كتاب الغيبة الكبرى
للشهيد السيد محمد محمد
صادق الصدر قدس الله سره
مقدمة الناشر
من دواعي البهجة والسرور لنا
تقديم هذا الكتاب القيّم للأمة الإسلامية لتتعرف على حياة
قادتها الواقعيين وما يتمثل في غضونها من معاني الجمال وما
جسدّه هؤلاء القادة من نُبلٍ وشموخ .
إن التعرف على حياة هؤلاء
القادة وتحليل صفاتهم وأفعالهم لأمر ضروري للأمة وذلك لتتعرف
على الإسلام العملي السائر على الأرض في هذه الشخصيات القيادية
كما تعرفت عليه في جانب الفكر ثم تجعل منها نبراساً تستنير بها
في ظلم الحياة . ومن الضروري أيضاً التمييز بين الغث والسمين
من قضايا التاريخ من الأشخاص لئلا يجعل من بعضها حجة على وهن
عقلية قوم أو صحة اعتقاد آخرين .
إن من عوامل عظمة الأمة وسموها
أن تملك قادة عظماء في الأفكار والأعمال والآمال لأن هذا خير
حافزٍ للأمة أن تبعث من جديد والذين يجدر بنا أن نسميهم قادة
في الأمة الإسلامية – حقاً – هم الأئمة من أهل البيت ثم
العلماء الذين تغذوا على موائدهم . والكتاب مهم جداً في موضوعه
وموفق في غايته .
وهذا الكتاب هو الجزء الثاني
من تاريخ الغيبة لمؤلفه الحجة السيد محمد الصدر حفظه الله أقوم
الآن بتقديمه للقراء الكرام بعد أن قمت بنشر الجزء الأول منه .
وكان الإقبال على الجزء الأول كبيراً مما دلّ على اهتمام الأمة
بمثل هذه المواضيع الحساسة وشدة تعلقها بالاطلاع على تاريخ
الزاهر ورجالها الأبطال . وخاصة إذا كانت هذه المواضيع ترق من
قبل كتّاب قديرين كالكاتب الفاضل والمؤلف القدير ، وكان ذلك
مما حدا بي ودفعني للإقدام على نشر الجزء الثاني منه بتوفيق من
الله .
ولقد تعوّد مني القراء دائماً
أن أتحفهم بمثل هذه الكتابات الثمينة ، وهكذا آليت على نفسي
منذ افتتاح الدار أن أكون على مستوى المسؤولية كإنسان ملسم
عليه مسؤوليته ، فلا أنشر إلا ما فيه الهداية والخير للأمة وما
فيه رضا الله وحبه ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه
أنيب .
الناشر
صفحة (5)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل
الصلاة على أشرف الخلق محمد وآله الطاهرين
بحث تمهيدي :
في إنقسام الغيبة
- 1 -
لا شك أن للمهدي (ع) غيبتين
اثنتين . وهذا من واضحات الفكر الإمامي ، بل من قطعياته التي
لا يمكن أن يرقى إليها الشك . ووافقهم عليه بعض علماء العامة .
وقد وردت في ذلك الروايات في مصادر الفريقين .
روى السيد البرزنجي(1) عن أبي
عبدالله الحسين بن علي عليهما السلام أنه قال : لصاحب هذا
الأمر – يعني المهدي عليه السلام – غيبتان . إحداهما تطول حتى
يقول بعضهم مات وبعضهم ذهب . ولا يطلع على موضعه أحد من ولي
ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره .
وأخرج النعماني(2) بإسناده عن
إسحاق بن عمار قال سمعت أبا عبدالله جعفر بن محمد (ع) يقول :
للقائم غيبتان إحداهما طويلة والأخرى قصيرة . فالأولى يعلم
بمكانه فيها خاصة من شيعته . والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا
خاصة مواليه في دينه .
وأخرج(3) عن إبراهيم بن عمر
الكناسي قال سمعت أبا جعفر الباقر (ع) يقول : إن لصاحب هذا
الأمر غيبتين .
ــــــــــــــــــ
(1) الإشاعة لإشراط الساعة ، ص
93 . (2) الغيبة ، ص 89 . (3) المصدر ص 89 .
صفحة (6)
وأخرج(1) عن أبي بصير قال :
قلت لأبي عبدالله (ع) كان أبو جعفر (ع) يقول ، لقائم آل محمد
غيبتان إحداهما أطول من الأخرى ، فقال : نعم ... الحديث .
وأخرجه الطبرسي في أعلام الورى(2) أيضاً ...
وأخرج النعماني أيضاً(3) عن
محمد بن مسلم الثقفي عن الباقر أبي جعفر (ع) أنه سمعه يقول :
إن للقائم غيبتين . يقال في إحداهما : هلك ، ولا يدري في أي
واد سلك .
وأخرج أيضاً عن المفضل بن عمر
قال سمعت أبا عبدالله (ع) يقول : إن لصاحب هذا الأمر غيبتين ،
في إحداهما يرجع إلى أهله ، والأخرى يقال : هلك في أي واد سلك
.
وأخرج الشيخ(4) عن حازم بن
حبيب عن أبي عبدالله عليه السلام ، قال : يا حازم إن لصاحب هذا
الأمر غيبتين ، يظهر في الثانية . إن جاءك من يقول : أنه نفض
يده من تراب قبره ، فلا تصدقه .
إلى غير ذلك من الأخبار ، وهي
كثيرة وكافية للإثبات التاريخي .
- 2 -
ولهم هذه الأخبار أطروحتان
رئيسيتان :
الأطروحة الأولى :
وهي الموافقة للفهم غير
الإمامي للمهدي (ع) القائل : بأن المهدي رجل يولد في زمانه
فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً .
وهي : إن الغيبتين منفصلتان
يتخللهما ويفصل بينهما ظهور للناس . ويكون الظهور بعد الغيبة
الثانية هو يوم الثورة الكبرى . وتكون مدة كلتا الغيبتين محددة
بسنين قليلة ... توجبهما مصالح وقتية محددة ترجع إلى شخص
المهدي (ع) أو إلى مصلحة انتصاره بعد الظهور .
ــــــــــــــــــ
(1) المصدر ، ص 90 . (2)
انظر ص 416 . (3) الغيبة ، ص 90 وكذلك الذي يليه . (4)
انظر الغيبة ، ص 261 .
صفحة (7)
وهذه الأطروحة هي المتعينة لا
خيار في تعديها ، طبقاً لهذا الفهم غير الإمامي ... لوضوح عدم
إمكان وجود الغيبة الطويلة ، مع العمر المحدد من السنين .
وهذه الأطروحة هي التي فهمها
البرزنجي(1) من هذه الأخبار حين قال : وهاتان الغيبتان – والله
أعلم – ما مر آنفاً أنه يختفي بحبال مكة ولا يطلع عليه أحد .
قال : ويؤيده ما روي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ، أنه قال
: يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب ، وأومأ بيده
إلى ذي طوى . أقول : ولم يذكر البرزنجي الغيبة الثانية .
الأطروحة الثانية :
وهي الموافقة للفهم الإمامي
للمهدي (ع) القائل : بأن المهدي حي منذ ولادته في القرن الثالث
الهجري إلى حين ظهوره في اليوم الموعود .
وهي الأطروحة التي فهمها
العلماء الإماميون بشكل عام ، ونص قدماؤهم على مضمونها بشكل
خاص . وهي من ضروريات مذهبهم .
قال النعماني(2) هذه الأحاديث
التي يذكرونها : إن للقائم عليه السلام غيبتين ، أحاديث قد صحت
عندنا بحمد الله . وأوضح الله قول الأئمة عليه السلام وأظهر
برهان صدقهم فيها .
فأما الغيبة الأولى ، فهي التي
كانت السفراء فيها بين الإمام وبين الخلق قياماً منصوبين
ظاهرين موجودي الأشخاص ... وهي الغيبة القصيرة التي انقضت
أيامها وتصرمت مدتها . والغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها
أشخاص السفراء والوسائط ، للأمر الذي يريده الله هو التدبير
الذي يمضيه في الخلق بوقوع التمحيص والامتحان ... وهذا زمان
ذلك قد حضر ... الخ كلامه .
ــــــــــــــــــ
(1) الإشاعة ، ص 93 . (2)
الغيبة ، ص 90 / 91 .
صفحة (8)
وقال المفيد في الإرشاد(1) :
وله قبل قيامه غيبتان : إحداهما أطول من الأخرى ، كما جاءت
بذلك الأخبار. فأما القصرى منهما ، منذ وقت مولده إلى انقطاع
السفارة بينه وبين شيعته وعدم السفراء بالوفاة ، أما الطولى
فهي بعد الأولى ، وفي آخرها يقوم بالسيف .
وقال الطبرسي(2) : فانظر كيف
حصلت الغيبتان لصاحب الأمر على حسب ما تضمنت الأخبار السابقة .
أما غيبته الصغرى منهما فهي التي كان فيها سفراؤه موجودين
وأبوابه معروفين ، لا تختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن بن
عليه (ع) فيهم ... الخ كلامه .
وقال ابن الصباغ(3) – وهو
مالكي المذهب – : وله قبل قيامه غيبتان : إحداهما أطول من
الأخرى . فأما الأولى فهي القصرى ، فمنذ ولادته إلى انقطاع
السفارة بينه وبين شيعته . وأما الثانية ، وهي الطولى ، فهي
التي بعد الأولى . في آخرها يقوم بالسيف . قال الله تعالى :
لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي
الصالحون . إلى غير ذلك من الأقوال التي يطول المقام بنقلها .
وقد سبق أن عرفنا في التاريخ
السابق ، وسنزيده في هذا التاريخ توضيحاً ... مقدار الفرق بين
الغيبتين الكبرى والصغرى . وتتلخص الفروق فيما يلي :
أولاً : قصر مدة الغيبة الصغرى
، إذ كانت حوالي السبعين عاماً . بخلاف الغيبة الكبرى ، فإنها
غير معروفة الأمد ، باعتبار جهلنا بموعد ظهور المهدي (ع) .
ثانيا : اقتران الغيبة الصغرى
بالسفارة الخاصة ، القائمة بين المهدي (ع) وقواعده الشعبية ،
وانقطاع ذلك في الغيبة الكبرى .
ثالثاً : انتهاء أمد الغيبة
الصغرى بوفاة السفير الرابع على بن محمد السمري . وأما الكبرى
، فلا زالت سارية المفعول ، وتنتهي بيوم الظهور الموعود .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر ، ص 326 . (2)
اعلام الورى ، ص 416 . (3) الفصول المهمة ، ص 309 .
صفحة (9)
رابعاً : إن المشاهدين للمهدي
(ع) خلال غيبته الصغرى ، أكثر بنسبة مهمة عنهم في غيبته الكبرى
.
ويمكن أن يكون الفرق الأول ،
هو سبب تسمية الغيبتين بالصغرى والكبرى ... حيث تكون الأولى
قصيرة والأخرى طويلة . كما يمكن أن يكون الفرق الأخير هو سبب
التسمية ، ويكون المقصود هو قلة الاحتجاب في الصغرى وكثرته في
الكبرى .
وعلى ذلك فالغيبتان متصلتان لا
يفصل بينهما ظهور .
وقد سبق في التاريخ السابق(1)
، أن عرفنا الحكمة الأساسية من إيجاد الغيبة الصغرى ، وهو
التمهيد الذهني لوجود الغيبة الكبرى في الناس . إذ لو بدأ
المهدي (ع) بالغيبة المطلقة فجأة ، وبدون إنذار وإرهاص ، لما
أمكنا إثبات وجوده في التاريخ . فتنقطع حجة الله على عباده .
وستعرف في هذا التاريخ تفصيلاً
وجه الحكمة من وجود الغيبة الكبرى ، سواء ما يعود إلى المهدي
نفسه أو إلى المخلصين من أصحابه أم إلى البشرية كلها من حيث ما
يعود عليها من الخير في اليوم الموعود .
- 3 -
وبالمقدار الذي تكتسبه الغيبة
الكبرى من أهمية وصعوبة وعمق في المدى البعيد ... يكون التركيز
عليها في الأخبار. فبينما يكون التركيز على الغيبة الصغرى
قليلاً . كالحديث الذي أخرجه الصدوق عن أبي عبدالله الصادق (ع)
أنه قال : – في المهدي (ع) – يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم
تسميته . وقد عرفنا في التاريخ السابق أن حرمة التسمية خاصة
بعصر الغيبة الصغرى .
... نجد أن التركيز على الغيبة
شديد في الأخبار .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر تاريخ الغيبة الصغرى
، ص 630 وغيرها .
صفحة (10)
أخرج النعماني(1) عن أبي
عبدالله (ع) في حديث ، قال فيه : والله ليغيبن سبتاً(2) من
الدهر ، وليخملن حتى يقال : مات أو هلك ، بأي وادي سلك .
ولتفيضن عليه أعين المؤمنين . ليكفأن كتكفئ السفينة في أمواج
البحر ، حتى لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه ، وكتب الإيمان في
قلبه وأيده بروح منه ... الخ الحديث. وذكر له عدة أسانيد .
وهذا بالضبط هو الذي سيحدث في
عصر الغيبة الكبرى . على ماسنسمع فيه هذا التاريخ .
وأخرج أيضاً(3) عن موسى بن
جعفر عليه السلام ، أنه قال : إذا فقد الخامس من ولد السابع
فالله الله في أديانكم ، لا يزيلنكم عنها . فأنه لا بد لصاحب
هذا الأمر من غيبة ، حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به .
إنما هي محنة من الله يمتحن الله بها خلقه ... الحديث .
وأخرج(4) عن أبي الجارود عن
أبي جعفر (ع) قال : قال لي : يا أبا الجارود ، إذا دار الفلك ،
وقالوا : مات أو هلك وبأي واد سلك ، وقال الطالب له : أنى يكون
ذلك ، وقد بليت عظامه . فعتد ذلك ، فارتجوه . الحديث .
وعن(5) أبي عبدالله : إن
القائم إذا قام يقول الناس : أنى ذلك وقد بليت عظامه .
وعن(6) أبي عبدالله أنه قال :
إذا فقد الناس الإمام ، مكثوا سبتاً لا يدرون أياً من أي . ثم
يظهر الله عز وجل لهم صاحبهم .
وعنه (ع)(7) قال : كيف أنتم
إذا صرتم في حال لا يكون فيها إمام هدى ولا علماً يرى ...
الحديث .
ــــــــــــــــــ
(1) الغيبة ، ص 76 . (2)
السبت يأتي لغة بمعنى الدهر والبرهة من الزمن . (3) الغيبة ،
ص 78 .
(4) المصدر ، ص 78 . (5)
المصدر والصفحة . (6) المصدر ، ص 81 . (7) المصدر والصفحة .
صفحة (11)
وأخرج الصدوق(1) هم تلجسيم بم
هلي عليه السلام في حديث : له غيبة يرتد فيها أقوام ويثبت على
الدين فيها آخرون . فيؤذن ويقال لهم : متى هذا الوعد إن كنتم
صادقين . أما أن الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة
المجاهد بين يدي رسول الله وآله الطاهرين الأخيار .
وعن علي بن الحسين عليه السلام
أنه قال : ... ثم تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر ... أن أهل
زمان غيبته ، القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره ، أفضل من
أهل كل زمان ، لأن الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول
والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة .
وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله
بالسيف ... الحديث .
- 4 -
فهذه هي الأخبار التي تدل على
أهمية الغيبة في المدى البعيد . وأما الأخبار التي تدل عليها
بشكل مباشر ، فكثيرة :
أما الغيبة الصغرى ، فيدل
عليها كل أخبار السفراء الأربعة والوكلاء والمعارضين المنحرفين
والتوقيعات الصادرة عن المهدي (ع) وكل من رآه منذ ولادته إلى
نهاية ذلك العصر ... إلى غير ذلك من الأخبار التي سمعناها
تفصيلاً في التاريخ السابق .
وأما الغيبة الكبرى ، فيدل
عليها ما سنذكره من أخبار المشاهدة وأخبار التمحيص وأخبار
الانتظار وفضل المنتظرين . وأخبار علامات الظهور ، وما دل على
فساد الزمان وانحراف أهله ، وغير ذلك ، فأنها جميعاً مرتبطة
ارتباطاً عضوياً بعصر الغيبة الكبرى على ما سنعرف .
ــــــــــــــــــ
(1) اكمال الدين المخطوط ،
وكذلك الذي بعده .
صفحة (12)
- 5 -
وبمجموع هذه الأدلة ، نستطيع
أن ننفي الأطروحة الأولى التي ذكرناها في الفقرة الثانية من
هذا البحث .
وذلك لوضوح أنها لا تنسجم مع
شيء من هذه الأدلة :
أما أخبار الغيبة الصغرى ،
فواضح ، باعتبار أن الأطروحة الأولى لا تدعي وجود السفراء
والوكلاء والمعارضين والتوقيعات خلال الغيبة الأولى . بل لم
يثبت عن هذه الأطورحة أنها تدعي أن الغيبة الأولى أصغر من
الثانية ، في المدة أو في درجة الاختفاء .
وأما أخبار الغيبة الكبرى ،
فلما سنعرفه من أن أي شيء من التمحيص والانتظار وعلامات الظهور
، لا يمكن أن يحدث إلا في دهر طويل . وكذلك لا معنى لاخبار
المشاهدة وهي متواترة مضموناً ، مع الاختفاء القليل الذي يمتد
مثلاً لخمس سنوات أو عشر .
مضافاً إلى أن ما تقول به
الأطروحة الأولى من ظهور المهدي بين الغيبتين ... مما لا يفهم
وجهه . إذ يبقى التساؤل عن أنه لماذا يظهر إذا لم يكن عازماً
على أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً .
فإن قال قائل : أنه يظهر بعد
الغيبة الأولى ليقوم بمهمته الكبرى ، لأنه يتخيل وجود فرص
النجاح ، وحيث انها غير موجودة في الواقع ، فإنه يفشل في مهمته
، فيختفي مرة ثانية ليظهر بعد ذلك فيقوم بمهمته خير قيام .
نقول : إن عهدة هذا القول على
مدعيه ، إذ يتصور المهدي (ع) قاصر التدبير والتفكير من النواحي
الاجتماعية والسياسية والعسكرية ، بحيث يمكن أن يسيطر عليه
خيال كاذب . أما المهدي الذي ذخره الله تعالى ليومه الموعود،
وخطط لنجاح مهمته تخطيطاً مضبوطاً عميقاً ، على ما سنسمع ، فهو
قائد عالمي ، من المستحيل أن يقع في مثل هذه الأوهام .
صفحة (13)
- 6 -
هذا ، وقد نرى أئمة الهدى
عليهم السلام ، يخاطبون الناس على قدر عقولهم ، كما هو المفروض
في كل كلام بليغ. فهم يأخذون المستوى العقلي والثقافي
والإيماني لمجتمعهم بنظر الاعتبار حين يتحدثون عن المهدي (ع) .
فإذا كان المخاطب والسامع ذا مستوى عال ، كان الجواب عميقاً
ومفصلاً ، وإذا كان ذا مستوى واطئ ، كان الجواب مختصراً
وناظراً إلى زاوية معينة متجنباً الخوض الكامل في الجواب ...
طبقاً لهذا القانون .
أخرج النعماني(1) والصدوق(2)
عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام أنه قال – في كلام له – :
يا بني عقولكم تضعف عن هذا وأحلامكم تضيق عن حمله . ولكن أن
تعيشوا فسوف تدركوه .
وطبقاً لهذا الاتجاه نسمع
الأخبار التالية :
أخرج النعماني(3) عن أبي
عبدالله (ع) أنه قال : لو قد قام القائم لأنكره الناس ، لأنه
يرجع إليهم شاباً موفقاً ... وإن من أعظم البلية أن يخرج إليهم
شاباً وهم يحسبونه شيخاً كبيراً .
وهذا الخبر صادق تماماً ، لأن
المهدي (ع) سوف يظهر شاباً . كما أن من البلاء العظيم
والامتحان العميق أن يخرج شاباً ، إذا كانوا يفكرون كونه شيخاً
كبيراً . ولكنه لم يقل أنهم يفكرون فعلاً بذلك ، ومن هنا يكون
الاختصار في العطاء .
إن هذا الخبر يوحي بوضوح أن
مدة الغيبة سوف لن تتجاوز مدة العمر الطبيعي الذي يكون به
الفرد شيخاً، غير أن الله تعالى سوف يحفظ للمهدي شبابه خلال
هذه المدة . وهذا العطاء منسجم مع تلك الذهنية التي لا يمكن أن
تستوعب بحال ، العمر الطويل الذي يمتد مئات السنين .
ومن الواضج أن الناس سوف لن
يحسبوه شيخاً ،إذ مع تمادي العمر مئات السنين ، ينتفي من الذهن
مفهوم الشيخوخة تماماً ، ويبقى تطور شكل الإنسان بالقدرة
الإلهية وحدها ،تلك القدرة التي حفظته هذا المقدار من السنين.
ــــــــــــــــــ
(1) الغيبة ، ص 78 . (2)
انظر الاكمال المخطوط . (3) الغيبة ، ص 99 .
صفحة (14)
ونحو ذلك الخبر السابق عن
الإمام موسى بن جعفر(ع) الذي يقول فيه : ولكن أن تعيشوا فسوف
تدركوه . فأنه من المؤكد أنهم لو عاشوا لأدركوه ، ولو استلزم
عيشهم أن يبقوا في الحياة مئات السنين . ولكنه لم يقل أنهم سوف
يعيشون فعلاً إلى عصر الظهور .
غير أن الانطباع الأولي لأهل
ذلك العصر ، عن هذا الحديث ، هو أن الظهور يمكن أن يحدث خلال
عمر طبيعي للإنسان ... أو أنه يحدث كذلك فعلاً . وأخرج
الصدوق(1) عن زرارة عن الإمام الباقر (ع) أنه قال : ان للقائم
غيبة قبل ظهوره . قلت : ولم . قال: يخاف . وأومأ إلى بطنه .
قال زرارة : يعني القبل .
وعن أبي عبدالله الصادق (ع)
قال : للقائم غيبة قبل قيامه ، قلت : ولم . قال : يخاف على
نفسه الذبح .
وهذا صحيح . إلا أنه لم يحدد
مقدار الغيبة ولا انقسامها ، تبعاً لمستوى السامعين . وأخرج
النعماني(2) عن أبي جعفر بن محمد بن علي عليهما السلام أنه قال
: يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشاعب . وأومأ بيده
إلى ذي طوى ... الحديث . وقد احتج البرزنجي(3) بهذا الحديث
لأجل استبعاد الفهم الأمامي للمهدي . ولا بد أن يكون مراده أن
الغيبة بين الشعاب لا تكون إلا خلال العمر الطبيعي للإنسان .
وهذا المضمون وإن ناقشناه في
التاريخ السابق(4) ... إلا أنه يمكن القول بصحته ، بعد التنزل
– جدلاً – عن تلك المناقشة . ولا يكون الخبر منافياً مع الفهم
الإمامي بحال . لوضوح أنه يمكن أن نتصور المهدي (ع) ساكناً في
الشعاب والبراري والقفار طيلة غيبته مهما طالت . ولا يتعين
كونها غيبة ذات مدة قليلة ، كما هو معلوم .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر الاكمال المخطوط ،
وكذلك الذي يليه . (2) الغيبة ، ص 95 . (3) الإشاعة ، ص 93
.
(4) تاريخ الغيبة الصغرى ، ص
546 .
صفحة (15)
قد سمعنا في التاريخ السابق(1)
ما روي عن الإمام المهدي (ع) نفسه ، فيما قاله لعلي بن
المازيار : يا ابن المازيار ، أبي أو محمد عهد إليّ أن لا
أجاور قوماً غضب الله عليهم ولعنهم ولهم الخزي في الدنيا
والآخرة ولهم عذاب أليم . وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلا
أوعرها ، ومن البلاد إلا عفرها . إذن فمن الممكن أن يكون
المراد من كلا الخبرين ، مضمون واحد . غير أن هذا المضمون لم
يثبت تاريخياً، كما سمعنا في التاريخ السابق ، وسيتضح بجلاء في
القسم الأول من هذا التاريخ .
- 7 -
بقيت علينا بعض الاستفهامات
التي قد تثار حول بعض ما سبق .
الاستفهام الأول :
إن بعض الأخبار ، التي رويناها
في الفقرة الأولى من هذا البحث ، دلت على أن الغيبة الطويلة ،
تحدث قبل القصيرة. كقوله في بعضها : للقائم غيبتان إحداهما
طويلة والأخرى قصيرة . وقوله في الخبر الآخر : إحداهما أطول من
الأخرى . وهذا ما دل على ما ذكرناه .
وجوابه : إن المراد من ذلك ،
الإخبار عن وجود الغيبتين . وأما تقديم الغيبة الطويلة بالذكر
، فباعتبار أهميتها لا باعتبار سبقها الزماني على الغيبة
الأخرى . وقد قال في نفس الخبر : فالأولى يعلم بمكانه الخاصة
من شيعته ، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه في
دينه . وهو نص بتقدم الغيبة الصغرى التي تتصف بقلة الاحتجاب
على صاحبتها .
ــــــــــــــــــ
(1) المصدر والصفحة .
صفحة (16)
الاستفهام الثاني :
قوله في بعض تلك الأخبار :
يظهر في الثانية . فأنه دال على أنه (ع) يظهر خلال الغيبة
الثانية . فكيف يصح ذلك ؟
وجوابه : أن هذه الفكرة التي
فهمها السائل تتضمن تهافتاً في التصور ، لتنافي الغيبة مع
الظهور ، فلا معنى لأن يظهر وهو غائب . وإنما المراد أنه يظهر
بعد انتهاء الغيبة الثانية . كما هو معلوم .
الاستفهام الثالث :
قوله في بعض تلك الأخبار : إن
لصاحب هذا الأمر غيبتين في إحداهما يرجع إلى أهله . وهو دال
على أن المهدي (ع) خلال الغيبة الصغرى يرجع إلى أهله . فما
معنى ذلك ؟
وجوابه : أننا سمعنا في
التاريخ السابق(1) أن الإمام المهدي (ع) كان ساكناً في دار
أبيه في سامراء ردحاً من عصر غيبته الصغرى . وهو دار أهله
بطبيعة الحال ، كما نطق هذا الخبر . ويحتمل أن يكون المراد
إعطاء فكرة قلة الاختفاء خلال الغيبة الصغرى ، مشبهاً بمن يخرج
من أهله ويعود. ومن هنا يقول في الخبر – بالنسبة إلى الغيبة
الكبرى – : والأخرى يقال : هلك في أي واد سلك .
الاستفهام الرابع :
سمعنا المفيد فيما سبق يقول :
فأما القصرى منهما ، منذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه
وبين شيعته. وكذلك قال ابن الصباغ .
على حين سمعنا من التاريخ
السابق(2) أن أول الغيبة الصغرى هو يوم وفاة الإمام العسكري
(ع) والد المهدي (ع) . وليس أولها ولادة المهدي نفسه ... وإن
كان مختفياً فعلاً خلال حياة أبيه . فأي الوجهين هو الصحيح ؟
وجوابه : إن الوجه الذي
اخترناه في التاريخ السابق هو الصحيح ، وهو بدء الغيبة الصغرى
، بوفاة الإمام العسكري (ع) ، وقد سبق أن برهنا عليه هناك .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر تاريخ الغيبة الصغرى
، ص 543 . (2) المصدر السابق ، ص 4 .
صفحة (17)
- 8 -
وبكل ذلك ، يتبرهن انقسام
الغيبة إلى صغرى وكبرى ، بالمفهوم الإمامي .
وإذا كان هذا من صفات المهدي
(ع) ولم ينسجم إلا مع المفهوم الإمامي ، يتعين الأخذ بهاذا
المفهوم بالخصوص .
وطبقاً لذلك ، كتبنا فيما سبق
تاريخ الغيبة الصغرى أولاً ، ونكتب الآن تاريخ الغيبة الكبرى ،
وهو هذا الكتاب الذي بين يديك .
صفحة (18)
مقـدمـة
الغيبة الكبرى هي الزمان الذي
يبدأ بانتهاء الغيبة الصغرى ، بالإعلان الذي أعلنه الإمام
المهدي عليه السلام ، عام 329 للهجرة ، بانتهاء السفارة وبدء
الغيبة التامة وأنه لا ظهور إلا بإذن الله عز وجل(1) .
وهو الذي ينتهي بيوم الظهور
الموعود الذي يبزغ فيه نور الإمام المهدي عليه السلام ، وتسعد
البشرية بلقائه ليخرجها من الظلمات إلى النور ، ويملأ الأرض
قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً .
ومعه نكون الآن معاصرين لهذه
الفترة التي نؤرخها ،وسبقى الناس معاصرين ، لها ، حتى يأذن
الله تعالى بالفرج.
والإسلام والمسلمين يمرون في
هذه الفترة بأصعب الظروف التي عاشوها ، بل التي عاشها أهل سائر
الأديان السماوية ، بشكل عام . باعتبار ما تتصف به من خصائص
ومميزات يجعلها من أحرج الأحوال في منطق الإسلام بالنسبة إلى
ما سبقها وما يلحقها من الدهور .
الخصيصة الأولى :
وهي الرئيسية التي تعطي هذه
الفترة شكلها المعتاد . وهي : أن المسلمين منقطعون بالكلية عن
قائدهم وموجههم وإمامهم ، لا يجدون إلى رؤيته والتعرف عليه
سبيلاً ، ولا إلى الاستفادة من أعماله وأقواله طريقاً . ولا
يجدون له وكيلاً أو سفيراً خاصاً ، ولا يسمعون عنه بياناً ولا
يرون له توقيعاً ، كما كان عليه الحال خلال الغيبة الصغرى .
إذ في هذه الفترة التي نؤرخها يكون كل ذلك قد انقطع بشكل عام .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر تاريخ الغيبة الصغرى
، ص 415 وما بعدها وص 366 وما بعدها .
صفحة (19)
وبذلك تتميز هذه الفترة عن
سائر الفترات في عمر الإسلام والمسلمين . فهي تختلف عن زمان
وجود النبي (ص) وزمان الأئمة الاثني عشر عليهم السلام زمان
ظهور المهدي عليه السلام ، بوجود القائد والموجِّه خلال تلك
الفترة دون هذه الفترة . وتختلف عن زمان الغيبة الصغرى بوجود
السفراء للمهدي (ع) وصدور البيانات والتوقيعات عنه، خلال تلك
الفترة ، دون هذه الفترة التي نؤرخها .
الخصيصة الثانية :
سيادة الظلم والجور في الأرض ،
بمعنى انحسار الإسلام بنظامه العادل عن المجتمعات البشرية ,
وما تعانيه البشرية – نتيجة لذلك – من أنحاء التعسف والانحراف
والظلم والحروب .
وبذلك تتميز هذه الفترة عن
زمان سيادة النظام الإسلامي الكامل ، وهو ما كان في زمان وجود
النبي (ص) وإقامته لدولة الحق ، وما سيكون عند ظهور الإمام
المهدي (ع) وإقامته لدولة الحق أيضاً .
وتشترك فترة الغيبة الكبرى ،
بهذه الخصيصة ، مع كل أزمنة انحسار الإسلام – ولو انحساراً
جزئياً – عن واقع الحياة . كأزمنة الخلفاء الأمويين والعباسيين
. وإن كانت ظروفنا المتأخرة أشد وأقسى مما قبلها من حيث سيادة
المبادئ المادية وقسوة الظلم والتعسف ، وتهديد البشرية بالفناء
بالحرب العالمية الثالثة .
الخصيصة الثالثة تأكد الامتحان
الإلهي ووضوحه :
فإن كل فرد – على الإطلاق –
يواجه في هذه الفترة مزالق ثلاثة ، تشكل خطراً على دينه وعلى
دنياه ، وبمقدار ما يبذله من تضحية وما يملكه من قوة في
الإرادة ، فأنه يستطيع أن يضمن سعادته وحسن مستقبله ونجاحه في
الامتحان الإلهي .
صفحة (20)
المزلق الأول :
ما يواجهه الإنسان من شهوات
ونوازع ذاتية طبيعية ، تتطلب منه الإشباع بإلحاح ، ولا يسكن
صوتها إلا بالإشباع التام ، وهي تتطلبه من أي طريق كان ، لا
تعين لصاحبها الطريق المشروع خاصة . بل يمكن أن تطلق لصاحبها
العنان فلا يبصر ما بين يديه من قوانين وتقاليد وأديان وحدود .
وهذا المزلق غير خاص بعصر
الغيبة الكبرى ، ولكنه فيها أكد وأشد تأثيراً باعتبار زيادة
الإغراء وتلبيس الانحراف باللبوس المنطقي الزائف .
المزلق الثاني :
مواجهة الإنسان لضروب الاضطهاد
والضغط والصعوبات التي يواجهها في طريق الحق والإيمان . مما
يحتاج في مكافحته إلى قوة في الإرادة والعزم على التضحية .
وهذا المزلق يواجهه الفرد في
زمن انحسار الإسلام عن واقع الحياة . بما في ذلك زمان الغبية
الكبرى .
المزلق الثالث :
مواجهة الإنسان لضروب التشكيك
في وجود الإمام القائد المهدي عليه السلام ، كلما طال الزمان
وابتعد شخص الإمام عن واقع الحياة ، وطغت على الفكر الإنساني
التيارات المادية التي تستبعد عن حسابها عالم الروح ، وكل ما
هو غير محسوس ولا منظور .
وهذا المزلق ، يواجهه الفرد في
زمان غيبة الإمام عليه السلام . وخاصة في غيبته الكبرى التي
ينعدم فيها السفراء . وبالأخص بعد النهضة الأوروبية المادية
وبدء عصر الاستعمار وطغيان التيار المادي العالمي الجارف .
وبمقدار ما يستطيع الفرد من
تحصيل المناعة ضد هذه التيارات ، والصمود الفكري أمامها ،
والتركيز على مفاهيم الإسلام وبراهينه ، فأنه يستطيع أن يضمن
سعادته عند الله عز وجل في الدنيا والآخرة .
وكل هذه المزالق الثلاثة ،
تجتمع بإلحاح وتأكيد ، في عصر الغيبة الكبرى بشكل واضح وصريح .
ومن هنا كان الامتحان الإلهي لصلاحية الفرد إسلامياً وقوة
إرادته إيمانياً ، كان شديد الوقع كبير التأثير صعب الاجتياز .
ومن هنا ورد في بعض النصوص عن أئمة الهدى عليهم السلام حين
سئلوا عن موعد ظهور المهدي (ع) : لا والله حتى تمحصوا ، ولا
والله حتى تغربلوا ، ولا والله حتى يشقى من يشقى ويسعد من
يسعد(1) .
صفحة (21)
وهذا الامتحان الإلهي إنما شرع
وأنجز "ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة"(2) . فإن من
يشقى وينحرف ، يكون مقتنعاً بصواب رأيه وعمله ، فيهلك شقياً
منحرفاً ، فيستحق اللعنة الإلهية والخسران الأبدي . وأما من
سعد بإيمانه نتيجة للامتحان ، فإن إيمانه يكون صلباً قوياً
ممحصاً ، بمعنى كونه ثابتاً رغم الظلم والطغيان ، ونتيجة
للصمود والانتصار . وهو من أعظم وأوعى الإيمان . فيحي كل منهما
ببينة، ويهلكان عن بينة .
صيغة البحث ومصاعبه :
إن تاريخ الغيبة الكبرى ، من
حيث حوادثه العامة لعله من أوضح التواريخ وأسهلها تسجيلاً ،
لأنه من التواريخ القريبة أو المعاصرة التي لا زلنا نعيشها
ونمارس حوادثها .
إلا أن تاريخ هذه الفترة ،
فيما يخص المهدي عليه السلام ، من أشد الغموض والتعقيد ،
وصعوبة الاستنتاج ، لما سنشير إليه من العوامل . فإن الباحث
الذي يطرق هذا الباب سوق يواجه عدداً ضخماً من الأسئلة لا بد
من الجواب عليها ، ليكون البحث بحثاً تاريخياً منظماً واعياً
إسلامياً . وأما مع إهما بعضها أو قسم منها ، فأننا سنواجه
فراغات أو فجوات تاريخية مؤسفة .ومن هنا تكون وظيفة الباحث
تحصيل الجواب على أكثر الأسئلة – على الأقل – ليتم لنا التاريخ
المنظم الكامل الواعي .
فمن الأسئلة التي نواجهها :
التساؤل عن مكان الإمام المهدي (ع) في غيبته الكبرى ، وطريقة
حياته ، وأسباب عيشه الاعتيادية ، وهل يواجه الناس ، ومتى
يواجههم ، وماذا يقول لهم ، وما هي سياسته العامة أمام المجتمع
بشكل عام ، وتجاه قواعده الشعبية المؤمنة به ، بشكل عام ،
وتجاه الذين يقابلونه بشكل خاص .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر الحديث وايضاحات
الامتحان الإلهي في داخل هذا الكتاب . (2) الأنفال : 8 / 42
.
صفحة (22)
وكيف يقضي وقته الطويل في خلال
هذه السنين المترامية والقرون المتطاولة .
وهل هو متزوج وله ذرية أم لا ؟
وإذا كان متزوجاً فمن هي زوجته ، وأين هم أولاده ؟ وإذا لم يكن
متزوجاً ، فهل يمكنه الزواج ، ومتى يتزوج ؟
ثم أنه هل من المستطاع تخمين
وقت ظهوره إجمالاً ؟ وما هي العلامات التي نعرف بها قرب وقت
الظهور. وهذه العلامات الواردة في الأخبار ، ما الذي يصح منها
وما الذي لا يصح . وما هو الأسلوب الواعي الذي يمكننا أن نفهم
به من هذه العلامات ... إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة
المتنوعة .
والجواب على عدد من هذه
الأسئلة ، وإن كان ممكناً على ضوء ما وردنا من الأخبار عن
المعصومين عليهم السلام ومن الأخبار التي تضمنت مشاهدة الإمام
عليه السلام . إلا أن عدداً آخر من الأسئلة لم يرد جوابه في
رواية على الإطلاق ، أو ورد جوابه غامضاً مجملاً ، أو بشكل قام
الدليل العقلي أو الشرعي على فساده وبطلانه .
ومن هنا نستطيع أن نلخص عوامل
التعقيد والغموض في هذا البحث في العوامل التالية :
العامل الأول :
ضآلة أو انعدام الدليل الصالح
للجواب على بعض الأسئلة ، كما أشرنا ، كالإشارة إلى مكانه أو
طريقة حياته أو تحديد سياسيته العامة تجاه الآخرين ... كما
سنسمع .
العامل الثاني :
إن بعض ما وردنا من الأخبار ،
قام الدليل على بطلانها ، واقتضت القواعد العقلية أو الشرعية
بطلانها . وذلك نتيجة لعد العوعي ، والانحراف الذي عاشه بعض
الرواة نتيجة تأثرهم بعوامل الشر السائدة في عصور الغيبة
الكبرى . ومن هنا كان لا بد من أخذ الأخبار بحذر ، والنظر
إليها بمنظار النقد .
العامل الثالث :
إن أغلب بل جميع ما وردنا من
الأخبار مما يصلح تاريخياً لهذه الفترة ، لا نجدها تواجه
المشكلة المطروحة بصراحة أو تعطينا الجواب بوضوح .
صفحة (23)
بل نراها بجميع أساليبها
وحقولها تحيط المهدي (ع) بهالة من القدس والغموض ، بحيث لا
يمكن الكلام المباشر عنه، أو الخوض في حاله . وكأنه لا بد من
إعطاء صورة واحدة من حياة وقسم صغيرة من واقع ، لا يكاد يسمن
من جوع أو يغني عن سؤال .
ومن هنا يضطر الباحث إلى
استشمام ما وراء الحوادث والنظر إلى الدلالات البعيدة ،
ومحاولة إيجاد النظر الجموعي إلى الأخبار وتكوين نظرة عامة
موحدة عن الجميع ، قائمة على أساس صحيح من حيث قواعد الإسلام .
العامل الرابع :
عدم مشاركة المسلمين من
إخواننا العامة في هذا الحقل . فإنهم رووا في ميلاده ورووا في
ظهوره ، إلا أنهم لم ينبسوا ببنت شفة تجاه أخبار الغيبة الكبرى
، ما عدا بعض النوادر من أخبار مشاهدتهم للمهدي خلال هذه
الفترة .
والعذر لهم في ذلك واضح
عقائدياً ، وذلك لأنهم لا يرون وجود المهدي خلال هذه الفترة ،
بل يذهب أكثرهم إلى أن المهدي شخص يولد في وقته المعين عند
الله تعالى ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت ظلماً وجوراً
.
وأما نحن ، فحين نقيم الدليل
على حياته من حيث إمكانها وتحققها ، فينفتح الكلام عن الغيبة
الكبرى سخياً موفراً بما فيها من حقائق وتاريخ . أما هذه
الدليل المشار إليه فهو موكول إلى أجزاء آتية من هذه الموسوعة
. وأما التاريخ فهو مما يتكلفه هذا الكتاب .
ويكاد الكلام أن ينحصر فيما
ورد من طرق الإمامية من الأخبار ، فيكون عددها – ولا شك – أقل
بكثير مما لو شاركت أخبار العامة بإمدادها نصاً أو معنى .
إلا أن ذلك مما لا يكاد يخل
بغرضنا من هذا البحث ، فإن الغرض الأساسي منه هو إثبات الفكرة
الكاملة عن الإمام المهدي (ع) كما تعتقدها قواعده الشعبية ،
وكما تقتضيها قواعد العقل والإسلام ، خالية من الزوائد
والخرافات والانحرافات . ليرى منكروها – من أي صنف كانوا من
البشر – مقدار ما في الفكرة الإمامية عن المهدي من عدالة ووعي
إسلاميين .
ومعه ، فينبغي الاقتصار على ما
ورد في طرقنا من أخبار وعلى ألسنة مؤرخينا من كلام ، حتى تبرز
الصورة المطلوبة من خلال ذلك ، دون زيادة أو تحريف .مع ضم
القليل مما ورد من أخبار العامة صالحاً لتاريخ هذه الفترة،
فأنه يكون أيضاً محطاً للاستدلال والاعتماد، عندما نخرج بصحته
بعد التمحيص .
صفحة (24)
تذليل هذه المصاعب :
يكون تذليل الصعوبات المنهجية
الناتجة عن هذه العوامل ، باتخاذ منهج معين وقاعدة عامة يمكن
تطبيقها والاستفادة منها في جميع الموارد ، وتحصيل الجواب
الشافي عن كل سؤال على أساسها .
وملخص المنهج الذي سنسير عليه
، هو : إن السؤال المُثار تاريخياً ، له صورتان . إحداهما : أن
يوجد في الأخبار ما يصلح أن يكون جواباً عنه . وثانيتهما : أن
لا يوجد في الأخبار شيء من ذلك . ويقع الحديث عن كل من
الصورتين مستقلاً :
الصورة الأولى :
ما إذا كان الجواب على السؤال
التاريخي ، موجوداً في الأخبار . ففي مثل ذلك لا بد من النظر
الفاحص الناقد الممحص ، وعرضه على القواعد العامة العقلية
والشرعية . وحينئذ ، فلا يخلو أمره : أما أن ينسجم معها أو لا
ينسجم . وعلى كلا التقديرين فأما أن يوجد له معارض من الأخبار
أو لا يوجد . إذن يكون للجواب عدة حالات .
الحالة الأولى :
أن يكون مضمون الخبر أو العدد
من الأخبار ، الصالح لتذليل المشكلة التاريخية ، منسجماً مع
القواعد العامة العقلية والشرعية ولا يكون له معارض . فنأخذ به
ونسير عليه . ولا إشكال في ذلك .
ونقصد بالانسجام مع القواعد ،
مجرد عدم التنافي بين مضمون الخبر وبينها . بمعنى أنه لا توجد
قاعدة عامة نافية له أو دالة على بطلانه . وأما الانسجام بمعنى
الاتفاق معها في المضمون ، فهو غير محتمل ، لأن شأن القواعد
العامة عدم التعرض إلى الموارد الخاصة والخصائص التفصيلية .
فتبقى درجة إثبات الخبر لمضمونه بمقدار ما له من قوة إثبات
واعتبار ووثاقة في الراوي وترابط في المدلول ، وعدد في النقول
التاريخية ووجود الشواهد والقرائن على صحتها . ونحو ذلك . ولا
بد – على هذا المستوى – من جمع الأخبار ، والنظر إلى موارد
اتفاقها واختلافها ، وما تستقل ببيانه بعض الأخبار دون بعض ،
لكي يستنتج من ذلك نظرية متكاملة تدل عليها سائر الأخبار ولا
ينافيها شيء منها. لكي تصلح أن تكون هذه الأطروحة أو النظرية
جواباً شافياً عن السؤال التاريخي أوالمشكلة المطروحة .
صفحة (25)
الحالة الثانية :
أن يكون مضمون الخبر ، خالياً
عن المعارض ، إلا أنه معارض مع القواعد العامة العقلية أو
الشرعية . ومن المعلوم – في مثل ذلك – لزوم طرحه وعدم الأخذ به
.
إلا أننا نود أن نشير إلى أن
الساقط من الخبر يكون محدداً بحدود المدلول الباطل ، دون غيره
. فلو احتوت رواية واحدة على مضمون باطل ومضمون صحيح ، أخذنا
بالصحيح ورفضنا الباطل ، ولا يستدعي رفض بعضها رفض الجميع .
وعلى أي حال ، فلو سقط مضمون الخبر ، ولم يصلح لحل المشكلة ،
ولم يكن غيره موجوداً ، كان المورد – في الحقيقة – خالياً عن
الإثبات التاريخي ، فيندرج في الصورة الثانية الآتية :
الحالة الثالثة :
أن يكون مضمون الخبر معارضاً
بمثله ، فكان لدينا على السؤال التاريخي جوابان متعارضان في
الأخبار . فأي من الجوابين أو الخبرين نقدم ؟ هذا له عدة أشكال
:
الشكل الأول :
أن يكون أحد الخبرين منسجماً
مع القواعد العامة دون الآخر . فنأخذ بالمنسجم بطبيعة الحال ،
وندع الآخر، لأن انسجام الخبر مع القواعد يكون مرجحاً له في
مورد التعارض .
الشكل الثاني :
أن يكون كلا الخبرين
المتعارضين غير منسجمين مع القواعد العامة ، فيتعين طرحهما
معاً ، ويبقى السؤال خالياً عن الجواب ، فيندرج في الصورة
الثانية الآتية .
صفحة (26)
الشكل الثالث :
أن يكون كلاهما منسجمين مع
القواعد العامة ، أي أنها لا تنافي أياً منهما . ففي مثل ذلك
لا بد من الرجوع إلى القرائن الخاصة للترجيح ، ككثرة الأخبار
في أحد الجانبين أو اعتضاده بنقول أخرى ، ونحو ذلك ، وإن لم
توجد مثل هذه القرائن فلا بد من الالتزام بتساقط المضمونين .
فيكون المورد كأنه خال عن الخبر يعجز كل منهما عن الإثبات
التاريخي. فيندرج السؤال في الصورة الثانية الآتية . ونكرر هنا
أيضاً ،أن سقوط بعض مداليل الخبر نتيجة للتعارض، غير موجب
لسقوط جميع ما دلت عليه من مضامين .
الصورة الثانية :
ما إذا كان المورد خالياً عن
الجواب في الأخبار بالمرة ، أو كان الخبر الدال على وجوبه
ساقطاً عاجزاً عن الإثبات، لفساده بحسب القواعد العامة أو
نتيجة للتعارض ، بالنحو الذي أوضحناه في الصورة الأولى .
وفي مثل ذلك يبقى المورد
خالياً عن الجواب ، ويمكن اعتباره فجوة تاريخية مؤسفة بالنسبة
إلى الأخبار . وينحصر تحصيل الجواب عليه من القواعد العامة
والقرائن المربوطة بالمورد . ثم نصوغ للجواب (أطروحة) معينة
محتملة الصدق ، ونقيم من هذه القواعد والقرائن مؤيدات لها .
فيتعين الأخذ بهذه الأطروحة بصفتها الحل الوحيد للمشكلة .
فكرة عن مباحث الكتاب :
إذا اتضح هذا المنهج وصح ،
يكون في الإمكان أن ندخل في تفاصيل تاريخ الغيبة الكبرى ،
مقسمين البحث إلى أقسام ثلاثة :
القسم الأول :
في تاريخ شخص الإمام المهدي
(ع) خلال هذه الفترة ، وما يتصف به من خصائص وصفات .
القسم الثاني :
في سرد الحوادث والصفات التي
تكون للإنسانية عامة وللمجتمع المسلم خاصة ، بحسب ما ورد في
الأخبار ، وما تقتضيه القواعد العامة .
صفحة (27)
القسم الثالث :
في علائم الظهور الواردة في
الأخبار ومحاولة فهمها فهماً واعياً منظماً ، على ضوء المنهج
السابق .
وهنا لا بد أن نشير إلى تعذر
ما كنا عملناه في تاريخ الغيبة الصغرى من إعطاء فكرة عن
التاريخ العام للفترة التي نعرض لها قبل التكلم من تاريخها
الخاص المقصود . فإن فترة الغيبة الصغرى حيث كانت محدودة أمكن
ضبط تاريخها العام ، في فصل معين . وأما تفرة الغيبة الكبرى ،
فتنقسم إلى مستقبل وإلى ماضٍ ، بالنسبة إلى عصرنا الحاضر . أما
المستقبل فلا يعلمه إلا الله عز وجل . وأما الماضي فلو استع
المجال لضبط تاريخ طوله حوالي ألف ومئة سنة ، لأمكن أن نتصدى
لذلك إلا أن ذلك خارج عن طوق البحث الفردي ، مهما زاد واتسع .
فضلاً عن المبني على اختصار . على أن للفرد المثقف الاعتيادي
فكرة كافية عن التاريخ الحديث في الألف سنة المعاصرة . وهي وإن
كانت فكرة مختصرة إلا أنها كافية في التقديم لهذا البحث ، ولا
تحتاج إلى أكثر من ذلك لندرة ارتباط التاريخ الخاص بالمهدي (ع)
خلال هذه الفترة بالحوادث العامة . بخلاف ما كان عليه الحال في
زمن الأئمة المعصومين (ع) والغيبة الصغرى من زيادة الارتباط .
صفحة (28)
القسم الأول
تاريخ شخص الإمام المهدي
من حيث مكانه ومعيشته وتكليفه
الشرعي بحفظ الشريعة الإسلامية ،
ولقائه مع الناس وقضائه
لحوائجهم ، والكلام عن ذريتهم ، وغير ذلك .
والكلام حول ذلك يقع ضمن فصول
متعددة .
صفحة (29)
الفصل الأول
في السر الأساسي لغيبة المهدي
(ع)
ونريد به الأسلوب الأساسي الذي
يتبعه عليه السلام في احتجابه عن الناس ونجاته من براثن الظلم
. وبمعرفتنا لهذا الأسلوب ، سيسهل علينا الجواب على عدد كثير
من الأسئلة التي تثار في الفصول الآتية ن إن شاء الله تعالى.
نواجه في باديء الأمر ، في
أسلوب احتجابه أطروحتين أساسيتين :
الأطروحة الأولى : أطروحة خفاء
الشخص :
وهي الأطروحة التقليدية
المتعارفة المركوزة في ذهن عدد من الناس ، وتدل عليه ظواهر بعض
الأدلة على ما سنسمع . وهي أن المهدي (ع) يختلفي جسمه عن
الأنظار ، فهو يرى الناس ولا يرونه ، وبالرغم من أنه قد يكون
موجوداً في مكان إلا أنه يُرى المكان خالياً منه .
أخرج الصدوق في إكمال الدين(1)
بإسناده عن الريان بن الصلت ، قال : سمعته يقول : سئل أبو
الحسن الرضا (ع) عن القائم (ع) ، فقال : لا يرى جسمه ولا يسمى
باسمه .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر الأخبار الثلاثة في
المصدر المخطوط .
صفحة (31)
وأخرج بإسناده عن الصادق جعفر
بن محمد (ع) في حديث : قال : الخامس من ولد السابع يغيب عنكم
شخصه ولا يحل لكم تسميته . وأخرج أيضاً بإسناده عن عبيد بن
زرارة قال سمعت أبا عبدالله (ع) يقول :
يفقد الناس أمامهم فيشهد
الموسم فيراهم ولا يرونه .
وهذه الأطروحة هي أسهل افتراض
عملي لاحتجاب الإمام المهدي (ع) عن الناس ونجاته من ظلم
الظالمين. فإنه في اختفائه هذا يكون في مأمن قطعي حقيقي من أي
مطاردة أو تنكيل ، حيثما كان على وجه البسيطة.
وهذا الاختفاء يتم عن طريق
الإعجاز الإلهي ، كما تم طول عمره لمدى السنين المتطاولة
بالإعجاز أيضاً . وكان كلا الأمرين لأجل حفظ الإمام المهدي (ع)
عن الموت والأخطار ، لكي يقوم بالمسؤولية الإسلامية الكبرى في
اليوم الموعود .
ونحن نعلم بالدليل القطعي في
الإسلام أهمية هذا اليوم الموعود عند الله عز وجل وعند رسوله ،
فإنه اليوم الذي يتحقق به الغرض الأساسي من خلق البشرية ، على
ما سنعرف ، وتتنفذ به آمال الأنبياء والمرسلين، وتتكلل جهودهم
بالنجاح ، بوجود المجتمع العادل وإنجاز دولة الحق . كما أننا
نبرهن(1) على أن الأهداف الإلهية المهمة ، إذا توقف وجودها على
المعجزة ، فإن الله تعالى يوجدها لا محالة لا محالة ، من أجل
تحقيق ذلك الهدف المهم .
وإذا نعتقد – كما هو المفروض
في هذا التاريخ – بولادة الإمام المهدي (ع) المذخور لليوم
الموعود ، يتبرهن لدينا بوضوح كيف ولماذا تعلق الغرض الإلهي
بحفظه وصيانته ، كما تعلق بطول عمره . فإذا كانت صيانته منحصرة
باختفاء شخصه ، لزم على الله عز وجل تنفيذ هذه المعجزة وفاء
بغرضه الكبير .
وتضيف هذه الأطروحة الأولى ،
قائلة : بأن هذا الاحتجاب قد يزول أحياناً ، عندما توجد مصلحة
في زواله: كما لو أراد المهدي (ع) أن يقابل شخصاً من البشر
لأجل أن يقضي له حاجة أو يوجه له توجيهاً أو ينذره إنذاراً .
فإن المقابلة تتوقف على رؤيته ، ولا تتم مع الاختفاء .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر لمعجزة في المفهوم
الإسلامي ، مخطوط للمؤلف .
صفحة (32)
ويكون مقدار ظهوره للناس
محدوداً بحدود المصلحة ، فإن اقتضت أن يظهر للناس ظهوراً تاماً
لكل رائي تحقق ذلك، واستمرت الرؤية بمقدار أداء غرضه من
المقابلة . ثم يحتجب فجأة فلا يراه أحد ، بالرغم من أنه لم
يغادر المكان الذي كان فيه. وإذا اقتضت ظهوره لشخص دون شخص
تعين ذلك أيضاً ، إذ قد يكون انكشافه للآخرين خطراً عليه.
وعلى ذلك تحمل كل أخبار مشاهدة
المهدي (ع) خلال غيبته ، حتى ما كان خلال الغيبة الصغرى ،
وخاصة فيما سمعناه في تاريخ الغيبة الصغرى(1) بأن المهدي (ع)
ظهر لعمه جعفر الكذاب مرتين ، ثم اختفى من دون أن يعلم أين ذهب
. فأنه يعطي أن الاختفاء كان على شكل هذه الأطروحة .
وأما أخبار المشاهدة خلال
الغيبة الكبرى ، فبعضها ظاهر في الدلالة على ذلك ، بل منها ما
هو صريح به . بل أن بعض هذه الأخبار تتوسع ، فتنسب الاختفاء
إلى فرسه الذي يركبه وخادمه الذي يخدمه ، بل حتى الصراف الذي
يحوّل عليه شخصاً لأخد المال(2) .
وأود أن أشير في هذا الصدد إلى
أن هذه الأطروحة في غنى عما نبزه بعض مؤرخي العامة على
المعتقدين بغيبة المهدي (ع) .من أنه نزل إلى السرداب واختفى
فيه ولم يظهر.كما سبق أن ناقشنا ذلك في تاريخ الغيبة
الصغرى(3). وأن أخبار مشاهدة المهدي (ع) في كل من غيبته الصغرى
والكبرى مجمعة على مشاهدته في أماكن أخرى . وعلى أي حال ، فهذه
الأطروحة في غنى عن ذلك ، لوضوح إمكان اختفاء المهدي (ع) بشخصه
في أي مكان ، ولا ينحصر ذلك في السردات بطبيعة الحال .
وسيأتي في الفصول الآتية ، ما
يصلح أن يكون تكملة للتصور المترابط للمهدي (ع) بحسب هذه
الأطروحة.
الأطروحة الثانية : أطروحة
خفاء العنوان :
ونريد به أن الناس يرون الإمام
المهدي (ع) بشخصه بدون أن يكونوا عارفين أو ملتفتين إلى حقيقته
.
ــــــــــــــــــ
(1) انظر ص 314 . (2) انظر
النجم الثاقب ، ص 351 . (3) المصدر ، ص 563
صفحة (33)
فإننا سبق أن عرفنا من تاريخ
الغيبة الصغرى ، أن المهدي (ع) رباه أبوه محتجباً عن الناس ،
إلا القليل من الخاصة الذين أراد أن يطلعهم على وجوده ويثبت
لهم إمامته بعده . ثم ازداد المهدي (ع) احتجاباً بعد وفاة أبيه
وأصبح لا يكاد يتصل بالناس إلا عن طريق سفرائه الأربعة . غير
عدد من الخاصة المأمونين الذين كانوا باحثين عن الخلف بعد
الإمام العسكري عليه السلام ، كعلي بن مهزيار الأهوازي وغيره .
وكان المهدي (ع) يؤكد عليهم في كل مرة الأمر بالكتمان والحذر .
وكلما تقدمت السنين في الغيبة
الصغرى ، وتقدمت الأجيال ، قلّ الذين عاصروا الإمام العسكري
عليه السلام وشاهدوا ابنه المهدي (ع) ، حتى انقرضوا . ووجدت
أجيال جديدة لا تعلم من أسلوب اتصالها بالإمام (ع) إلا الاتصال
بسفيره ،على أفضل التقادير. وكان هذا الجيل – بشكل عام –
جاهلاً بالكلية بسحنة وشكل إمامه المهدي (ع) ، بحيث لو واجهوا
لما عرفوه البتة إلا بإقامته دلالة قطعية على شخصيته .
ومن هنا تيسر له – كما علمنا
في ذلك التاريخ – فرصة السفر إلى مختلف أنحاء البلاد كمكة ومصر
، من دون أن يكون ملفتاً لنظر أحد .
وهذا ما نعنيه من خفاء العنوان
. فإن أي شخص يراه يكون غافلاً بالمرة عن كونه هو الإمام
المهدي (ع). وإنما يرى فيه شخصاً عادياً كسائر الناس لا يلفت
النظر على الإطلاق .
ويمكن للمهدي (ع) أن يعيش في
أي مكان يختاره وفي أي بلد يفضله سنين متطاولة ، من دون أن
يلفت إلى حقيقته نظر أحد . وتكون حياته في تلك الفترة كحياة أي
شخص آخر يكتسب عيشه من بعض الأعمال الحرة كالتجارة أو الزراعة
أو غيرها . ويبقى على حاله هذه في مدينة واحدة أو عدة مدن ،
حتى يأذن الله تعالى له بالفرج . ويمكن الاستدلال على هذه
الأطروحة ، انطلاقاً من زاويتين :
الزاوية الأولى :
الأخبار الواردة بهذا الصدد
منها : ما أخرجه الشيخ الطوسي في الغيبة(1) عن السفير الثاني
الشيخ محمد عن عثمان العمري أنه قال : والله إن صاحب هذا الأمر
ليحضر الموسم كل سنة يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه .
والمقصود بصاحب هذا الأمر :
الإمام المهدي (ع) ، والمراد بالموسم موسم الحج . والرواية
واضحة الدلالة على عدم اختفاء الشخص ومقترنة بالقسم بالله
تعالى تأكيداً . وصادرة من سفير المهدي (ع) وهو أكثر الناس
اطلاعاً على حاله .
ومنها : ما ورد عن السفير من
قوله حول السؤال عن اسم الإمام المهدي (ع) : وإذا وقع الاسم
وقع الطلب(2) .
فإنه ليس في طلب الحكام للمهدي
(ع) ومطاردتهم له ، أي خطر ولا أي تأثير ، لو كانت الأطروحة
الأولى صادقة وكان جسم المهدي (ع) مختفياً ، إذ يستحيل عليهم
الوصول إليه . وإنما يبدأ الخطر والنهي عن الاسم تجنباً
للمطاردة طبقاً للأطروحة الثانية . فأنه ما دام عنوان المهدي
(ع) واسمه مجهولين ، يكون في مأمن عن المطاردة، وأما إذا "وقع
الاسم" وعرف العنوان ، لا يكون هذا الأمن متحققاً ويكون احتمال
المطاردة قوياً .
ومنها : ما ورد من التوقيع
الذي خرج من المهدي (ع) إلى سفيره محمد بن عثمان رضي الله عنه
يقول فيه : فإنهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه ، وإن وقفوا على
المكان دلّوا عليه(3) .
فإنه لو صدقت الأطروحة الأولى
لم يكن رؤية المهدي (ع) في أي مكان على الإطلاق ، ولم يكن في
الدلالة على أي مكان خطر أصلاً . وإنما يكون الخطر موجوداً
طبقاً للأطروحة الثانية .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر المصدر ص 221 . (2)
نفس المصدر ، ص 219 . (3) المصدر ، ص 222 .
صفحة (35)
ومنها : ما قاله أبو سهل
النوبختي حين سئل فقيل له : كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي
القاسم الحسين بن روح دونك ، فقال : هم أعلم وما اختاروه .
ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم . ولو علمت بمكانه كما علم
أبو القاسم وضغطتني الحجة على مكانه لعلّي كنت أدل على مكانه .
وأبو القاسم فلو كانت الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف
الذيل عنه(1) .
ومن الواضح أنه لا معنى لكل
هذه الاحتياطات والتحفظات مع صحة الأطروحة الأولى أي اختفاء
شخص المهدي عليه السلام . وإنما لا بد من ذلك مع صحة الأطروحة
الثانية ، فإن الدلالة على المكان مستلزم لانكشاف العنوان .
والقائل لهذا الكلام هو أبو سهل النوبختي الذي كان من جلالة
القدر والوثاقة بحيث كان من المحتمل أن يكون هو السفير عن
الإمام (ع) ... ومن هنا سئل في هذه الرواية عن غض النظر عنه
وإبداله بالشيخ ابن روح .
فهذه جملة من الأخبار الدالة
على صحة الأطروحة الثانية ، وبطلان الأولى . إلى أخبار غيرها
لا نطيل الحديث بسردها .
الزاوية الثانية :
قانون المعجزات الذي يقول : إن
المعجزة إنما تحدث عند توقف إقامة الحق عليها ، واما مع عدم
هذا التوقف ، وإمكان إنجاز الأمر بدون المعجزة فإنه لا تحدث
بحال . كما برهنا عليه في محله(2) .
ولا شك أن حفظ الإمام المهدي
(ع) وبقاءه مما يتوقف عليه إقامة الحق بعد ظهوره . فلو توقف
حفظه على إقامة المعجزة بإخفائه شخصياً لزم ذلك . إلا أن هذا
غير لازم لما عرفناه من كفاية خفاء العنوان في إنجاز الغرض
المطلوب وهو حفظه من كيد الأعداء . وسنذكر فيما يلي بعض
الإيضاحات لذلك . ومن هنا تكون معجزة اختفائه بلا موضوع ،
ويتعين الأخذ بالأطروحة الثانية .
ومن أجل تنظيم هذه الأطروحة
فكرياً وبرهانياً ، لا بد من الجواب عليها .
ــــــــــــــــــ
(1) المصدر ، ص 240 . (2)
انظر المعجزة في المفهوم الإسلامي ، المخطوط .
صفحة (36)
السؤال الأول :
إذا كان المهدي (ع) ظاهراً
بشخصه للناس ، وهم لا يعرفونه ، فكيف لا يلتفتون إليه طوال
السنين ، وهم يرونه باقياً لا يموت ، على حيث يموت غيره من
الناس .
وفي هذا السؤال غفلة عن
الأسلوب الذي يمكن للمهدي (ع) أن يتخذه تلافياً لهذا المحذور .
فإنه لو عاش في مدينة واحدة حقبة طويلة من الزمن لانكشف أمره
لا محالة . ولكنه – بطبيعة الحال – لا يعمل ذلك ، بل يقضي في
كل مدينة أو منطقة ، عدداً من السنين تكون كافية لبقاء غفلة
الناس عن حقيقته .
فلو كان يقضي في كل مدينة من
العالم الإسلامي خمسين عاماً ، لكان الآن قد أكمل سكنى اثنتين
وعشرين مدينة . وتوجد في العالم الإسلامي أضعاف ذلك من المدن
التي يمكن للمهدي (ع) أن يسكنها تباعاً . كما يمكن أن يعود إلى
نفس المدينة التي سكن بها ، بعد مضي جيلين أو أكثر وانقراض من
كان يعرف شخصه من الناس .
ومن البسيط جداً ألا ينتبه
الناس إلى عمره خلال السنوات التي يقضيها في بلدتهم . فإن هناك
نوعاً من الناس ، نصادف منهم العدد غير القليل ، تكون سحنتهم
ثابتة التقاطيع على مر السنين . فلو فرضنا – في الأطروحة – كون
المهدي (ع) على هذا الغرار ، لم يكن ليثير العجب بين الناس ،
بعد أن يكونوا قد شاهدوا عدداً غير قليل من هذا القبيل .
ثم حين يمر الزمان الطويل ،
الذي يكون وجود المهدي (ع) فيه ملفتاً للنظر ومثيراً للانتباه
، يكون المهدي (ع) قد غادر هذه المدينة بطريق اعتيادي جداً إلى
مدينة أخرى ليسكن فيها حقبة من السنين . وهكذا .
السؤال الثاني :
أنه كيف تتم المقابلة مع
الإمام (ع) ، على الشكل الوارد في أخبار المقابلة ؟ وكيف يختفي
الإمام بعدها ؟
أما حدوث المقابلة ، ففي غاية
البساطة ، فإنه عليه السلام إذ يى المصلحة في مقابلة شخص ،
فإنه يكشف له عن حقيقته إما بالصراحة ، أو بالدلائل التي تدل
عليه في النتيجة ، لكي يعرف الفرد أن الذي رآه هو المهدي (ع)
ولو بعد حين .
صفحة (37)
والمهدي (ع) يحتاج في إثبات
حقيقته لأي فرد إلى دليل ، لجهل الناس جهلاً مطلقاً بذلك . وهو
يعبّر عن معجزة يقيمها الإمام (ع) في سبيل ذلك ، وهذه المعجزه
تقوم في طريق إثبات الحجة على المكلفين ، فتكون ممكنة وصحيحة ،
وهي طريق منحصر لإثبات ذلك ، كما هو واضح ، إذ بدونها يحتمل أن
لا يكون هو المهدي (ع) على أي حال .
والغالب في أخبار المشاهدة أن
الفرد لا ينتبه إلى حقيقة المهدي (ع) إلا بعد فراقه ، ومضي شيء
من الزمان . لأن الفرد لا يستطيع أن يشخّص أن ما قام به المهدي
(ع) أو ما قاله هو من المعجزات الخاصة به ، إلا بعد مفارقته
بمدة . وبذلك يضمن المهدي (ع) خلاصه من الاطلاع الصريح المباشر
على حقيقته في أثناء المقابلة ، فتندفع عنه عدة مضاعفات محتملة
.
وأما أن كيف يختفي المهدي (ع)
بعد انتهاء المقابلة ، فذلك أطروحتان ، من الممكن له تطبيق أي
منهما .
الأولى : الاختفاء الشخصي
الإعجازي . فيما إذا انحصر طريق التخلص به ، فيكون مطابقاً مع
قانون المعجزات .
الثانية : وهي المتحققة على
الأغلب في ظروف اللقاء المنقولة لنا في أخبار المشاهدة ، سواء
ما وقع منها في عصر الغيبة الصغرى أو ما يقع في الغيبة الكبرى
. وهو الاختفاء بطريق طبيعي ، لعدم انحصار التخلص بالمعجزة. بل
كان المهدي (ع) يزجي هذا الأمر بنحو عادي جداً غير ملفت للنظر
. كما لو أصبح رفيقاً في السفر مع بعض الأشخاص ثم يفارقه(1) أو
يبقى المهدي (ع) في مكانه ويسافر عنه الشخص الآخر(2) . أو أن
المهدي يوصل شخصاً إلى مأمنه من متاهة وقع فيها ثم يرجع .
ولايلتفت ذلك الشخص إلى حقيقة منقذه إلا بعد ذهابه(3) . ويكون
لغفلته هذه الأثر الكبير في سهولة وسرعة اختفاء المهدي عنه .
ومع إمكان الاختفاء الطبيعي ، يكون الاختفاء الإعجازي بلا
موضوع .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر الغيبة للشيخ الطوسي
، ص 181 . (2) انظر النجم الثاقب ، ص 306 . (3) انظر
المصدر ، ص 341 وغيرها .
صفحة (38)
ويستطيع المهدي (ع) أن يخطط
بمقابلته نحواً من الأسلوب ، ينتج غفلة الرائي عن كونه هو
المهدي (ع) في أثناء المقابلة . وإنما يتوصل إلى الالتفات إلى
ذلك بعدها . ويقيم دلائله بحيث لا تكون ملفته للنظر أثناء
وقوعها ، وإنما يحتاج الالتفاف إليها إلى شيء من الحساب
والتفكير ، لا يتوفر – عادة – إلى بعد اختفاء المهدي . وهذا هو
الديدن الذي يطبقه الإمام (ع) في أغلب المقابلات .
وهذا التخطيط المسبق الذي يقوم
به المهدي (ع) يغنيه عن التفكير في طريقة الاختفاء عند
المقابلة . وإن كان لا يعدم – بغض النظر عن الاختفاء الإعجازي
– مثل هذه الطريقة . ولئن كنا نرى في كل زمانأشخاصاً عارفين
بطرق الاختفاء السريع ، لمختلف الأغراض ، كالبحث عن المجرمين
أو الهرب من العقاب . أو عن مقابلة الدائن ، أو غير ذلك ...
فكيف بالإمام المهدي (ع) صاحب القابليات غير المحدودة الذي
يستطيع بها أن يحكم العالم كله ، والعد لذلك من الله تعالى
إعداداً خاصاً .
السؤال الثالث :
إن من يرى المهدي (ع) ، فسوف
يعرفه بشخصه ، وسيعرفه كلما رآه . وهو ما يؤدي بالمهدي (ع)
تدريجاً إلى انكشاف أمره وانتقاء غيبته المتمثلة بخفاء عنوانه
والجهل بحقيقته . إذ من المحتمل للرائي أن يخبر الآخرين بذلك،
فيعرفون حقيقته وينكشف أمره .
ويمكن الانطلاق إلى الجواب على
مستويات ثلاثة :
المستوى الأول :
إن الفرد الذي يحظى بمقابلة
المهدي (ع) لن يكون إلا من خاصة المؤمنين المتكاملين في
الإخلاص – على الأغلب – ومثل هذا الفرد يكون مأموناً على إمامه
(ع) من النقل إلى الآخرين . فإن الناس لا يعلمون من هذا الشخص
أنه رأى المهدي وعرفه ، وله الحرية في أن يقول ذلك أو أن يستره
، أو أن يبدي بعض الحادث ويخفي البعض الآخر ، بالمقدار الذي
يحقق به مصلحة الغيبة والستر على الإمام الغائب عليه السلام .
صفحة (39)
المستوى الثاني :
إذا لم يكن الرائي مأموناً ،
فيما إذا اقتضت المصلحة مقابلته ، فقد يكون بعيد المزار جداً ،
ويكون المهدي (ع) عالماً سلفاً بأنه لن يصادفه في مدينته أو في
الأماكن التي يطرقها طيلة حياته . ومعه فيكون الخطر المشار
إليه في السؤال غير ذي موضوع .
المستوى الثالث :
إذا كان الرائي قريباً في
مكانه من المنطق التي يسكنها المهدي (ع) ولم يكن مأموناً ،
فإنه يحتاج المهدي إلى تخطيط معين لتفادي الخطر المذكور .
ولعل أوضح تخطيط وأقربه إلى
الأذهانهو أن يغير زيه الذي يعيش به عادة بين الناس ليقابل
الفرد المطلوب بزي جديد . ومن هنا نرى الإمام المهدي (ع) – على
ما دلت عليه الروايات – يقابل الناس بأزياء مختلفة . ففي عدد
من المرات يكون مرتدياً عقالاً وراكباً جملاً أو فرساً . وفي
مرة على شكل فلاح يحمل المنجل ، وأخرى على شكل رجل من رجال
الدين العلويين(1) . وهذا أحسن ضمان لعدم التفات الناس إلى
شخصيته المتمثلة بزيه العادي .
على أن المقابلات تقترن في
جملة من الأحيان ، بأشكال من الضرورة والحرج عند الفرد ، وهي
الضرورة التي يريد المهدي (ع) إزالتها ، على ما سنسمع ، ومثل
هذا الفرد يصعب عليه ، وهو في حالته تلك تمييز سحنة الإمام (ع)
بشكل يستطيع أن يشخصه بعد ذلك ، خاصة وهو في زيه التنكري .
وهناك أساليب أخرى ، يمكن
اتخاذها في هذا الصدد ، لا ينبغي أن نطيل بها الحديث .
ولو فرض أنه احتاج الأمر
وانحصر حفظ الإمام عليه السلام بالإعجاز بطريق الاختفاء الشخصي
، لو قابله الفرد الرائي مرة ثانية ، لكان ذلك ضرورياً
ومتعيناً . أو تكون المعجزة على شكل نسيان الرائي لسحنة الإمام
(ع) بعد المقابلة .
ــــــــــــــــــ
(1) راجع ذلك في النجم الثاقب
في عدد من مواضيع الكتاب .
صفحة (40)
فهذه ثلاثة أسئلة مع أجوبتها
تضع الملامح الرئيسية على أطروحة خفاء العنوان . وسيأتي لها
العديد من الإيضاحات والتطبيقات في الفصول الآتية .
وعرفنا أيضاً كيف تتبرهن هذه
الأطروحة في مقابل الأطورحة الأولى ، من حيث أن باستطاعة
الإمام المهدي (ع) أن يحتجب عن الناس بكشل طبيعي لا إعجاز فيه
، ما لم يتوقف احتجابه على الإعجاز ، طبقاً لقانون المعجزات .
وإذا تمّ ذلك يكون الالتزام باختفائه الشخصي الدائم ، بالمعجزة
، منفياً بهذا القانون ، وينبغي تأويل أو نفي كل خبر دال عليه
.
كما أن هذه الأطروحة الثانية ،
هي التي تنسجم مع التصورات العامة التي اتخذناها في فهم
الأسلوب العام لحياة الإمام المهدي (ع) في غيبته الصغرى .
ونود أن نشير في خاتمة هذه
الأطروحة إلى نقاط ثلاث :
النقطة الأولى :
أننا إذ نعرف أن المهدي (ع)
متى استطاع الاحتجاب بشكل طبيعي ، فإن المعجزة لا تساهم في
احتجابه ... لا نستطيع – على البعد – مقتضيات الظروف والأحوال
التي يمر بها المهدي (ع) في كل مقابلة . وهل كان بإمكانه أن
يختفي بشكل طبيعي ، أو يتعين عليه الاختفاء الإعجازي .
فمثلاً : إن لاختفائه بعد
مقابلته لجعفر الكذاب مرتين ، احتمالين ، هما اختفاؤه الشخصي
أو اختفاؤه الطبيعي ، بحسب الظروف التي كان يعيشها المهدي (ع)
يومئذ . وأما بدء هذه المقابلة فلا حاجة إلى افتراض كونه
إعجازياً ، بأي حال ، كما ذهب إليه رونلدسن(1) ، بل يمكن أن
يكون طبيعياً اعتيادياً .
وعلى أي حال ، فبعض الروايات ،
يمكنها أن تعطينا الظرف الذي تنتهي به المقابلة . حيث يتضح من
بعضها إمكان الاحتجاب الطبيعي ، كما سبق أن مثلنا .بينما يتضح
من بعضها تعيّن الاحتجاب الإعجازي أحياناً ، كما ستسمع في
مستقبل هذا التاريخ .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر عقيدة الشيعة ، ص 237
.
صفحة (41)
النقطة الثانية :
في الإلماع إلى الأنحاء
المتصور لما يحصل بالمعجزة من أثر يوجب اختفاء الجسم على
الناظر ، بالرغم من اقتضاء القوانين الكونية لحصول الرؤية .
فنقول : إن المعجزة أما أن
تتصرف في الرائي أو في المرئي . فتصرفها في الرائي هو جعله
بنحو يعجز عن إدراك الواقع الذي أمامه . فيرى المكان خالياً عن
الإمام المهدي (ع) مع أنه موجود فيه بالفعل . فلو تعين بحسب
المصلحة الملزمة والغرض الإلهي ، أن يراه شخص دون شخص ، كان
نظر من يراه اعتيادياً، ونظر من لا يراه محجوباً بالمعجزة .
وكذلك أيضاً التصرف في الحواس الأخرى كالسمع واللمس وغيرها ،
وقد تحتجب بعض حواس الفرد دون بعض ، فيسمع صوت المهدي (ع) من
دون أن يراه(1) .
وفرق الأطروحتين الرئيسيتين
بالنسبة إلى الإعجاز الإلهي هو : أن الأطروحة الأولى ترى أن
هذا الإعجاز هو الأمر الاعتيادي الدائم والثابت لكل الناس ،
بالنسبة إلى حياة المهدي (ع) حال غيبته الكبرى . وإنما تحتاج
مقابلته إلى استثناء عن هذا الدوام . على حين ترى الأطروحة
الثانية أن الأمر الاعتيادي الدائم هو انكشاف جسم المهدي (ع)
للناس وإمكان معاشرته معهم . ويحتاج اختفاء شخصه إلى استثناء
لا يحدث إلا عند توقف حفظ الإمام المهدي (ع) عليه . وأما تصرف
المعجزة في المرئي أي الواقع الموضوعي القابل للرؤية . فأوضح
طريق لذلك هو أن تحول المعجزة دون وصول الصورة النورية الصادرة
عن جسم المهدي (ع) أو ذبذباته الصوتية ، وغير ذلك مما تتقبله
الحواس الخمس ... تحول دون وصولها إلى الرائي أو السامع . ومعه
يكون الفرد عاجزاً أيضاً عن الإحساس بالواقع الموضوعي الذي
أمامه . وهناك أكثر من نحو واحد ، متصور للمعجزة في محل الكلام
، وهي تحتاج إلى بحث فلسفي وفيزياوي مطول ، فيكون الأحجى أن
تضرب عنه صفحاً تحاشياً للتطويل .
ــــــــــــــــــ
(1) البحار ، جـ 3 ، ص 146 .
صفحة (42)
النقطة الثالثة :
أنه ساعد الإمام المهدي (ع) في
غيبته عوامل نفسية أربعة متحققة لدى الناس على اختلاف نحلهم
واتجاهاتهم ، مما جعل عليهم من الممتنع التصدي للبحث عنه لأجل
الاستفادة منه أو التنكيل به .
العامل الأول :
الجهل بشكله وهيئة جسمه جهلاً
تاماً . وهو عامل مشترك بين أعدائه ومحبيه .
العامل الثاني :
إنكاره من قبل غير قواعده
الشعبية بما فيهم سائل الحكام الظالمين الذي يمثل المهدي رمز
الثورة عليهم وإزالة نظمهم من الوجود . فهم في إنكارهم له
مرتاحين عن مطاردته ، وهو مرتاح من مطاردتهم .
العامل الثالث :
ارتكاز صحة الأطروحة الأولى
عند عدد من قواعده الشعبية ، أخذاً بظواهر الأخبار التي
سمعناها . إذ مع صحتها لا يكون هناك سبيل إلى معرفته بل يستحيل
الإحساس بوجوده ، إلا عن طريق المعجزه ، وهي لا تتحقق إلا
للأوحدي من الناس .
العامل الرابع :
الإيمان بعناية الله تعالى له
وحفظه ليومه الموعود . فمتى تعلَّقت المصلحة بالمقابلة مع
المهدي (ع) كان هو الذي يريدها . ومتى لم تتعلق بها المصلحة ،
فالأصلح للإسلام والمسلمين ألا تتم المقابلة وإن تحرَّق الفرد
المؤمن إليها شوقاً . ومن هنا يكون الفرد الاعتيادي في حالة
يأس من مقابلته والتعرف إليه .
صفحة (43)