وقد يقال : بأن لهذا المجتمع المفترض خصوصية كبرى تميزه عن سائر المجتمعات ، وهو وجود الإمام المهدي فيه، فمن الجائز أن يخصه الله تعالى بالاختفاء .

إلا أن هذه الفكرة غير صحيحة بالمرة . إذ لو توقفت سلامة الإمام عليه السلام وبقائه وغيبته ، على غياب هذه المدن ، لكان أمراً صحيحاً . إلا أن هذا التوقف غير موجود بالمرة ، إذ قد عرفنا بأن الإمام المهدي (ع) يمكنه أن يحرز سلامته وغيبته في أي مكان من العالم على كلا الأطروحتين الرئيسيتين . ومعه لا تبقى لذلك المجتمع أي خصوصية من هذه الناحية .

بل من المستطاع القول ، بالنسبة إلى ما ذكرناه من إتمام الحجة : أنه ليس فقط أن إقامة الحجة على هذا المجتمع لا يتوقف على اختفائه كما قلنا ، بل أن إكمال الحجة عليه يتوقف على ظهوره وكونه جزءاً من العالم البشري المنظور . وذلك انطلاقاً من قانون التمحيص الإلهي الثابت عقلاً ونقلاً ، على ما سنفصله في باب قادم من هذا التاريخ .

صفحة (77)

فإن الفرد المسلم والمجتمع المسلم ، كلما واجه التيارات الكافرة على مختلف مستوياتها ، وصمد تجاه الانحرافات الجائرة ، وضحى في سبيل دينه ، كلما يكون إيمانه أقوى وأرسخ ، وإرادته أمضى وأعظم . فاصطدامه مع الكفر والانحراف في حرب جسدية أو عقائدية ، جزء من المخطط الإلهي للتمحيص والامتحان ... وليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حيى عن بينة . وبذلك يكون إكمال الحجة متوقفاً على هذا الاصطدام ، وسنى في مستقبل هذا التاريخ أن يوم الظهور الموعود للمهدي (ع) مما يتوقف على هذا التمحيص . وهذا الاصطدام إنما يحدث والتمحيص إنما يتحقق ، فيما إذا كان المجتمع ظاهراً للعيان متفاعلاً مع العالم الخارجي ، دون ما إذا كان مرتاحاً في اختفائه منساقاً مع أحلامه .

إذن فالقانون العام للتمحيص وقانون المعجزات منافيان لاختفاء أي مجتمع مسلم وانعزاله عن العالم ، ومعه فلو كان هذا المجتمع موجوداً لكان ظاهراً . وحيث أنه غير ظاهر إذن فهو غير موجود .

وهذا هو مرادنا مما قلناه فيما سبق ، من أن هاتين الروايتين مبتنيتان على الأساس الذي تبتني عليه الأطروحة الأولى ، وقد عرفنا الآن أنه أسوأ حالاً وأشد بعداً من الأطروحة الأولى بكثير حيث برهنا على بطلان تلك الأطروحة بالاستغناء عنها بالأطروحة الثانية . وأما هذه المدن ، كفلا من قانوني المعجزات والتمحيص ، ينفيان اختفاءهما بالضرورة .

وليت شعري ، لم يلتفت هذا الباحث الذي يدعي اختفاء هذه المدن الكثيرة ، إلى أن سياق الروايتين الدالتين على وجودهما منافٍ مع هذه الفكرة : وذلك انطلاقاً من نقطتين أساسيتين :

النقطة الأولى :

ما نصت عليه رواية المازندراني ، من أن البحر الأبيض إنما سمي بذلك لوجود ماء صاف كماء الفرات حول الجزر، إذا دخلته سفن الأعداء غرقت بقدرة الله تعالى وبركة المهدي عليه السلام .

فإن هذه الجزر إذا كانت مختفية عن الأنظار . كيف يهتدي إليها الأعداء . بل يكفي اختفاؤها حماية لها كما هو واضح . فوجود مثل هذا الماء الصافي – لو صح – أدل دليل على عدم الاختفاء .

صفحة (78)

النقطة الثانية :

إن الاختفاء لو كان صحيحاً ، لكان اللازم أن لا تنكشف هذه الجزر لأحد من الخارج إلا لمن لديه القسم العالي من الإخلاص والوثاقة من المسلمين ، حيث يكون انكشافها لغير هؤلاء الأفراد مظنة للخطر ، وطريقاً محتملاً لهجوم الأعداء ، بشكل أو آخر .

في حين أن قافلة هذا الراوي في البحر ، وصلت إلى هذه الجزر ، بما فيها من مسلمين على اختلاف مستوياتهم ومذاهبهم ، وبما فيها من مسيحيين ! إذن فوجود هؤلاء يؤكد عدم الاختفاء .

الاعتراض الثاني :

إن هاتين الروايتين للانباري والمازندراني ، منافيتان ومعارضتان ، مع عدد من الأخبار الواردة بمضامين مختلفة ... تتفق كلها على نفي مضمون هاتين الروايتين ، كل من ناحيته الخاصة . ومن الثابت أنه كلما تعارض الخبر والخبران مع مجموعة ضخمة من الأخبار ، توجب القطع بمضمونها المشترك ، قدمت المجموعة الضخمة لا محالة، ولم يبق للخبر والخبرين أي اعتبار .

وتتمثل هذه المجموعة المعارضة في هذا الصدد ، في عدة أشكال من الأخبار :

الشكل الأول :

أخبار التمحيص والامتحان الإلهي ، كقول الإمام الباقر عليه السلام :

هيهات هيهات لا يكون فرجنا حتى تغربلوا ثم تغربلوا – يقول ثلاثاً – حتى يذهب الله تعالى الكدر ويبقى الصفو . وقول الإمام الصادق عليه السلام : والله لتميزن . والله لتمحصن . والله لتغربلن ، كما تعربل الزوان من القمح .

وهي أخبار كثيرة تدل على قانون الهي وقعت من أجله الغيبة الكبرى ، على ما سنوضح في مستقبل هذا التاريخ . وهو قانون عام على كل البشر ، وغير قابل للتخصيص باستثناء مجتمع أو عدة مجتمعات منه . وقد عرفنا أن الاختفاء عن الأنظار ينافي معنى الاختبار والتمحيص ، ويستلزم عدم شمول هذا القانون للمجتمع المختفي . ومعه تكون الأخبار الدالة على التمحيص دالة على نفي وجود مجتمع غير مشمول لهذا القانون .

صفحة (79)

الشكل الثاني :

ما دل على سكنى المهدي (ع) في أماكن أخرى غير ما دلت عليه هاتان الروايتان ، كالمدينة المنورة ، في أحد الأخبار التي سمعناها ، وكالبراري والقفار في خبر آخر سمعناه .

ونحن وإن كنا قد ناقشنا في هذين الخبرين ، إلا أن ذلك لا ينافي وقوعها طرفاً للمعارضة مع الروايتين ، ليشاركا مع المجموعة في إسقاطهما عن الاعتبار . على أن هناك أخبار أخرى تدل على سكنى المهدي (ع) في أماكن أخرى، غير ما سبق ، لا حاجة إلى الإفاضة فيها فعلاً .

الشكل الثالث :

الأخبار الكثيرة الدالة على مشاهدة المهدي (ع) في غير هذه المدن المفروضة ... بكثرة لا يستهان بها ، على ما سيأتي في الفصل الآتي .

فتدل هذه الأخبار ، على وجود المهدي (ع) ردحاً من الزمن ، خارج تلك المناطق المفروضة ، بل أن سكناه الغالبة ليست هناك . وهو معنى على خلاف ما ادعته هاتان الروايتان من سكناه ووجوده الغالب في تلك المناطق .

إذ لو كانت سكناه هناك حقاً ، لم يكن مقابلته في خارج تلك المناطق ، إلا على سبيل الصدفة أو نتيجة للمعجزة . وكلاهما لا يمكن افتراض وقوعه في المقام : أما الصدفة ، فلكثرة المشاهدات إلى حد يقطع بتعمد الإمام المهدي (ع) لها وليست على سبيل الصدفة . وأما المعجزة فلعدم انطباق المورد على قانون المعجزات ، لعدم انحصار سبب إقامة الحجة على هذه المعجزة التي تقوم من أجل المقابلة .

بل يمكن القول : بأن الانطباع العام الذي تعطيه أخبار المقابلات مع المهدي (ع) في غيبته الكبرى ، هو كونه ساكناً في العراق ، وإذا حصلت المقابلة في غير هذه البلاد ، فإنما هي لمصلحة مهمة اقتضتها . وهذا ما سيأتي التعرض له في الفصل الآتي مقروناً بالتبرير النظري الذي يبني عليه . ومن الواضح أن سكناه في العراق ينافي سكناه في تلك المدن المفروضة .

صفحة (80)

الشكل الرابع :

الخبر المتواتر عن النبي (ص) بألفاظ متقاربة ، من أن المهدي (ع) بعد ظهوره (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً) .

وامتلاء الأرض جوراً وظلماً يستلزم أن أكر أهل الأرض بما فيهم أكثر أفراد المجتمع المسلم أيضاً ، أصبحوا ظالمين منحرفين ... بحيث لا يمكن افتراض وجود مجتمع كامل باق على إخلاصه الكامل للإسلام . ومثل هذا العموم المعطى في هذا الحديث غير قابل للتخصيص والاستثناء . ومعه فوجود مجتمع أو عدة مجتمعات برمتها باقية على إخلاصها للإسلام ، يكون معارضاً لذلك الخبر المتواتر لا محالة . ومهما تعارض الخبر الواحد مع المتواتر ، أخذنا بالمتواتر وطرحنا الخبر الواحد .

وقد يخطر في الذهن : أن المراد من الأرض التي تمتلئ ظلماً وجوراً ، في الحديث النبوي ، هو الأرض المنظورة ، كما هو الظاهر من لفظ الأرض ، دون الأرض المختفية ، كما دلت عليه هاتان الروايتان . ومعه فلا منافاة بين الحديث النبوي المتواتر وبينها .

وجواب ذلك : أننا عرفنا في الاعتراض الأول أن هاتين الروايتين دالتان على عدم اختفاء المدن التي تخبر عن وجودها . وإنما كان اختفاؤها رأياً لبعض الباحثين وقد ناقشناه . ومعه تكون هذه المدن – على تقدير وجودها – من الأرض المنظورة ، فيشملها الحديث النبوي ، فيدل على عدم وجودها .

وقد يخطر في الذهن أيضاً : أن هذه المجتمعات وجدت مخلصة للإسلام خلال الغيبة الكبرى ، وهذا لا ينافي كونها تصبح منحرفة بعد ذلك قبل ظهور المهدي (ع) ليصدق الحديث النبوي الشريف .

وجواب ذلك : إن هذه المجتمعات المفروضة ، قائمة على أساس الدوام والاستمرار في نظامها الإسلامي ، وغير قابلة للانحراف ، بعد الالتفاف إلى كونها تحت الإشراف الدائم للإمام المهدي (ع) نفسه ، كما نطقت به تانك الروايتان .

هذا ... وهناك غير هذه الأشكال من الروايات الصالحة لمعارضة الروايتين ، مما لا نريد الإطالة بذكره ، وهو لا يخفى على المتتبع المتأمل .

صفحة (81)

الاعتراض الثالث :

إن المجتمع المزعوم غير منسجم مع عدد من تعاليم الإسلام المهمة ، في تكوينه الفكري ونظامه الاجتماعي . فهو مجتمع إسلامي ناقص من حيث التطبيق . إذن فالمهدي (ع) لم يؤسسه إذ أن المجتمع الذي يكون المهدي (ع) مؤسساً له ومشرفاً عليه ، لا يكون إلا مجتمعاً كاملاً عادلاً من جميع الجهات . وخاصة بعد أن تتربى عدة أجيال تحت هذا الإشراف ، في جو من الصيانة والحفظ عن الأعداء ، كما هو المفروض في هذه المجتمعات .

ويمكن أن ننطلق إلى بيان هذا النقص عن طريق العوامل التي تدخلت في ذهن الراوي ، خلال روايته ، وقد مزج بينها مزجاً عجيباً ليعرف عن فكرته في تكوين المجتمع العادل و"المدينة الفاضلة" . ونقصد بالراوي كلاً من النباري والمازندراني اللذان رويا تينك الروايتين .

العامل الأول :

العامل الحضاري أو المدني – بالأصح – ، ذلك الذي كان يعيشه الراوي في القرنين السادس والسابع الهجريين . وقد اتضح تأثره بهذا العامل من عدة أمور ذكرها خلال الرواية :

الأمر الأول :

وجود أسوار وأبراج وقلاع للمدينة تجاه البحر ، فإن هذه هي وسيلة الدفاع الأساسية في تلك القرون .

الأمر الثاني :

وجود ماء صاف يوجب غرق السفن المعتدية . وقد كانت السفن البحرية أهم أساليب الهجوم في ذلك العصر .

الأمر الثالث :

إن الراوي أكد على وجود مساجد وحمامات وأسواق كثيرة ، وهي المؤسسات الأساسية المشار إليها في كل مدينة في ذلك الزمان . ولو كان الراوي يعرف المدارس والمستشفيات والجمعيات ونحو ذلك ، لقال أنها موجودة هناك أيضاً .

صفحة (82)

الأمر الرابع :

انعدام الإشارة إلى التجارة في كلتا الروايتين ، وظهورهما بانحصار سبل العيش بالزراعة تقريباً ، إلا ما كان من قبيل التجارات السوقية الصغيرة والحرف اليدوية .

الأمر الخامس :

التأكيد على وجود ريف واسع يحيط بكل مدينة ، يتكون من قرى كثيرة . وهذا هو الشكل الذي كانت عيه المدن بشكل أو آخر ، في عصر الراوي ، وكان الريف ناشئاً من الشكل الإقطاعي والطبقي للمجتمع ، ومن هنا حصل التمييز بين القرية والمدينة . وهو مما لا يعترف به نظام الإسلام .

وهناك أمور أخرى غير هذه ، لا حاجة إلى سردها .ونستطيع أن نؤكد أن المجتمع الذي يكون بإشراف المهدي(ع)، حيث تتربى الأجيال برأيه وقانونه ، لا يمكن أن يبقى ذو صبغة مدنية واطئة ، كما وصفة الراوي ... لا أقل من وجود فكرة مبسطة عن المدارس والمستشفيات والتجارة ، ومحاولة لتطوير وسائل الدفاع ، وتطوير القرى وتثقيف أهلها لكي يصل المجتمع إلى العدل الكامل .

العامل الثاني :

العامل الفكري أو الاتجاه السياسي المركوز في ذهن الرواي نتيجة لشكل الحكم السائد في الدول في تلك العصور .

فكما أن الدول كان في الأعم الأغلب محكومة لملوك مستبدين ، يكون الملك فيها هو الحاكم بأمره ، المطلق العنان في التصرف ، وليس له مجلس وزراء ولا برلمان ولا لجنة استشارية ولا هيئة قضائية ، ولا أي شيء من هذا القبيل . بل هو أما أن يمارس ذلك بنفسه إن استطاع ، وأما أن يهمل ذلك إهمالاً ... فكذلك ينبغي أن يكون المجتمع العادل ، في رأي الراوي .

مع أن هذا بعيد عن روح الإسلام كل البعد ، فإن الإسلام وإن كان يرى للرئيس صلاحية مطلقة في التصرف، إلا أنه لا توقع منه القيام فعلاً بكل شيء . بل أنه يزع صلاحياته على المؤمنين الموثوقين من شعبه ، كل حسب قابليته وموهبته . فهناك قضاة وهناك مستشارين وهناك سلطة تنفيذية كاملة ، بحسب ما يحتاجه كل ظرف من سلطات .

صفحة (83)

وهذا ما أسقطه الرواي بالمرة من مدينته الفاضلة . فيكون هذا المجتمع ناقصاً من حيث التطبيق الإسلامي نقصاناً كبيراً .

وقد يخطر في الذهن : بأن التدبير المباشر حيث كان موكولاً إلى المهدي (ع) عن طريق المراسلة ، فلا حاجة إلى كل هذه التشكيلات .

وجواب ذلك :

إن هذا الإشراف يقتضي الإمساك بالزمام الأعلى للدولة وتحديد سياستها العامة وقواعدها الكلية من الناحية القانونية والاجتماعية والعقائدية . وأما البت في جزيئات الأمور لملايين الناس ، فهو مما يتعذر إيجاده بالمراسلة كما هو معلوم ، إلا عن طريق المعجزة . المعجزة لا تكون هي الأساس أصلاً في العمل الإسلامي وقيادة الدول ، بعد تمامية الحجة على الناس .

وقد يخطر في الذهن ، أن النبي (ص) كان يقود الأمة الإسلامية بمفرده ، فكذلك ينبغي أن يكون عليه الرئيس الإسلامي في كل عصر .

وجوابه :

إن هناك فروقاً بين النبي (ص) وبين غيره عامة وهؤلاء الذين يحكمون هذا المدن المزعومة خاصة ، نذكر منها فرقين :

الفرق الأول :

إن المسلمين كانوا قلة نسبياً وكانت حاجاتهم بسيطة ودخلهم الاقتصادي واطئ ، فكانت القيادة الاجتماعية لشخص واحد عبقري كالنبي (ص) بمكان من الإمكان . وأما عند تكثر الناس وتعقد الحاجات وسعة الدولة، فلا يكون ذلك ممكناً بأي حال ، مهما كان القائد عبقرياً ، لوضوح ، استحالة النظر في مئات القضايا في وقت قصير .

الفرق الثاني :

إن النبي (ص) كان يقود مجتمعه بالصراحة والمواجهة ، على حين تقول الرواية أن المهدي (ع) يقود ذلك المجتمع بالمراسلة . ومن الواضح أن ما تنتجه المراسلة لا يمكن أن يصل إلى نتائج المواجهة بأي حال .

صفحة (84)

العامل الثالث :

العامل الفكري والاتجاه الاجتماعي للقواعد الشعبية المتدينة وعلمائها ، بشكل عام ، في حقبة من الغيبة الكبرى . ولا زال هذا الاتجاه موجوداً عن التقليديين من الناس .

ويتجلى تأثر الرواي بهذا العامل ، في عدة أمور :

الأمر الأول :

التركيز في العمل الإسلامي على جانب العبادات ، والإهمال الكامل أو الغالب للعلاقات الاجتماعية العامة ، ولوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونحوها من المسؤوليات العامة في الإسلام ، مما هو قليل في مجتمعاتنا المسلمة منذ عهد غير قريب . ومن هذه الزاوية انطلق الراوي ، إلى مدينته الفاضلة ، فكانت لهذه المسؤوليات ، زاوية مهملة فيها .

الأمر الثاني :

الاقتصار في العمل الإسلامي عند العلماء التقليديين على التدريس وإقامة الجماعة والإفتاء إذا سألهم أحد ، ولا شيء غير ذلك ، ما عدا مصالح شخصية لا تمت إلى المجتمع بصلة .

إذن فينبغي أن يكون الرئيس الأعلى للمدينة الفاضلة ، مقتصراً في عمله على أمثال هذه الأمور ... باعتقاد هذا الرواي .

مع أن علماءنا ، وإن كان – في الأغلب – كذلك ، باعتبار ضعفهم وقصورهم عن تولي الحكم في المجتمع. وأما الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية ، ففتواه هي القانون العام ، وتدريبه هو التوجيه السياسي العام لاطلاع الشعب على آلامهم وآمالهم وحلول مشاكلهم . ويقوم بنفسه أو نائبه الخاص بإقامة صلاة الجمعة وخطبتها . وأما تدريس العلوم العربية ، بل والفقة أيضاً ... وأما إقامة صلاة الجماعة في سائر الأيام ، فقد تكون مسؤوليات الرئيس وتعقد أعماله مانعاً عن الالتزام بها والاستمرار عليها . وإنما يوكل ذلك إلى غيره من ذوي الكفاءة الاسلامية ، كما يوكل القضاء أيضاً وجانب كبير من السلطة التنفيذية إليهم أيضاً . وكل ذلك مما لم يعرب عنه الراوي في مدينته ، فتكون مدينة ناقصة إسلامياً غير فاضلة .

صفحة (85)

الأمر الثالث :

ما هو موجود بين أغلب أهل المذاهب الإسلامية ، على اختلافها ، من التأكيد على الاتجاه المذهبي ، وغض النظر عن المفهوم الإسلامي العام . وهذا بعيد عن تعاليم الإسلام كل البعد . مع أن هذا موجود بوضوح في المجتمع المزعوم على مستويين :

المستوى الأول : الجدل المطول العميق الذي اهتم به الحاكم في المجتمع المفروض ... ذلك الجدل القائم على أساس مذهبي خالص . فقد كان مهتماً بإثبات صدق أحد المذاهب الإسلامية ضد المذاهب الأخرى ولم يكن مهتماً بإثبات صدق الإسلام ضد الأديان والمبادئ الأخرى ، في حين كان بين الحاضرين مسيحي أو عدة مسيحيين ، لم يفكر هذا الحاكم أن يناقشهم لإدخالهم في الإسلام . وهو من الأمور المؤسفة الشديدة الغرابة .

المستوى الثاني :

عدم تصدي المجتمع المفروض ، مع أنه يتخذ شكل الدولة الإسلامية ، إلى هداية العالم الخارجي ، لا بدعاية عامة ولا بحرب جهادية . مع أن من أوضح تعاليم الإسلام وواجباته هو ولاية الدولة الإسلامية على العالم ووجوب هدايته إلى الحق . ولم تكد تتخلى أي دولة إسلامية في التاريخ عن هذا الواجب ، بل طبقته بحسب الإمكان تطبيقاً واقعياً أو شكلياً . فما بال هذه الدولة المزعومة قد تخلت عن هذا الواجب المقدس .

العامل الرابع :

تأثر الراوي بما سمعه عن اتجاهات الأئمة المعصومين عليهم السلام وأعمالهم ، حال وجودهم قبل الغيبة .

ويظهر ذلك واضحاً في روايته في جهتين :

صفحة (86)

الناحية الأولى :

ما سمعه الرواي من إقامة الأئمة (ع) للمعجزات ونطقهم بالأخبار بالغيب . إذن فينبغي – في رأيه – أن يكون حاكم تلك البلاد المزعومة ، مظهراً للمعجزات وناطقاً بالمغيبات .

إلا أن ذلك لا يجب أن يكون موجوداً في الدولة الإسلامية ، فإن قيادتها وتدبير الأمور فيها لا يعود إلى المعجزة بحال، بعد تمامية الحجة على شعبها في أول دخول الإسلام إليهم أو دخولهم في الإسلام . وعلى ذلك قامت دولة النبي (ص) ، وحسبنا من ذلك قوله (ص) : إنما اقتضى بينكم بالبينات والإيمان . وهو حديث صحيح مستفيض ، يراد بالحصر فيه أنه (ص) لا يستعمل المعجزة وعلم الغيب المسبق في القضاء . وكذلك الحال في سائر تدابير الدولة ، فيما لا يعود إلى إقامة الحجة بصلة .

وقد يخطر في الذهن : أن الأخبار بالغيب الذي صدر من حاكم تلك البلاد ، حين نادات باسمه واسم أبيه ، كان من أجل إقامة الحجة عليه ، فيكون مطابقاً لقانون المعجزات .

وجواب ذلك : إن هذا أمر محتمل ، ولكن ينافيه وجود مناسبات أخرى لإقامة الحجة في ذلك المجتمع ، لم تقم فيها المعجزة . حيث كان هناك مسيحيون تجب هدايتهم إلى الإسلام ، وكان هناك مسلمون من مذاهب أخرى ، اضطر الحاكم إلى الدخول معهم في جدل طويل ، مع أنه كان يمكن أن يستغني بالمعجزة . ومن المعلوم أن هذه المناسبات أولى من مجرد أخبار المسافر باسمه مع كونه متديناً على نفس المذهب والدين.

الناحية الثانية :

ما سمعناه في تاريخ الغيبة الصغرى من تكريس الأئمة عليهم السلام ، الأعم الأغلب من جهودهم في قيادة قواعدهم ومواليهم ، وتدبير شؤونهم ومحاولة دفع الأخطار عنهم . إذن فينبغي أن تكون الدولة في عصر الغيبة على ذلك ، في رأي الراوي .

صفحة (87)

مع أن هذا الرأي مخدوش من جبهتين :

الأولى : أن الأئمة (ع) وإن كرسوا غالب جهودهم في سبيل ذلك الهدف ، إلا أن لهم أعمالاً كثيرة على المستوى الإسلامي العام في الارتباط بعملاء المذاهب الأخرى والتقرب إلى قواعدهم الشعبية ، كما سمعنا طرفاً منه في تاريخ الغيبة الصغرى ، وهذا مما لم يلتفت إليه الراوي ليطبق مجتمعه عليه .

الثانية : إن الأئمة عليهم السلام إنما كرسوا جهودهم في قواعدهم الشعبية ، باعتبار انعزالهم عن الحكم وبعدهم عن المستوى السياسي العالي ، بسبب ما كانوا يواجهونه من الضغط والمطاردة من الجهاز الحاكم يومئذ .

وأما "المدينة الفاضلة" التي تكلم عنها الراوي ، فهي – لو صحت – تمثل دولة إسلامية . والدولة الإسلامية يجب عليها أن تفرض سلطتها على كل المجتمع المسلم بما فيه من مذاهب واتجاهات بل وبما فيه من أديان... بشكل متساو ، وتستهدف المصلحة الإسلامية العليا بالنسبة إلى الجميع . وهذا حكم اتفقت عليه سائر المذاهب الإسلامية، وطبقته كل الدول المسلمة على مر التاريخ .

ولا يجوز للدولة الإسلامية أن تقصر سلطانها على الشعب الموافق لها في المذهب بأي حال من الأحوال . كما أراد هذا الراوي أن يقول .

ومعه فقد تحصل من هذا الاعتراض الثالث أن هناك ما لا يقل عن اثنتي عشرة جهة من جهات النقص المهمة في التطبيقات الإسلامية ، في هذه المدينة الفاضلة . وبعضها تكاد تكون من ضروريات الدين على مستوى الحكم الإسلامي العام .

إذن فهذا المجتمع المزعوم غير موجود ، إذ لو كان موجوداً وكان تحت الحكم المباشر للمهدي (ع) وقيادته، لما أمكن أن يكون ناقصاً بأي حال .

إذن ، فانطلاقاً من هذه الاعتراضات الثلاثة ، واعتراضات أخرى لا مجال لتفصيلها ، تسقط الروايتان للانباري والمازندراني عن الاعتبار ، ومعه فلا يبقى دليل تأسيس المهدي (ع) في غيبته الكبرى مجتمعاً نموذجياً . وإنما هو مذخور للقيام بدولة الحق والعدل في العالم كله في اليوم الموعود . عجل الله فرجه .

صفحة (88